Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٦) - بَابُ جَوازِ تَكْنِيَةٍ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ - حديث رقم (٥٦١٠)
رواية مروان بن معاوية، وإسماعيل بن جعفر كلاهما عن حميد: ((فجاء
يوماً، وقد مات نُغيره))، زاد مروان: ((الذي كان يلعب به))، وزاد إسماعيل:
((فوجده حزيناً، فسأل عنه، فأخبرته، فقال: يا أبا عمير)»، وساقه أحمد عن
يزيد بن هارون، عن حميد بتمامه، وفي رواية حماد بن سلمة المشار إليها:
((فقال: ما شأن أبي عمير حزيناً؟))، وفي رواية ربعي بن عبد الله: ((فجعل
يمسح رأسه، ويقول))، وفي رواية عُمارة بن زاذان: ((فكان يستقبله،
ويقول)). (مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟))) بنون، ومعجمة، وراء، مصغراً، وكَرَّر ذلك في
رواية حماد بن سلمة. (قَالَ) أنس (فَكَانَ) ذلك الصبيّ(١) (يَلْعَبُ بِهِ)؛ أي:
بذلك الثُّغَير، وفي رواية البخاريّ: (نُغَير كان يَلْعب به))، وهو طير صغير،
واحدته نُغْرة، وجَمْعه نِغْران، قاله في ((الفتح))، وقال الفيّوميّ: النُّغَرُ وزانُ
رُطَبٍ، قيل: فرُ العصفور، وقيل: ضرب من العصافير، أحمر المنقار،
وقيل: يسمى البلبل، ويقال: إن أهل المدينة يُسَمُّون البلبل النُّغَرَةَ،
والْحُمْرَةَ، وقيل: يُشبه العصفور، ويصغَّر على نُغَير، والأنثى نُغَرَةٌ، والجمع
نِغْرَانٌ، مثل صُرَدٍ وصِرْدَانٍ. انتهى(٢) .
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): والنُّغَر كصُرَد: البُلْبُل عند أهل المدينة،
أو فِراغُ العصافير، واحدتُه نُغَرَةٌ كهُمَزَة، قيل: الثُّغَر: ضَرْبٌ من الحُمَّر حُمْرُ
المَناقيرِ، وأصولِ الأَحْناكِ، أو ذُكورُها، وقال شَمِرٌ: النُّغَر: فَرْخُ العُصْفورِ،
تراه أبداً ضاوِياً، وقيل: هو من صغار العصافير، جَمْعه: نِغْرانٌ؛ كصُرَدٍ
وصِرْدان، قال الشاعر يَصِفُ كَرْمًاً:
يَحْمِلْنَ أَزْقَاقَ المُدام كأنَّما يَحْمِلْنَها بأظافِرِ النِّغْرانِ
وبتصغيرِها جاءَ الحَديثُ: ((أنّ النبيّ ◌َّه قال لبُنَيِّ كان لأبي طَلْحَة
(١) وأما قول بعضهم كما في شرح الأبيّ: إن هذا الكلام - أي: قوله: ((وكان يلعب
به)) يرجع إلى النبيّ ◌َليزر؛ أي: يمازحه، ويسمى المزاح لعباً، كما جاء في الآخر:
(مازحه))، فقول باطل لا شكّ في بطلانه، بل الصواب أن الكلام للصبيّ؛ أي:
كان ذلك الصبيّ يلعب بذلك النغير، ومما يُبطل الأول رواية البخاريّ: ((نغير كان
يلعب به))، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٥/٢.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
الأنصاريّ، وكان له نُغَرِّ، فماتَ: يا أبا عُمَيْرِ ما فَعَلَ النُّغَيْر؟)). انتهى(١).
وقال الخطابيّ: النُّغَيرُ: طُوير له صوت، قال الحافظ: وفيه نظر؛ فإنه
ورد في بعض طرقه أنه الصَّعْوُ بمهملتين، بوزن العفو، كما في رواية ربعي:
((فقالت أم سليم: ماتت صعوته التي كان يلعب بها، فقال: أي أبا عمير مات
النغير))، فدَلّ على أنهما شيء واحد، والصعو لا يوصف بحسن الصوت، قال
الشاعر [من البسيط]:
كَالصَّغْوِ يَرْتَعُ فِي الرِّيَاضِ وَإِنَّمَا حَبَسَ الْهِزَارَ لأَنَّهُ يَتَرَنَّمُ
قال عياض: النغير طائر معروف، يُشبه العصفور، وقيل: هي فراخ
العصافير، وقيل: هي نوع من الْحُمَّر، بضم المهملة، وتشديد الميم، ثم راء،
قال: والراجح أن النُّغَير طائر أحمر المنقار. انتهى.
وهذا هو الذي جزم به الجوهريّ، وقال صاحب ((العين))، و((المحكم)):
الصعو صغير المنقار، أحمر الرأس، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦١٠/٦] (٢١٥٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب))
(٦١٢٩ و٦٢٠٣)، وفي ((الأدب المفرد)) (٢٦٩)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٤٩٦٩)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٣٣) و((البرّ والصلة)) (١٩٨٩)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٩٠/٦ و٩١)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٣٣٤ -
٣٣٥)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٢٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١/
٢٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٥/١ و٣٠٠/٥)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١١٩/٣ و٢١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٠٨ و٢٥٠٦)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٩٤/٤ و١٩٥)، و(أبو عوانة) في
(١) ((تاج العروس)) ٣٥٥٨/١.
(٢) ((الفتح)) ١٤ /٨١، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٣).

