Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠١)
غَسل الموضع أو الثوب الذي يكون عليه عَظْم ميتة، أو نجاسة لا رطوبة فيها،
وعلى هذا فهذا الاحتمال أولى أن يُعتبر، فإنْ لم يكن أَولى فالاحتمالات
متعارضة، والدَّسْت(١) قائم، ولا نصّ حاكم. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
هُنا هذا من أفراد المصنّف ◌َُّ .
(المسألة الأولى): حديث عائشة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٠٠/٢٥ و٥٥٠١] (٢١٠٤)، و(ابن ماجه) في
((اللباس)) (٣٦٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٢/٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٧/٨)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٥٧/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ،
حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَ رَسُولَ اللهِ(٣) أَنْ
يَأْتِيَهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يُطَوِّلْهُ كَتَطْوِيلِ ابْنِ أَبِي حَازِمِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٢ - (الْمَخْزُومِيُّ) المغيرة بن سلمة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، تغيّر قليلاً بآخره [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٣.
و((أبو حازم)) ذُكر قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير وُهيب.
(١) لم يظهر لي المراد منه، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢١/٥ - ٤٢٢.
(٣) وفي نسخة: ((وعده رسول الله (وَل﴿)).

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
[تنبيه]: رواية وُهيب، عن أبي حازم هذه ساقها إسحاق بن راهويه رَّتُهُ
في ((مسنده))، فقال:
(١٠٦٩) - أخبرنا المخزوميّ، نا وُهيب، عن أبي حازم، عن أبي سلمة،
عن عائشة، أن جبريل وعد رسول الله ◌َ ﴿ أن يأتيه، فاحتَبَس، ثم أتاه، فقال
له: ((ما حبسك؟)) فقال: كلبٌ كان في البيت، فنظروا، فإذا جُرْوٌ تحت السرير،
فَأَمَر به، فأُخْرِج. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٠٢] (٢١٠٥) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي
مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَصْبَحَ يَوْماً وَاجِماً، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدٍ
اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْم، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ
يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَّ وَاللّهِ مَا أَخْلَفَنِي))، قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَوْمَهُ
ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْؤُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ،
ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءَ، فَتَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: ((قَدْ كُنْتَ
وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ))، قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا
صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّهُ بَأْمُرُ بِقَتْلِ
كَلْبِ الْخَائِطِ الصَّغِيرِ، وَبَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ السَّبَّاقِ) هو: عُبيد بن السبّاق الثقفيّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٨٣/٥٠.
٢ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين ظًُّا، تزوجها النبيّ وَل
بسرف سنة سبع، وماتت بها، ودُفنت سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في
((الحيض)) ٦٨٧/١.
والباقون تقدّموا قريباً.
(١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٢/ ٤٨٧.

٦٣
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْناً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب،
والباقون مصريّون، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّة هي خالته، ورواية تابعيّ
عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ) عبيد (ابْنِ السَّبَّاقِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الموحّدة، (أَنَّ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) عَ (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ) بنت الحارث ◌َّا، وهي خالته
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ أَصْبَحَ يَوْماً وَاجِماً)؛ أي: ساكتاً مهتمّاً، والواجم الذي
أسكته الهمّ، وغلبته الكآبة، وقيل: الوجوم: الحزن، قاله ابن الأثير(١).
وقال النوويّ: هو بالجيم، قال أهل اللغة: هو الساكت الذي يظهر عليه
الهمّ والكآبة، وقيل: هو الحزين، يقال: وَجَمَ يَجِمُ - من باب ضَرَبَ -
وُجُوماً. انتهى(٢).
(فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ) ﴿َّا (يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ)؛ أي: جَهِلنا،
يقال: أنكره، واستنكره، وتناكره: إذا جهله(٣). (هَيْئَتَكَ) بفتح الهاء،
وسكون التحتانيّة: الحالة الظاهرة، يقال: هاء يهوءُ، ويهيء هيئةً حسنةً: إذا
صار إليها(٤). (مُنْذُ الْيَوْم)؛ أي: في هذا اليوم؛ لأن ((منذ))، و((مُذْ)) إذا جرّا
حاضراً كانا بمعنى ((في))، نحو: ما رأيته منذ، أو مذ يومنا، وإن جرّا
ماضياً كانا بمعنى ((من))، نحو: ما رأيته منذ، أو مذ يوم الجمعة، قال في
«الخلاصة)» :
وَإِنْ يَجُرَّا فِي مُضِيٍّ فَكَّـامِنْ)) هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى ((فِي)) اسْتَبِنْ
فالمعنى هنا: لقد استنكرتُ؛ أي: جهِلت حالتك في هذا اليوم؛ أي:
إنك تغيّرت عما كنّا نعهده منك فيما مضى من الزمن، من الانبساط
والانشراح، وبشاشة الوجه، والله تعالى أعلم.
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ص٩٦١.
(٢) (شرح النوويّ)) ٨٢/١٤.
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ص١٣١٤. (٤) ((المصباح المنير)) ٦٤٥/٢.

