Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ (٣٤) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّزْوِيرِ فِي اللَّبَاسِ، وَغَيْرِهِ، وَالتَّشَبُّعِ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧١) إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا فالإشارة بالإزار والرداء إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه. ويَحْتَمِل أن تكون التثنية إشارة إلى أنه حَصَل بالتشبع حالتان مذمومتان: فِقْدان ما يُتَشَبَّع به وإظهار الباطل. وقال المطرزيّ: هو الذي يُري أنه شبعان، وليس كذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخُّْ ما حاصله: هذه المرأة سألت النبيّ وَّطو: هل يجوز لها أن تُظهر لضرتها أن زوجها قد مكّنها، أو أعطاها من ماله أكثر مما تستحقه، أو أكثر مما أعطى ضرتها؛ افتخاراً عليها، وإيهاماً لها أنها عنده أحظى منها، فأجابها وهو بما يقتضي المنع من ذلك، فقال: ((المتشبِّع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور))، وأصل التشبّع: تفعّل من الشِّبع، وهو الذي يُظهر الشِّبع، وليس بشبعان، وكثيراً ما تأتي هذه الصيغة بمعنى التعاطي؛ كالتكبُّر، والتصنُّع، ويُفهم من هذا الكلام: أن النبيّ ◌َ ﴿ نهى المرأة عن أن تتظاهر، وتتكاثر بما لم يعطها زوجها؛ لأنَّه شَبَّه فعلها ذلك بما يُنهى عنه، وهو: أن يلبس الإنسان ثوبين زوراً. واختلف المتأولون؛ هل الثوبان محمولان على الحقيقة، أو على المجاز؛ على قولين: فعلى الأول يكون معناه: أنه شبّهها بمن أخذ ثوبين لغيره بغير إذنه، فَلَبسهما، مُظهراً أن له ثياباً ليس مثلها للمُظْهَر له، وقيل: بل شبّهها بمن يلبس ثياب الزُّهّاد، وليس بزاهد، وعلى الوجه الثاني: قال الخطابيّ: إن ذِكْر الثوبين هنا كناية عن حاله ومذهبه، والعرب تكني بالثوب عن حال لا بسه، والمعنى: أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن، وقيل: هو الرجل في الحيِّ تکون له هيئة، فإذا احتیج إليه في شهادة زور شهِد بها، فلا يُرَدّ لأجل هیئته، وحُسْن ثوبه، فأضيفت شهادة الزور إلى ثوبه؛ إذ كان سببها . قال القرطبيّ تَُّ: وأيُّ شيء من هذه الوجوه كان المقصود، فيحصل منه: أن تشبّع المرأة على ضرَّتها بما لم يعطها زوجها محرَّم؛ لأنَّه شُبه بمحرَّم، (١) ((الفتح)) ٦٦٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢١٩). ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وإنما كان ذلك محرَّماً؛ لأنَّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه، ورياءً، وأُذّى للضرة من نسبة الزوج إلى أنَّه آثرها عليها، وهو لم يفعل، وكل ذلك محرَّم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا من أفراد المصنّف نَُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٧١/٣٤] (٢١٢٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٢/٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٤٨/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٧/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٢٧/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٢/ ٢٢٢)، و(البيهقيّ) في ((شُعب الإيمان)) (٢١١/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): اختلف في إسناد هذا الحديث، قال النوويّ تَّتُهُ : قوله في إسناد الباب: ((حدّثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدّثنا وكيع، وعبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﴿يُنا .... )) وذكر الحديث، وبَعْده عن ابن نُمير أيضاً، عن عبدة، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء ... الحديث، وبَعْده عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، وعن إسحاق، عن أبي معاوية، كلاهما عن هشام، بهذا الإسناد، هكذا وقعت هذه الأسانيد في جميع نُسخ بلادنا، على هذا الترتيب، ووقع في نسخة ابن ماهان روايةُ ابن أبي شيبة، وإسحاق عقيب رواية ابن نمير، عن وكيع، مقدمةً على رواية ابن نمير، عن عبدة وحده، واتَّفَقَ الحفاظ على أن هذا الذي في نسخة ابن ماهان خطأ، قال عبد الغنيّ بن سعيد: هذا خطأ قبيح، قال: وليس يُعرف حديث هشام عن أبيه، عن عائشة ◌ّها إلا من رواية مسلم، عن ابن نمير، ومن رواية معمر بن راشد. وقال الدارقطنيّ في ((كتاب العلل)): حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة إنما يرويه هكذا معمر، والمبارك بن فَضَالة، ويرويه غيرهما عن فاطمة، عن أسماء، وهو الصحيح، قال: وإخراج مسلم حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة (١) ((المفهم)) ٤٥١/٥ - ٤٥٢. ٢٦٣ (٣٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ التَّزْوِيرِ فِي اللََّاسِ، وَغَيْرِهِ، وَالتَّشَبُّعِ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧١) لا يصحّ، والصواب حديث عبدة، ووكيع، وغيرهما عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء، والله أعلم. انتهى (١). وقال الحافظ تَُّ في ((الفتح)): وقد اتَّفَق الأكثر من أصحاب هشام على هذا الإسناد - يعني: إسناد حديث أسماء الآتي - وانفرد معمر، والمبارك بن فَضَالة بروايته عن هشام بن عروة، فقالا: عن أبيه، عن عائشة، وأخرجه النسائيّ من طريق معمر، وقال: إنه