٣٨٣
(٦) - بَابُ جَوازٍ تَكْنِيَةٍ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ - حديث رقم (٥٦١٠)
(مسنده)) (٤٠٧/١ و٧٢/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٧٥/٣)، و(أبو يعلى)
في («مسنده)) (٢٢٢/٥ و٩١/٦)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢١٣/١)،
و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٣٨٢/١ و٣٩٥ و٤١٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٠٣/٥ و٢٤٨/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
قال في ((الفتح)): في هذا الحديث عدّة فوائد، جمعها أبو العباس
أحمد بن أبي أحمد الطبريّ المعروف بابن القاصّ الفقيه الشافعيّ(١)، صاحب
التصانيف، في جزء مفرد بعد أن أخرجه من وجهين عن شعبة، عن أبي التياح،
ومن وجهين عن حميد، عن أنس، ومن طريق محمد بن سيرين، وقد جمعتُ
في هذا الموضع طرقه، وتتبعت ما في رواية كل منهم من فائدة زائدة، وذكر
ابن القاصّ في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون
أشياء لا فائدة فيها، ومَثَّل ذلك بحديث أبي عمير هذا، قال: وما درى أن في
هذا الحديث من وجوه الفقه، وفنون الأدب، والفائدة ستين وجهاً، ثم ساقها
مبسوطة، فلخّصتها مستوفياً مقاصده، ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه،
فقال :
١ - (منها): استحباب التأني في المشي، وزيارة الإخوان، وجواز زيارة
الرجل للمرأة الأجنبية، إذا لم تكن شابّة، وأُمنت الفتنة، وتخصيص الإمام
بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض، ومشيُ الحاكم وحده،
وأن كثرة الزيارة لا تنقص المودة، وأن قوله: ((زُرْ غِبّاً تزدد حُبّا))(٢) مخصوص
بمن يزور لطمع، وأن النهي عن كثرة مخالطة الناس مخصوص بمن يَخشى
الفتنة، أو الضرر.
٢ - (ومنها): مشروعية المصافحة؛ لقول أنس ظ ◌ُبه فيه: ((ما مسست كفّاً
أَلْيَن من كفِّ رسول الله وَ ﴿))، وتخصيص ذلك بالرجل دون المرأة، وأن الذي
(١) هو الإمام الفقيه أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبريّ الشافعيّ المعروف بابن
القاصّ، المتوفى سنة (٣٣٥هـ) تخلّفُ .
(٢) حديث حسن أخرجه الطبرانيّ.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
جاء في صفته ◌َ﴿ أنه كان شَثْن الكفين خاصّ بعَبَالة الجسم، لا بخشونة
اللمس.
٣ - (ومنها): استحباب صلاة الزائر في بيت المزور، ولا سيما إن كان
الزائر ممن يُتبرك به، وجواز الصلاة على الحصير، وترك التقزّز؛ لأنه عَلِم أن
في البيت صغيراً، وصلى مع ذلك في البيت، وجلس فيه.
٤ - (ومنها): أن الأشياء على يقين الطهارة؛ لأن نضحهم البساط إنما
كان للتنظيف.
٥ - (ومنها): أن الاختيار للمصلي أن يقوم على أروح الأحوال،
وأمكنها، خلافاً لمن استحبّ من المشدِّدين في العبادة أن يقوم على أجهدها .
٦ - (ومنها): جواز حَمْل العالم عِلْمه إلى من يستفيده منه، وفضيلة لآل
أبي طلحة، ولبيته؛ إذ صار في بيتهم قِبلة يُقطع بصحتها .
٧ - (ومنها): جواز الممازحة، وتكرير المزح، وأنها إباحة سنّة، لا
رخصة، وأن ممازحة الصبيّ الذي لم يميِّز جائزة، وتكرير زيارة الممزوح معه،
هذا كلام ابن القاصّ تَكَذَتُهُ.
وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: وفيه ما يدل على جواز المزاح مع الصغير، لكن إذا
قال حقّاً، وفيه ما يدلّ على حسن خلق النبيّ وَّه ولطافة معاشرته، وألفاظه،
ومنها: قوله لابن عمر: (يا بُنَيّ))، وكذلك قوله للمغيرة: ((أي بُنَّيّ))، فإنَّه نزّله
منزلة ابنه الصغير في الرحمة، والرفق، والشفقة. انتهى(١).
٨ - (ومنها): ترك التكبر، والترفع، والفرق بين كون الكبير في الطريق،
فيتواقر، أو في البيت فيمزح، وأن الذي ورد في صفة المنافق أن سِرّه يخالف
علانيته ليس على عمومه.
٩ - (ومنها): الحكم على ما يظهر من الأمارات في الوجه، من حُزنه،
أو غيره.
١٠ - (ومنها): جواز الاستدلال بالعين على حال صاحبها؛ إذ استدل وَله
بالحزن الظاهر على الحزن الکامن، حتی حگم بأنه حزین، فسأل أمه عن حزنه.
(١) ((المفهم)) ٥/ ٤٧٢.

٣٨٥
(٦) - بَابُ جَوازٍ تَكْنِيَةٍ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ - حديث رقم (٥٦١٠)
١١ - (ومنها): التلطف بالصَّدِيق صغيراً كان، أو كبيراً، والسؤال عن
حاله، وأن الخبر الوارد في الزجر عن بكاء الصبيّ محمول على ما إذا بكى عن
سبب عامداً، ومن أذى بغير حقّ.
١٢ - (ومنها): قبول خبر الواحد؛ لأن الذي أجاب عن سبب حزن أبي
عمیر کان كذلك.
١٣ - (ومنها): جواز تكنية من لم يولد له، وجواز لعب الصغير بالطير،
وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به، وجواز إنفاق
المال فيما يَتَلَهَّى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص
ونحوه، وقصّ جناح الطير؛ إذ لا يخلو حال طير أبي عمير من واحد منهما،
وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم.
١٤ - (ومنها): جواز إدخال الصيد من الحلّ إلى الحرم، وإمساكه بعد
إدخاله خلافاً لمن منع من إمساكه، وقاسه على من صاد، ثم أحرم، فإنه يجب
عليه الإرسال، هذا كلام ابن القاصّ تَخْذَلُهُ .
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: وقد يَستدلُّ الحنفي بهذا الحديث على جواز صيد
المدينة، وهو قول خالف فيه الجمهور، ونصّ النبيّ وَّ بالنهي عن صيد
المدينة، كما نهى عن صيد مكة، كما قدَّمناه، ولا حجّة فيه؛ إذ ليس فيه ما
يدلُّ على أن ذلك الطير صِيْدَ في حرم المدينة، بل نقول: إنه صِيْدَ في الحلّ،
وأُدخل في الحرم، ويجوز للحلال أن يصيد في الحل، ويدخله في الحرم، ولا
يجوز له أن يصيده في الحرم، فيُفَرَّق بين ابتداء صيده، وبين استصحاب
إمساكه، کما ذكرناه في الحج.
