Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٢٧) - بَابُ كَرَاهَةٍ قِلَادَةِ الْوَتَرِ فِي رَقَبَةِ الْبَعِيرِ - حديث رقم (٥٥٣٧) (٢٧) - (بَابُ كَرَاهَةِ قِلَادَةِ الْوَتَرِ فِي رَقَبَةِ الْبَعِيرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٣٧] (٢١١٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، أَنَّ أَبًا بَشِيرِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، قَأَلَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِنَِّ رَسُولاً - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ -: ((لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَّةِ بَعِيرٍ فِلَادَةٌ، مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ))، قَالَ مَالِكُ (١): أُرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٦/١٧. ٢ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيم) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] وقيل: له رؤية (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨١٠/٢٥. ٣ - (أَبُو بَشِيرٍ (٢) الأَنْصَارِيُّ) الساعديّ، ويقال: المازنيّ، ويقال: الحارثيّ المدنيّ، قال ابن سعد: اسمه قيس بن عُبيد بن الْحُرير بن عَمْرو بن الْجَعْد بن عَوف بن مَبذول بن عمرو بن عوف بن غَنْم بن مازن بن النجار. رَوَى عن النبيّ وَِّ، وعنه عباد بن تميم، وضَمْرة بن سعيد، وسعيد بن نافع، وعمارة بن غَزِيّة إن كان محفوظاً، قال الواقديّ: مات بعد الحرّة، وكان قد عُمِّر طويلاً، وقال غيره: مات سنة أربعين، والصحيح الأول، وروى الواقديّ بإسناد له أنه حضر أُحُداً، وهو غلام في طبقة الخندقيين، وقال ابن عبد البرّ: لا يوقف له على اسم صحيح، وقيل: اسمه قيس بن عبيد، ولا يصحّ، وذكره ابن أبي خيثمة، وأبو أحمد الحاكم، وغير واحد ممن لا يُعْرَف اسمه، وفي الصحابة ممن يُكنى أبا بشير الحارث بن خَزمة، ذكره ابن عبد البرّ (١) ((الموظّأ)) رواية الليثيّ ٩٣٧/٢، عقب حديث (٣٩). (٢) بفتح الباء، وكسر الشين، مكبّراً . ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة عن الواقديّ، وأبو بشير من موالي النبيّ وَّ، ذكره أبو موسى في ((الذيل))، وأبو بشير كانت كنيةَ كعب بن مالك، فكناه النبيّ وَّ أبا عبد الله. ذكره ابن ماكولا. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظْلَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين، غیر شیخه، فنيسابوريّ، غير أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وعبد الله وعبّاد تابعيّان، وهما وأبو بشير أنصاريّون، والصحابيّ من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا هذا الحديث الواحد(١). شرح الحديث: (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) المازنيّ (أَنَّ أَبَا بَشِيرِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي بَعْضَّ أَسْفَارِهِ) قال الحافظ: لم أقف على تعيينها، (قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ رَسُولاً) قال ابن عبد البرّ: في رواية رَوْحِ بن عُبادة، عن مالك: ((أرسل مولاه زيداً))، قال ابن عبد البرّ: وهو زيد بن حارثة فيما يظهر لي. انتهى (٢). (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الراوي عن عبّاد بن تميم، (حَسِبْتُ أَنَّهُ)؛ أي: عبّاداً، (قَالَ)، وكأنه شكّ في هذه الجملة، قال الحافظ: ولم أرها من طريقه إلا هكذا، وقوله: (وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ) مقول ((قال)) قبله، ((لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ، مِنْ وَتَرٍ) قال في ((الفتح)): بالمثناة في جميع الروايات، قال ابن الجوزيّ: ربّما صَخَّفَ من لا علم له بالحديث، فقال: وَبَر، بالموحدة، قال الحافظ: حَكَى ابن التين أن الداوديّ جزم بذلك، وقال: هو ما يُنتزع عن الجِمال، يُشبه الصوف، قال ابن التين: فصَحَفّ. انتهى(٣) . وقال القرطبيّ: يعني بالوتر: وتر القوس، ولا معنى لقول من قال: إنَّه (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٢٩/٩. (٢) نقله في ((الفتح)) ٢٥٦/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٥). (٣) ((الفتح)) ٢٥٦/٧ - ٢٥٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٥). ١٦٣ (٢٧) - بَابُ كَرَاهَةِ قِلَادَةِ الْوَتَرِ فِي رَقَبَةِ الْبَعِيرِ - حديث رقم (٥٥٣٧) يعني بذلك: الوتر الذي هو الدَّحل، وهو طلب الثَّأر؛ لبُعده لفظاً. انتهى(١). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): الوَتَرُ محرَّكةً: واحدُ أوتارِ القوس، وقال ابنُ سِيدَه: هو شِرْعَةُ القَوسِ، ومُعَلَّقُها، جَمْعه: أَوْتَارٌ. انتهى (٢). (أَوْ قِلَادَةٌ) بالكسر: ما جُعل في العنق، قاله المجد(٣). وقال النوويّ: كذا هنا بلفظ ((أو))، وهي للشكّ، أو للتنويع، ووقع في رواية أبي داود عن القعنبيّ بلفظ: ((ولا قلادة))، وهو من عطف العامّ على الخاصّ، وبهذا جزم المهلَّب(٤)، ويؤيد الأول ما رُوي عن مالك أنه سئل عن القلادة، فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، ذكره في ((الفتح)). وقال النوويّ كَّلُ: هكذا هو في جميع النُّسخ: ((قلادة من وتر، أو قلادة))، فـ((قلادة)) الثانية مرفوعة معطوفة على ((قلادة)) الأولى، ومعناه أن الراوي شك: هل قال: قلادة من وتر، أو قال: قلادة فقط، ولم يقيِّدها بالوتر؟ انتھی(٥). وقال القرطبيّ: قوله: ((من وتر، أو قلادة)) هو شكٌّ من بعض الرواة، فكأنَّه لم يتحقق قوله: ((من وتر))، هذا ظاهر كلامه، ويَحْتَمِل أن تكون ((أو)) تنويعاً، فيكون المنهيّ عنه قلادة الأوتار، وغيرها، والأَولى ما صار إليه مالك، والله تعالى أعلم. انتهى(٦). (إِلَّا قُطِعَتْ))) بالبناء للمفعول، فيه الأمر بقطع القلادة المذكورة عن الدوابّ، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ مَالِكٌ)؛ أي: ابن أنس المذكور في السند، (أُرَى) بالبناء للمفعول؛ أي: أظنّ (ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ)؛ أي: أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتاراً؛ لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلاماً بأن الأوتار لا تردّ من أمر الله شيئاً(٧). (١) ((المفهم)) ٤٣٥/٥. (٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٨٣. (٤) ذكره ابن بطال في ((شرحه)) ١٦٠/٥. (٥) (شرح النوويّ)) ٩٥/١٤. (٧) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٤٠٥/٤. (٢) ((تاج العروس)) ٣٥٩٨/١. (٦) ((المفهم)) ٤٣٦/٥. ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وقال النوويّ: قول مالك: ((أُرى ذلك من العين)) هو بضم همزة ((أُرَى))؛ أي: أظن أن النهي مختصّ بمن فعل ذلك بسبب رفع ضرر العين، وأما من فعله لغير ذلك، من زينة، أو غيرها فلا بأس، قال القاضي عياض: الظاهر من مذهب مالك أن النهي مختصّ بالوتر دون غيره من القلائد. انتهى (١). وقال القرطبيّ: قول مالك: ((أُرى ذلك من العين))؛ يعني: أنهم كانوا يتعوَّذون بتعليق أوتار قسيِّهم في أعناق إبلهم من العين، فأمر النبيّ وَّر بقطعها؛ لأجل توقّع ذلك، وظاهر قول مالك خصوصية ذلك بالوتر، ولذلك أجازه ابن القاسم بغير الوتر، وقال بعض أصحابنا فيمن قلَّد بعيره شيئاً ملوناً فيه خَرَز، إن كان للجَمَال؛ فلا بأس به. انتهى(٢). وقال: قال أبو عمر بن عبد البرّ: قد فسَّر مالك هذا الحديث أنه من أجل العين، وهو عند جماعة من أهل العلم كما قال مالك، لا يجوز عندهم أن يُعَلَّق على الصحيح من البهائم، أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين؛ لهذا الحديث، ومَحْمَل ذلك عندهم فيما عُلِّق قبل نزول البلاء؛ خشيةً نزوله، فهذا هو المكروه من التمائم، وكل ما يُعَلَّق بعد نزول البلاء من أسماء الله، وكاتبه رجاءَ الفرج والبرء من الله فهو كالرُّقَى المباح الذي وردت السُّنَّة بإباحته من العين، وغيرها، وقد قال مالك تَخُّْ: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله على أعناق المرضى على وجه التبرك بها، إذا لم يُرِدْ معلِّقها بتعليقها مدافعةً العين، وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين، ولو نزل به شيء من العين جاز الرُّقى عند مالك، وتعليق الكتب، ولو عُلِم العائن لكان الوجه في ذلك اغتسال العائن للمَعِين. قال: وأما تخصيص الأوتار بالقطع، وأن لا تقلَّد الدواب شيئاً من ذلك قبل البلاء، ولا بعده، فقيل: إن ذلك لئلا تَختنق بالوتر في خشبة، أو شجرة، فتقتلها، فإذا كان خيطاً انقطع سريعاً، وقد قيل في معنى الأوتار غير هذا. انتھی(٣). (١) (شرح النوويّ)) ١٤ / ٩٥. (٢) ((المفهم)) ٤٣٦/٥. (٣) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ١٦٠/١٧ - ١٦١. ١٦٥ (٢٧) - بَابُ كَرَاهَةِ قِلَادَةِ الْوَتَرِ فِي رَقَبَةِ الْبَعِيرِ - حديث رقم (٥٥٣٧) قال الجامع عفا الله عنه: التفريق في تعليق الوتر بين نزول البلاء، وعدم نزوله - كما نُقل عن مالك - عندي محلّ نظر؛ إذ النصّ لم يفرّق، فتأمل، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بشير الأنصاريّ ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٣٧/٢٧] (٢١١٥)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)» (٣٠٠٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٥٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٪ ٢٥١)، و(مالك) في ((الموطّأ)) (٩٣٧/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/ ٥٢١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٦/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢/ ٧٥٠)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٤٦٩٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥/ ٢٥٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٧٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال القرطبيّ كَّتُهُ: اختَلَف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان، والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين، فمنهم من نَھَى عنه، ومَنَعه قبل