أخطأ، والصواب حديث أسماء، وذكر الدارقطنيّ في (التتبع)) أن مسلماً أخرجه من رواية عبدة بن سليمان، ووكيع، كلاهما عن هشام بن عروة، مثل رواية معمر، قال: وهذا لا يصحّ، وأحتاج أن أنظر في كتاب مسلم، فإني وجدته في رُقعة، والصواب عن عبدة، ووكيع، عن فاطمة، عن أسماء، لا عن عروة، عن عائشة، وكذا قال سائر أصحاب هشام. قال الحافظ: هو ثابت في النُّسخ الصحيحة من مسلم في ((كتاب اللباس)»، أورده عن ابن نمير، عن عبدة، ووكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ثم أورده عن ابن نمير، عن عبدة وحده، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء، فاقتضى أنه عند عبدة على الوجهين، وعند وكيع بطريق عائشة فقط، ثم أورده مسلم من طريق أبي معاوية، ومن طريق أبي أسامة، كلاهما عن هشام، عن فاطمة، وكذا أورده النسائيّ عن محمد بن آدم، وأبو عوانة في (صحيحه)) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن عبدة، عن هشام، وكذا هو في ((مسند ابن أبي شيبة))، وأخرجه أبو عوانة أيضاً من طريق أبي ضمرة، ومن طريق عليّ بن مسهر، وأخرجه ابن حبان من طريق محمد بن عبد الرحمن الظُّفاوي، وأبو نعيم في (المستخرج)) من طريق مُرَجَّى بن رجاء، كلهم عن هشام، عن فاطمة. فالظاهر أن المحفوظ عن عبدة، عن هشام، عن فاطمة، وأما وكيع فقد أخرج روايته الْجَوْزقيّ من طريق عبد الله بن هاشم الُوسيّ عنه، مثل ما وقع عند مسلم، فليضمّ إلى معمر، ومبارك بن فَضالة، ويُستدرك على الدار قطنيّ. انتهى(٢). (١) ((شرح النوويّ)) ١١١/١٤. (٢) ((الفتح)) ٦٦٤/١١ - ٦٦٥، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢١٩). ٢٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ويُستدرك ... إلخ))؛ يعني: أن دعوى الدار قطنيّ تفرّد معمر، ومبارك بن فضالة غير صحيحة، فقد تابعهما وكيع، كما هو عند مسلم من رواية ابن نمير عنه، وعند الجوزقيّ من رواية عبد الله بن هاشم الطوسيّ عنه. وخلاصة البحث المذكور أن الأكثرين من أصحاب هشام بن عروة أنه عن فاطمة، عن أسماء ظُّهَا، لا عن أبيه، عن عائشة ◌ُها، وذلك أنه قد اتفق تسعة (١) من الرواة، وهم: أبو معاوية، وأبو أسامة، وعبدة بن سليمان، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطّان، وعليّ بن مسهر، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفاويّ، وأبو ضمرة أنس بن عياض، ومرجّى بن رجاء، فكلهم رووه عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء غًُّا. وأما الذين رووه عن هشام عن أبيه، عن عائشة ؤُنا فهم ثلاثة: وكيع، ومعمر، ومبارك بن فضالة، ومعمر بن راشد(٢). والحاصل أن ترجيح رواية الأكثرين، وهو أنه من حديث أسماء ◌َويّا هو الظاهر، كما هو رأي الدارقطنيّ كَّلُهُ، والحديث محفوظ من حديثها، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٧٢] (٢١٣٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ وََّ، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ مِنْ مَالِ زَوْجِي بِمَا لَمْ يُعْطِنِي (٣)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»). (١) زاد الشيخ ربيع شريكاً، فجعلهم عشرة، وعزا تخريجه إلى ((جامع المسانيد))، فليُنظر . (٢) راجع: ما كتبه الشيخ ربيع المدخلي في دراسته ((بين الإمامين: مسلم، والدار قطنيّ)) ص٣٦٠ - ٣٦٤. (٣) وفي نسخة: ((ما لم يعطني)). ٢٦٥ (٣٤) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ التَّزْوِبِ فِي اللََّاسِ، وَغَيْرِهِ، وَالتَّشَبُّعِ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧٣) رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و((هشام)) هو ابن عروة بن الزبير، وفاطمة: هي بنت المنذر بن الزبير، وهي بنت عم هشام، وزوجته، وأسماء هي بنت أبي بكر الصديق طيًا، وهي جدّتهما معاً. وقوله: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ: لم أقف على تعيين هذه المرأة، ولا على تعيين زوجها . وقولها: (إِنَّ لِي ضَرَّةً) في رواية الإسماعيليّ: ((إن لي جارَةً))، وهي الضرة. وقولها: (أَنْ أَتَشَبَّعَ مِنْ مَالِ زَوْجِي بِمَا لَمْ يُعْطِنِي) وفي بعض النسخ: ((ما لم يُعطني))، ولفظ البخاريّ: ((إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني)). وقوله: (الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ) وفي رواية معمر: ((بما لم يُعْطَّه))، وتمام شرح الحديث قد مضى في حديث عائشة ◌َّا المذكور قبله، ولله تعالى الحمد والمنّة. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ﴿ه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٧٢/٣٤ و٥٥٧٣] (٢١٣٠)، و(البخاريّ) في (النكاح)) (٥٢١٩)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٩٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٥/٦ و٣٤٦ و٣٥٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣١٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٧٣٨ و٥٧٣٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٢٢/٢٤ و ٣٢٣ و٣٢٤ و٣٢٥ و٣٢٦ و٣٢٧ و٣٢٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٧) و((الآداب)) (٥٢٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٣٣١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٧٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). ٢٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة رجال هذين الإسنادين: خمسة : وكلهم تقدّموا قريباً . [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام ساقها الطبرانيّ كَظُّ في ((المعجم الكبير))، فقال: (٣٢٦) - حدّثنا عبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول الله وَّل: ((المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور)). انتهى (١). ورواية أبي معاوية عن هشام ساقها إسحاق بن راهويه تخلّتُهُ في ((مسنده))، فقال : (٢٨ - ٢٢٤٦) - أخبرنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبو بكر، أن امرأة جاءت إلى رسول الله وَالر، فقالت: إن لي ضَرَّةً، فهل عليّ من جناح أن أتشبع من زوجي ما لم يعطني؟ فقال رسول الله ◌َ: ((المتشبع بما لم يُعْطّه كلابس ثوبي زور)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (١) ((المعجم الكبير)) للطبرانيّ ١٢١/٢٤. (٢) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ١٣٢/٥. ٢٦٧ ٣٨ - كتاب الآداب ٣٨ - (كِتَابُ الآدَابِ) وقال في ((الفتح)): الأدب استعمال ما يُحمد قولاً وفعلاً، وعَبَّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم مَن فوقك، والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سُمّي بذلك؛ لأنه يدعى إليه. انتهى(١). وقال الفيّوميّ كَُّهُ: أَدَّبْتُه أَذْباً، من باب ضرب: عَلَّمتُه رياضةَ النفس، ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاريّ: الأَدَبُ يقع على كلِّ رياضة محمودة، يَتَخَرَّجُ بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وقال الأزهريّ نحوه، فَالأَدَبُ اسم لذلك، والجمعِ آدَابٌ، مثل سَبَبٍ وأسباب، وأَدَّبْتُه تَأْدِيباً مبالغةٌ، وتكثيرٌ، ومنه قيل: أَدَبْتُهُ تَأْدِيباً: إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب، وأَدَبَ أَذْباً، من باب ضرب أيضاً: صنع صنيعاً، ودعا الناس إليه، فهو آدِبٌ على فاعل، قال الشاعر، وهو طَرَفَةُ [من الرمل]: نَحْنُ فِي الْمُشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا ترَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرُ أي: لا ترى الداعي يدعو بعضاً دون بعض، بل يُعَمِّمُ بدعواه في زمان القلّة، وذلك غاية الكرم، واسم الصنيع: المَأْدُبَة بضمّ الدال، وفتحها(٢). (٣) . انتھی (١) ((الفتح)) ٤٩١/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧٠). (٢) وجعلها في ((التاج)) مثلّثة، فقال: والمَأْدُبَةُ بضم الدال المهملة، كما هو المشهور، وصَرَّح بأَفْصَحيَّته ابنُ الأَثِيرِ وغيرُه، وَجَازَ بعضُهم المَأْدَبَة، بفتحها، وحَکَی ابنِ جني كَسْرَها أيضاً، فهي مُثَلََّةُ الدالِ، ونصّوا على أَن الفَتْحَ أَشْهَرُ من الكَسْرِ: كلُّ طَعَامِ صُنِعَ لِدُعْوَة بالضم، والفتح، أَوْ عُرْس. انتهى. (تاج العروس)) ١/ ٢٧٧. (٣) ((المصباح المنير)) ٩/١. ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وقال المرتضى ◌َّتُهُ في (التاج): الأَدَبُ - مُحَرَّكَةً - الذي يَتَأَذَّبُ به الأَديبُ من الناس، سُمّيَ به لأَنه يَأْدِبُ الناسَ إلى المَحَامِدِ، وَيَنْهَاهُم عن المَقَابِح، وأَصلُ الأَدَبِ: الدُّعَاءُ، قال: وقال شيخنا ناقلاً عن تقريراتِ شيوخه: الأَدَبُ مَلَكَةٌ تَعْصِمُ مَنْ قامت به عمَّا يَشِينُه، ثم نقل ما تقدّم للفيّوميّ، ثم قال: وفي ((التوشيح)): هو استعمالُ ما يُحْمَدُ قَوْلاً، وفِعْلاً، أَو الأَخْذُ، أَو الوُقُوفُ مع المُسْتَحْسَنَات، أَو تَعْظِيمُ مَنْ فوقَك، والرِّفْق بمَنْ دُونَكَ، ونَقَل الخَفَاجِيُّ في ((العِنَايَة)) عن الجْوَالِيقيّ في ((شرح أَدَبِ الكَاتِبِ)): الأَدَبُ في اللغة: حُسْنُ الأَخلاق، وفِعْلُ المَكَارِمِ، وإِطِلاَقُه على عُلُوم العَرَبِيَّة مُوَلَّدٌ، حَدَثَ في الإِسلام، وقال ابنُ السِّيدِ البَطَلْيَوْسِيُّ: الأَدَبُ أَدَبَّ النَّفْسِ والدَّرْسِ، والأَدَبُ: الظَرْفُ بالْفَتْحِ، وحسْنُ التَّنَاوُلِ، وهذا القَوْلُ شَاملٌ لغَالبِ الأَقْوَالِ المذكورة، وقال أبو زيد: أَدُبَ الرَّجُلُ؛ كَحسُنَ يَأْدُبُ أَدَباً، فهو أَديبٌَ، جَمْعه أُدباءُ، وقال ابنُ بُزُرْج: لَقَدْ أَدُبْتُ آدُبُ أَدَباً حسَناً، وأَنْت أَدِيبٌ، وأَدَّبَه؛ أَي: عَلّمه، فَتَأَذَّب: تعلّم، واستَعْمَلَهُ الزجَّاجُ في الله رَحْ، فقال: والحَقُّ في هذا ما أَذَّبَ اللهُ تعالى به نَبِيَّهَ بَّهِ. انتهى(١). (١) - (بَابُ النَّهْي عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الأَسْمَاءِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٧٤] (٢١٣١) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ - عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَجُلاً بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ، إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَاناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بِ: ((تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا (٢) بِكُنْيَتِي))). (١) تاج العروس ٢٧٦/١. (٢) وفي نسخة: ((ولا تكتنوا)). ٢٦٩ (١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧٤) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. ٢ - (حُمَيْدٌ) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، اختُلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقةٌ عابدٌ [٥] مات وهو قائم يصلي سنة (٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣. والباقون تقدّموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَذَثُ، وهو (٤٢٨) من رباعيّات الكتاب، وفيه أنس به أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ) ◌َظُهُ أنه (قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَجُلاً) لم يُعرف الرجلان، (بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى الرجل المنادي، (رَسُولُ اللهِ وَلِ) ظنّاً منه أنه المنادَى،َ (فَقَالَ) الرجل (َا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ) بفتح الهمزة، وسكون العين، وكسر النون، مضارع عناه، من باب رَمَى: إذا قصده؛ أي: لم أقصدك بالنداء، (إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَاناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((تَسَمَّوْا بِاسْمِي) أمرٌ بصيغة الجمع من باب التفعُّل، تقول: سَمّيت فلاناً زيداً، وسمّيته بزيد، بمعنّى، وأسميته مثله، فتسمّى به، والاسم مشتقّ عند البصريين من سَمَوت؛ لأنه تنويهٌ، ورِفْعةٌ، ووزنه افع، والذاهب منه الواو؛ لأن جَمْعه أسماء، وتصغيره سُمَيّ(١)، وعند الكوفيين مشتقّ من السّمة، وهي العلامة؛ لأنه علامة على مسمّاه، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله : وَاشْتَقَّهُ مِنْ وَسَمَ الْكُوفِيُّ اشْتَقَّ الاسْمَ مِنْ سَمَا الْبَصْرِيُّ دَلِيلُهُ الأَسْمَاءُ وَالسُّمَيُّ وَالْمَذْهَبُ الْمُقَدَّمُ الْجَلِيُّ (١) ((عمدة القاري)) ١٥٤/٢. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وفيه ثماني عشرة لغةً جَمَعها بعضهم بقوله : سِمُ سِمَةٌ وَاسْمٌ سَمَاةٌ كَذَا سَمَا سَمَاءٌ بِتَثْلِيثٍ لأَوَّلِ كُلِّهَا وقال المناويّ كَّلُهُ: قوله: ((تسمَّوا باسمي))؛ أي: محمد، وأحمد، وحقيقة التسمية تعريف الشيء بالشيء؛ لأنه إذا وُجد وهو مجهول الاسم لم يكن له ما يقع تعريفه به، فجاز تعريفه يوم وجوده، أو إلى ثلاثة الأيام، أو سبعة، أو فوقها، والأمر واسع، وهذا نصّ صريح في الردّ على من منع التسمي باسمه وَ ل؛ كالتكني. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: أصل ((تسمَّوا)) تسمّيُوا بوزن تعلّمُوا، فقُلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثمّ حُذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين، فصار تَسَمَّوا بفتح الميم المشدّدة، فلام الفعل محذوفة، وهكذا تصريف (تَكَنَّوْا))، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَلَا تَكَنَّوْا)(٢) بفتح التاء، والكاف، وشد النون، وحذف إحدى التاءين، أو بسكون الكاف، وضمّ النون، وفي بعض النسخ: ((ولا تكتنوا))، (بِكُنْيَتِي))) هو أبو القاسم؛ إعظاماً لحرمتي، فيحرم التكني به لمن اسمه محمد وغيره في زمنه وغيره، على الأصح عند الشافعية، وجوّز مالك التكني بعده به، حتى لمن (٣) اسمه محمدٌ وقال في ((العمدة)): قوله: ((ولا تكنوا)) فيه ثلاثة أوجه: [الأول]: أنه من باب التفعيل، من كَنَّى يُكَنِّي تَكْنِيةً، فعلى هذا فهو بضمّ التاء، وفتح الكاف، وضمّ النون مع التشديد. [والثاني]: أنه من باب التّفَعُّل مِن تَكَتَّى يَتَكَنَّى تَكَنِّيّاً، فعلى هذا فهو بفتح الكاف والنون أيضاً، مع التشديد، وأصله لا تتكنّوا بالتائين، فحُذفت إحداهما، كما في ﴿نَارًا تَلَفَّى﴾ [الليل: ١٤]، أصله تتلظى. [الثالث]: أنه من باب الافتعال، من اكتَنَى يَكتني اكتناءً، فعلى هذا فهو بفتح التاء، وسكون الكاف، وفتح التاء، وضم النون، والكل من الكناية، وهي (١) ((فيض القدير)) ٢٤٥/٣. (٣) ((فيض القدير)) ٢٤٥/٣. (٢) وفي نسخة: ((ولا تكتنوا)). ٢٧١ (١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧٤) في الأصل أن يتكلم بشيء، ويريد به غيره، وقد كَنَيت بكذا وكذا، وكنوت به، والكُنية بالضم، والكِنية أيضاً بالكسر، واحدة الكُنَى، وهو اسم مُصَدَّرٌ بأب، أو أمّ، واكتنى فلان بكذا، وكَنّته تكنيةً. (واعلم): أن الاسم العَلَمَ إما أن يكون مُشعِراً بمدح، أو ذمّ، وهو اللقب، وإما أن لا يكون كذلك، فإما أن يُصَدَّر بنحو الأب، أو الأم، وهو الكنية، أو لا، وهو الاسم، فاسم النبيّ وَّ محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه رسول الله، أو نبيّ الله، أفاده في ((العمدة))(١). وقال في ((الفتح)): الكنية بضم الكاف، وسكون النون، مأخوذة من الكناية، تقول: كنيت عن الأمر بكذا: إذا ذكرته بغير ما يُستدلّ به عليه صريحاً، وقد اشتَهَرت الكنى للعرب، حتى ربما غلبت على الأسماء؛ كأبي طالب، وأبي لهب، وغيرهما، وقد يكون للواحد كنية واحدة، فأكثر، وقد يشتهر باسمه، وكنيته جميعاً، فالاسم، والكنية، واللقب، يجمعها الْعَلَمُ - بفتحتين - وتتغاير بأن اللقب ما أشعر بمدح، أو ذمّ، والكنية ما صُدِّرت بأب، أو أمّ، وما عدا ذلك فهو اسم. وكان النبيّ ◌َ﴿ يُكْنَى أبا القاسم بولده القاسم، وكان أكبر أولاده، واختُلِف هل مات قبل البعثة، أو بعدها؟ وقد وُلد له إبراهيم في المدينة، من مارية، وفي حديث أنس ظُه أن جبريل لعلّه قال للنبيّ وَّ: ((السلام عليك يا أبا إبراهيم)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك تَُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٧٤/١] (٢١٣١)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٢٠ و٢١٢١) و((المناقب)) (٣٥٣٧)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨٣٧ و٨٤٥)، (١) ((عمدة القاري)) ٢/ ١٥٤. (٢) ((الفتح)) ١٩٤/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٣٧). ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨٤٤)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (١٢٣١/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٤/٣ - ١٢١ و١٨٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٧١/٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٧٨٧ و٣٨١١)، و(عبد بن حميد) في (مسنده)) (٤١٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨١٣)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (١٥١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٨/٩ و٣٠٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم التكنّ بكنيته وَّ: قد عقد الطحاويّ كَّلُهُ في هذا باباً، وطوّل فيه من الأحاديث، والمباحث الكثيرة، فأول ما رَوَى حديث عليّ ◌َُّه قال: قلت: يا رسول الله، إن وُلد لي ولد أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: ((نعم))، قال: وكانت رخصة من رسول الله وَلايه لعليّ رَته، ثم قال: فذهب قوم إلى أنه لا بأس بأن يكتني الرجل بأبي القاسم، وأن يتسمى مع ذلك بمحمد، واحتجوا بالحديث المذكور، قال العينيّ كَّتُهُ: أراد بالقوم هؤلاء: محمد ابن الحنفية، ومالكاً، وأحمد في رواية، ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت فرقة - وَهُمْ محمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، والشافعيّ -: لا ينبغي لأحد أن يتكنى بأبي القاسم، كان اسمه محمداً، أو لم يكن. وقالت فرقة أخرى، وهم الظاهرية، وأحمد في رواية: لا ينبغي لمن تسمى بمحمد أن يتكنى بأبي القاسم، ولا بأس لمن لم يتسم بمحمد أن يتكنى بأبي القاسم، وفي حديث الباب عن جابر رَظُه على ما يأتي النهي عن الجمع بينهما، أعني بين الاسم والكنية، وقيل: المنع في حياته وَّهِ؛ للإيذاء، وأبعدَ بعضهم، فمَنَع التسمية بمحمد، ورَوَى سالم بن أبي الجعد: كتب عمر ظُه إلى أهل الكوفة: لا تُسَمُّوا باسم نبيّ، وروى أبو داود، عن الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس، رفعه: ((تُسَمُّون أولادكم محمداً، ثم تلعنوه)). وقال الطبريّ: يُحمل النهي على الكراهة، دون التحريم، وصحح الأخبار كلّها، ولا تعارض، ولا نَسْخَ، وكان إطلاقه لعليّ ◌َُّه في ذلك إعلاماً منه أُمّته ليفيد جوازه مع الكراهة، وتَرْك الإنكار عليه دليل الكراهة. انتهى(١). (١) ((عمدة القاري)) ٢٠٦/٢٢ - ٢٠٧. ٢٧٣ (١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧٤) وقال النوويّ ◌َّلُهُ: اختُلِف في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: [الأول]: المنع مطلقاً، سواءٌ كان اسمه محمداً أم لا، ثبت ذلك عن الشافعيّ. [والثاني]: الجواز مطلقاً، ويختص النهي بحياته ولار. [والثالث]: لا يجوز لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره، قال الرافعيّ: يشبه أن يكون هذا هو الأصح؛ لأن الناس لم يزالوا يفعلونه في جميع الأعصار، من غير إنكار، قال النوويّ: هذا مخالف لظاهر الحديث، وأما إطباق الناس عليه، ففيه تقوية للمذهب الثاني، وكأن مستندهم ما وقع في حديث أنس المشار إليه قبلُ أنه ◌َ ﴿ كان في السوق، فسمع رجلاً يقول: يا أبا القاسم، فالتفت إليه، فقال: لم أَعْنِكَ، فقال: ((سَمُّوا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي))، قال: ففهموا من النهي الاختصاص بحياته؛ للسبب المذكور، وقد زال بعده وَله. انتهى ملخصاً . قال الحافظ: وهذا السبب ثابت في ((الصحيح))، فما خرج صاحب القول المذكور عن الظاهر إلا بدليل، ومما ننبّه عليه أن النوويّ أورد المذهب الثالث مقلوباً، فقال: يجوز لمن اسمه محمد دون غيره، وهذا لا يُعرف به قائل، وإنما هو سبق قلم، وقد حَكَى المذاهب الثلاثة في ((الأذكار)» على الصواب، وكذا هي في الرافعيّ. ومما تعقبه السبكيّ عليه أنه رجّح مَنْع التكنية بأبي القاسم مطلقاً، ولمّا ذَكَر الرافعيّ في خطبة ((المنهاج)) كناه، فقال: ((الْمُحَرَّر)) للإمام أبي القاسم الرافعيّ، وكان يمكنه أن يقول: للإمام الرافعيّ فقط، أو يسميه باسمه، ولا يكنيه بالكنية التي يعتقد المصنف مَنْعها. وأجيب باحتمال أن يكون أشار بذلك إلى اختيار الرافعيّ الجواز، أو إلى أنه مشتهِر بذلك، ومن شُهِر بشيء لم يمتنع تعريفه به، ولو كان بغير هذا القصد، فإنه لا يسوغ، والله أعلم. وبالمذهب الأول قال الظاهرية، وبالغ بعضهم، فقال: لا يجوز لأحد أن يُسَمِّي ابنه القاسم؛ لئلا يكنى أبا القاسم. وحَكَى الطبريّ مذهباً رابعاً، وهو المنع من التسمية بمحمد مطلقاً، وكذا ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب التكني بأبي القاسم مطلقاً، ثم ساق من طريق سالم بن أبي الجعد: ((كتب عمر: لا تُسَمُّوا أحداً باسم نبيّ))، واحتُجّ لصاحب هذا القول بما أخرجه من طريق الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس، رفعه: ((يُسَمُّونهم محمداً، ثم يلعنونهم))، وهو حديث أخرجه البزار، وأبو يعلى أيضاً، وسنده لَيِّنٌّ، قال عياض: والأشبه أن عمر إنما فعل ذلك إعظاماً لاسم النبيّ وَّر؛ لئلا يُنتهك، وقد كان سمع رجلاً يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب: يا محمد فعل الله بك، وفعل، فدعاه، وقال: لا أرى رسول الله وَّ﴿ يُسَبّ بك، فغيّر اسمه، أخرجه أحمد، والطبرانيّ من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((نَظَرَ عمر إلى ابن عبد الحميد، وكان اسمه محمداً، ورجل يقول له: فعل الله بك يا محمد، فأرسل إلى ابن زيد بن الخطاب، فقال: لا أرى رسول الله وَل﴿ يُسَبّ بك، فسمّاه عبد الرحمن، وأرسل إلى بني طلحة، وهم سبعة ليغيّر أسماءهم، فقال له محمد - وهو كبيرهم -: والله لقد سماني النبيّ وَل﴾ محمداً، فقال: قوموا، فلا سبيل إليكم))، فهذا يدلّ على رجوعه عن ذلك. وحَكَى غيره مذهباً خامساً، وهو المنع مطلقاً في حياته وَّة، والتفصيل بعده بين من اسمه محمد وأحمد فيمتنع، وإلا فیجوز. وقد ورد ما يؤيد المذهب الثالث الذي ارتضاه الرافعيّ، ووَهّاه النوويّ، وذلك فيما أخرجه أحمد، وأبو داود، وحسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان، من طريق أبي الزبير، عن جابر، رفعه: ((من تسمى باسمي، فلا يَكتني بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي، فلا يتسمى باسمي))، لفظ أبي داود، وأحمد، من طريق هشام الدستوائيّ، عن أبي الزبير، ولفظ الترمذيّ، وابن حبان، من طريق حسين بن واقد، عن أبي الزبير: ((إذا سمّيتم بي، فلا تكنوا بي، وإذا كنيتم بي، فلا تسمّوا بي))، قال أبو داود: ورواه الثوريّ، عن ابن جريج، مثل رواية هشام، ورواه مَعْقِل، عن أبي الزبير، مثل رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: ورواه محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، مثل رواية أبي الزبير. قال الحافظ: ووَصَله البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو يعلى، ولفظه: ((لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي))، والترمذيّ من طريق الليث عنه، ولفظه: ((أن ٢٧٥ (١) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧٤) النبيّ ◌َّ نهى أن يُجْمَع بين اسمه وكنيته، وقال: أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم))، قال أبو داود: واختُلِف على عبد الرحمن بن أبي عمرة، وعلى أبي زرعة بن عمرو، وموسى بن يسار، عن أبي هريرة، على الوجهين. قال الحافظ: وحديث ابن أبي عمرة أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، من طريقه، عن عمه، رفعه: ((لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي)). وأخرج الطبرانيّ من حديث محمد بن فَضالة، قال: (قَدِم رسول الله وَل المدينة، وأنا ابن أسبوعين، فأتي بي إليه، فمسح على رأسي، وقال: سمّوه باسمي، ولا تکنوه بکنیتي)). ورواية أبي زرعة عند أبي يعلى، بلفظ: ((من تسمى باسمي، فلا يكتنى بکنیتي». واحتُجّ للمذهب الثاني بما أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، من حديث عليّ، قال: قلت: يا رسول الله، إن وُلد لي من بعدك ولد أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: ((نعم))، وفي بعض طرقه: ((فسمّاني محمداً، وكناني أبا القاسم))، وكان رخصةً من النبيّ وَّه لعليّ بن أبي طالب، قال الحافظ: روينا هذه الرخصة في ((أمالي الجوهري))، وأخرجها ابن عساكر في الترجمة النبوية من طريقه، وسندها قويّ، قال الطبريّ: في إباحة ذلك لعليّ، ثم تكنيه على ولده أبا القاسم إشارة إلى أن النهي عن ذلك كان على الكراهة، لا على التحريم، قال: ويؤيد ذلك أنه لو كان على التحريم لأنكره الصحابة، ولَمَا مَكَّنُوه أن يَكْني ولده أبا القاسم أصلاً، فدلّ على أنهم إنما فَهِموا من النهي التنزيه. وتُعُقِّب بأنه لم ينحصر الأمر فيما قال، فلعلهم علموا الرخصة له دون غيره، كما في بعض طرقه، أو فهموا تخصيص النهي بزمانه وَّ ر، وهذا أقوى؛ لأن بعض الصحابة سَمَّى ابنه محمداً، وكناه أبا القاسم، وهو طلحة بن عبيد الله، وقد جزم الطبرانيّ أن النبيّ وَ ﴿ هو الذي كناه، وأخرج ذلك من طريق عيسى بن طلحة، عن ظئر محمد بن طلحة، وكذا يقال لكنية كلّ من المحمدين: ابن أبي بكر، وابن سعد، وابن جعفر بن أبي طالب، وابن عبد الرحمن بن عوف، وابن حاطب بن أبي بلتعة، وابن الأشعث بن قيس، أبو ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب القاسم، وأن آباءهم كنوهم بذلك، قال عياض: وبه قال جمهور السلف والخلف، وفقهاء الأمصار. وأما ما أخرجه أبو داود من حديث عائشة رضيها: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله إني سميت ابني محمداً، وكنيته أبا القاسم، فذُكر لي أنك تكره ذلك، قال: ما الذي أحلّ اسمي، وحَرّم كنيتي؟))، فقد ذكر الطبرانيّ في ((الأوسط)) أن محمد بن عمران الحجبيّ تفرد به، عن صفية بنت شيبة، عنها، ومحمد المذكور مجهول، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً، فلا دلالة فيه على الجواز مطلقاً؛ لاحتمال أن يكون قبل النهي. وفي الجملة أعدل المذاهب المذهب المفَصِّل المحكيّ أخيراً مع غرابته. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بعد أن أشار إلى ترجيح المذهب الثالث من حيث الجواز: لكن الأولى الأخذ بالمذهب الأول، فإنه أبرأ للذمة، وأعظم للحرمة، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما مال إليه الحافظ تَّتُ من التفصيل، وهو أن النهي مخصوص بحياته وَه، وأما بعد وفاته، فيختصّ المنع بمن جمع بين الاسم والكنية، وهذا أعدل الأقوال، لكن الأَولى والأحوط منه ما قاله الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: أن المنع مطلقاً أبرأ للذّة. والحاصل أنه لا يجوز التكنّي بعده وَ﴿ بأبي القاسم لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره؛ لصحّة الحديث بذلك، فعن أبي هريرة رضيالله أنه وَ ل قال: ((لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي))، صححه ابن حبّان، وفي لفظ: ((أنه نهى أن يَجمَع أحدٌ اسمه وكنيته))، وعن جابر ◌َُّه مرفوعاً: ((إذا كنيتم فلا تسمَّوا باسمي، وإذا سمّيتم فلا تكنوا بكنيتي))، صححه ابن حبّان أيضاً. لكن الأولى، والأَليق ببراءة الذّة تَرْكه مطلقاً، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): يستحبّ التسمية بأسماء الأنبياء للَّلة، وفيه حديثان صريحان، أحدهما: ما يأتي لمسلم من حديث المغيرة بن شعبة نظريته، عن النبيّ وَّ قال: ((إنهم كانوا يسمّون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم))، وثانيهما: ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والبخاريّ في ((الأدب المفرد)) من حديث أبي وهب الْجُشَمِيّ - بضم الجيم، وفتح المعجمة - رفعه: ((تَسَمَّوا ٢٧٧ (١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧٤) بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها : حارث، وهمام، وأقبحها: حَرْب، ومُرَّة))، قال بعضهم: أما الأولان فَلِمَا يأتي قريباً، وأما الآخران فلأن العبد في حرث الدنيا، أو حرث الآخرة، ولأنه لا يزال يَهُمّ بالشيء بعد الشيء، وأما الأخيران فلِمَا في الحرب من المكاره، ولما في مُرّة من المرارة. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: ((سمّاني النبيّ وَل ﴿ يوسف ... )) الحديث، وسنده صحيح، وأخرجه الترمذيّ في ((الشمائل))، وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن سعيد بن المسيِّب، قال: ((أحب الأسماء إليه أسماء الأنبياء، تَسَمَّوا بأسماء الأنبياء))، لفظه أَمْر، ومعناه الإباحة؛ لأنه خرج على سبب، وهو: ((تَسَمَّوا باسمي))، وإنما طلب التسمي بالأنبياء؛ لأنهم سادة بني آدم، وأخلاقهم أشرف الأخلاق، وأعمالهم أصلح الأعمال، فأسماؤهم أشرف الأسماء، فالتسمي بها شرف للمسمى، ولو لم يكن فيها من المصالح إلا أن الاسم يُذَكِّر بمسمّاه، ويقتضي التعلق بمعناه، لكفى به مصلحةً، مع ما فيه من حفظ أسماء الأنبياء لقـ وذِكْرها، وأن لا تُنْسَى، فلا يكره التسمي بأسماء الأنبياء، بل يستحب، مع المحافظة على الأدب، قال العلّامة ابن القيّم: وهو الصواب، وكان مذهب عمر كراهته، ثم رجع كما يأتي، وكان لطلحة عشرة أولاد، كل منهم اسمه اسم نبيّ، وللزبير عشرة، كل منهم مسمى باسم شهيد، فقال له طلحة: أنا أسميهم بأسماء الأنبياء، وأنت بأسماء الشهداء، فقال: أنا أطمع في كونهم شهداء، وأنت لا تطمع في كونهم أنبياء. وإنما كان أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن؛ لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وعبده بالرحمة المحضة، فبرحمته كان وجوده، وكمال وجوده، والغاية التي أوجده لأجلها أن يتألهه وحده، محبةً، وخوفاً، ورجاءً، وإجلالاً، وتعظيماً، ولمّا غلبت رحمته غضبه، وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب، كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر، وأصدقها حارث، وهمام؛ إذ لا ينفك مسمّاهما عن حقيقة معناهما، وأقبحها حرب ومُرَّة؛ لِمَا في حرب من البشاعة، ٢٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وفي مُرَّة من المرارة، وقْيْسَ به ما أشبهه؛ كحنظلة، وحَزْن، ونحو ذلك، ذكره المناويّ ◌َُّ(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٧٥] (٢١٣٢) - (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ - وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِسَبَلَانَ - أَخْبَرَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخِيهِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَهُ مِنْهُمَا سَنَةً أَرْبَعْ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، يُحَدِّثَانِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ : ((إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ) أبو إسحاق البغداديّ، الْمُلَقَّبُ بِسَبَلَانَ - بفتح السين المهملة، والموحّدة - ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عباد بن عباد المهلّبيّ، والفرج بن فَضالة، ويحيى القطان، وهشیم، وحماد بن زيد، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى عنه النسائيّ بواسطة، وعلي ابن المدينيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، والذّهْليّ، ومعاذ بن المثنى، وعِدّة. قال أحمد: إذا مات سَبَلان ذهب علم عبّاد بن عبّاد، وقال أيضاً: لا بأس به، كان معنا عند