وقال أيضاً: وفيه جواز لعب الصَّبيّ بالطير الصغير، لكن الذي أجاز
العلماء من ذلك أن يُمْسَك له، وأن يلهو بحسنه، وأما تعذيبه، والعبث به فلا
يجوز؛ لأنَّ النبيّ وَ﴿ نَهَى عن تعذيب الحيوان، إلا لمأكلة. انتهى (١).
١٥ - (ومنها): جواز تصغير الاسم، ولو كان لحيوان، وجواز مواجهة
الصغير بالخطاب خلافاً لمن قال: الحكيم لا يواجه بالخطاب إلا من يعقل
(١) ((المفهم)) ٤٧١/٥ - ٤٧٢.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
ويفهم، قال: والصواب الجواز حيث لا يكون هناك طلب جواب، ومن ثَمّ لم
يخاطبه في السؤال عن حاله، بل سأل غيره.
١٦ - (ومنها): معاشرة الناس على قَدْر عقولهم.
١٧ - (ومنها): جواز قيلولة الشخص في بيتٍ غير بيت زوجته، ولو لم
تكن فيه زوجته، ومشروعية القيلولة، وجواز قيلولة الحاكم في بيت بعض
رعيته، ولو كانت امرأة، وجواز دخول الرجل بيت المرأة، وزوجها غائب،
ولو لم يكن مَحْرَماً، إذا انتفت الفتنة.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وجواز دخول الرجل بيت المرأة ...
إلخ)) هذا إذا كان معها مَحْرَم، كما هو الواقع في الحديث، فإن أنساً نَظُه كان
حاضراً عند أمه وقت دخوله وَّلإر، على أن بعضهم حمل ذلك بأن أم سليم ذات
محرم له وَلّ، وبعضهم قال: إنه خصوصيّة له وَ ﴿، وإلا فقد قال وَل ◌َو: ((لا
يخلوَنّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم))، متّفقٌ عليه، وفي ((صحيح ابن حبّان)):
((ألا لا يخلونَّ رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان))، فهذا النهي الصريح يقدَّم
على الاستنباط المذكور، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين.
١٨ - (ومنها): إكرام الزائر، وأن التنعّم الخفيف لا ينافي السُّنَّة، وأن
تشييع المزور الزائر ليس على الوجوب.
١٩ - (ومنها): أن الكبير إذا زار قوماً واسى بينهم، فإنه صافح أنساً،
ومازح أبا عمير، ونام على فراش أم سليم، وصلى بهم في بيتهم، حتى نالوا
كلهم من بركته. انتهى ملخّص كلام ابن القاصّ تَُّ فيما استنبط من فوائد
حديث أنس في قصة أبي عمير.
قال الحافظ: ثم ذكر - يعني: ابن القاصّ - فصلاً في فائدة تتبّع طرق
الحديث، فمن ذلك الخروج من خلافٍ مَنْ شَرَط في قبول الخبر أن تتعدد
طرقه، فقيل: لاثنين، وقيل: لثلاثة، وقيل: الأربعة، وقيل: حتى يستحق اسم
الشهرة، فكان في جَمْع الطرق ما يحصل المقصود لكل أحد غالباً، وفي جمع
الطرق أيضاً، ومعرفة من رواها، وكميتها، العلمُ بمراتب الرواة في الكثرة
والقلة، وفيها الاطلاع على علة الخبر، بانكشاف غلط الغالط، وبيان تدليس
المدِّس، وتوصيل المعنعن، ثم قال: وفيما يسّره الله تعالى من جَمْع طرق هذا

٣٨٧
(٦) - بَابُ جَوازٍ تَكْنِيَةٍ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ - حديث رقم (٥٦١٠)
الحديث، واستنباط فوائده ما يَحْصُل به التمييز بين أهل الفهم في النقل،
وغيرهم، ممن لا يهتدي لتحصيل ذلك، مع أن العين المستنبَط منها واحدة،
ولكن من عجائب اللطيف الخبير أنها تُسْقَى بماء واحد، ونفضّل بعضها على
بعض في الأكل. هذا آخر كلامه ملخصاً.
قال: وقد سبق إلى التنبيه على فوائد قصة أبي عمير بخصوصها من
القدماء أبو حاتم الرازيّ، أحد أئمة الحديث، وشيوخ أصحاب ((السنن))، ثم
تلاه الترمذيّ في ((الشمائل))، ثم تلاه الخطابيّ، وجميع ما ذكروه يقرُب من
عشرة فوائد فقط .
قال: وقد ساق شيخنا - يعني: الحافظ العراقيّ - في ((شرح الترمذيّ)) ما
ذكره ابن القاصّ بتمامه، ثم قال: ومن هذه الأوجه ما هو واضح، ومنها
الخفيّ، ومنها المتعسَّف، قال: والفوائد التي ذكرها آخراً، وأكمل بها الستين
هي من فائدة جَمْع طرق الحديث، لا من خصوص هذا الحديث.
٢٠ - (ومنها): أنه قد بقي من فوائد هذا الحديث أن بعض المالكية،
والخطابيّ من الشافعية استدلُّوا به على أن صيد المدينة لا يحرم.
وتُعُقّب باحتمال ما قاله ابن القاصّ: أنه صِيْد في الحلّ، ثم أُدخل
الحرم، فلذلك أبيح إمساكه، وبهذا أجاب مالك في ((المدونة))، ونقله ابن
المنذر عن أحمد، والكوفيين، ولا يلزم منه أن حرم المدينة لا يحرم صيده،
وأجاب ابن التين بأن ذلك كان قبل تحريم صيد حرم المدينة، وعَكَسه بعض
الحنفية، فقال: قصة أبي عمير تدلّ على نَسخ الخبر الدال على تحريم صيد
المدينة، وكلا القولين متعَقَّب.
وما أجاب به ابن القاصّ من مخاطبة من لا يميِّز: التحقيقُ فيه جواز
مواجهته بالخطاب، إذا فَهِمَ الخطاب، وكان في ذلك فائدة، ولو بالتأنيس له،
وكذا في تعليمه الحكم الشرعيّ عند قَصْد تمرينه عليه من الصِّغر، كما في قصّة
الحسن بن عليّ لَمّا وَضَع التمرة في فيه، قال له ◌َّهِ: ((كِخْ كِخْ، أما علمت أنا لا
نأكل الصدقة؟))، كما تقدَّم بَسْطُه في موضعه، ويجوز أيضاً مطلقاً، إذا كان القصد
بذلك خطاب من حضر، أو استفهامه ممن يعقل، وكثيراً ما يقال للصغير الذي لا
يفهم أصلاً، إذا كان ظاهر الْوَعْك: كيف أنت؟ والمراد سؤال كافله، أو حامله.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
٢١ - (ومنها): أن ابن بطّال ذكر من فوائد هذا الحديث أيضاً استحبابَ
النضح فيما لم يتيقن طهارته.
٢٢ - (ومنها): أن أسماء الأعلام لا يُقصَد معانيها، وأن إطلاقها على
المسمى لا يستلزم الكذب؛ لأن الصبيّ لم يكن أباً، وقد دُعي أبا عمير.
٢٣ - (ومنها): جواز السجع في الكلام، إذا لم يكن متكلَّفاً، وأن ذلك
لا يمتنع من النبيّ ◌َ ◌ّ كما امتنع منه إنشاء الشعر.
٢٤ - (ومنها): إتحاف الزائر بصنيع ما يعرف أنه يعجبه، من مأكول، أو
غيره.
٢٥ - (ومنها): جواز الرواية بالمعنى؛ لأن القصّة واحدة، وقد جاءت
بألفاظ مختلفة.
٢٦ - (ومنها): جواز الاقتصار على بعض الحديث، وجواز الإتيان به
تارةً مطوّلاً، وتارةً ملخّصاً، وجميع ذلك يَحْتَمِل أن يكون من أنس، ويَحْتَمِل
أن يكون ممن بعده، والذي يظهر أن بعض ذلك منه، والكثير منه ممن بعده،
وذلك يظهر من اتّحاد المخارج، واختلافها .
٢٧ - (ومنها): مسح رأس الصغير للملاطفة.
٢٨ - (ومنها): دعاء الشخص بتصغير اسمه عند عدم الإيذاء.
٢٩ - (ومنها): جواز السؤال عما السائل به عالم؛ لقوله: ما فَعَل النُّغَير؟
بعد علمه بأنه مات.
٣٠ - (ومنها): إكرام أقارب الخادم، وإظهار المحبة لهم؛ لأن جميع ما
ذُكر من صنيع النبيّ وَ﴾ مع أم سليم، وذويها، كان غالبه بواسطة خدمة
أنس څبه له.
وقد نوزع ابن القاصّ في الاستدلال به على إطلاق جواز لعب الصغير
بالطير، فقال أبو عبد الملك: يجوز أن يكون ذلك منسوخاً بالنهي عن تعذيب
الحيوان.
وقال القرطبيّ: الحقّ أن لا نَسْخ، بل الذي رُخِّص فيه للصبيّ إمساك
الطير؛ ليلتهي به، وأما تمكينه من تعذيبه، ولا سيما حتى يموت، فلم يُبَح قط.
انتھی.

٣٨٩
(٦) - بَابُ جَوازٍ تَكْنِيَةِ مَنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ، وَتَكْنِيَةِ الصَّغِيرِ - حديث رقم (٥٦١٠)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ تَخْلُ هو الحقّ، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
ومن الفوائد التي لم يذكرها ابن القاصّ، ولا غيره في قصة أبي عمير،
أن عند أحمد في آخر رواية عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس: ((فمَرِض
الصبيّ، فهلك ... ))، فذكر الحديث في قصة موته، وما وقع لأم سليم من
كتمان ذلك عن أبي طلحة، حتى نام معها، ثم أخبرته لمّا أصبح، فأخبر
النبيّ ◌َ ﴿ بذلك فدعا لهما، فحَمَلت، ثم وضعت غلاماً، فأحضره أنس إلى
النبيّ ◌َ﴿، فحّكه، وسمّاه عبد الله، وقد تقدم شرح ذلك مستوفّى في الباب
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه]: وقد جزم الدمياطيّ في أنساب الخزرج بأن أبا عمير مات صغيراً،
وقال ابن الأثير في ترجمته في ((الصحابة)): لعله الغلام الذي جرى لأم سليم،
وأبي طلحة في أمره ما جرى، وكأنه لم يستحضر رواية عمارة بن زاذان
المصرِّحة بذلك، فذكره احتمالاً، قال الحافظ: ولم أر عند من ذُكر أبا عمير في
الصحابة له غير قصة النغير، ولا ذكروا له اسماً، بل جزم بعض الشرّاح بأن
اسمه كنيته، فعلى هذا يكون ذلك من فوائد هذا الحديث، وهو جعل الاسم
المصدَّر بأب، أو أم اسماً عَلَماً من غير أن يكون له اسم غيره، لكن قد يؤخذ
من قول أنس في رواية رِبْعيّ بن عبد الله يكنى: أبا عمير؛ أن له اسْماً غير كنيته.
وأخرج أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من رواية هُشيم عن أبي
عمير بن أنس بن مالك، عن عمومة له حديثاً، وأبو عمير هذا ذكروا أنه كان
أكبر ولد أنس، وذكروا أن اسمه عبد الله، كما جزم به الحاكم أبو أحمد
وغيره، فلعلّ أنساً سمّاه باسم أخيه لأمه، وكناه بكنيته، ويكون أبو طلحة سمّى
ابنه الذي رزقه خَلَفاً من أبي عمير باسم أبي عمير، لكنه لم يكنه بكنيته، والله
أعلم.
قال الحافظ: ثم وجدت في كتاب النساء لأبي الفرج ابن الجوزيّ قد
أخرج في أواخره في ترجمة أم سليم، من طريق محمد بن عمرو، وهو أبو
سهل البصريّ، وفيه مقال، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس، أن أبا طلحة
زوج أم سليم، كان له منها ابن يقال له: حفص غلامٌ قد ترعرع، فأصبح أبو

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
طلحة، وهو صائم في بعض شغله، فذكر قصة نحو القصة التي في ((الصحيح))
بطولها في موت الغلام، ونومها مع أبي طلحة، وقولها له: أرأيت لو أن رجلاً
أعارك عارية ... إلخ، وإعلامهما النبيّ وَّر بذلك، ودعائه لهما، وولادتها،
وإرسالها الولد إلى النبيّ ونَ﴿ ليحنكه، وفي القصة مخالفة لِمَا في ((الصحيح)):
منها أن الغلام كان صحيحاً، فمات بغتةً، ومنها أنه ترعرع، والباقي بمعناه،
فَعُرف بهذا أن اسم أبي عمير حفص، وهو وارد على من صَنَّف في الصحابة،
وفي المبهَمات، والله أعلم.