الحاجة، وأجازه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة، كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض. وقال غير مالك: إن الأمر بقطع الأوتار إنما كان مخافة أن يَختنق به البعير عند الرَّعي، أو يحتبس بغصن من أغصان الشجرة، كما اتفق لناقة رسول الله ﴿ في فَقْدها، ثم وجدها قد حبستها شجرة، والله تعالى أعلم. انتھی(١). وقال في ((الفتح)): قال ابن الجوزيّ: وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنهم كانوا يقلِّدون الإبل أوتار القسيّ لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلاماً بأن الأوتار لا تردّ من أمر الله شيئاً، وهذا قول مالك، وقع ذلك متصلاً بالحديث من كلامه في ((الموطأ))، وعند مسلم، وأبي (١) (المفهم)) ٤٣٦/٥. ١٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة داود، وغيرهما. قال مالك: أرى أن ذلك من أجل العين، ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه: ((مَن عَلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له))، أخرجه أبو داود أيضاً، والتميمة: ما عُلِّق من القلائد خشية العين، ونحو ذلك، قال ابن عبد البرّ: إذا اعتقد الذي قلدها أنها تردّ العين، فقد ظن أنها تردّ القدر، وذلك لا يجوز اعتقاده. [ثانيها]: النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند شدّة الركض، ويُحكى ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكلام أبي عبيد يرجحه، فإنه قال: نُهي عن ذلك؛ لأن الدواب تتأذى بذلك، ويضيق عليها نفسها، ورعيها، وربما تعلقت بشجرة فاختنقت، أو تعوَّقت عن السَّيْر. [ثالثها]: أنهم كانوا يعلِّقون فيها الأجراس، حكاه الخطابيّ، وعليه يدل تبويب البخاريّ (١)، وقد روى أبو داود، والنسائيّ من حديث أم حبيبة أم المؤمنين ﴿يا مرفوعاً: ((لا تصحب الملائكة رُفقة فيها جرس))، وأخرجه النسائيّ من حديث أم سلمة أيضاً. قال الحافظ: والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه، فقد أخرجه الدارقطنيّ من طريق عثمان بن عمر عن مالك بلفظ: ((لا تبقينّ قلادة من وتر، ولا جرس في عنق بعير إلا قُطع)). قال الحافظ: ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك، إلا على القول الثالث، فلم تجر العادة بتعليق الأجراس في رقاب الخيل. وقد روى أبو داود، والنسائيّ من حديث أبي وهب الْجُشَميّ، رفعه: (اربطوا الخيل، وقلِّدوها، ولا تقلدوها الأوتار))، فدلّ على أن لا اختصاص للإبل، فلعل التقييد بها في الترجمة(٢) للغالب. وقد حَمَل النضر بن شُميل الأوتار في هذا الحديث على معنى الثأر، فقال: معناه: لا تطلبوا بها ذُحول الجاهلية، قال القرطبيّ، وهو تأويل بعيد، وقال النوويّ: ضعيف، وإلى نحو قول النضر جَنَح وكيع، فقال: المعنى: لا تركبوا الخيل في الفتن، فإن من ركبها لم يَسلَم أن يتعلق به وَتْرٌ يُطلب به. (١) أي: حيث قال: ((باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل)). (٢) أي: ترجمة البخاريّ السابقة. ١٦٧ (٢٨) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَوَسْمِهِ فِيهِ - حديث رقم (٥٥٣٨) والدليل على أن المراد بالأوتار جمع الوَتَر بالتحريك، لا الوتر بالإسكان، ما رواه أبو داود أيضاً، من حديث رُويفع بن ثابت څُه رفعه: ((مَن عَقَد لحيته، أو تقلَّد وَتَراً، فإن محمداً ﴿ بريء منه))، فإنه عند الرواة أجمع بفتح المثناة. انتهى(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنْبُ﴾ . (٢٨) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبٍ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَوَسْمِهِ فِيهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٣٨] (٢١١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَّنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قريباً . (عَنْ جَابِرٍ) رَظُه، وفي الرواية التالية تصريح أبي الزبير عن جابر . فزالت عنه تهمة التدليس، فتنبّه. (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ)؛ أي: عن ضرب الإنسان، وغيره في وجهه، قال القرطبيّ تَّتُهُ: نهيه روي عن الضرب في الوجه، وعن الوسم فيه يدلّ على احترام هذا العضو، وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة، وذلك لأنه الأصل في خلقة الانسان، وغيره من الأعضاء خادم له؛ لأنَّه الجامع للحواس التي يحصل بها الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة، ولأنَّه أول الأعضاء في الشخوص، والمقابلة، والتحدُّث، والقصد، ولأنَّه مدخل الروح ومخرجه، ولأنه مقرّ الجمال والحسن، ولأن به قوام الحيوان كله: ناطقه، وغير ناطقه، ولمّا كان بهذه المثابة احترمه الشرع، ونهى عن أن يُتعرَّض له بإهانة، ولا تقبيح، ولا تشويه، وقد مرَّ النبيّ وَّه برجل يضرب عبده، فقال: ((اتَّقِ الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق (١) ((الفتح)) ٢٥٦/٧ - ٢٥٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٠٥). ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة آدم على صورته))؛ أي: على صورة المضروب، ومعنى ذلك - والله أعلم -: أن المضروب من ولد آدم، ووجهه كوجهه في أصل الخلقة، ووجه آدم وَلّ مكرمٌ، ومشرف؛ إذ قد شرفه الله تعالى بأن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأقبل عليه بكلامه، وأسجد له ملائكته، وإذا كان هذا الوجه يشبه هذا الوجه، فينبغي أن يُحترم کاحترامه. ولمّا سمع ذلك الصحابي النهي عن الوسم، وفَهِم ذلك المعنى قال: والله لا أسِمُه، مبالغةً في الامتثال والاحترام. انتهى كلام القرطبيّ تَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ تَخْتُ: وأما الضرب في الوجه فمنهيٍّ عنه في كل الحيوان المحترم، من الآدميّ، والحمير، والخيل، والإبل، والبغال، والغنم، وغيرها، لكنه في الآدميّ أشدّ؛ لأنه مَجْمَع المحاسن، مع أنه لطيف؛ لأنه يظهر فيه أثر الضرب، وربما شَانَهُ، وربما آذى بعض الحواسّ. انتهى (٢). (وَعَنِ الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ) قال القرطبيّ ◌َُّ: ((الوسم)): الكيّ بالنار، وأصله: العلامة، يَقال: وَسَمَ الشيءَ يَسِمه: إذا علّمه بعلامة يُعرَف بها، ومنه: السيماء: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]. قال: ومعروف الرواية: ((الوسم)) بالسين المهملة، وقد رواه بعضهم بالشين المثلثة، وهو وَهَمٌ؛ لأنَّ الوشم إنما هو غرز الشفاه، والأذرُع بالإبرة، وتسويدها بالنَُّور (٣)، وهو الكحل، أو ما شابهه، والوسم: هو الكيِّ، فكيف يجعل أحدهما مكان الآخر؟ !. انتهى (٤). وقال النوويّ تَظّتُهُ: أما الوسم فبالسين المهملة، هذا هو الصحيح المعروف في الروايات، وكُتُب الحديث، قال القاضي: ضبطناه بالمهملة، (١) ((المفهم)) ٤٣٧/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤ / ٩٧. (٣) قال في ((القاموس)): النَّؤُور كصَبُور: النَّيْلَجُ، ودخان الشَّحْم، وحصاة كالإثمد تُدَقّ، فَتُسَقُّها اللِّنَةُ. انتهى. (٤) ((المفهم)) ٤٣٧/٥ - ٤٣٨. ١٦٩ (٢٨) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَوَسْمِهِ فِيهِ - حديث رقم (٥٥٣٨) قال: وبعضهم يقوله بالمهملة، وبالمعجمة، وبعضهم فرَّق، فقال: بالمهملة في الوجه، وبالمعجمة في سائر الجسد. قال أهل اللغة: الوسم أثر كَيّة، يقال: بعير موسوم، وقد وَسَمَه يَسِمه وَسْماً، وسِمَةً، والْمِيسم الشيء الذي يُوسم به، وهو بكسر الميم، وفتح السين، وجمعه مياسم، ومواسم، وأصله كله من السِّمَة، وهي العلامة، ومنه مَوْسم الحجّ؛ أي: مَعْلَم جَمْع الناس، وفلان موسوم بالخير، وعليه سمة الخير؛ أي: علامته، وتوسمت فيه كذا؛ أي: رأيت فيه علامته، والله أعلم. انتهى (١). وقال النوويّ أيضاً: وأما الوسم في الوجه فمنهيّ عنه بالإجماع؛ لحديث الباب، ولِمَا ذكرناه، فأما الآدميّ فوَسْمه حرام؛ لكرامته، ولأنه لا حاجة إليه، فلا يجوز تعذيبه، وأما غير الآدميّ، فقال جماعة من أصحابنا - يعني: الشافعيّة -: يكره، وقال البغويّ من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى تحريمه، وهو الأظهر؛ لأن النبيّ وَّهُ لَعَن فاعله، واللعن يقتضى التحريم، وأما وسم غير الوجه من غير الآدميّ فجائز، بلا خلاف عندنا، لكن يستحب في نَعَم الزكاة، والجزية، ولا يستحب في غيرها، ولا يُنهى عنه. انتهى كلام النوويّ كَّقُ(٢)، وهو بحث قيّم، ويستفاد منه ترجيح القول بتحريم الوسم في الوجه؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: ■ هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله المصنّف نَظَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٣٨/٢٨ و٥٥٣٩] (٢١١٦)، و(أبو داود) في (الجهاد)) (٢٥٦٤)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٧١٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٦٣/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٨/٣ و٣٧٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٥١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٥/٥)، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٩٧/١٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٩٧. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٣٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلَّ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣)، وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور البغداديّ، ثمّ المصيصيّ، ثقةٌ ثبت اختلط في آخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البُرْسانيّ، تقدّم قريباً. والباقون تقدّموا قريباً . [تنبيه]: رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج، ساقها البيهقيّ نَُّ في ((الكبرى))، فقال: (١٠١١٤) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال البزاز، ثنا إبراهيم بن الحارث البغداديّ، ثنا حجاج بن محمد الأعور المصيصيّ، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((نهى رسول الله (ّر عن الوسم في الوجه، والضرب في الوجه)). انتهى(١). وأما رواية محمد بن بكر عن ابن جريج، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّقُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٤٠] (٢١١٧) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ))). (١) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٥٥/٥. ١٧١ (٢٨) - بَابُ التَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَوَسْمِهِ فِيهِ - حديث رقم (٥٥٤٠) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من کبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦٠/٦. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الْحَرّاني، أبو عليّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٣ - (مَعْقِلُ) بن عُبيد الله الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) رَُه، وقد صرّح أبو الزبير بالسماع من جابر ﴿ه، كما سنذكره من رواية ابن حبّان في ((صحيحه))، فتنبّه. (أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ مَرَّ) بالبناء للفاعل، (عَلَيْهِ) بَِّ (حِمَارٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ((مَرَّ))، وقوله: (قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ) ببناء الفعل للمفعول، جملة في محلّ رفع نعت لـ((حمار))، (فَقَالَ) وَهـ (لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ)))؛ أي: كواه في وجهه بالنار، فإنه تغيير لخلق الله، والوسم الكتيّ للعلامة، واللعن يقتضي التحريم، فأما وسم وجه الآدميّ فحرام مطلقاً؛ لكرامته، ولأنه تعذيب بلا فائدة، وأما غيره فيحرم في وجهه، لا في غيره؛ للحاجة إليه، قاله المناويّ تَقْذَهُ(١). وقال في ((العمدة)): وإنما كرهوا الوسم في الوجه؛ لشرفه، وحصول الشَّيْن فيه، وتغيير خلق الله، وأما الوسم في غير الوجه للعلامة والمنفعة بذلك فلا بأس، إذا كان يسيراً، غير شائن، ألا ترى أنه يجوز في الضحايا وغيرها، والدليل على أنه لا يجوز الشائن من ذلك أنه ﴿ حَكَم على أن من شَانَ عبده، أو مثَّل به باستئصال أنف، أو أُذن، أو جارحة بعتقه عليه، وقد وسم النبيّ وَّ إبل الصدقة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. (١) فيض القدير)) ٢٧٥/٥. (٢) ((عمدة القاري)) ١٣٩/٢١. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ربه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ . [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم هذا الحديث، وفي إسناده معقل بن عُبيد الله، وهو متكلّم فيه، وفيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدّس إلا إذا روى عنه الليث؟. [قلت]: أما الكلام في معقل، فلا يضرّ؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه سفيان الثوريّ، كما عند أحمد، وأبي داود، وغيرهما، قال أبو داود نَّتُهُ : (٢٥٦٤) - حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبيّ وَّهُ مُرّ عليه بحمار، قد وُسِم في وجهه، فقال: ((أما بلغكم أني قد لعنت مَن وَسَمَ البهيمة في وجهها، أو ضربها في وجهها؟))، فَنَهَى عن ذلك. انتهى(١)، وهذا إسناد صحيح. وتابعه أيضاً حماد بن سلمة، فقد أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه))، من طريقه، فقال: (٥٦٢٧) - أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدّثنا غسان بن الربيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبيّ وَلّ رأى حماراً، قد وُسم في وجهه، فقال: ((ألم أَنْهَ عن هذا؟ لعن الله من فعله)). انتهى (٢)، وهذا الإسناد حسنٌ. وأما عنعنة أبي الزبير، فلا تضرّ أيضاً؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فقد أخرجه عبد الرزّاق في ((مصنّفه))، من روايته عن جابر طا ئه، فقال: (٨٤٥٠) - أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبيّ وَّه حماراً قد وُسِم في وجهه، فقال: (لَعَن الله مَن فَعَل هذا)). انتهى(٣)، وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن لم يوصف بالتدليس. (١) ((سنن أبي داود)) ٢٦/٣. (٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ٤٥٨/٤. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٢/ ٤٤٣. ١٧٣ (٢٨) - بَابُ التَّهْىٍ عَنْ ضَرْبِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَوَسْمِهِ فِيهِ - حديث رقم (٥٥٤١) وللحديث شاهد من حديث أنس به، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط»، فقال : (٤٢٩٢) - حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني إبراهيم بن الحجاج الساميّ، قال: نا عبد الله بن المثنى، قال: نا ثُمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، أن رسول الله وَلل رأى حماراً قد وُسِم في وجهه، فقال: ((لعن الله مَن فعل هذا)). انتهى (١)، قال في ((المختارة)): إسناده صحيح. وشاهد آخر: ثم وجدت أبا الزبير قد صرّح بالسماع - فزال الإشكال من أصله، والحمد لله - فقد أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه))، فقال: (٥٦٢٦) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم صاعقة، قال: حدثنا رَوح بن عُبادة، قال: حدّثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: مَرّ حمار برسول الله #* قد كُوِيَ في وجهه تفور منخراه من دم، فقال