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ) عََّ (كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ)
بالنصب على الظرفّة، (فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ) هكذا في معظم النُّسخ بحذف الألف،
وهي ((أما)) التي للتنبيه، والاستفتاح كـ((ألا))، ووقع في بعض النُّسخ بلفظ ((أما))
بالألف، وهما لغتان، قال ابن هشام تَخْتُهُ في ((المغني)): ((أما)) بالفتح
والتخفيف حرف استفتاح بمنزلة ((ألا))، وتكثر قبل القَسَم؛ كقوله [من الطويل]:
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ
وقد تُبدل همزتها هاءً، أو عيناً قبل القَسَم، وكلاهما مع ثبوت الألف،
وحَذْفها، أو تُحذف الألف مع ترك الإبدال. انتهى (١).
(وَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي)؛ أي: ما ترك الوفاء بوعده قبل هذا، (قَالَ) هكذا
النُّسخ، والظاهر أن الضمير لابن عبّاس آخذاً عن ميمونة ظ﴿ّ، (فَظَلَّ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ) الحال من كونه واجماً، (ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ
جِرْوُ كَلْبٍ)؛ أي: وجود جرو كلب، وتقدّم أنه بكسر الجيم، وضمها،
وفتحها، ثلاث لغات، مشهورات، وهو الصغير من أولاد الكلب، وسائر
السباع، والجمع أَجْرٍ، وجِرَاءٌ، وجَمْع الْجِرَاء أَجْرِيَةٌ(٢). (تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا) فيه
ستّ لغات: فُسطاطُ، وفُستاطٌ بالتاء، وفُسّاطٌ، بتشديد السين، وضم الفاء
فيهنّ، وتُكْسَر، وهو نحو الخباء، قال القاضي عياض: والمراد به هنا بعض
حِجَال البيت، بدليل قولها في الحديث الآخر: ((تحت سرير عائشة))، وأصل
الفسطاط: عمود الأخبية التي يقام عليها، والله أعلم. انتهى(٣).
وفي رواية النسائيّ: ((تَحْتَ نَضَدٍ لَنَا))، والنَّضَد - بفتحتين -: السرير الذي
يُنظّد عليه الثياب؛ أي: يُجعل بعضها فوق بعض. وقال الفيّوميّ: نَضَدته
نَضْداً، من باب ضرب: جعلت بعضه على بعض، والنَّضَد - بفتحتين -:
المنضود، والنضيدُ فعيلٌ بمعنى مفعول، وسُمّي السرير نَضَداً؛ لأن النضَدَ غالباً
يُجعل عليه. انتهى (٤).
(١) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١١٧/١.
(٢) (شرح النوويّ)) ٨٣/١٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦١٠/٢.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٦٣٠.

٦٥
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
(فَأَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ وَّ﴾ (بِهِ)؛ أي: بإخراج ذلك
الجرو، (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول، (ثُمَّ أَخَذَ) ◌ِ (بِيَدِهِ مَاءَ، فَتَضَحَ مَكَانَهُ) قال
النوويّ تَخْلُهُ: قد احتَجّ بهذا جماعة في نجاسة الكلب، قالوا: والمراد
بالنضح: الغسل، وتأوّلته المالكية على أنه غَسَلَه لخوف حصول بوله، أو روثه،
والله أعلم. (فَلَمَّا أَمْسَى)؛ أي: دخل ◌َّ﴿ في وقت المساء، وهو خلاف
الصباح، وقال ابن الْقُوطِيّة: المساء ما بين الظهر إلى المغرب، وأمسيت
إمساء: دخلت في المساء(١). (لَقِيَه جِبْرِيلُ)؛ أي: استقبله، يقال: لَقِيتُهُ أَلْقَاهُ،
من باب تَعِبَ لُقيّاً، والأصل على فُعُول، ولُقىّ بالضم مع القصر، ولِقَاءً
بالكسر، مع المدّ، والقصر، وكلّ شيء استَقْبَل شيئاً، أو صادفه فقد لَقِيهُ، ومنه
لِقَاءُ البيت، وهو استقباله(٢). (فَقَالَ) وَِّ (لَهُ)؛ أي: لجبريل،ِلَّه («قَدْ كُنْتَ
وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ))) قال المجد: هي أقرب ليلة مضت(٣)، وقال
الفيّوميّ: تقول العرب قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام،
وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة. انتهى(٤). (قَالَ) جبريل (أَجَلْ) بفتحتين؛
كنَعَمْ وزناً ومعنّى، (وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتاً، فِيهِ كَلْبٌ) المراد بالبيت: المكان الذي
يستقرّ فيه الشخص، سواء كان بناءً، أو خيمةً، أم غير ذلك، والظاهر العموم
في كلّ كلِب؛ لأنه نكرة في سياق النفي. وذهب الخطّابيّ، وطائفة إِلَى اسْتِثْنَاء
الْكِلَابِ الَّتِي أُذِنَ فِي انِّخَاذهَا، وَهِيَ كِلَابِ الصَّيْد، وَالْمَاشِيَة، وَالزَّرْعِ، وَجَنَحَ
الْقُرْطُبِيّ إِلَى تَرْجِيحِ الْعُمُومِ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ الْجَرْو
الَّتِي ستَأْتِي في الحديث التالي، قَالَ: فَامْتَنَعَ جِبْرِيل ◌َعَلَا مِنْ دُخُول الْبَيْت،
الَّذِي كَانَ فِيهِ، مَعَ ظُهُور الْعُذْرِ فِيهِ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ الْعُذْرِ لا يَمْنَعُهُمْ مِنَ
الدُّخُول، لَمْ يَمْتَنِعِ جِبْرِيل ◌ِعَهُ مِنَ الدُّخُول. انتهى.
قال الحافظ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يُقَال: لا يَلْزَم مِنَ الثَّسْوِيَةِ، بَيْنِ مَا عُلِمَ بِهِ، أَوْ
لَمْ يُعْلَم فِيمَا لَمْ يُؤْمَر بِاتِّخَاذِهِ، أَنْ يَكُون الْحُكْم كَذَلِكَ، فِيمَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذه.
انتھی.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٩١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٥٨/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٤٢.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي أبداه الحافظ هو
الذي يظهر لي، وحاصله أن الكلاب التي أُذن في اقتنائها لا تدخل في حكم
مَنْع دخول الملائكة، ويؤيّد ذلك أن من اقتناها لا يدخل في نقص القيراط، أو
القيراطين، حيث استثناه الشارع من ذلك، فكذا هنا فيما يظهر. والله تعالى
أعلم.
(وَلَا صُورَةٌ) بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا هو فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَات، كما قاله الحافظ،
وفي رواية البخاريّ: ((وَلَا تَصَاوِير)) بالجمعِ. وَفَائِدَة إِعَادَة حَرْفِ النَّفْي،
الاخْتِرَاز مِنْ تَوَهُم الْقَصْرِ فِي عَدَمِ الدُّخُولِ، عَلَى اجْتِمَاعِ الصِّنْفَيْنِ، فَلَا يَمْتَنِع
الدُّخُول مَعَ وُجُود أَحَدهمَا، فَلَمَّا أُعِيدَ حَرْف النَّفْي، صَارَ التَّقْدِير: وَلَا تَدْخُلُ
بَيْتاً فِيهِ صُورَة.
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخَُّهُ: إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه
الصورة؛ لأن متّخذها قد تشبّه بالكفّار؛ لأنهم يتّخذون الصور في بيوتهم،
ويُعظّمونها، فكَرِهَت الملائكة ذلك، فلم تدخل بيته؛ هَجْراً له؛ لذلك. انتهى.
وقال النوويّ: قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها
معصيةً فاحشةً، وفيها مضاهاةٌ لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يُعبد من
دون الله تعالى، وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب؛ لكثرة أكله النجاسات،
ولأن بعضها يُسَمَّى شيطاناً، كما جاء به الحديث، والملائكة ضدّ الشياطين،
ولِقُبْح رائحة الكلب، والملائكة تَكره الرائحة القبيحة، ولأنها مَنْهِيّ عن
اتخاذها، فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته، وصلاتها فيه،
واستغفارها له، وتبريكها عليه، وفي بيته، ودَفْعها أذى الشيطان، وأما هؤلاء
الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب، أو صورةٌ، فهم ملائكة يطوفون
بالرحمة، والتبريك، والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا
يفارقون بني آدم في كل حال؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم، وكتابتها، قال
الخطابيّ: وإنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ، أو صورةٌ، مما يحرم اقتناؤه
من الكلاب، والصور، فأما ما ليس بحرام، من كلب الصيد، والزرع،
والماشية، والصورة التي تُمْتَهَنُ في البساط، والوسادة، وغيرهما، فلا يمتنع
دخول الملائكة بسببه، وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابيّ، قال النوويّ:

٦٧
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
والأظهر أنه عامّ في كل كلب، وكلّ صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع؛
لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبيّ وَّ تحت السرير،
كان له فيه عذر ظاهرٌ، فإنه لم يَعلم به، ومع هذا امتنع جبريل لعلَّلا من دخول
البيت، وعَلَّل بالجرو، فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم
يمتنع جبريل، والله أعلم. انتهى(١) .
تقدّم أن الأرجح عندي ما قاله الخطّابيّ، من استثناء ما أُذن في اقتنائه
من الكلاب بدليل أنه استثناها الشارع من نقص قيراط أو قيراطين، فقد أخرج
الشيخان عن ابن عمر ﴿ه مرفوعاً: ((من اقتنى كلباً نَقَص من أجره كلَّ يوم
قيراطان، إلا ضارياً(٢)، أو صاحب ماشية))، وأخرجا أيضاً عن سفيان بن أبي
زهير الشنائيّ ◌ُ مرفوعاً: ((من اقتنى كلباً لا يُغني زرعاً، ولا ضرعاً، نقص
من عمله كلَّ يوم قيراط))، فقد استثنى من نَقْص الأجر كلب الماشية والزرع،
فيستفاد منه استثناؤه أيضاً من امتناع دخول الملائكة، والله تعالى أعلم.
(فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) قال القرطبيّ: كذا رواه
جميع الرواة: ((فأصبح))، ((فأمر))، مرتباً بفاء التَّسبُّب، فيدل ذلك على أن أَمْره
بقتل الكلاب في ذلك اليوم كان لأجل امتناع جبريل منظّلا من دخول بيته،
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك لمعنى آخر غير ما ذكرنا؛ وهو أن ذلك إنما كان
لينقطعوا عما كانوا أَلِفوه من الأُنس بالكلاب، والاعتناء بها، واتخاذها في
البيوت، والمبالغة في إکرامها، وإذا كان كذلك کثرت، وگَثُر ضررها بالناس،
من الترويع، والجرح، وكَثُر تنجيسها للديار، والأَزِقّة، فامتنع جبريل لعلَّلُ من
الدخول لأجل ذلك، ثم أخبر به النبيّ وَّر، وأمر بقتل الكلاب، فانزجر الناس
عن اتخاذها، وعما كانوا اعتادوه منها، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد، فالأظهر أن الأمر
إنما هو بسبب امتناع جبريل لعل من الدخول؛ كما هو ظاهر سياق الحديث.
والله تعالى أعلم.
قال: وفيه من الفقه أن الكلاب يجوز قتلها؛ لأنها من السِّباع، لكن لمّا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٨٤.
(٢) أي: إلا كلباً معوَّداً بالصيد.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
كان في بعضها منفعة، وكانت من النوع المستأنس سومح فيما لا يضرّ منها.
انتھی(١).
(حَتَّى إِنَّهُ بَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ)
قال القرطبيّ: هذا يدلّ على جواز اتخاذ ما يُنتفع به من الكلاب في حفظ
الحوائط، وغيرها، ألا ترى أن الحائط الكبير لمّا كان يحتاج إلى حفظ جوانبه
ترك له كلبه، ولم يقتله، بخلاف الحائط الصغير منها، فإنَّه أمر بقتل كلبه؛ لأنَّه
لا يحتاج الحائط الصغير إلى كلب، فإنَّه ينحفظ بغير كلب لِقُرب جوانبه.
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ؤها من أفراد المصنّف دخَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥٠٢/٢٥] (٢١٠٥)، و(أبو داود) في ((اللباس))
(٤١٥٧)، و(النسائيّ) في ((الصيد)) (١٨٤/٧ و١٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٣٠/٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٩٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٨٥٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٤٧/٢٣ و٣٢/٢٤)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٢٤٢/١ و٢٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يستحبّ للإنسان إذا رأى صاحبه واجماً أن يسأله عن
سببه؛ ليساعده فيما يمكنه مساعدته، أو يتحزّن معه، أو يُذكّره بطريق يزول به
ذلك العارض.
٢ - (ومنها): أن فيه التنبيه على الوثوق بوعد الله تعالى، ورُسُله - عليهم
الصلاة والسلام - لكن قد يكون للشيء شَرْط، فيتوقّف على حصوله، أو يتخيّل
توقيته بوقت، ويكون غير موقّت به، ونحو ذلك.
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٢/٥ - ٤٢٣.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٤٢٢/٥.

٦٩
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
٣ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان إذا تكدّر عليه وقته، أو تنكّدت وظيفته،
ونحو ذلك أن يفكّر في سببه، كما فعل النبيّ وَّ هنا، حتّى استخرج الكلب،
وهو من نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَسَهُمْ طَيِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ
[الأعراف: ٢٠١].
٢٠١١
تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
٤ - (ومنها): بيان امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه كلب، أو
صورة .
[تنبيه]: قد استُشكل كون الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه التصاوير،
مع قوله {وَلَ عند ذِكْر سليمان مفعِلَّ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ﴾
[سبأ: ١٣]، وقد قال مجاهد: كانت صوراً من نحاس، أخرجه الطبريّ، وقال
قتادة: كانت من خشب، ومن زجاج، أخرجه عبد الرزاق.
والجواب أن ذلك كان جائزاً في تلك الشريعة، وكانوا يعملون أشكال
الأنبياء والصالحين منهم على هيئتهم في العبادة؛ ليتعبَّدوا كعبادتهم، وقد قال
أبو العالية: لم يكن ذلك في شريعتهم حراماً، ثم جاء شرَعْنا بالنهي عنه.
ويَحْتَمِل أن يقال: إن التماثيل كانت على صورة النقوش لغير ذوات
الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملاً لم يتعيّن الحمل على المعنى المُشْكِل.
وقد ثبت في ((الصحيحين)) حديث عائشة في قصة الكنيسة التي كانت
بأرض الحبشة، وما فيها من التصاوير، وأنه ◌َ﴿ قال: ((كانوا إذا مات فيهم
الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار
الخلق عند الله))، فإن ذلك يُشعر بأنه لو كان ذلك جائزاً في ذلك الشرع ما
أَطلق عليه و # أن الذي فعله شر الخلق، فدلّ على أن فِعل صور الحيوان فعل
مُحْدَث أحدثه عبّاد الصُّوَر، والله أعلم، قاله في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الثاني هو الحقّ؛
لحديث عائشة ﴿ّا المذكور، فتُحمَلُ التماثيل التي في قصّة سليمان علَلا على
غير صُوَر ذوات الأرواح، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أغرب ابن حبان، فادَّعَى أن هذا الحكم خاصّ بالنبيّ وَّهِ،
(١) ((الفتح)) ٤٦٢/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٤٩).

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال: وهو نظير الحديث الآخر: ((لا تصحب الملائكة رُفقة فيها جَرَسٌ))، قال:
فإنه محمول على رُفقة فيها رسول الله وَله؛ إذ محال أن يخرج الحاج والمعتمر
لقصد بيت الله رَبَك على رواحل، لا تصحبها الملائكة، وهم وَفْد الله. انتهى.
قال الحافظ: وهو تأويل بعيد جدّاً، لم أره لغيره، ويزيل شبهته أن كونهم
وَفْد الله لا يمنع أن يؤاخذوا بما يرتكبونه من خطيئة، فيجوز أن يُحْرَموا بركة
الملائكة بعد مخالطتهم لهم، إذا ارتكبوا النهي، واستصحبوا الجرس، وكذا
القول فيمن يقتني الصورة والكلب، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما تعقّب به الحافظ قول ابن حبّان
المذكور تعقّب حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن الكلاب يجوز قتلها؛ لأنها من السباع، لكن لَمّا كان
في بعضها منفعة، وكانت من النوع المتأنّس سُومح فيما لا يضرّ منها.
٦ - (ومنها): أن قوله: ((يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ... إلخ)) فيه
دليلٌ على جواز اتخاذ ما يُنتفع به من الكلاب في حفظ الحوائط، وغيرها، ألا
ترى أن الحائط الكبير لَمّا كان يحتاج إلى حفظ جوانبه ترك له كلبه، فلم يقتله،
بخلاف الحائط الصغير منها، فإنه أمر بقتل كلبه؛ لأنه لا يَحتاج الحائط الصغير
إلى كلب، فإنه ينحفظ من غير كلب؛ لِقُرب جوانبه. قاله القرطبيّ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة قتل الكلاب قد مرّ البحث فيها مستوفّى
في ((كتاب البيوع)) [٤٠٠٩/٣٢] (١٥٧٠)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): أنه احتجّ جماعة بقولها: ((فنضح مكانه)) في نجاسة عين
الكلب، قالوا: والمراد بالنضح الغسل، وتأوله من لا يقول بذلك؛ كالمالكيّة
على أنه غَسَله لخوف حصول بوله، أو روثه، أو لإزالة الرائحة الكريهة، وهذا
هو الراجح، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في ذكر اختلاف أهل العلم في حكم استعمال
الصُّوَر:
(١) ((الفتح)) ٤٦١/١٣ - ٤٦٢، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٤٩).
(٢) ((المفهم)) ٤٢٣/٥.

٧١
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخّْثُ: وللعلماء في هذا الباب أقاويل،
ومذاهب:
[منها]: أنه لا يجوز أن يمسك الثوب الذي فيه تصاوير وتماثيل، سواء
كان منصوباً، أو مبسوطاً، ولا يجوز دخول البيت الذي فيه التصاوير،
والتماثيل في حيطانه، وذلك مكروه كله؛ لقول رسول الله وَله: ((لا تدخل
الملائكة بيتاً فيه تصاوير))، فإن فعل ذلك فاعلٌ بعد عِلْمه بالنهي عن ذلك، كان
عاصياً عندهم، ولم يَحْرُم عليه بذلك مُلك الثوب، ولا البيت، ولكنه ينبغي له
أن يتنزه عن ذلك كله، ويكرهه وينابذه؛ لِما ورد من النھي فيه.
وحجةُ من ذهب هذا المذهب في الثياب، وفي حيطان البيوت وغيرها،
حديثُ ابن شهاب وغيره، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضيّا، قالت: دخل
عليّ رسول الله وَله، وأنا مستترة بقِرام فيه صور، فتلوّن وجهه، وتناول الستر
فهتكه، ثم قال: ((إن من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبِّهون بخلق الله))،
ورَوَى نافع هذا الخبر، عن القاسم، بهذا المعنى، وزاد: أن النبيّ وَّ، قال:
((إن البيت الذي فيه الصور، لا تدخله الملائكة))، قال: وزيادة من زاد فيه من
الثقات الحفاظ، إباحة ما يُتوسد من ذلك، ويُرتفق به، ويُمتهن يجب قبولها،
وإن كان ظاهر حديث مالك في ذلك كراهية عموم الصور، على كل حال،
وإلى ذلك ذهب ابن شهاب، وهو راوية الحديث.
قال: ذكر ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، أنه
كان يكره التصاوير، ما نُصب منها، وما بُسط، وكان مالك لا يرى بذلك بأساً
في البسط، والوسائد، والثياب على حديث سهل بن حنيف نظراته: ((إلا ما كان
رقماً في ثوب)).
ثم أخرج بسنده، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن
عائشة ﴿ّا، قالت: كان على بابي دُرْنُوك(١)، فيه الخيل، ذوات الأجنحة،
فقال النبيّ وَلّ: ((ألقوا هذا)).
(١) ((الدُّرْنوك)) سترٌ له خملٌ، قاله في ((النهاية)) ١١٥/٢، وقال في ((القاموس)»: الدُّرْنوك
بالضمّ: ضرب من الثياب، أو الْبُسُط. انتهى.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وقال آخرون: إنما يُكره من الصور ما كان في الحيطان، وصُوّر في
البيوت، وأما ما كان رقماً في ثوب فلا، واحتجوا بحديث سهل بن حُنيف،
وأبي طلحة، وفيه عن النبيّ وَّ: ((إلا ما كان رقماً في ثوب))(١)، فكل صورة
مرقومة في ثوب، فلا بأس بها على كل حال؛ لأن رسول الله وَ﴿ استثنى الرقم
في الثوب، ولم يخصّ من ذلك شيئاً ولا نوعاً، وذكروا عن القاسم، وهو
راوية حديث عائشة، ما رواه ابن أبي شيبة، عن أزهر، عن ابن عون، قال:
دخلت على القاسم، وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حَجَلة فيه تصاوير
السندس، والعنقاء.
وقال آخرون: لا يجوز استعمال شيء من الصور، رقماً كان في ثوب،
أو غير ذلك، إلا أن يكون الثوب يوطأ، ويُمتهن، فأما أن يُنصب؛ كالسِّتر
ونحوه فلا، قالوا: وفي حديث عائشة، من رواية ابن شهاب، ما يخصّ
الثياب، ويعيّنها، وهو يعارض حديث سهل بن حنيف، وأبي طلحة، إلا أنّا قد
روينا عن عائشة، أن ذلك من الثياب فيما يُنصب، دون ما يُبسط، فبان بذلك
وجه الحديثين، وأنهما غير متعارضين، وعائشة قد علمت مخرج حديثها،
ووقفت عليه، وذكروا من الأثر ما رواه وكيع وغيره، عن أسامة بن زيد، عن
عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضيّا، قالت: ((سترت سَهْوة لي
بستر فيه تصاوير، فلمّا قَدِم النبيّ ◌َّ﴿ هَتَكه، فجعلت منه منبذتين، فرأيت
النبيّ ◌َل﴿ متكئاً على إحداهما))، قالوا: ألا ترى أن رسول الله وَ لَ كَرِه من
ذلك، ما كان ستراً منصوباً، ولم يكره ما اتكأ عليه من ذلك، وامتهنه.
قال أبو عمر: وقد يَحْتَمِل أن يكون الستر لمّا هتكه رسول الله وَ له تغيّرت
(١) أشار به إلى ما أخرجه الترمذيّ ٢٣٠/٤ بسند صحيح، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة أنه دخل على أبي طلحة الأنصاريّ يعوده، قال: فوجدت عنده سهل بن
حنيف، قال: فدعا أبو طلحة إنساناً ينزع نمطاً تحته، فقال له سهل: لم تنزعه،
فقال: لأن فيه تصاوير، وقد قال فيه النبيّ وَّيه ما قد علمت، قال سهل: أوَ لم
يقل: ((إلا ما كان رقماً في ثوب))؟ فقال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. قال أبو
عیسی: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.

٧٣
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
صورته، وتهتكت، فلمّا صنع منه ما يُتكأ عليه، لم تظهر فيه صورة بتمامها،
وإذا احتَمَل هذا لم يكن في حديث عائشة هذا حجة على ابن شهاب، ومن
ذهب مذهبه، إلا أن ممن سَلَف من العلماء جماعةً ذهبوا إلى ما كان من رَقْم
الصور، فيما يوطأ ويمتهن، ويُتكأ عليه من الثياب، لا بأس به، ذكر ابن أبي
شيبة، عن حفص بن غياث، عن الجعد رجل من أهل المدينة، قال: حدثتني
ابنة سعد، أن أباها جاء من فارس بوسائد، فيها تماثيل، فكنا نبسطها .
وعن ابن فضيل، عن ليث، قال: رأيت سالم بن عبد الله متكئاً على
وسادة حمراء، فيها تماثيل، فقلت له في ذلك، فقال: إنما يُكره هذا لمن
ینصبه، ویصنعه.
وعن ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يتكئ على
المرافق، فيها التماثيل، الطير، والرجال.
وعن ابن علية، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: كانوا
لا يرون ما وُطئ، وبُسط من التصاوير مثل الذي نُصب.
وعن إسماعيل ابن علية أيضاً، عن أيوب، عن عكرمة أنه كان يقول في
التصاوير، في الوسائد، والبسط التي توطأ: هو أذلّ لها.
وعن أبي معاوية، عن عاصم، عن عكرمة، قال: كانوا يكرهون ما نُصب
من التماثيل نصباً، ولا يرون بأساً بما وطئته الأقدام.
وعن ابن إدريس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، أنه كان لا يرى
بأساً بما وُطئ من التصاوير.
وعن ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن عكرمة بن خالد، قال: لا
بأس بالصورة، إذا كانت توطأ.
وعن ابن يمان، عن الربيع بن المنذر، عن سعيد بن جبير، قال: لا بأس
بالصورة، إذا كانت توطأ .
وعن عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء في التماثيل،
ما كان مبسوطاً يوطأ، أو يُبسط، فلا بأس به، وما كان منه يُنصب، فإني
أکرهها .
وعن الحسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
دينار، عن سالم بن عبد الله، قال: كانوا لا يرون بما يوطأ من التصاوير بأساً.
قال أبو عمر: هذا أعدل المذاهب، وأوسطها في هذا الباب، وعليه أكثر
العلماء، ومن حَمَلَ عليه الآثار، لم تتعارض على هذا التأويل، وهو أولى ما
اعتقد فيه، والله الموفق للصواب.
وقد ذهب قوم إلى أن ما قُطع رأسه فليس بصورة، رَوَى أبو داود
الطيالسيّ، قال: حدّثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة، مولى ابن عباس، قال: دخل
المسور بن مخرمة، على ابن عباس، وهو مريض، وعليه ثوب إستبرق، وبين
يديه ثوب، عليه تصاوير، فقال المسور: ما هذا يا ابن عباس؟ فقال ابن
عباس: ما علمت به، وما أرى رسول الله وَلّ نهى عن هذا، إلا للكِبْر
والتجبر، ولسنا بحمد الله كذلك، فلما خرج المسور أمر ابن عباس بالثوب،
فنُزع عنه، وقال: اقطعوا رؤوس هذه التصاوير.
وروى ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدّثنا
مجاهد، قال: حدثنا أبو هريرة له، قال: قال رسول الله وَ له: ((إن جبريل
أتاني البارحة، فلم يمنعه أن يدخل إليّ، إلا أنه كان في البيت حجال وستر،
فيه تماثيل، وكلب، فأمر برأس التمثال أن يُقطع، وبالستر أن يُثَنَى، ويُجعل منه
وسادتان توطان، وبالكلب أن يُخرج))(١).
وذكر ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، قال: إنما
الصورة الرأس، فإذا قُطع فلا بأس. وعن يحيى بن سعيد، عن سلمة أبي بشر،
عن عكرمة، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾
الآية [الأحزاب: ٥٧]، قال: أصحاب التصاوير.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصورة المكروهة في صُنعتها
واتخاذها، ما كان له روح، وحجتهم حديث القاسم، عن عائشة، عن النبيّ وَلّ أنه
قال: ((من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوِّرون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم))،
ففي هذا دليل على أن الحياة، إنما قُصد بذِكرها إلى الحيوان، ذوات الأرواح.
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، والترمذيّ بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث
حسنٌ صحيح.

٧٥
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
ثم أخرج بسنده عن عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند
ابن عباس، إذ جاءه رجل، فقال: إني أردت أن أنمّي معيشتي من صنعة يدي،
وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت
رسول الله * يقول، سمعته يقول: ((من صَوّر صورة، فإن الله معذبه يوم
القيامة، حتى يَنفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً))، قال: فكبا لها الرجل
كبوة شديدة، واصفَرّ وجهه، ثم قال: ويحك، إن أَبَيْتَ إلا أن تصنع، فعليك
بهذه الشجر، وکل شيء ليس فيه روح.
وقد كان مجاهد، يكره صورة الشجر، قال أبو عمر: وهذا لا أعلم أحداً
تابعه على ذلك. وذكر ابن أبي شيبة، عن عبد السلام، عن ليث، عن مجاهد،
أنه كان يكره أن يصوّر الشجر المثمر.
ومما يدل على أن الاختلاف في هذا الباب قديم، ما ذكره ابن أبي
شيبة، عن ابن علية، عن ابن عون، قال: كان في مجلس محمد بن سيرين
وسائد، فيها تماثيل عصافير، فكان أناس يقولون في ذلك، فقال محمد: إن
هؤلاء قد أكثروا علينا، فلو حوّلتموها، وهذا من ورع ابن سيرين تَكْتُهُ. انتهى
كلام ابن عبد البرّ تَُّ في كتابه ((التمهيد))(١)، وهو بحث مفيد جدّاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأقوال وأدلّتها أن
أرجحها أن الصور المحرّمة هي ما كانت لذوات الأرواح، وكانت منصوبة،
وأما إذا كانت توطأ، وتمتهن، فلا بأس بها، وكذلك ما كان رقماً في ثوب،
إلا أن يكون منصوباً، وكذلك إذا قُطع رأسها، وأصرح دليل على ذلك ما
أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح عن أبي هريرة له، قال: ((استأذن جبريللعلَّلا
على النبيّ وَله، فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل، وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟
فإما أن تُقطع رؤوسها، أو تُجعَل بساطاً يوطأ، فإنّا معشر الملائكة، لا ندخل
بيتاً فيه تصاوير))، فإنه قد استثنى من الصور التي تمنع دخول الملائكة ما كانت
مقطوعة الرأس، أو بساطاً يوطأ، وكذلك حديث أبي طلحة المذكور في الباب،
فإنه نصّ في استثناء ما كان رقماً في ثوب، وهذا كما سبق عن ابن عبد البرّ ◌َُّهُ
(١) ((التمهيد)) ١٩٥/٢١ - ٢٠١.

٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
أعدل الأقوال، وأيسرها في الجمع بين أحاديث الباب(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(المسألة الخامسة): في بيان حكم الصورة الشمسيّة:
قد اختَلَف العلماء المعاصرون في هذه المسألة، فمنهم من ألّف رسالة
في إباحتها (٢)، ذهب فيها إلى أن الصورة الفوتوغرافيا الذي هو عبارة عن حبس
الظلّ بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة ليس من التصوير المنهيّ عنه؛
لأن التصوير المنهيّ عنه هو إيجاد صورة وصُنع صورة لم تكن موجودة، ولا
مصنوعة من قبل، يضاهي بها حيواناً خلقه الله تعالى، وليس هذا المعنى
موجوداً في أخذ الصورة بتلك الآلة.
وذهب آخرون - وهو الذي يظهر لي - إلى أن حكم الصورة الشمسيّة
حكم الصورة المرسومة، قال الشيخ مصطفى الحمامي في كتابه ((النهضة
الإصلاحيّة))(٣): وإني أحبّ أن تجزم الجزم كلّه أن التصوير بآلة التصوير
(الفوتوغرافيّة) كالتصوير باليد تماماً، فيحرم على المؤمن تسليطها للتصوير،
ويحرم عليه تمكين مسلّطها لالتقاط صورته بها؛ لأن هذا التمكين يُعين على
فعل محرّم غليظ، وليس من الصواب في شيء ما ذهب إليه أحد علماء عصرنا
هذا من استباحة التصوير بتلك الآلة بحجّة أن التصوير لم يكن باليد، والتصوير
بهذه الآلة لا دخل لليد فيه، فلا يكون حراماً، وهذا عندي أشبه بمن يرسل
أسداً مفترساً، فيقتل من يقتل، أو يفتح تيّاراً كهربائيّاً يُعدم كلّ من مرّ به، أو
يضع سمّاً في طعام فيهلك كلّ من تناول من ذلك الطعام، فإذا وُجّه إليه لوم
بالقتل قال: أنا لم أقتل، إنما قتل السمّ، والكهرباء، والأسد. انتهى.
(١) قال الجامع عفا الله عنه: قد أطنبت الكلام في البحث عن مسألة الصور في ((شرح
النسائيّ))، فذكرته في ثلاثة مواضع: في ((الطهارة))، وفي ((الصيد))، وفي ((الزينة))،
وذلك لأهميّته، وكثرة ابتلاء الناس به، والله تعالى المستعان.
(٢) هو: الشيخ محمد بخيت المصريّ، سمَّى رسالته ((الجواب الشافي في إباحة
التصوير الفوتوغرافي)).
(٣) ((النهضة الإصلاحيّة)) ص ٢٦٤ و٥٦٥.

٧٧
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٢)
وقال الشيخ الألبانيّ تَظُّْ في ((آداب الزفاف)) - خلال كلام له -: وقريبٌ
من هذا تفريق بعضهم بين الرسم باليد، وبين التصوير الشمسيّ، يزعم أنه ليس
من عمل الإنسان، وليس من عمله فيه إلا إمساك الظلّ فقط، كذا زعموا، أما
ذلك الجهد الجبّار الذي صرفه المخترع لهذه الآلة حتى استطاع أن يصوِّر في
لحظة ما لا يستطيعه بدونها في ساعات، فليس من عمل الإنسان عند هؤلاء،
وكذلك توجيه المصوّر للآلة، وتسديدها نحو الهدف المراد تصويره، وقبيل
ذلك تركيب ما يسمّونه بالفلم، ثم بعد ذلك تحميضه، وغير ذلك، مما لا
أعرفه، فهذا أيضاً ليس من عمل الإنسان عند أولئك أيضاً.
قال: وثمرة التفريق عندهم أنه يجوز تعليق صورة رجل مثلاً في البيت إذا
كانت مصوّرةً بالتصوير الشمسيّ، ولا يجوز ذلك إذا كانت مصوّرة باليد.
قال: أما أنا فلم أر له مثلاً إلا جمود بعض أهل الظاهر قديماً، مثل قول
أحدهم في حديث: ((نهى رسول الله وَ ﴿ عن البول في الماء الراكد)) قال:
فالمنهي عنه هو البول في الماء مباشرةً، أما لو بال في إناء، ثمّ صبّه في الماء
فهذا ليس منهياً عنه. انتهى(١).
وسُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربيّة السعوديّة: ما حكم
الصورة إجمالاً؛ أي: للضرورة وغير الضرورة؟.
فأجابت بأن تصوير ذوات الأرواح حرام، سواء كان فوتغرافيّاً، أو نقشاً
بيد، أو آلة، ونحو ذلك، واقتناء الصور حرام، وإذا اضطرّ الإنسان إلى شيء
من ذلك بدون اختياره؛ كأن يُطلب منه صورة لجواز سفر، أو لمنحه التابعيّة
جاز له ذلك مع كراهة قلبه للتصوير. انتهى. ((فتاوى إسلامية)) ٣٥٧/٤(٢).
وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تَخْتُ عن حكم تعليق الصور
الفوتغرافيّة على الجدران؟ فأجاب بأن تعليق صور ذوات الأرواح على الجدران
أمر لا يجوز، سواء كان ذلك في بيت، أو مجلس، أو مكتب، أو شارع، أو
(١) راجع: ما سبق في كتاب ((تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم)) ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) منقول من فتاوى وأقوال كبار العلماء في التصوير، جَمْع عبد الرحمن بن سعد
الشتري، تقديم الشيخ صالح الفوزان ص٢٥.

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
غير ذلك، كله منكر، وكلّه من عمل الجاهليّة. انتهى كلامه باختصار(١).
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين تَّتُ أيضاً عن حكم تعليق الصور
على الجدران.
فأجاب بأن تعليق الصور على الجدران، ولا سيّما الكبير منها حرام حتى
ولو لم يخرج إلا بعض الجسم والرأس، وقصد التعظيم فيها ظاهر، وأصل
الشرك هو هذا الغلوّ، كما جاء ذلك عن ابن عبّاس ◌َّ في أصنام قوم نوح
التي يعبدونها قال: ((إنها كانت أسماء رجال صالحين صوّروا صورهم ليتذكّروا
عبادتهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم)). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من أقوال أهل العلم، وأدلّتهم
أنه لا فرق بين الصورة التي تُرسم باليد، وبين الصورة الفوتوغرافيّة؛ إذ المعنى
الذي حُرّمت من أجله الصور موجود في كليهما، فالمفاسد التي تدخل في
الصور موجودة فيهما، وأيضاً إن القول بأن هذا ليس من عمل اليد بطلانه
ظاهر، كما سبق في كلام الحمّاميّ والألبانيّ.
وبالجملة فالمسألة خطيرة أيما خطر، فإن التساهل فيها كثير، ولا سيّما
مع تشجيع بعض من ينتسب إلى العلم بفتواه بإباحتها، وهذا هو الداهية
العظمى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[تنبيه]: يُستثنى مما سبق الحالة الضروريّة، لقوله : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ
مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]، فيباح اتخاذ الصورة
الشمسيّة لضروة البطاقات الشخصيّة، وجواز السفر، أو نحو ذلك مما لا بدّ له
في حياة الإنسان، وقد ذكر صاحب ((التكملة)) أن الفقهاء استثنوا مواضع
الضرورة، وقال الإمام محمد في ((السِّير الكبير)): وإن تحقّقت الحاجة له إلى
استعمال السلاح الذي فيه تمثال، فلا بأس باستعماله، قال: وأعقبه السرخسيّ
في ((شرحه)) (٢٧٨/٢) بقوله: لأن مواضع الضرورة مستثناة من الحرمة، كما
في تناول الميتة، وذكر السرخسيّ أيضاً: إن المسلمين يتبايعون بدراهم الأعاجم
فيها التماثيل بالتيجان، ولا يمنع أحد عن المعاملة بذلك، وقال في موضع آخر
(١) ((فتاوى العقيدة)) ٣٠٣/١ - ٣٠٥.
(٢) ((مجموع فتاويه)) ٢/ ٢٨٢.

٧٩
(٢٥) - بَابُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ - حديث رقم (٥٥٠٣)
من ((شرحه)) (٢١٢/٣): لا بأس بأن يحمل الرجل في حال الصلاة دراهم
العجم، وإن كان فيها تمثال الملك على سريره، وعليه تاجه، وقد ثبت في
الأحاديث الصحيحة أن رسول الله وسلم أجاز لعائشة ﴿يا اللعب بالبنات، وأن
الفقهاء أباحوا للمرأة أن تكشف وجهها عند الشهادة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحالة الضروريّة قد استثنيت بنصّ الآية
المذكورة، وأما حديث عائشة ﴿ّا، وإن استدلّ به بعضهم، إلا أن الأَولى ما
قاله بعضهم: إنه كان قبل تحريم الصورة، فلا إشكال فيه، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه آخر]: قال صاحب ((التكملة)) أيضاً: أما التلفزيون والفديو، فلا
شكّ في حرمة استعمالهما بالنظر إلى ما يشتملان عليه من المنكرات الكثيرة،
من الخلاعة، والمجون، والكشف عن النساء المتبرّجات، أو العاريات، وغير
ذلك من أسباب الفسوق، ولكن هل يتأتى فيهما حكم التصوير بحيث إذا كان
التلفزيون، والفديو خالياً من هذه المنكرات بأسرها، هل يحرم بالنظر إلى كونه
تصويراً؟، ثم قال: لي فيه وقفة ... إلى آخر ما كتبه، لكن ظاهر بحثه كأنه
يميل إلى الجواز، وإن قال في آخر كلامه: ورحم الله امرءاً هداني إلى
الصواب. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي في المسألة، أنه لا يجوز
التصوير بأي آلة من الأجهزة الحديثة، من التلفزيون، والفديو، وغيرهما، إلا
للأمور الضروريّة التي تقدّم بيانها، وذلك لعموم النصوص الدالّة على تحريم
الصور بأشكالها، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٥٠٣] (٢١٠٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ بَحْيَى، وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
(١) ((تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم)) ٤/ ١٦٤.
(٢) ((تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم)) ٤/ ١٦٤ - ١٦٥.

٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْئاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا
صُورَةٌ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ،
مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِد بدراً، وما بعدها، ومات سنة (٣٤)
وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠.
والباقون ذُكروا في الباب، وفي الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ،
وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
وفيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) وفي رواية الإسماعيليّ من طريق أبي صالح كاتب الليث:
((حدّثنا الليث، حدّثني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله، سمع ابن
عبّاس، سمعت أبا طلحة ... ))، فصرّح الزهريّ، فمن فوقه بالتحديث،
والسماع. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) هكذا في هذه الرواية، قال في ((الفتح)): ووقع في
رواية الأوزاعيّ عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن أبي طلحة، لم يذكر ابن عباس
بينهما، ورجّح الدارقطنيّ رواية من أثبته، وقد أخرجه مالك في ((الموطأ)) عن
أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه دخل على أبي طلحة يعوده،
فذكر قصة، وفيها المتن المذكور، وزاد فيه استثناء الرقم في الثوب، كما تقدّم
البحث فيه، فلعل عبيد الله سمعه من ابن عباس، عن أبي طلحة، ثم لقي أبا
طلحة لمّا دخل يعوده، فسمعه منه، ويؤيد ذلك زيادة القصة في رواية أبي
النضر، لكن قال ابن عبد البر: الحديث لعبيد الله، عن ابن عباس، عن أبي
طلحة، فإن عبيد الله لم يدرك أبا طلحة، ولا سهل بن حُنيف، كذا قال، وكأن