Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٦) ولاة الأمور بإنكار المنكر، وإشاعة إزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره، ممن توجه ذلك علیه. انتھی(١). وقال القاضي عياض نَّثُ: قوله: ((أين علماؤكم؟)) قيل: استعانة بهم على التعريف بهذا المنكر وتغييره، والإنكار عليهم إن كانوا لم ينكروه، وهذا أظهرُ بقصده على مساق كلامه. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟)) فيه إشارة إلى قلة العلماء يومئذ بالمدينة، ويَحْتَمِل أنه أراد بذلك: إحضارهم ليستعين بهم على ما أراد من إنكار ذلك، أو لينكِر عليهم سكوتهم عن إنكارهم هذا الفعل قبل ذلك. انتھی(٣). وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: قوله: ((أين علماؤكم؟)) فيه إشارة إلى أن العلماء إذ ذاك فيهم كانوا قد قَلَّوا، وهو كذلك؛ لأن غالب الصحابة كانوا يومئذ قد ماتوا، وكأنه رأى جهال عوامهم صنعوا ذلك، فأراد أن يذكّر علماءهم، وينبههم بما تركوه من إنكار ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون ترك من بقي من الصحابة، ومن أكابر التابعين إذ ذاك الإنكار، إما لاعتقاد عدم التحريم، ممن بلغه الخبر، فحَمَله على كراهة التنزيه، أو كان يخشى من سطوة الأمراء في ذلك الزمان على من يستبد بالإنكار؛ لئلا يُنسب إلى الإعتراض على أولي الأمر، أو كانوا ممن لم يبلغهم الخبر أصلاً، أو بلغ بعضهم لكن لم يتذكروه حتى ذكَّرهم به معاوية، فكل هذه أعذار ممكنة لمن كان موجوداً إذ ذاك من العلماء، وأما من حضر خطبة معاوية، وخاطبهم بقوله: ((أين علماؤكم؟)) فلعل ذلك كان في خطبة غير الجمعة، ولم يتفق أن يحضره إلا من ليس من أهل العلم، فقال: ((أين علماؤكم؟))؛ لأن الخطاب بالإنكار لا يتوجه إلا على من عَلِم الحكم، وأقرّه. انتهى(٤). وتعقّب العينيّ قول الحافظ: ((فيه إشارة إلى قلة العلماء ... إلخ))، فقال: (١) (شرح النوويّ)) ١٠٨/١٤. (٢) ((إكمال المعلم)) ٦٥٨/٦. (٣) ((الفتح)) ٤٤٩/١٣ - ٤٥٠، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٣٢). (٤) (الفتح)) ١٢٦/٨ - ١٢٧، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٦٨). ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة فيه بُعد يستبعده من له اطلاع في التاريخ، وكانت المدينة دار العلم، ومعدن الشريعة، وإليها يهرع الناس في أمر دينهم. [فإن قلت]: إذا كان الأمر كذلك كيف لم يغيّر أهلها هذا المنكر؟. [قلت]: لا يخلو زمان من ارتكاب المعاصي، وقد كان في وقت رسول الله وَ﴿ مَن شرب الخمر، وسَرَق، وزنى، إلا أنه كان شاذّاً نادراً، فلا يحل لمسلم أن يقول: إنه بَّه لم يغيِّر المنكر، فكذلك أمرُ القُصّة بالمدينة كان شاذّاً، ولا يجوز أن يقال: إن أهلها جَهِلوا النهي عنها؛ لأن حديث لعن الواصلة حديث مدنيّ معروف عندهم، مستفيض. انتهى كلام العينيّ كَّهُ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخْتُ: وقول معاوية تظله: ((يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟)) هذا من معاوية ره على جهة التذكير لأهل المدينة بما يعلمونه، واستعانة على ما رام تغييره من ذلك، لا على جهة أن يُعْلِمهم بما لم يعلموا، فإنَّهم أعلم الناس بأحاديث النبيّ وَّةِ، لا سيما في ذلك العصر. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك فيه؛ لأنَّ عوام أهل المدينة أول من أحدث الزور، كما قال في الرواية الأخرى: ((إنكم قد أحدثتم زِيَّ سَوْء))؛ يعني: الزور، فنادى أهل العلم ليوافقوه على ما سمعه من النبيّ و18َّ من النهي عن ذلك، فينزجر من أحْدَث ذلك من العوام. وقد فسَّر معاوية الزور المنهي عنه في هذا الحديث بالخِرَق التي يُكْثِر النساء بها شعورهن بقوله: ((ألا وهذا الزور))، وزاده قتادة وضوحاً. و((الزور)) في غير هذا الحديث: قول الباطل، والشهادة بالكذب. وأصل التزوير: التمويه بما ليس بصحيح. وهذا الحديث حجَّة واضحة على إبطال قول من قصر التحريم على وصل الشعر، كما تقدَّم. وهذا يدلّ: على اعتبار أقوال أهل المدينة عندهم، وأنها مرجع يُعتمد عليه في الأحكام. وهو من حجج مالك على أن إجماع أهل المدينة حجَّة، وقد حققنا ذلك في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ كَّهُ(٢). (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وِّهِ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ)؛ أي: ينهى النساء عن (١) ((عمدة القاري)) ٦٣/٢٢. (٢) ((المفهم)) ٤٤٨/٥. ٢٤٣ (٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٦) استعمال مثل هذه القُصّة في وَصْل شعورهنّ بها، وقال في ((العمدة)): وأشار به إلى قُصّة الشعر التي تناولها من يد حَرَسيّ، وبمثلها كانت النساء يوصلن شعورهن. انتھی(١). (وَيَقُولُ) ◌َّهِ ((إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ))) فيه إشارة إلى أن الوصل كان محرَّماً على بني إسرائيل، فعوقبوا باستعماله، وهلكوا بسببه، وقوله: ((حين اتخذ هذه)) إشارة أيضاً إلى القُصّة المذكورة، وأراد به الوصل، قاله في ((العمدة))(٢). وقال عياض ◌َّتُ: قوله: ((إنما هلكت بنو إسرائيل ... إلخ)) قيل: يَحْتَمِل أنه كان محرَّماً عليهم، فعوقبوا باستعماله، وهلكوا بسببه، وقيل: يَحْتَمِل أن الهلاك كان به وبغيره، مما ارتكبوه من المعاصي، فعند ظهور ذلك فيهم هلكوا، وفيه معاقبة العامّة بظهور المنكر. انتهى (٣). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إنما هلكت بنو إسرائيل ... إلخ)) يظهر منه: أن ذلك كان محرَّماً عليهم، وأن نساءهم ارتكبوا ذلك المحرَّم، فأقرَّهن على ذلك رجالهم، فاستوجب الكل العقوبة بذلك، وبما ارتكبوه من العظائم. (٤) انتھی(2). وفي رواية معمر الآتية: ((إنما عُذّب بنو إسرائيل))، ووقع في رواية سعيد بن المسيِّب الآتية: ((إن رسول الله بلغه، فسماه الزور)) وفي رواية قتادة، عن سعيد الآتية أيضاً: (نَھَى عن الزور - وفي آخره - ألا وهذا الزور))، قال قتادة: يعني ما تُكْثر به النساء أشعارهنّ من الْخِرَق. وهذا الحديث حجة للجمهور في مَنْع وَصْل الشعر بشيء آخر، سواء كان شعراً، أم لا، ويؤيده حديث جابر الماضي بلفظ: ((زَجَرَ رسول الله وَلِ أن تصل المرأة بشعرها شيئاً))، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة في شرح حديث أسماء ها، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (١) ((عمدة القاري)) ٦٤/٢٢. (٣) ((إكمال المعلم)) ٦٥٨/٦. (٢) ((عمدة القاري)) ٦٤/٢٢. (٤) ((المفهم)) ٤٤٨/٥. ٢٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سفيان (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٦٦/٣٢ و٥٥٦٧ و٥٥٦٨ و٥٥٦٩] (٢١٢٧)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٤٦٨ و٣٤٨٨) و((اللباس)) (٥٩٣٢ و٥٩٣٨)، و(أبو داود) في ((الترجّل)) (٤١٦٧)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٨١)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٨٦/٨ - ١٨٧) و((الكبرى)) (٤٢٠/٥)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢/ ٩٤٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٢/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٨٧ - ٨٨ و٩١ و١٠١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٠٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٨٦/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٥١٠ و٥٥١١ و٥٥١٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٤٠/١٩ و٧٤١ و٧٤٣ و٧٤٤ و٧٤٦ و٧٤٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٦/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣١٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه قيام الأئمة بالنهي عن المنكر، والتعريف به على المنبر، ولا سيّما إذا رآه مشتهراً. ٢ - (ومنها): بيان تحريم وصل الشعر بغيره. ٣ - (ومنها): معاقبة العامّة بفشوّ المنكر بين أظهرهم. ٤ - (ومنها): ما قاله عياض: فيه حجة على من ذهب إلى جواز إلقاء الشعر والجمّة على الرأس، وخصّ النهي بالوصل، وقد تقدّم؛ لأن الْقُصّة مما توضع، وليست موصولةً(١). ٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ كَّلُهُ: فيه الاعتبار، والحكم بالقياس؛ لخوف معاوية على هذه الأمة الهلاك؛ كبني إسرائيل، فإن مَن فعل (١) ((إكمال المعلم)) ٦٥٨/٦. ٢٤٥ (٣٢) - بَابُ تَحْرِيم فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٦) مثله استحقه، أو يعفو الله، ووجوب اجتناب عَمَل هلك به قوم، قال: ويَحْتَمِل أن القُصّة لم تَفْشُ فيهم حتى أعلنوا بالكبائر، فكأن القُصّة علامة لا تكاد تظهر إلا في أهل الفسق، لا أنها فِعلة يستحق فاعلها الهلاك بها، دون أن يجامعها غيرها . ويَحْتَمِل أن بني إسرائيل نُهُوا تحريماً عن ذلك، فاتخذوه استخفافاً، فهلكوا . قال: والذي منعوا منه جاء عن نبيّناوَ﴿ مثله، كما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة وغيره، مرفوعاً: ((لَعَن اللهُ الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة)). انتهى ملخصاً. ٦ - (ومنها): ما في هذا الحديث دليل على أن شعر بني آدم طاهر، ألا ترى إلى تناول معاوية، وهو في الخطبة قُصّة الشعر، وعلى هذا أكثر العلماء، وقد كان الشافعيّ ظُهُ يقول: إن شعر بني آدم نجس؛ لقوله وَله: ((ما قُطِع من حيّ فهو ميت))، ثم رجع عن ذلك لهذا الحديث، وأشباهه، ولإجماعهم على الصوف من الحيّ أنه طاهر، وأما الصوف من الميتة فمختلَف فيه، قاله ابن عبد البرّ ◌َّهُ(١). ٧ - (ومنها): إباحة الكلام في الخطبة بالمواعظ، والسنن، وما أشبه ذلك، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، واختلفوا في سائر الكلام في الخطبة للمأموم والإمام، نحو تشميت العاطس، وردّ السلام، وقد تقدّم تحقيق ذلك في محلّه، ولله والحمد والمنّة. ٨ - (ومنها): ما قاله عياض أيضاً: احتجّ به من قال بإبطال الحجة بإجماع أهل المدينة وعملهم على المالكيّة، قال: ولا حجة له في هذا؛ إذ لم يثبت أن هذا كان شائعاً بالمدينة، وغير منكر بها، وإنما تناوله معاوية رائه من يد حَرَسيّ وجدها على امرأة، ولم تَسْلَم المدينة، ولا غيرها في وقت من مذنب، ولا مرتكب للمعاصي بمشيئة الله تعالى في زمن النبيّ وَّر، وبعده، (١) ((التمهيد لابن عبد البر)) ٢٢٠/٧. ٢٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وليس في قوله: ((أين علماؤكم؟)) ما يدلّ أنهم