رسول الله وَله: ((لَعَن الله مَن فَعَل هذا، ثم نَهَى عن الكيّ في الوجه، والضرب في الوجه)). انتهى (٢)، وهذا الإسناد صحيح، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٤٠/٢٨] (٢١١٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٦٤)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٧١٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٨٤٥١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٢٣/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٥١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٢٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦٢٦ و٥٦٢٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٥/٥ و٣٥/٧)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٤١] (٢١١٨) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ نَاعِماً أَبَا عَبْدِ اللهِ مَوْلَى أُمِّ (١) ((المعجم الأوسط)) ٣١١/٤. (٢) (صحيح ابن حبان)) ١٢/ ٤٤٢. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَرَأَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ حِمَاراً مَوْسُومَ الْوَجْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، قَالَ: فَوَ اللهِ لَا أَسِمُهُ إِلَّ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ، فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ، فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بالتستريّ، صدوقٌ تكلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت١٢٨)، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٣ - (نَاعِمِّ أَبُو عَبْدِ اللهِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) هو: ناعم بن أُجَيْل ـ بجيم مصغّراً - الْهَمْدانيّ، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (٨٠). رَوى عن أم سلمة، وعثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وابن عمر، وغيرهم. وروى عنه يزيد بن أبي حبيب، والأعرج، وكعب بن علقمة التنوخيّ، والحارث بن يزيد، وعبيد الله بن المغيرة. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن يونس: كان أحد الفقهاء الذين أدركهم يزيد، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذَكَره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين. قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: بلغني أنه تُوُفّي سنة ثمانين. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٢١١٨)، وحديث (٢٥٤٩): ((فهل من والديك أَحَدٌ حيّ؟ ... )) الحديث. والباقون تقدّموا قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَّثُ، وأنه مسلسل بالمصريين، سوى الصحابيّ، فبصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ها، وقد تقدّم القول فيه قريباً. ١٧٥ (٢٨) - بَابُ الَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْحَيَوَانِ فِي وَجْهِهِ، وَوَسْمِهِ فِيهِ - حديث رقم (٥٥٤١) شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ)، واسم أبيه سُويد، (أَنَّ نَاعِماً أَبَا عَبْدِ اللهِ (يَقُولُ: رَأَی) هكذا في مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ◌َّا (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) بعض النُّسخ، ووقع في معظمها: ((ورأى)) بالواو، والأول أولى، وهو الذي في ((صحيح ابن حبّان))، و((معجم الطبرانيّ))، فتنبّه. (رَسُولُ اللهِ وَلِ حِمَاراً مَوْسُومَ الْوَجْهِ)؛ أي: مكويّ وجهه للعلامة، وفي رواية ابن حبّان من طريق عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس: ((أن العبّاس وسَمَ بعيراً، أو دابّةً في وجهه، فرآه النبيّ وَّه، فغضب، فقال عبّاس: لا أسمه إلا في آخره، فوسمه في جاعرتيه)). (فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، قَالَ) ظاهره أن القائل هو النبيّ ◌َِّ، وليس كذلك، بل القائل هو العبّاس، أو عبد الله ابنه، قال النوويّ كَُّهُ: وأما القائل: ((فوالله لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه))، فقد قال القاضي عياض: هو العباس بن عبد المطلب، كذا ذكره في ((سنن أبي داود))، وكذا صرَّح به في رواية البخاريّ في ((تاريخه))، قال القاضي: وهو في كتاب مسلم مشكلٌ، يوهم أنه من قول النبيّ ◌َّله، والصواب أنه من قول العباس ظراته كما ذكرنا. انتهى كلام القاضي دَّثُهُ. قال النوويّ: وقوله: يوهم أنه من كلام النبيّ ◌َّ ليس هو بظاهر فيه، بل ظاهره أنه من كلام ابن عباس، وحينئذ يجوز أن تكون القضية جرت للعباس، ولا بنه. انتهى. وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((قال: والله لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه)) ظاهر مساق هذا الحديث في كتاب مسلم أن القائل هو ابن عباس، راوي الخبر، وليس كذلك؛ لِمَا صحَّ من رواية البخاريّ في ((التاريخ))، وفي رواية أبي داود في ((سننه)) أن القائل هو العبّاس والد عبد الله، وهو أوَّل من گوی في الجاعرتین، لا ابنه. انتھی. (فَوَ اللهِ لَا أَسِمُهُ إِلَّ فِي أَقْصَى شَيءٍ)؛ أي: أبْعَدَه (مِنَ الْوَجْهِ، فَأَمَرَ) العبّاس، أو ابنه ﴿يَا (بِحِمَارٍ لَهُ، فَكُوِيَ) بالبناء للمفعول، (فِي جَاعِرَتَيْهِ) الجاعرتان هما حرفا الوَرِك المشرفان مما يلي الدُّبُر، قاله النوويّ، وقال ابن ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة الأثير ◌َّلهُ: الجاعرتين هما لحمتان، يكتنفان أصل الذّنَب، وهما من الإنسان في موضع رقمتي الحمار. انتهى (١). وقال ابن الجوزيّ دَّثُهُ: الجاعرتان موضع الرقمتين من عَجُز الحمار، وهما مضربه بذنبه على فخذيه، وقال أبو زيد: الجاعرتان من البعير: العظمات المكتنفات أصل الذَّنَب، والذَّنَب منهما. انتهى(٢). (فَهُوَ)؛ أي: العبّاس، أو ابنه رِ﴿ّا (أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ) قال القرطبيّ كَّتُهُ: هذه الأحاديث كلها تدلُّ على جواز كَيّ الحيوان لمصلحة العلامة في كل الأعضاء، إلا في الوجه، وهو مستثنى من تعذيب الحيوان بالنار؛ لأجل المصلحة الرَّاجحة، وإذا كان كذلك، فينبغي أن يُقْتَصر منه على الخفيف الذي يحصل به المقصود، ولا يبالغ في التعذيب، ولا التشويه، وهذا لا يختلف فيه الفقهاء إن شاء الله تعالى. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٤١/٢٨] (٢١١٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٨٤٤٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٦٢٣ و٥٦٢٤ و٥٦٢٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٣٢/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥/٧ -٣٥)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾. (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٧٥/١. (٢) ((غريب الحديث لابن الجوزيّ)) ١٥٨/١. (٣) ((المفهم)) ٤٣٨/٥. ١٧٧ (٢٩) - بَابُ جَوَازٍ وَسْم الْحَيَوَانِ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٤٢) (٢٩) - (بَابُ جَوَازِ وَسْم الْحَيَوَانِ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ، وَنَدْبِهِ فِي نَعَمِ الزَّكَاةِ، وَالْجِزْيَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٥٥٤٢] (٢١١٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْذٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمُ قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئاً حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ يُحَنِّكُهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي الْخَائِطِ، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ جَوْنِيَّةٌ، وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب الجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٣. ٤ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد كبير القدر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٨. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله وَّل، خدمه عشر سنين، ومات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أنس ظُله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. ١٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة شرح الحديث : رَُّه أنه (قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْم) بنت مِلْحان الأنصاريّة، (عَنْ أَنَسٍ) وهي والدة أنس ﴿ّها، يقال: اسمها سهلة، أو رُميلةً، أو رُميثة، أو مليكة، أو أُنيثة، وهي الغُميصاء، أو الرُّميصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، وماتت في خلافة عثمان ظُه. (قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ) هو ولدها عبد الله بن أبي طلحة، أخو أنس من أمه، (فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئاً)؛ أي: من المأكولات والمشروبات، (حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ)؛ أي: تذهب به، يقال: غَدَا غُدُوّاً، من باب قعد: ذهب غُدْوُةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجَمْع الغُدْوَةِ غُدِى، مثلُ مُديةٍ ومُدَىّ، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعْمِل في الذهاب، والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله وَّ: ((وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ))؛ أي: وانطلق، قاله الفيّوميّ كَّهُ(١) . (إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ يُحَنِّكُهُ)؛ أي: يَدْلُكُ حَنَكَه بتمر ونحوه، يقال: حنّكتُ الصبيَّ تحنيكاً: إذا مضغت تمراً، أو نحوه، ودلكت به حَنَكه، وحَنَكتُهُ حَنْكاً، من بابي ضرب، وقتل كذلك، فهو محنّك من المشدّد، ومحنوك من المخفّف، والْحَنَكُ من الإنسان وغيره مذكّرٌ، وهو باطن أعلى الفم من داخل، أو الأسفلُ من طرف مُقَدَّم اللَّحْيَين، وجمعه أحناكٌ، مثلُ سبب وأسباب(٢)، (قَالَ) أنس ظُه: (فَغَدَوْتُ)؛ أي: ذهبت بالغلام إلى النبيّ وََّ، (فَإِذَا هُوَ فِي الْحَائِطِ) ((إذا)) هنا هي الفُجَائّة؛ أي: ففاجأني كونه في الحائط؛ أي: البستان، وقوله: (وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والخميصة: كساء أسود مربّعٌ له عَلَمان(٣)، وقال النوويّ كَخْتُهُ: الخميصة هي كساء من صوف، أو خَزّ، ونحوهما، مُرَبَّعٌ، له أعلام. انتهى(٤). وقوله: (جَوْنِيَّةٌ) قال النوويّ كَّقُ: اختَلَف رواة ((صحيح مسلم)) في ضَبْطه، فالأشهر أنه بحاء مهملة مضمومة، ثم واو مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت (١) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١٥٤/١، و((القاموس المحيط)) ص ٣٣٠. (٣) ((القاموس المحيط)) ص٣٩٥. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٩٨. ١٧٩ (٢٩) - بَابُ جَوَازٍ وَسْمِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٥٤٢) ساكنة، ثم مثناة فوقُ مكسورةٍ، ثم مثناة تحت مشددة، وفي بعضها: ((حوتنية)) بإسكان الواو، وبعدها مثناة فوقُ مفتوحة، ثم نون مكسورة، وقد ذكرها القاضي، وفي بعضها: ((حونية)) بإسكان الواو، وبعدها نون مكسورة، وفي بعضها: ((حُريثية)) بحاء مهملة مضمومة، وراء مفتوحة، ثم مثناة تحتُ ساكنة، ثم مثلثة مكسورة، منسوبة إلى بني حُريث، وكذا وقع في رواية البخاريّ لجمهور رواة ((صحيحه))، وفي بعضها: ((حونبية)) بفتح الحاء المهملة، وإسكان الواو، ثم نون مفتوحة، ثم باء موحدة، ذكره القاضي، وفي بعضها: ((خُويثية)) بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو، وإسكان المثناة تحتُ، وبعدها مثلثة، حكاه القاضي، وفي بعضها: ((جوينية)) بجيم مضمومة، ثم واو، ثم مثناة تحتُ، ثم نون مكسورة، ثم مثناة تحت مشدّدة، وفي بعضها: ((جَونية)) بفتح الجيم، وإسكان الواو، وبعدها نون، قال القاضي في ((المشارق)): ووقع لبعض رواة البخاريّ ((خيبرية)) منسوبة إلى خيبر، ووقع في ((الصحيحين)): ((حوتكية)) بفتح الحاء، وبالكاف؛ أي: صغيرة، ومنه رجل حَوْتكيّ؛ أي: صغير، قال صاحب ((التحرير)) في ((شرح مسلم)) في الرواية الأولى: هي منسوبة إلى الحويت، وهو قبيلة، أو موضع، وقال القاضي في ((المشارق)): هذه الروايات كلها تصحيف، إلا روايتي جَونية، بالجيم، وحُريثية بالراء والمثلثة، فأما الْجَوْنية بالجيم فمنسوبة إلى بني الجون، قبيلة من الأزد، أو إلى لونها من السواد، أو البياض، أو الحمرة؛ لأن العرب تسمِّي كل لون من هذه جَوْناً. انتهى كلام (١) القاضي(١). وقال ابن الأثير في ((النهاية)) بعد أن ذكر الرواية الأولى: هكذا جاء في بعض نُسخ مسلم، ثم قال: والمحفوظ المشهور خميصة جَوْنية؛ أي: سوداء، قال: وأما حُوَيتية فلا أعرفها، وطالما بحثت عنها، فلم أقف لها على معنى، وجاء في رواية أخرى: خميصة حَوْتكيّة، لعلها منسوبة إلى القِصَر، فإن الْحَوْتكيّ الرجل القصير الخَطْوِ، أو هي منسوبة إلى رجل يُسمّى حوتكاً، والله أعلم. انتهى (٢). (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٦٤٧. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ص ٢٤٠. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة وقوله: (وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ) جملة في محلّ نصب على الحال، و(يسم)) من باب وعد؛ أي: يَكْوي، و((الظهر)): بفتح، فسكون: الإبل التي يُحْمَل عليها، ويُرْكَب، يقال: عند فلان ظهر؛ أي: إبل، ويُجمع على ظُهران بالضمّ (١). وقال النوويّ نَّثُ: قوله: ((يَسِمُ الظهر)) المراد به الإبل، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَحمل الأثقال على ظهورها. انتهى(٢). (الَّذِي قَدِمَ) بكسر الدال، (عَلَيْهِ فِي الْفَتْح)؛ أي: في فتح مكة، وفي رواية للبخاريّ: ((وهو يسم الظهر الذي قَدِم عليه))، قال في ((الفتح)): وفيه ما يدلّ على أن ذلك بعد رجوعهم من غزوة الفتح، وحُنين، والمراد بالظهر: الإبل، وكأنه كان يَسِم الإبل والغنم، فصادف أول دخول أنس، وهو يسم شاةً، ورآه يَسِمُ غير ذلك. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٤٢/٢٩ و٥٥٤٣ و٥٥٤٤ و٥٥٤٥ و٥٥٤٦] (٢١١٩)، و((الآداب)) [٥٦٠٠/٥] (٢١٤٤)، وسيأتي في ((فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم)) برقم (٢١٤٤)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٥٠٢) و(العقيقة)) (٥٤٧٠) و((الذبائح)) (٥٥٤٢) و((اللباس)) (٥٨٢٤)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٦٣)، و(ابن ماجه) في ((اللباس) (٣٥٦٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٨٤٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٨/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٥/٣ و١٠٥ - ١٠٦ و١٧١ و١٨١ و٢٥٤ و٢٨٤ و٢٥٩١ و ٥٦٢٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٨٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٣٢ و٤٥٣٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤/٧ - ٣٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٧٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ((لسان العرب)) ٤/ ٥٢٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٠/١٤. (٣) ((الفتح)) ٥٣٥/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٥٤٢).