[فائدة]: ومن النوادر التي تتعلق بقصة أبي عمير ما أخرجه الحاكم في ((علوم
الحديث)) عن أبي حاتم الرازيّ أنه قال: حفظ الله أخانا صالح بن محمد - يعني:
الحافظ الملَقَّب جَزَرَة-، فإنه لا يزال يبسطنا غائباً وحاضراً، كتب إليّ أنه لمّا مات
الذَّهْليّ - يعني: بنيسابور - أجلسوا شيخاً لهم يقال له: محمش، فأملى عليهم حديث
أنس هذا، فقال: يا أبا عَمِير ما فَعَل البَعِير، قاله بفتح عين عَمیر بوزن عظيم، وقال:
بموحدة مفتوحة بدل النون، وأهمل العين، بوزن الأول، فصحّف الاسمين معاً.
قال الحافظ: ومَحْمِش هذا لقب، وهو بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية،
بينهما حاء مهملة ساكنة، وآخره معجمة، واسمه محمد بن يزيد بن عبد الله
النيسابوريّ السلميّ، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: روى عن يزيد بن
هارون وغيره، وكانت فيه دُعَابة. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحث وإن كان
فيه طول، إلا أنه مفيدٌ جدّاً، والله تعالى وليّ التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ جَوَازِ قَوْلِهِ لِغَيْرِ ابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، وَاسْتِحْبَابِهِ لِلْمُلَاطَفَةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦١١] (٢١٥١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ،
عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا بُنَيَّ))).
(١) ((الفتح)) ٨١/١٤ - ٨٦، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٠٣).

٣٩١
(٧) - بَابُ جَوَازٍ قَوْلِهِ لِغَيْرِ ابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، وَاسْتِحْبَابِهِ لِلْمُلَاطَفَةِ - حديث رقم (٥٦١١)
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ (١)) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د س)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو١٧٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (أَبُو عُثْمَانَ) جعد بن دينار اليشكريّ الصيرفيّ، صاحب الحُلى(٢)،
ثقةٌ [٤] (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٥/٦٢.
[تنبيه]: وقع لبعض الشرّاح(٣) هنا غلط، حيث ترجم لأبي عثمان
النهدي، والصواب الجعد بن دينار، فقد صرّح باسمه في نفس السند ابنُ أبي
شيبة في «مصنّفه)) (٣٢٦/٥)، وأحمد في («مسنده)) (٢٨٥/٣)، وقال الترمذيّ
بعد إخراجه: وأبو عثمان هذا شيخٌ ثقةٌ، وهو الجعد بن عثمان، ويقال: ابن
دينار، وهو بصريّ، وقد رَوَى عنه يونس بن عبيد، وغير واحد من الأئمة.
انتهى، وكذا به الحافظ المزيّ تَظُّ في ((تحفة الأشراف)) (١٦٢/١).
و((أنس ظ﴿به)) ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَثُ، وهو (٤٣٢) من رباعيّات الكتاب، وفيه
أنس رُه، وقد سبق القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) وَهُ أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَا بُنَيَّ)))
تصغير ابن، قال النوويّ كْثُ: هو بفتح الياء المشددة، وكسرها، وقرئ بهما
في السبع، والأكثرون بالكسر، وبعضهم بإسكانها، وفيه جواز قول الإنسان
لغير ابنه ممن هو أصغر سنّاً منه: يا ابني، ويا بُنَّيّ مصغراً، ويا ولدي، ومعناه
(١) بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة المخفّفة: نسبة إلى غُبَر بن غَنْم، بطن مِنْ
يَشْكُر، قاله في ((اللباب)) ٣٧٤/٢.
(٢) بضمّ الحاء المهملة.
(٣) هو: الشيخ الهرريّ. راجع: ((شرحه)) ٥٨/٢٢.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
تلطف، وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة، وكذا يقال له ولمن هو في مثل
سنّ المتكلم: يا أخي؛ للمعنى الذي ذكرناه، وإذا قَصَد التلطف كان مستحبّاً،
كما فعله النبيّ وَّهِ. انتهى، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦١١/٧] (٢١٥١)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٤٩٦٤)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨٣١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٣٢٦/٥)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٧/ ٢٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
١٩٩ و٢٨٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦١٢] (٢١٥٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ
- وَاللَّفْظُ لِاِبْنٍ أَبِي عُمَرَ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَهـ
أَحَدٌ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَّأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِي: ((أَيْ بُنَيَّ، وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟، إِنَّهُ
لَنْ يَضُرََّكَ))، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ، وَجِبَالَ الْخُبْزِ، قَالَ:
(هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ المكِّيّ،
صدوق، صنّف ((المسند))، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم
في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ
متقنٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦)، وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.

٣٩٣
(٧) - بَابُ جَوَازٍ قَوْلِهِ لِغَيْرِ ابْنِهِ: يَا بُنَّيَّ، وَاسْتِحْبَابِهِ لِلْمُلَاطَفَةِ - حديث رقم (٥٦١٢)
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الْبَجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
٥ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ) البجليّ، أبو عبد الملك الكوفيّ مخضرم ثقةٌ
[٢] مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة) جـ٢ ص٤٧٥.
٦ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن معتّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير،
أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، ومات سنة خمسين على
الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّثُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما
في كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه أن قيساً
هو التابعيّ الوحيد الذي اجتمع له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة، على
خلاف في بعضهم، والصحيح أنه روى عنهم جميعاً، وإليه أشار السيوطيّ كَّقُ
في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال:
وَذَاكَ قَيْسٌ مَالَهُ نَظِيرُ وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ
وأشار بقوله: ((وعُدّ ... إلخ)) إلى أن الحاكم أبا عبد الله، صاحب
((المستدرك)) عدّ كثيراً من التابعين أنهم رووا عن العشرة كلهم، وهذا غلط منه،
فلم يوجد منهم إلا قيس المذكور، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((حدّثني قيس، قال: قال
لي المغيرة بن شعبة))، (قَالَ: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّمْ أَحَدٌ) بالرفع على
الفاعليّة، و((رسولَ الله)) مفعول مقدّم، (مَنِ الدَّجَّالِ)؛ أي: عن شأنه،
والدّجّال: فَعّال، بفتح أوله، وتشديد ثانيه، من الدجل، وهو التغطية، وسُمّي
الكذّاب دَجّالاً؛ لأنه يُغَطِّ الحقّ بباطله، ويقال: دَجَلَ البعيرَ بالقطران: إذا
غطّاه، والإناءَ بالذهب: إذا طلاه، وقال ثعلب: الدجّال المموّه، سيف
مُدَجِّل: إذا طُلي، وقال ابن ◌ُريد: سُمِّي دجّالاً؛ لأنه يغطي الحقّ بالكذب،

٣٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
وقيل: لضربه نواحيَ الأرض، يقال: دَجَلَ مخفّفاً، ومشدّداً: إذا فَعَل ذلك،
وقيل غير ذلك(١)، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من ((كتاب الفتن)) - إن
شاء الله تعالى -.
(أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ) ولفظ البخاريّ: ((ما سأل أحد النبيّ وَّ عن الدّجال
ما سألته))، قال القرطبيّ تَخْتُهُ: وسؤال المغيرة رضُّه عن الدجال إنما كان لِمَا
سمع من عظيم فتنته، وشدَّة محنته، فأجابه وَّ بقوله: ((وما يُصيبك منه؟ إنه لن
يضرَّك))؛ أي: ما يصيبك منه من النَّصَب والمشقَّة. انتهى(٢).
(فَقَالَ) وَِّ (لِي: ((أَيْ بُنَيَّ) فيه جواز قول الإنسان لغير ابنه: يا بُنيّ
تلّفاً، وشفقةً، (وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟) ((ما)) استفهاميّة إنكاريّة، ويُنصب بضمّ أوله،
وفتحه، من الإنصاب، أو النَّصَب، وهو التعب والمشقّة؛ أي: ما يشقّ عليك،
ويُتعبك منه؟.
قال في ((القاموس))، و((شرحه): نَصِبَ؛ كفَرِحَ: أَعْيا، وتَعِبَ، وأَنْصَبَه
هو، وأَنْصَبَني هذا الأَمْرُ، وهَمُّ ناصِبٌ: مُنْصِبٌ، وهو الصَّحِيح فهو فاعِلٌ
بمعنى مُفْعِل؛ كمكانٍ باقِلٍ، بمعنى مُقْبِل، قال ابْنُ بَرِّيّ: وقيل: ناصِبٌ بمعَنى
المنصوبٍ، وقيلَ بمعنَى ذو نَصَبٍ، مثل تامِرٍ، ولابِنٍ، وهو فاعِلٌ بمعنى
مفعول؛ لأَنَّه يُنْصَب فيه، ويُتْعَب، وفي الحديث: ((فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُنْصِبنِي ما
أَنْصَبَهَا))(٣)؛ أَي: يُتْعبني ما أَتْعَبَها، والنَّصَبُ: التَّعَب، وقيلَ: المَشَقَّةُ؛ قال
النّابغة [من الطويل]:
كِلِينِي لِهَمِّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبٍ
أَي: ذِي نَصَبٍ، مثلُ: لَيْلٌ نائمٌ: ذُو نَوْم ينام فيه، قال: أو سُمِعَ: نَصَبَه
الهَمُّ ثُلاثِيّاً متعدياً: بمعنى أتْعَبَهُ، حكاه أَبَوَ عليّ في ((التَّذْكِرة))، والنَّصِبُ
كَكَتِف: المرِيضُ الوَجِعُ، قد نَصَبَهُ المَرَضُ يَنْصِبُهُ بالكَسر: أَوْجَعَهُ؛ كَأَنْصَبَهُ
(١) ((الفتح)) ١٦/ ٥٧٤، كتاب ((الفتن)) رقم (٧١٢٢).
(٢) ((المفهم)) ٤٧٢/٥.
(٣) متّفقٌ عليه بلفظ: ((يُريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها))، وأما بهذا اللفظ ففي رواية
الترمذيّ برقم (٣٨٦٩).

(٧) - بَابُ جَوَازٍ قَوْلِهِ لِغَيْرِ ابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، وَاسْتِحْبَابِهِ لِلْمُلَاطَفَةِ - حديث رقم (٥٦١٢)
٣٩٥
إِنْصاباً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ((القاموس))، و((شرحه)) أن
(يُنصب)) هنا يجوز ضمّ أوله من الإنصاب رباعيّاً، ويجوز فتحه، من النَّصْب
ثلاثيّاً، من باب ضرب، وكلاهما معناه: أتعبه، والمعنى: أيّ شيء يُتعبك منه؟
أي: لا ينال منه مكروه؛ لأنه لا يخرج في حياتك، بل إنما يخرج في آخر
الزمان، فلا تَخَفْ شرّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((وما يُصيبك منه؟ إنه لن يضرَّك))؛ أي: ما
يصيبك منه من النَّصَب والمشقّة، وهكذا رواية الكافة، وعند الهوزنيّ: ((ما
يُنضيك)): بالضاد المعجمة، والياء باثنتين من تحتها، وكأنه من جهة قولهم:
جمل نِضْوٌ؛ أي: هَزِيل، وأنضاه السَّير؛ أي: أهزله، والأول أصح رواية
ومعنی. انتھی(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وما ينصبك منه)) بنون، وصاد مهملة، ثم
موحّدة، من النَّصَب، بمعنى التعب، وفي الرواية الآتية لمسلم في ((الفتن)) من
طريق هشيم، عن إسماعيل: ((وما سؤالك عنه؟))؛ أي: وما سبب سؤالك عنه؟
وقال أبو نعيم في ((المستخرج)): معنى قوله: ((ما ينصبك؟))؛ أي: ما الذي
يَغُمّك منه، من الغمّ حتى يهولك أمره؟ قال الحافظ: وهو تفسير باللازم، وإلا
فالنصب: التعب وزنه ومعناه، ويُطلق على المرض؛ لأن فيه تعباً، قال ابن
دريد: يقال: نصبه المرض، وأنصبه، وهو تَغَيّر الحال، من تعب، أو وجع.