جَهِلوه، أو رأوه ولم ينكروه، والحجة بعمل أهل المدينة أشهر على التحقيق فيما نقلوه النقل المستفيض، وتداوله عملهم خلفاً عن سلف إلى زمان النبيّ وَّ؛ كالأذان، والصاع، ونحو ذلك، وهذا مما وافق عليه المخالِف حين بُيِّن له، ورجع أبو يوسف حين مناظرته لمالك في المسألة، واختلفوا فيما أجمعوا عليه من جهة الاجتهاد، واختَلَف فيه تأويل شيوخنا على مذهب مالك، فذهب قدماء أصحابه العراقيين أنه ليس بحجة، ولا هو مراد مالك، ومذهب بعض المدنيين والمتأخّرين من العراقيين والمغاربة من أصحابه أنه حجةٌ، وذهب الكثير من أئمّة الأصوليين إلى أنه ترجيح للآثار التي اختَلَفت، وكلّ هذا غير موجود في مسألتنا. انتهى، كلام القاضي عياض كَخَذْهُ(١). وقال ابن عبد البرّ تَخْتُهُ: احتج بهذا الحديث مَن زعم أن عمل أهل المدينة لا حجة فيه، وقال: ألا ترى أن معاوية ظ﴿به يقول: ((أين علماؤكم؟)) يريد: أين علماؤكم عن تغيير مثل هذا، والحفظ له، والعمل به، ونَشْرِه؟ يريد أن المدينة قد يظهر فيها، ويُعمل بين ظهراني أهلها بما ليس بسُنَّة، وإنما هو بدعة، واحتجّ قائل هذا القول برواية مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، وكان من كبار التابعين، أنه قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة. وقد حَكَى إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك أنه سئل عما يصنع أهل المدينة ومكة من إخراج إمائهم عُراة، مُتَّزرات، وأبدانهن ظاهرة، وصدورهنّ، وعما يَصنع تجارهم من عَرْض جواريهم للبيع على تلك الحال، فكرهه كراهية شديدة، ونَهَى عنه، وقال: ليس ذلك من أَمْر من مضى، من أهل الفقه، والخير، ولا أمْر من يُفتي من أهل الفقه والخير، وإنما هو مِنْ عَمَلٍ من لا وَرَع له من الناس. وقال أنس بن عياض: سمعت هشام بن عروة يقول: لمّا اتخذ عروة قصره بالعقيق عُوتب في ذلك، وقيل له: جفوت عن مسجد رسول الله وَليه، (١) ((إكمال المعلم)) ٦٥٨/٦. ٢٤٧ (٣٢) - بَابُ تَحْرِيمٍ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٧) فقال: إني رأيت مساجدكم لاهية، وأسواقكم لاغية، والفاحشة في فِجاجكم عالية، فكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية، ثم قال: ومن بقي إنما بقي شامتٌ بنكبة، أو حاسد على نعمة، قالوا: فهذا عروة يخبر عن المدينة بما ذكرنا، فكيف يُحتج بشيء من عمل أهلها، لا دليل عليه؟ قال ابن عبد البرّ: والذي أقول به أن مالكاً تَخْلَهُ إنما يحتج في ((الموطأ)) وغيره بعمل أهل المدينة، يريد بذلك عمل العلماء، والخيار، والفضلاء، لا عمل العامة السوداء. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَّتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٦٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِك، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ: ((إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم تقدّموا قريباً . [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ ساقها النسائيّ ◌َُّ في ((سننه))، فقال: (٩٣٦٧) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت معاوية، وهو على المنبر بالمدينة، وأخرج من كُمّه قُصّة من شعر، فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله وَ﴿ ينهى عن مثل هذه، وقال: ((إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ نساؤهم مثل هذا)). انتهى(٢). ورواية يونس عن الزهريّ ساقها الترمذيّ تَخّْثُ في ((جامعه))، فقال: (١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٢٢١/٧ - ٢٢٢. (٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٢٠/٥. ٢٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة (٢٧٨١) - حدّثنا سُويد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهريّ، أخبرنا حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بالمدينة يخطب، يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ إني سمعت رسول الله وَلجه ينهى عن هذه القُصّة، ويقول: ((إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن معاوية. انتهى(١). ورواية معمر عن الزهريّ ساقها أحمد كَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١٦٩١١) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن أنه رأى معاوية، يخطب على المنبر، وفي يده قُصّة من شعر، قال: سمعته يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله وَل ينهى عن مثل هذا، وقال: ((إنما عُذُّب بنو إسرائيل حين اتخذت هذه نساؤهم)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٦٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةً (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ، فَخَطَبَنَا، وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَداً يَفْعَلُهُ إِلَّا الْيَهُودَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ بَلَغَهُ، فَسَمَّاهُ الزُّورَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١. والباقون كلّهم ذُكرِوا في الباب. وقوله: (وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ) - بضم الكاف، وتشديد الباء - هي شعر مكفوف بعضه على بعض، قاله النوويّ تَذَتْهُ(٣). (١) جامع الترمذيّ)) ١٠٤/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٨/١٤. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤ /٩٥. ٢٤٩ (٣٢) - بَابُ تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٩) وقوله: (فَسَمَّاهُ الزُّورَ)؛ أي: الكذب، والتزيين بالباطل، ولا شك أن وَصْل الشعر منه، وفيه طهارة شعر الآدمي، وقال ابن الأثير تَخْلُهُ: الزور الكذب، والباطل، والتهمة، ومنه سُمّي شاهد الزور، وسَمَّى النبيّ ◌َّ الوصل زوراً؛ لأنه كذب، وتغيير خلق الله تعالى، ذكره فى ((العمدة))(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٦٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَام - حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَقِّمْ زِيَّ سَوْءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ وَله نَهَى عَنِ الزُّورِ، قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصاً عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا وَهَذَا الزُّورُ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم تقدّموا قريباً. وقوله: (أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سَوْءٍ)؛ أي: زيّاً قبيحاً، وإضافة ((زيّ)) إلى ((سَوْء)) - بفتح السين - من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقال المرتضى في ((شرح القاموس)): ((الزيّ) بالكسر: الهيئة، واللباس، وأصله زِوْيٌّ، قاله الجوهريّ، وقال الفراء: الزيُّ: الهيئة والمنظر، وقُرىء: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَا وَرِهْيًا﴾ [مريم: ٧٤] بالراء، والزاي، وجمعه: أزياء، وقال الليث: تَزَنَّى الرجل بزيٍّ حسنٍ، ومنه قول المتنبي [من الطويل]: وَقَدْ يَتَزَيَّى بِالْهَوَى غَيْرُ أَهْلِهِ وَيَسْتَصْحِبُ الإِنْسَانُ مَنْ لَا يُلَائِمُهْ وقد اعترض تلميذه ابن جني عليه، وقال له: هل تعرفه في شعر، أو كتاب في اللغة؟ فقال: لا، فقال: كيف أقدمت عليه؟ قال: لأنه جرى عليه الاستعمال، فقال: أرى الصواب: يتزوَّى، من زُوِيت لي الأرض. انتهى(٢). (١) ((عمدة القاري)) ٦٦/٢٢. (٢) ((تاج العروس)) ٨٤٢٢/١ - ٨٤٢٣. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة [فائدة]: قال في ((القاموس))، و((شرحه)): يقال: لا خيرَ في قولِ السَّوءِ بالفتح، والضمّ، إِذا فتحتَ السين فمعناه: لا خَيْرَ في قولٍ قَبيح، وإذا ضممتَ السِّين فمعناه: لا خَيْرَ في أن تقولَ سُوءاً؛ أي: لا تقل سُوءاً، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَآيِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوجهين: الفتح، والضمّ، قال الفرَّاء: هو مثل قولك: رجلُ السَّوْءِ، والسَّوْءُ بالفتح في القراءة أَكثرُ، وقلَّما تقولُ العربُ: دائرة السُّوءِ بالضَّمِّ، وقال الزجَّاج في قوله تعالى: ﴿الَّائِينَ بِاللَّهِ ◌َظَرَبَّ السَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] كانوا ظنُّوا أَنْ لن يعودَ الرسولُ، والمؤمنون إلى أهليهم، فجعلَ اللهُ دائرة السَّوْءِ عليهم، قال: ومن قرأَ ظنَّ السُّوءِ فهو جائزٌ، قال: ولا أعلم أحداً قرأ بها، إِلَّا أَنَّها قد رُوِيَتْ، قال الأَزهريُّ: قولُه: لا أَعلم أحداً إلى آخره وَهَمٌّ، قرأَ ابنُ كثيرٍ، وأَبو عمرو: ﴿دَآيِرَةُ السَّوْءٌ﴾ بضم السِّين، ممدوداً في ((سورة براءة))، و((سورة الفتح))، وقرأَ سائرُ القُرَّاء: السَّوْءِ بفتح السين في السُّورتين، قال: وتعجَّبتُ أَن يذهَبَ على مِثْلِ الزجَّاجِ قِراءةُ القارِئَيْنِ الجليلين: ابنِ كثيرٍ، وأبي عمرو، وقال أَبو منصور: أَمَّا قوله: ﴿وَظَنَفْتُمْ ظَرَ النَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢] فلم يُقرأْ إِلَّ بالفتح، قال: ولا يجوز فيه ضمّ السين، وقد قرأَ ابنُ كثير، وأبو عمرو: ﴿دَآبِرَةُ السَّوْءُ﴾ بضم السِّين ممدوداً في السُّورتين، وقرأَ سائر القُرَّاء بالفتح فيهما، وقال الفرَّاء تَخْذُ في ((سورة براءة)) في قوله تعالى: ﴿وَيَتَرََّصُ بِكُ الدَّوَابِرِ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءُ﴾. [التوبة: ٩٨] قال: قراءة القُرَّاءِ بنصب السَّوْءِ، وأَراد بالسَّوْء المصدَرَ، ومن رفع السِّين جعله اسماً، قال: ولا يجوز ضمُّ السِّين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوءِ آمْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨]، ولا في قوله: ﴿وَظَنَفْتُمْ ظَرَنَّ الشَّوْءِ﴾؛ لأنَّه ضدٌّ لقولهم: هذا رجلُ صدقٍ، وثوبُ صدقٍ، وليس للسَّوْءِ هنا معنًى في بلاءٍ، ولا عذابٍ، فيُضَمّ، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ﴾؛ أَي: الهزيمَةِ، والشَّرِّ، والبلاءِ، والعذاب، والرَّدى، والفَساد، وكذا في قوله تعالى: ﴿أَمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ﴾ [الفرقان: ٤٠] بالوجهين، أَو أَنَّ المضموم هو الضَّرَرُ، وسوءُ الحال، والسَّوْءُ المفتوح من المَسَاءة مثل الفَساد، والرَّدى، والنَّار، ومنه قوله تعالى: ﴿ِثُنَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ﴾ [الروم: ١٠] قيل: هي جهنم - أَعاذنا الله منها - في قراءةٍ؛ أَي: عند بعض القُرَّاء، والمشهور: السُّوأَى كما يأتي، ورجلٌ سَوْءٍ ٢٥١ (٣٢) - بَابُ تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةِ، وَالْوَاشِمَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٦٩) بالفتح؛ أي: يعملُ عملَ سَوْءٍ، وإذا عرَّفته وصفتَ به تقول: هذا رجلُ سَوْءٍ - بالإضافة - وتُدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا رجلُ السَّوْءِ. قال الفرزدق [من الطويل]: وَكُنْتَ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَماً بِصَاحِبِهِ يَوْماً أَحَالَ عَلَى الدَّم بالفتح، والإضافة، لفٍّ ونشرٌ مرتَب، قال الأَخفش: ولا يقال: الرَّجلُ السَّوْءُ، ويقال: الحقُّ اليقينُ، وحقُّ اليقين، جميعاً؛ لأَنَّ السَّوْءَ ليس بالرجل، واليقينُ هو الحقُّ، قال: ولا يقال: هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، قال ابن بَرِّيّ: وقد أَجاز الأَخفشُ أن يُقال: رجلُ السَّوْءِ، ورجلُ سَوْءٍ بفتح السين فيهما، ولم يُجِز رجلُ السُّوءِ بضم السِّين؛ لأَنَّ السُّوءَ اسمٌ للضُّرِّ، وسُوءِ الحال، وإِنَّما يُضاف إلى المصدر الذي هو فعله، كما يقال: رجلُ الضَّربِ، والطّعنِ، فيقومُ مقامَ قولك: رجلٌ ضرَّابٌ، وطعَّانٌ، فلهذا جاز أَن يقال: رجلُ السَّوْءِ بالفتح، ولم يَجُزْ أَن يقال: هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، وتقول في النَّكرة: رجلُ سَوْءٍ، وإذا عرَّفت قلت: هذا الرجلُ السَّوْءُ، ولم تُضِف، وتقول: هذا عملُ سَوْءٍ، ولا تقل: السَّوْءِ؛ لأنَّ السَّوْءَ يكون نعتاً للرجل، ولا يكون السَّوْءُ نعتاً للعمل؛ لأنَّ الفعل من الرجل، وليس الفعل من السَّوْءِ، كما تقول: قوْلُ صدقٍ، والقولُ الصّدقُ، ورجلُ صدق، ولا تقول: رجلُ الصِّدق؛ لأنَّ الرجل ليس من الصّدقِ. انتھی(١) .. وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصاً عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ) لم يُعرف الرجل. وقوله: (قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ) - بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء -: جمع خِرْقة - بكسر، ففتح -، مثل سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهي القطعة من الثوب، قال في ((الفتح)): يستفاد من هذه الزيادة في رواية قتادة مَنْع تكثير شعر الرأس بالْخِرَق، كما لو كانت المرأة مثلاً قد تمزق شعرها، فتضع عِوَضه خِرَقاً تُوهم أنها شعر. انتهى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٣٩/١ - ١٤٠. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة (٣٣) - (بَابُ النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ، الْعَارِيَاتِ، الْمَائِلَاتِ، الْمُمِيلَاتِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٧٠] (٢١٢٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَّمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ؛ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ، عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ، مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ كَذَا وَكَذَا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَثُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من سُهيل، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ربه أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَله أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((صِنْفَانٍ)؛ أي: نوعان (مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا) قال القرطبيّ تَُّ: أي: لم يوجد في عصره ◌َّ منهما أحدٌ؛ لطهارة أهل ذلك العصر الكريم، ويتضمن ذلك أن ذينك الصنفين سيوجدان، وكذلك كان، فإنَّه خَلَف بعد تلك الأعصار قوم يلازمون السياط المؤلمة التي لا يجوز أن يُضرب بها في الحدود قصداً لتعذيب الناس، فإنْ أمروا بإقامة حدّ، أو تعزير، تعدّوا المشروع في ذلك في الصفة والمقدار، وربما أفضى بهم الهوى، وما جُبلوا عليه من الظلم إلى هلاك المضروب، أو تعظيم عذابه، وهذه أحوال الشُّرَط بالمغرب، والعوانية في هذه البلاد، وعلى الجملة، فهم سَخَط الله في الجملة عاقب الله بهم شرار خلقه غالباً، نعوذ بالله من سخطه في الدنيا والآخرة. انتهى (١). (١) ((المفهم)) ٤٤٩/٥. ٢٥٣ (٣٣) - بَابُ النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ، الْعَارِيَاتِ، الْمَائِلَاتِ، الْمُمِيلَاتِ - حديث رقم (٥٥٧٠) (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ) بكسر السين المهملة: جمع سوط، قال الفيّوميّ تَظُّْهُ: السوط معروفٌ، والجمع أسواطٌ، وسِيَاطٌ، مثلُ ثوب وأثواب، وثياب، وضربه سوطاً؛ أي: ضربه بسوط، وقوله تعالى: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣]؛ أي: ألمَ سوط عذاب، والمراد: الشدّة؛ لِمَا عُلِم أن الضرب بالسوط أعظم أَلَماً من (١) غيره. انتهى(١). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): السَّوْطُ: المِقْرَعَةُ، قالَ ابن دُرَيْدٍ: لأنَّها تَسُوطُ؛ أَي: تَخْلِطُ اللَّحْمَ بالدَّم، إِذا سيطَ بها إنسانٌ، أو دابَّة، وقالَ الجَوْهَرِيّ: السَّوْطُ: مَا يُضْرَبُ به، جمعه: سِياطٌ بالكَسْرِ، وأَضْلُه: سِواطٌ، بالواو، قُلِبَت ياءً؛ لكَسْرِ مَا قَبْلَها، قالَ المُتَنَخِّل يَصِفُ مَوْرِداً [من الوافر]: كأَنَّ مَزاحِفَ الحَيَّاتِ فيهِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثارُ السِّيَاطِ ويُجْمَعْ أَيْضاً عَلَى أَسْواطِ عَلَى الأَصْلِ، قالَ ابن الأثير: أَسْياطٌ شاذٌّ، كما يُقَالُ في جمع ريح: أَرْياحٌ شاذّاً، والقِياسُ: أَسْواطٌ، وأَرْواحٌ، وهو المُطَرِدُ المُسْتَعْمَلُ. انتهىَ(٢). (كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءُ) مبتدأ سوّغه الوصف بقوله: كاسيات ... إلخ، قال ابن عبد البرّ كَخُّ: أراد: اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يَصِفُ، ولا يَسْتُرهنّ. (كَاسِيَاتٌ) بالاسم، (عَارِيَاتٌ) في الحقيقة، قال القرطبيّ كْتُهُ: قيل في هذا قولان: أحدهما: أنهن كاسيات بلباس الأثواب الرِّقاق الرفيعة التي لا تَستُر منهنّ حجم عورة، أو تُبدي من محاسنها، مع وجود الأثواب الساترة عليها ما لا يحل لها أن تبديه، كما تفعل البغايا المشتهرات بالفسق. وثانيهما: أنهنَّ كاسيات من الثياب، عاريات من لباس التقوى؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. (١) ((المصباح المنير)) ٢٩٥/١. (٢) (تاج العروس)) ٤٨٨٥/١. ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة قال القرطبيّ: ولا بُعد في إرادة القَدْر المشترك بين هذين النوعين؛ إذ كل واحد منهما عُرُوٌّ؛ إنَّما يختلفان بالإضافة. انتهى (١). وقال المازريّ كَّلُ: فيه ثلاث أوجه: كاسيات من نعم الله، عاريات من الشكر، أو كاسيات لبعض أجسادهنّ، عاريات لبعضه؛ إظهاراً للجمال، أو لابسات ثياباً رِقاقاً تَصِف ما تحتها(٢). (مُمِيلَاتٌ) لغيرهنّ، (مَائِلَاتٌ) قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: كذا جاءت الرواية في هاتين الكلمتين بتقديم: ((مميلات)) على ((مائلات))، وكلاهما من المَيْل، بالياء باثنتين من تحتها، ومعنى ذلك: أنهن يَمِلْن في أنفسهنّ تثنياً، ونعمة، وتصنعاً؛ ليُمِلن إليهن قلوب الرجال، فيميلوا إليهنّ، ويفتنَّهم، وعلى هذا فكان حقّ ((مائلات)) أن يتقدم على ((مميلات))؛ لأنَّ ميلهنّ في أنفسهن مقدَّم في الوجود على إمالتهن، وصحَّ ذلك؛ لأن الصفات المجتمعة لا يلزم ترتيبها، ألا ترى أنها تُعْطَف بالواو، والواو جامعة، غير مترتبة، إلا أن الأحسن تقديم ((مائلات)) على ((مميلات))؛ لأنَّه سببه، كما سبق. وقد أبعد أبو الوليد الوقشيّ حيث قال: إن صوابه: ((الماثلة)) بالثاء المثلثة؛ يعني: الظاهرة، وقال: لا معنى للمائلة هنا، قال القرطبيّ: وتَرْك هذا الصواب هو الصواب. انتهى(٣). وقال المازريّ كَّتُهُ: مائلات عن طاعة الله، وما يلزمهنّ من حفظ فروجهنّ، مميلات غيرهنّ إلى مثل فعلهنّ، وقيل: مائلات متبخترات في مشيهنّ، مميلات أكتافهنّ، وأعطافهنّ، وقيل: مائلات يَمشُطن المشطة الميلاء، وهي مشطة النعايا، مميلات غيرهنّ إلى تلك المشطة، قال عياض: استشهد ابن الإنباريّ على المشطة الميلاء بقول امرىء القيس [من الطويل]: غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلَى يَضِلُّ الْعِقَاصُ فِي مُثنَّى وَمُرْسَلٍ يدلّ على أن المشطة ضفر الغدائر، وشدّها فوق الرأس، فتأتي كأسنمة البُخْت، وهذا يدلّ على أن التشبيه بأسنمة البخت إنما هو بارتفاع الغدائر فوق (١) ((المفهم)) ٤٤٩/٥ - ٤٥٠. (٣) ((المفهم)) ٤٥٠/٥. (٢) ((شرح الزرقانيّ)) ٣٤١/٤. ٢٥٥ (٣٣) - بَابُ النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ، الْعَارِيَاتِ، الْمَائِلَاتِ، الْمُمِيلَاتِ - حديث رقم (٥٥٧٠) رؤوسهن، وجَمْع العقائص هناك، وتكثيرها بما تضفر به، حتى تميل إلى ناحية من جانب الرأس، كما يميل السنام. قال ابن دريد: ناقة ميلاء إذا مال سنامها إلى أحد شقيها، وقد يكون معنى مائلات: منحظّات للرجال، مميلات لهم بما يبدين من زينتهن، والصواب الموافق للغة ما جاءت به الرواية: مائلات، خلافاً لقول الكنانيّ: صوابه: ماثلات، بمثلثة؛ أي: قائمات. انتهى ملخصاً (١). (رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ (٢) الْمَائِلَةِ)؛ أي: اللاتي يجعلن على رؤوسهنّ ما يكبّرها، ويعظّمها، من الْخِرَق، والعصائب، والْخُمُر، حتى تصير تشبه العمائم، وأسنمة الإبل، وهي جمع سنام، قال ابن العربيّ: وهذا كناية عن تكبير رأسها بالخرق حتى يَظُنّ الرائي أنه كله شعر، وهو حرام، ولذلك قال: «فأعلموهنّ - أي: أخبروهن - أنه لا تقبل لهنّ - ما دام ذلك ــ صلاة))(٣)، وإن حُكم لها بالصحة، كمن صلى في ثوب مغصوب(٤)، بل أولى؛ لأن فاعل ذلك ارتكب حراماً واحداً، وهو الغصب، وهنّ ارتكبن عدّةً محرّمات: التشبه بالرجال، والإسراف، والإعجاب، وغيرها، وهذا من علامات نبوته وَلهو؛ إذ هو إخبار عن غيب وقع، ودام، وفي رواية: ((لا يدخلن الجنة)) قال القاضي: ومعناه: أنهن لا يدخلنها، ولا يجدن ريحها حين يدخلها، ويجد ريحها العفائف المتورعات، لا أنهن لا يدخلن أبداً؛ لقوله وَ ﴿ في الخبر المارّ: ((وإن زنى وإن سرق)). (١) (شرح الزرقانيّ)) ٣٤١/٤. (٢) قال القاضي في ((مشارق