هشيم، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وصالح جزرة: ثقةٌ، وقال أحمد بن محمد بن مُحرِز، عن يحيى بن معين: ما كان به بأس، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صالح الحديث، ثقةٌ، كتبت عنه، وقال: كان حجاج بن الشاعر يُحسن القول فيه، والثناء عليه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (٢٣٢)، وقال مُطَيَّن، وموسى الحمال: مات سنة (٢٢٨)، زاد موسى: في ذي الحجة، وكان قد ضَبَّب أسنانه بالذهب. انفرد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (١) ((فيض القدير على الجامع الصغير)) للمناويّ كَذَتهُ ٢٤٦/٣. ٢٧٩ (١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي ◌ِأَبِي الْقَاسِمِ، وَبَيَانِ مَا ◌ُسْتَحَبُّ ... إلخ -حديث رقم (٥٥٧٥) ٢ - (عَبَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن حبيب بن الْمُهلّب بن أبي صُفْرة الأزديّ المهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٧] (ت١٧٩) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤. ٣ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، أبو عبد الرحمن العدويّ الْعُمريّ المدنيّ، ضعيف [٧]. روى عن نافع، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن مهديّ، والليث بن سعد، وابن وهب، وعبد الرزاق، وعبّاد بن عبّاد الْمُهَلّبِيّ، وغيرهم. قال أبو طلحة عن أحمد: لا بأس به، قد رُوي عنه، ولكن ليس مثل أخيه عبيد الله، وقال أبو زرعة الدمشقيّ عن أحمد: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلاً صالحاً، وقال أبو حاتم: رأيت أحمد بن حنبل يُحْسن الثناء عليه، وقال أحمد: يروي عبد الله عن أخيه عبيد الله، ولم يرو عبيد الله عن أخيه عبد الله شيئاً، كان عبد الله يُسأل عن الحديث في حياة أخيه، فيقول: أما وأبو عثمان حيّ فلا، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صويلح، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ليس به بأس، يُكتب حديثه، وقال عبد الله بن علي ابن المدينيّ عن أبيه: ضعيف، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ، صدوق، في حديثه اضطراب، وقال صالح جَزَرة: لَيِّن مختلط الحديث، وقال النسائيّ: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من عبد الله بن نافع، يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وقال العجليّ: لا بأس به، وقال الترمذيّ في ((العلل الكبير)) عن البخاريّ: ذاهبٌ، لا أروي عنه شيئاً، وقال البخاريّ في ((التاريخ)): كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم، وقال يعقوب بن سفيان، عن أحمد بن يونس: لو رأيت هيئته لعرفت أنه ثقة، وقال المرُّوذيّ: ذَكَرِه أحمد، فلم يَرْضَه، وقال ابن عمار الموصليّ: لم يتركه أحد إلا يحيى بن سعيد، وزعموا أنه أخذ كُتُب عبيد الله، فرواها، وأورد له يعقوب بن شيبة في ((مسنده)) حديثاً، فقال: هذا حديث حسن الإسناد، مدنيّ، وقال في موضع آخر: هو رجل صالحٌ، مذكور بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعف والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيراً، ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الآداب وقال الخليليّ: ثقة غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه، وقول ابن معين فيه: إنه صويلح، إنما حكاه عنه إسحاق الكوسج، وأما عثمان الدارميّ فقال عن ابن معين: صالح ثقة، وقال ابن عديّ: لا بأس به في رواياته، صدوق، وقال ابن سعد: خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن، فحبسه المنصور، ثم خلّاه، وتُوُفّي بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة في خلافة هارون، وكان كثير الحديث يُستضعف، وقال خليفة: مات سنة (١٧١)، وقال ابن حبان: كان ممن غَلَب عليه الصلاح، حتى غفل عن الضبط، فاستحقّ الترك، مات سنة (١٧٣)، وقال ابن أبي الدنيا: كان يكنى أبا القاسم، فتركها، واكتنى أبا عبد الرحمن، وأرَّخ وفاته مثل ابن سعد. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، أحدهما هذا برقم [٥٥٧٥/١] (٢١٣٢) والثاني تقدّم في ((كتاب الحدود)) برقم [١/ ٤٣٩٩] (١٦٨٦). والباقون تقدّموا قريباً. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) الْعُمَريّ (وَأَخِيهِ) الأصغر منه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع عبّاد بن عبّاد هذا الحديث (مِنْهُمَا)؛ أي: من الأخوين: عبيد الله، وعبد الله، (سَنَةَ أَرْبَع وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ) حال كونهما (يُحَدِّثَانِ) به، قال النوويّ كَّتُهُ: هذا صحيح لأنَّ عبيد الله ثقةٌ حافظٌ ضابطٌ مُجْمَع على الاحتجاج به، وأما أخوه عبد الله فضعيف، لا يجوز الاحتجاج به، فإذا جمع بينهما الراوي جاز، ووجب العمل بالحديث؛ اعتماداً على عبيد الله. انتهى(١). (عَنْ نَافِعِ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿يَا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ ((إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ))) قال النوويّ تَخْلُهُ: فيه التسمية بهذين الاسمين، وتفضيلهما على سائر ما يُسمّى به. (٢) انتھی (١) ((شرح النوويّ)) ١١٣/١٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٣/١٤.