(٣)
انتھی
(إِنَّهُ)؛ أي: الدجّال (لَنْ يَضُرََّكَ)))، وفي الرواية في ((الفتن)) من طريق
إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل: ((إنه لا يضرّك))، وفي رواية البخاريّ: ((وأنه
قال لي: ما يضرّك منه؟)).
قال القرطبيّ دَّثُهُ: قوله: ((إنه لن يضرّك)) يَحْتَمِل أن يريد: لأنك لا تدرك
زمان خروجه، ويَحْتَمِل أن يكون إخباراً منه بأنه يُعْصَم من فتنته، ولو أدرك
(١) ((تاج العروس)) ١/ ٩٧١.
(٣) ((الفتح)) ٥٧٤/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧١٢٢).
(٢) ((المفهم)) ٤٧٢/٥.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
زمانه، والله تعالى ورسوله أعلم. انتهى (١).
(قَالَ) المغيرة (قُلْتُ: إِنَّهُمْ)؛ أي: الناس، أو أهل الكتاب؛ أي: إنما
خشيت منه لأنهم (يَزْعُمُونَ) وفي رواية إبراهيم، وهشيم: ((إنهم يقولون)) (أَنَّ
مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ، وَجِبَالَ الْخُبْزِ)، وفي رواية إبراهيم: ((إن معه الطعام،
والأنهار))، وفي رواية هشيم: ((معه جبال من خبز، ولحم، ونهر (٢) من ماء))،
وفي رواية يزيد بن هارون: ((إن معه الطعامَ، والشرابَ))، وقوله: ((جبال من
خبز)) بضم الخاء المعجمة، وسكون الموحدة، بعدها زاي، والمراد: أن معه
من الخبز قَدْر الجبل، وأَطلق الخبز وأراد به أصله، وهو الْقَمْح مثلاً(٣).
وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: وقول المغيرة: ((إنهم يزعمون أن معه أنهار الماء،
وجبال الخبز)) هذا يدلّ على أن المغيرة كان قد سمع هذا الأمر عن الدَّجال من
غير النبيّ وَّر، ولم يحققه، فعرض ذلك على النبيّ وَله، فأجابه بقوله: ((هو
أهون على الله من ذلك))، وظاهر هذا الكلام: أن الدَّجال لا يُمَكَّن من ذلك؛
لهوانه على الله، وخسة قدره، غير أن هذا المعنى قد جاء ما يناقضه في
أحاديث الدجال الآتية، فَيَحْتَمِل أن يكون هذا القول صدر عنه وَّ ه قبل أن
يوحى إليه بما في تلك الأحاديث، ويَحْتَمِل أن يعود الضمير إلى تمكين الدجال
من أنهار الماء، وجبال الخبز؛ أي: فِعْلُ ذلك على الله هيِّن، والأوَّل أسبق،
والثاني لا يمتنع، والله تعالى أعلم. انتهى (٤).
(قَالَ) وَِّ ((هُوَ)؛ أي: الدجّال (أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ))) قال القاضي
عياض ◌َّهُ(٥): معناه: هو أهون من أن يجعل ما يَخلقه على يديه مضلّاً
للمؤمنين، ومشكّكاً لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويرتاب
الذين في قلوبهم مرض، فهو مثل قول الذي يقتله: ما كنت أشدّ بصيرةً مني
فيك، لا أن قوله: ((هو أهون على الله من ذلك)) إنه ليس شيء من ذلك معه،
بل المراد: أهون من أن يجعل شيئاً من ذلك آيةً على صدقه، ولا سيما، وقد
(١) ((المفهم)) ٤٧٢/٥.
(٢) بسكون الهاء، وفتحها.
(٣) ((الفتح)) ٥٧٤/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧١٢٢).
(٤) ((المفهم)) ٤٧٢/٥.
(٥) ((إكمال المعلم)) ٢٧/٧.

٣٩٧
(٧) - بَابُ جَوَازٍ قَوْلِهِ لِغَيْرِ ابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، وَاسْتِحْبَابِهِ لِلْمُلَاطَفَةِ - حديث رقم (٥٦١٢)
جُعل فيه آية ظاهرة في كذبه، وكفره، يقرأها من قرأ، ومن لا يقرأ، زائدة على
شواهد كذبه، مِنْ حَدَثه، ونَقْصه.
قال الحافظ: الحامل على هذا التأويل أنه ورد في حديث آخر مرفوع:
((ومعه جبل من خبز، ونهر من ماء))، أخرجه أحمد، والبيهقيّ في ((البعث)) من
طريق ◌ُنادة بن أبي أمية، عن مجاهد، قال: انطلقنا إلى رجل من الأنصار،
فقلنا: حدّثنا بما سمعت من رسول الله وَ﴿ في الدجال، ولا تحدّثنا عن غيره،
فذكر حديثاً فيه: ((تُمْطَرُ الأرضُ، ولا يَنْبُتُّ الشجر، ومعه جنة، ونار، فناره
جنة، وجنته نار، ومعه جبل خبز ... )) الحديث بطوله، ورجاله ثقات، ولأحمد
من وجه آخر عن جنادة، عن رجل من الأنصار: ((معه جبال الخبز، وأنهار
الماء))، ولأحمد من حديث جابر: ((معه جبال من خبز، والناس في جهد إلا
من تبعه، ومعه نهران ... )) الحديث.
فدلّ ما ثبت من ذلك على أن قوله: ((هو أهون على الله من ذلك)) ليس
المراد به ظاهره، وأنه لا يَجعل على يديه شيئاً من ذلك، بل هو على التأويل
المذكور.
قال ابن العربيّ: أخذ بظاهر قوله: ((هو أهون على الله من ذلك)) مَن رَدّ
من المبتدعة الأحاديث الثابتة أن معه جنةً وناراً، وغير ذلك، قال: وكيف يُرَدّ
بحديث مُحْتَمِلٍ ما ثبت في غيره من الأحاديث الصحيحة؟ فلعل الذي جاء في
حديث المغيرة جاء قبل أن يبيّن النبيّ ◌َ ل﴿ أمره، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((هو
أهون))؛ أي: لا يجعل له ذلك حقيقةً، وإنما هو تخييل، وتشبيه على الأبصار،
فيثبت المؤمن، ويَزِلّ الكافر.
ومال ابن حبان في ((صحيحه)) (١) إلى الأخير، فقال: هذا لا يضادّ خبر
أبي مسعود، بل معناه: أنه أهون على الله من أن يكون نهر ماء يجري، فإن
الذي معه يُرَى أنه ماء، وليس بماء. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي مال إليه ابن حبّان تَخْتُ هو الذي يترجّح
(١) راجع: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢١١/١٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٧٦/١٦ - ٥٧٨، كتاب ((الفتن)) رقم (٧١٢٢).

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
عندي، ففي حديث حذيفة بنظُه عن النبيّ وَّر قال في الدجّال: ((إن معه ماءً،
وناراً، فناره ماءٌ باردٌ، وماؤه نارٌ))، قال أبو مسعود: سمعته من رسول الله وَ لآ،
متّفقٌ عليه، زاد في رواية مسلم: ((فلا تهلكوا))، فقد أوضح وَلِّ أنه تخييل، لا
حقيقةٌ، وسيأتي تمام البحث في الدجّال في أواخر الكتاب حينما يذكر مسلم
أحاديثه في ((كتاب الفتن)) - إن شاء الله تعالى - وأسأل الله تعالى أن يبلغني إلى
ذلك الكتاب، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة ظه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦١٢/٧ و٥٦١٣] (٢١٥٢)، وسيأتي في ((الفتن))
(٢٩٣٩)، و(البخاريّ) في ((الفتن)) (٧١٢٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن))
(٤٠٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٦/٤ و٢٤٨ و٢٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٤٨٩/٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٧٨٢ و٦٨٠٠)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٠/ ٩٥٠ و٩٥١ و٩٥٢ و٩٥٤ و ٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٧)،
و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١٠٣٠ و١٠٣١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٤٢٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز قول الإنسان لغير ابنه: يا بُنيّ، من باب
الملاطفة، والشفقة.
٢ - (ومنها): بيان حرص الصحابيّ الجليل المغيرة بن شعبة رضاه، وشدّة
اهتمامه بالسؤال عن شأن الدجّال حتى لا تصيبه فتنته.
٣ - (ومنها): بيان هوان الدّجّال على الله، وأن تمويهاته كلّها لا تؤثّر إلا
على من أغواه الشيطان، وأما المؤمن فهو أكرم الله تعالى من أن ينخدع له،
ولذا قال رَّ في الحديث الآتي في ((الفتن)) لمّا اشتدّ خوف الصحابة ﴿َّ منه:
((غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن
يخرج ولست فيكم، فامرؤٌ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم))، فهذه

٣٩٩
(٧) - بَابُ جَوَازٍ قَوْلِهِ لِغَيْرِ ابْنِهِ: يَا بُنَّيَّ، وَاسْتِحْبَابِهِ لِلْمُلَاطَفَةِ - حديث رقم (٥٦١٣)
بشرى عظيمة، حيث إن الله يتولّى عباده المؤمنين، ويعصمهم من فتنه، اللهم
أعذنا من فتنة المسيح الدجّال آمين.
٤ - (ومنها): بيان أن كلّ ما يموّه به الدجّال لا حقيقة له، وإنما هو
مجرّد تغرير لمن ينخدع له، فيأتي بجنة ونار، لا حقيقة لهما، وإنما الجنّة نار،
والنار جنّة، فلذا أمر ◌َّهِ أمته أن يقعوا في النار؛ لأنها لا تضرّهم، عصمنا الله
تعالى بفضله من جميع الفتن ما ظهر منها، وما بطن، إنه جواد، كريمٌ،
رؤوفٌ، رحيمٌ، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٦١٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ
إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِّنْهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ نَّهِ لِلْمُغِيرَةِ:
(أَيْ بُنَيَّ))، إِلَّا فِي حَدِيثٍ يَزِيدَ وَحْدَهُ).
رجال هذه الأسانيد: عشرة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قريباً.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٤ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد
قارب الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً .
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين.
٨ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.

البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب
٤٠٠
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ... إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء الأربعة: وكيعاً،
وهشيماً، وجريراً، وأبا أسامة رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد
بسنده المذكور؛ أي: عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة نظر اته.
وقوله: (إِلَّا فِي حَدِيثٍ يَزِيدَ وَحْدَهُ)؛ يعني: ابن هارون المذكور في
الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن إسماعيل ساقها ابن ماجه تَظّتُهُ في (سننه))،
فقال :
(٤٠٧٣) - حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وعليّ بن محمد، قالا: ثنا
وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن
شعبة، قال: ما سأل أحدٌ النبيَّ وَّ ر عن الدجال أكثر مما سألته - وقال ابن
نمير: أشدّ سؤالاً مني - فقال لي: ((ما تسأل عنه؟)) قلت: إنهم يقولون: إن معه
الطعامَ، والشرابَ، قال: ((هو أهون على الله من ذلك)). انتهى(١).
ورواية هشيم، عن إسماعيل، ساقها مسلم تكَّثهُ في ((كتاب الفتن))،
فقال :
(٢٩٣٩) - حدّثنا سُريج بن يونس، حدّثنا هشيم، عن إسماعيل، عن
قيس، عن المغيرة بن شعبة، قال: ما سأل أحدٌ النبيَّ مَ﴿ عن الدجال أكثر مما
سألته، قال: ((وما سؤالك؟)) قال: قلت: إنهم يقولون: معه جبال من خبز،
ولحم، ونهرٌ من ماء، قال: ((هو أهون على الله من ذلك)). انتهى(٢).
ورواية جرير بن عبد الحميد، عن إسماعيل، ساقها ابن حبّان ◌َظُّ في
((صحيحه))، فقال:
(٦٨٠٠) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن
إبراهيم الحنظليّ، قال: أخبرنا جرير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن
أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: قلت: يا رسول الله بلغني أن مع
الدجال جبالَ الخبز، وأنهارَ الماء، فقال رسول الله وَ له: ((هو أهون على الله
من ذلك))، قال المغيرة: فكنت من أكثر الناس سؤالاً عنه، فقال لي
(١) ((سنن ابن ماجه)) ١٣٥٤/٢.
(٢) ((صحيح مسلم)) ٢٢٥٨/٤.