الأنوار)) ٧٩/١: قوله: ((كأسنمة البخت)) هي إبلٌ غِلاظُ، ذات سنامین. انتهى. (٣) حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) ٢٢/ ٣٧٠ عن أبي شَقْرة قال: قال رسول الله ◌َ: ((إذا رأيتم اللاتي ألقين على رؤوسهن مثل أسنمة البقر، فأعلموهن أنه لا يقبل لهن صلاة)). انتهى، قال في ((مجمع الزوائد)) ١٣٧/٥: وفيه حماد بن يزيد، عن مخلد بن عقبة، ولم أعرفهما. انتهى. (٤) قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن العربيّ: من صحّة صلاة الغاصب محلّ نظر، فقد حقّقنا في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول أن الصحيح عدم صحة الصلاة، فلتراجع التفاصيل هناك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة قال ابن العربي: فعلى النساء أن يُصَغِّرن رؤوسهن، سيما عند الخروج، فإن كان شعرها كثيراً أرسلته، ولا تعظمه، فإن كان بها أَلَمٌ في رأسها، فأكثرت لأجله من الْخُمُر لم تدخل في أيّ وعيد، ولم يكن عليها حرج، وإنما الحرج على من نظر إليها. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَظْلَثُهُ: الأسنمة: جمع سنام، وسنام كل شيء: أعلاه، والبُخْت: جمع بُخْتية، وهي ضرب من الإبل، عظام الأجسام، عظام الأسنمة، شبَّه رؤوسهن بها لِمَا رَفعْن من ضفائر شعورهن أعلى أوساط رؤوسهن تزيّناً، وتصنعاً، وقد يفعلن ذلك بما يُكَثِّرن به شعورهن. قال: والمائلة: الرواية بالياء، من الميل. يعني: أن أعلى السَّنام يميل لكثرة شحمه، شبَّه أعالي ما يرفعن من الشعر بذلك. انتهى(٢). (لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ)؛ أي: مع السابقين، أو بغير عذاب، قال ابن عبد البرّ كَّثهُ: هذا عندي محمول على المشيئة، وإن هذا جزاؤهنّ، فإن عفا الله عنهنّ، فهو أهل العفو والمغفرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨](٣). وقال النوويّ تَخّْتُهُ: هذا يتأول التأويلين السابقين في نظائره: أحدهما: أنه محمول على من استحلَّت حراماً من ذلك، مع علمها بتحريمه، فتكون كافرةً مخلَّدةً في النار، لا تدخل الجنة أبداً. والثاني: يُحْمَل على أنها لا تدخلها أوّلَ الأمر مع الفائزين، والله تعالى (٤) أعلم(٤). (وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا))) هو كناية عن خمسمائة عام، كما قد جاء مُفسَّراً، ففي رواية ((الموطأ)): ((وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة سنة))، والله تعالى أعلم. (١) ((فيض القدير على الجمع الصغير)) للمناويّ ٣٦١/١. (٢) ((المفهم)) ٤٥/٥ - ٤٥١. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/١٧/١٤. (٣) ((شرح الزرقانيّ)) ٣٤١/٤. ٢٥٧ (٣٣) - بَابُ النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ، الْعَارِيَاتِ، الْمَائِلَاتِ، الْمُمِيلَاتِ - حديث رقم (٥٥٧٠) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ . (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٧٠/٣٣] (٢١٢٨)، ويأتي في ((كتاب الجنّة وصفة نعيمها)) (٢٨٥٦)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩١٣/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥٥/٢ - ٣٥٦ و٤٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٣٠/٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٤٦١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٢٤/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٦/١٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٤/٢) و((شُعَب الإيمان)) (٣٤٩/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٥٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان، وهما موجودان. ٢ - (ومنها): وفيه ذم هذين الصنفين، وأنهما من أصحاب الكبائر؛ لتوعّدهما بعدم دخول الجنة. قال النوويّ كَّثُ: قيل: معناه كاسيات من نعمة الله، عاريات من شكرها، وقيل: معناه: تستر بعض بدنها، وتكشف بعضه إظهاراً بحالها ونحوه، وقيل: معناه تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها. وأما مائلات: فقيل: معناه عن طاعة الله، وما يلزمهن حفظه، مميلات؛ أي: يُعَلِّمن غيرهنّ، فِعْلهنّ المذموم، وقيل: مائلات يمشين متبخترات، مميلات لأكتافهنّ، وقيل: مائلات يَمْشُطن الْمِشْطة المائلة، وهي مِشطة البغايا، مميلات يَمشطن غيرهنّ تلك المشطة. ومعنى رؤوسهنّ كأسنمة البخت: أن يكبّرنها، ويعظّمنها بلف عمامة، أو عصابة، أو نحوها. انتهى(١). ٣ - (ومنها): بيان تحريم ما ذُكر في هذا الحديث، من اتّخاذ الرجال (١) ((شرح النوويّ)) ١١٠/١٤. ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة السياط لضرب الناس، واتّخاذ النساء زيّاً لا يسترهنّ، وتكبير رؤوسهنّ حتى تصير مثل أسنمة البُخت، وأنهم يستحقّون بذلك النار، والمنع من دخول الجنّة، بل وعن وجدان ريحها، مع أنه يوجد من مسير خمسمائة سنة، وهذا وعيد شديد - أعاذنا الله من ذلك - والله تعالى أعلم. (٣٤) - (بَابُ النَّهْي عَنِ التَّزْوِيرِ فِي اللِّبَاسِ، وَغَيْرِهِ، وَالتَّشَبُّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٧١] (٢١٢٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقُولُ: إِنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: وکلهم تقدّموا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة فيها من المكثرين السبعة. (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ْنَا (أَنَّ امْرَأَةً) لا تُعرف، وقال صاحب ((التنبيه)): هي أسماء بنت الصدّيق، وزوجها الزبير، وضرّتها في حفظي: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قاله شيخنا. انتهى(١)، وفيما قاله نظر؛ لأنه يريد بشيخه الحافظ ابن حجر، وهو قال في ((الفتح)): لم أقف على تعيين هذه المرأة وزوجها. انتهى(٢)، فمن أين له هذا التعيين؟ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٦٥. (٢) ((الفتح)) ٦٦٥/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢١٩). ٢٥٩ (٣٤) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ التَّزْوِيرِ فِي اللَُّاسِ، وَغَيْرِهِ، وَالَّشَبُّعِ ... إلخ - حديث رقم (٥٥٧١) (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقُولُ)؛ أي: لضرّتي، ففي حديث أسماء ◌ُّا الآتي بعدُ: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن لي ضرّةً، فهل عليّ جُناح إن تشبّعتُ من زوجي غير الذي يُعطيني؟))، وقولها: (إِنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِنِي) مقول ((أقول))، و((ما)) هي المفعول الثاني لـ((أعطاني))، والعائد محذوف، كما قال في ((الخلاصة)): وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ بِفِعْلِ اوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ) بالبناء للمفعول، قال أبو عبيد تَّتُهُ: أي: المتزيِّن بما ليس عنده، يتكثّر بذلك، ويتزيّن بالباطل؛ كالمرأة تكون عند الرجل، ولها ضَرّة، فتَدَّعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده، تريد بذلك غيظ ضرّتها، وكذلك هذا في الرجال، وقوله: (كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ») قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده، بأن يُظهر أن عنده ما ليس عنده يتكثر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل فهو مذموم، كما يُذَمّ من لبس ثوبي زور. قال أبو عبيد وآخرون: هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد، والعبادة، والورع، ومقصوده أن يُظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة، ويظهر من التخشع، والزهد أكثر مما في قلبه، فهذه ثياب زور ورياء، وقيل: هو كمن لبس ثوبين لغيره، وأَوْهَم أنهما له، وقيل: هو من يلبس قميصاً واحداً، ويَصِل بكمّيه كمّين آخرين، فيُظهر أن عليه قميصين. وحَكَى الخطابيّ قولا آخر: أن المراد هنا بالثوب: الحالة، والمذهب، والعرب تَكْني بالثوب عن حال لابسه، ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن، وقولاً آخر: أن المراد: الرجل الذي تُطلب منه شهادة زور، فيلبس ثوبين يتجمّل بهما، فلا تردّ شهادته؛ لِحُسْن هيئته، والله أعلم، ذكره النوويّ تَخْذِفُهُ(١). وقال في ((الفتح)): قال أبو عبيد: وفيه وجه آخر أن يكون المراد بالثياب: الأنفس؛ كقولهم: فلان نَقِيّ الثوب، إذا كان بريئاً من الدنس، وفلان دَنِس الثوب، إذا كان مَغْموصاً عليه في دِینه. (١) ((شرح النوويّ)) ١١٠/١٤ - ١١١. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وقال الخطابيّ كَّلُ: الثوب مَثَلٌ، ومعناه: أنه صاحب زُور، وكَذِب، كما يقال لمن وُصِف بالبراءة من الأدناس: طاهر الثوب، والمراد به نَفْس الرجل. وقال أبو سعيد الضرير تَخَّلُ: المراد به: أن شاهد الزور قد يستعير ثوبين، يتجمّل بهما؛ ليوهم أنه مقبول الشهادة. انتهى. وهذا نقله الخطابيّ عن نعيم بن حماد، قال: كان يكون في الحيّ الرجل له هيئة، وشارةٌ، فإذا احتيج إلى شهادة زُور لبس ثوبيه، وأقبل، فشَهِد، فقُبِل، لنُبْل هيئته، وحُسْن ثوبيه، فيقال: أمضاها بثوبيه؛ يعني: الشهادة، فأضيف الزور إليهما، فقيل: ((كلابس ثوبي زُور)). وأما حكم التثنية في قوله: ((ثوبي زور)) فللإشارة إلى أن كذب المتحلِّ مُثَنّى؛ لأنه كَذَب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يُعْطِ، وكذلك شاهد الزور يَظلم نفسه، ويظلم المشهود عليه. وقال الداوديّ: في التثنية إشارة إلى أنه كالذي قال الزور مرتين؛ مبالغة في التحذير من ذلك. وقيل: إن بعضهم كان يجعل في الكُمّ كُمّاً آخر، يوهم أن الثوب ثوبان، قاله ابن الْمُنِّر. قال الحافظ: ونحو ذلك ما في زماننا هذا فيما يُعْمَل في الأطواق، والمعنى الأول أَلْيق. وقال ابن التين: هو أن يلبس ثوبَيْ وديعة، أو عارية، يظن الناس إنهما له، ولباسهما لا يدوم، ويَفْتَضِح بكذبه، وأراد بذلك تنفير المرأة عما ذَكَرت؛ خوفاً من الإفساد بين زوجها وضرّتها، ويورث بينهما البغضاء، فيصير كالسحر الذي يُفَرِّق بين المرء وزوجه. وقال الزمخشريّ في ((الفائق)): المتشبع؛ أي: المتشبه بالشبعان، وليس به، واستعير للتحلي بفضيلة لم يُرزقها، وشُبِّه بلابس ثوبي زور؛ أي: ذِي زور، وهو الذي يتزيّا بزيّ أهل الصلاح رياءً، وأضاف الثوبين إليه؛ لأنهما كالملبوسين، وأراد بالتثنية أن المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزور، ارتدى بأحدهما، واتّزر بالآخر، كما قيل: