Indexed OCR Text
Pages 721-740
٧٢١
(١٠) - بَابُ تَحْرِیمٍ خَانَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦١)
أدرك ابن عبّاس أسناننا ما عاشره منّا أحد، وهو أحد العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ رَأَى خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فِي
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ)
يَدِ رَجُلٍ) قال في ((التنبيه)) نقلاً عن الدمياطيّ: إنه طلحة بن عبيد الله
انتهى (٢). (فَنَزَعَهُ)؛ أي: نزع ◌َّر ذلك الخاتم من يد ذلك الرجل، (فَطَرَحَهُ)
لكونه محرّماً، ولعلّ الرجل لم يبلغه التحریم.
قال القاري: هذا أبلغ في بيان الإنكار، ولذا قدّمه ◌ّ في قوله: ((من
رأى منكم منكراً فليُغيّره بيده ... )) الحديث(٢).
(وَقَالَ) وَرِ ((يَعْمِدُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْداً،
من باب ضَرَبَ، وعَمَدتُ إليه: قَصَدتُ، وتعمّدته قَصَدت إليه أيضاً (٣).
وقال القاري: قوله: ((يعمد)) بكسر الميم، وتُفتح، وهمزة الاستفهام
الإنكاريّ مقدّرة. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وتُفتح فيه نظر، فإني لم أره في كتب
اللغة عَمَد بمعنى قصد إلا بكسر عين مضارعه، من باب ضرب يضرِب،
فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ تَّقُ: قوله: ((يَعْمِد أحدكم)) فيه من التأكيد أنه أخرج
الإنكاريّ مخرج الإخباريّ، وعَمّم الخطاب بعد نزع الخاتم من يده، وطرحه،
فدلّ على غضب عظيم، وتهديد شديد، ومن ثَمّ لَمّا قيل لصاحبه: خذ
خاتمك، وانتفع به، قال: لا، والله. انتهى(٥).
(أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ، فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ)) قال القرطبيّ كَُّهُ: هذا
(١) (تنبيه المعلم)) ص٣٦٢.
(٢) ((المرقاة في شرح المشكاة)) ١٨٠/٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢.
(٤) ((المرقاة في شرح المشكاة)) ١٧٩/٨ - ١٨٠.
(٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٩١٣/٩.
٧٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
يدلّ على تغليظ التحريم، وأن لباس خاتم الذهب من المنكر الذي يجب
(١)
تغییره. انتهى(١).
(فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: خُذْ خَاتَمَكَ)؛ أي: الذي طرحه
النبيّ وَِّ، (انْتَفِعْ بِهِ)؛ أي: بغير اللبس، من البيع، وإلباسه للنساء، وغير
ذلك، قال القرطبيّ تَخْلُهُ: قولهم هذا للرجل يدلّ على أنهم عَلِموا أن المحرَّم
إنما هو لُبسه، لا اتّخاذه، ولا الانتفاع به، وهذا لا يُختَلَف فيه في الخاتم،
فإن لُبسه للنساء جائزٌ، بخلاف سائر أواني الذهب والفضّة، فإن اتّخاذها غير
جائز؛ لأنه لا يجوز استعمالها لأحد، وقد تقدّم الخلاف في ذلك. انتهى(٢).
(قَالَ) الرجل (لَا وَاللهِ، لَا آخُذُهُ) ((لا)) الثانية مؤكّدة للأولى، (أَبَداً)؛ أي:
فيما يُستقبل من الزمان، وقوله: (وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ) جملة حاليّة من
الفاعل، قال القرطبيّ كَّلُهُ: قول الرجل هذا مبالغة في طاعة رسول الله وَله،
فيكون الرجل قد نوى أن يُدْفَع لمن يستحقّه من المساكين، لا أنه أضاعه،
فإنه وَلّ قد نهى عن إضاعة المال. انتهى(٣).
وقال النوويّ تَخّْثُ: وإنما ترك الرجل الخاتم على سبيل الإباحة لمن أراد
أخذه من الفقراء، وغيرهم، وحينئذ يجوز أخذه لمن شاء، فإذا أخَذه جاز
تصرفه فيه، ولو كان صاحبه أخَذه لم يحرم عليه الأخذ، والتصرف فيه بالبيع
وغيره، ولكن تَوَرَّع عن أخذه، وأراد الصدقة به على من يحتاج إليه؛ لأن
النبيّ وَ ﴿ لم ينهه عن التصرف فيه بكل وجه، وإنما نهاه عن لبسه، وبَقِيَ ما
سواه من تصرفه على الإباحة. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عبّاس ﴿ًّ هذا من أفراد
المصنّف رَخَذَلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((المفهم)) ٤٠٩/٥.
(٣) ((المفهم)) ٤٠٩/٥.
(٢) ((المفهم)) ٤٠٩/٥.
(٤) (شرح النوويّ)) ٦٥/١٤ - ٦٦.
٧٢٣
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ خَاتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ،وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦١)
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤٦١/١٠] (٢٠٩٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٢٥٢/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١١/
٤١٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٤/٢) و((شُعَب الإيمان)) (١٩٥/٥)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم خاتم الذهب، قال ابن عبد البرّ ◌َخّلُهُ: وهذا إنما
هو للرجال دون النساء، في اللباس، دون التملك، وهو أمر لا خلاف فيه،
والله أعلم. انتهى(١).
وقال النوويّ: أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء،
وأجمعوا على تحريمه على الرجال، إلا ما حُكي عن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم أنه أباحه، وعن بعضهم: أنه مكروه، لا حرام، وهذان النقلان
باطلان، فقائلهما محجوج بهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم، مع إجماع مَن
قَبْله على تحريمه له، مع قوله ◌َّر في الذهب والحرير: ((إن هذين حرام على
ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثها)(٢).
قال: قال أصحابنا: ويحرم سنّ الخاتم إذا كان ذهباً، وإن كان باقيه
فضة، وكذا لو مَوَّه خاتم الفضة بالذهب، فهو حرام. انتهى(٣).
٢ - (ومنها): أن فيه إزالةَ المنكر باليد لمن قدر عليها .
٣ - (ومنها): أن قوله {َله- حين نزعه من يد الرجل -: ((يَعْمِد أحدكم إلى جمرة
من نار، فيجعلها في يده)) تصريح بأن النهي عن خاتم الذهب للتحريم، كما سبق.
٤ - (ومنها): أن في قول صاحب هذا الخاتم - حين قالوا له: خذه -:
((لا آخذه، وقد طرحه رسول الله (وَل)) المبالغةَ في امتثال أمر رسول الله وَلتله
واجتناب نهيه، وعدم الترخص فيه بالتأويلات الضعيفة، قاله النوويّ كَّفُهُ(٤)،
والله تعالى أعلم.
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٣٧/٢٤.
(٢) حديث صحيح، وقد حسّنه الشيخ الألبانيّ تخلفُ في ((الصحيحة)) ٩٠/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦٥/١٤.
(٣) (شرح النوويّ)) ٦٥/١٤.
٧٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٦٢] (٢٠٩١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح،
قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ اصْطَنَعَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَّاطِنٍ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ،
فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا
الْخَاتِمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ))، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَالهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَداً))، فَنَبَذَ
النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِيَحْتَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخَّلُ، وهو (٤١٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه
عبد الله مهملاً، وهو ابن عمر؛ للقاعدة المشهورة أنه إذا أطلق عبد الله في
الصحابة فإن كان الإسناد مدنيّاً، فهو ابن عمر، وإن كان مكيّاً، فابن الزبير،
وإن كان كوفيّاً، فابن مسعود، وإن كان بصريّاً، فابن عبّاس، وإن مصريّاً، أو
شاميّاً فابن عمرو بن العاص ﴿ه، وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفيّة
الحدیث))، حیث قال:
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ
وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمعروف
بشدّة اتّباعه للأثر ظُه.
وفيه ابن عمر
شرح الحديث :
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ اصْطَنَعَ)؛ أي: أمر
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر رضي﴾
بصياغته، فصيغ له، فلبسه، أو وجده مصوغاً، فاتّخذه. (خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ) وقال
القرطبيّ تَخْلُهُ: الحامل له * على اتّخاذ الخاتم هو السبب الذي ذكره
أنس رظه، من أنه لَمّا أراد أن يكتُب إلى كسرى، وقيصر، والنجاشيّ، وقيل
٧٢٥
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ خَاتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرَّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٢)
له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، اتّخذ الخاتم ليختم به، هذا هو المقصود
الأول فيه، ثم إنه جعله في يده، مستصحباً له، حفظاً، وصيانةً من أن يتوصّل
إليه غيره، ولذلك منع من أن يَنقُش أحدٌ على نقشه، فإنه إذا نَقَش غيرُه مثله،
اختلطت الخواتم، وارتفعت الخصوصيّة، وحصلت المفسدة العامّة، وقد بالغ
أهل الشام، فمنعوا الخواتم لغير ذي سلطان، وقد أجمع العلماء على جواز
التختّم بالوَرِق على الجملة للرجال، قال الخطّابيّ: وكُره للنساء التختّم
بالفضّة؛ لأنه من زيّ الرجال، فإن لم يجدن ذهباً، فليُصفِّرنه بزعفران، أو
شبهه. انتھی(١).
(فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ) بتثليث الفاء، وتشديد الصاد المهملة، قال
المجد تَّهُ: الْقِصّ للخاتم مثلّثةً، ذَكَرَه ابنُ مَالِكِ في مَثَلَّثِهِ، وغَيْرُ وَاحِد،
ولكن صَرَّحُوا بِأَنَّ الفَتْحَ هو الأَفْصَحُ الأَشْهَرُ، والكَسْرُ غَيْرُ لَحْنٍ، جَمْعه
قُصُوصٌ. انتهى(٢) .
وقال النوويّ كَّلُهُ: الفصّ بفتح الفاء، وكسرها، وفي الخاتم أربع
لغات: فتح التاء، وكسرها، وخيتام، وخاتام. انتهى (٣)، وتقدّم لغات الخاتم
العشر في شرح حديث البراء ظه الماضي، وبالله تعالى التوفيق.
(فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ) إنما جعله في الباطن؛ لأنه أصْوَن للفصّ، وأبعد
من الزهو والإعجاب، وقيل: السرّ في ذلك أنه أبعد من أن يُظنّ أنه فعله
للتزيّن به، وفيه نظر؛ إذ لا مَنْع في التزيّن، ولُبس الجميل، فالوجه الأول هو
الأولى، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال النوويّ تَخَّثُ: قال العلماء: لم يأمر النبيّ وَ﴿ في ذلك بشيء، فيجوز
جعل فصّه في باطن كفه، وفي ظاهرها، وقد عَمِل السلف بالوجهين، وممن
اتخذه في ظاهرها ابن عباس ظه قالوا: ولكن الباطن أفضل؛ اقتداءً به وَله.
(٤)
انتھی (٤) .
(١) ((المفهم)) ٤١٠/٥ - ٤١١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٩٩٨، بزيادة من ((تاج العروس)) ٤٤٩٤/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦٦/١٤.
(٣) (شرح النوويّ)) ٦٦/١٤.
٧٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وقال القارىء: لعل وجه بعض السلف في المخالفة عدم بلوغهم الحديث
المقتضي للمتابعة. انتهى(١).
(فَصَنَعَ النَّاسُ)؛ أي: خواتم الذهب؛ اقتداء به وَّ، وفي رواية
البخاريّ: ((فاتخذ الناس مثله))، قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون المراد
بالمثلية كونه من فضة، وكونه على صورة النقش المذكورة، ويَحْتَمِل أن يكون
المطلق الاتخاذ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب العينيّ تفسير الحافظ لمعنى المثليّة
المذكور، ودونك عبارته: قوله: ((مثله))؛ أي: مثل ما اتخذ النبيّ وَّر من
ذهب، ويوضحه ما في رواية أبي داود، حيث قال في روايته: عن نُصير بن
الفَرَج، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: ((اتّخذ النبيّ وَّل
خاتماً من ذهب، وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونَقَش: محمد رسول الله،
فاتخذ الناس خواتيم الذهب، فلما رآهم قد اتخذوها، رمى به ... )) الحديث،
وقال بعضهم - يعني: الحافظ ابن حجر -: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالمثلية:
كونه من فضة، وكونه على صورة النقش المذكورة، ويَحْتَمِل أن يكون لمطلق
الاتخاذ. انتهى.
قال العينيّ: هذا كله لا يُجدي شيئاً، فقوله: كونه من فضة غير مستقیم،
على ما لا يخفى، وكذا قوله: ويَحْتَمِل أن يكون لمطلق الاتخاذ؛ لأن النهي
اتخاذ من ذهب، لا مطلق الاتخاذ، والمعنى الصحيح ما ذكرناه، كما بيّنه ما
رواه أبو داود. انتهى (٣)، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ) وفي رواية جويرية، عن نافع عند البخاريّ:
((فَرَقِي المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: إني كنت اصطنعته، وإني لا
ألبسه)). (فَتَزَعَهُ)؛ أي: أخرج ذلك الخاتم من إصبعه (فَقَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ
هَذَا الْخَاتِمَ)؛ أي: لكونه مباحاً، (وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ))، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ:
(١) ((عون المعبود)) ١٨٤/١١.
(٢) ((الفتح)) ٣٥٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٦٧).
(٣) ((عمدة القاري)) ٣١/٢٢.
٧٢٧
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ خَتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرَّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٢)
(وَاللهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَداً))؛ أي: لأنه جاءه الوحي بالنهي عن لُبسه، وهذا بداية
تحريمه، وفي رواية المغيرة بن زياد: ((فرمى به، فلا ندري ما فَعَل))، قال في
(الفتح)): وهذا يَحْتَمِل أن يكون كَرِهه من أجل المشاركة، أو لِمَا رأى من
زهوهم بلبسه، ويَحْتَمِل أن يكون لكونه من ذهب، وصادف وقت تحريم لُبس
الذهب على الرجال، ويؤيد هذا رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر
المختصرة بلفظ: ((كان رسول الله ◌َ يلبس خاتماً من ذهب، فنبذه، فقال: لا
ألبسه أبداً)). انتهى(١).
(فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) بالياء: جمع خاتم، ويقال أيضاً: خواتم، بلا
ياء، قال المجد تَخْثُهُ: الخائَم - بفتح التاء -: ما يوضع على الطينة، وحَلْيٌ
للإصبع؛ كالخاتِم - بكسرها - والخاتام، والْخَيْتام - بالفتح - والْخِيتام - بالكسر -
والْخَتَم محرّكةً، والخاتيام: جمعه خَوَاتم، وخواتيم. انتهى (٢) .
وإنما نبذوا الخواتيم اقتداءً بالنبيّ وَّر، وفيه بيان ما كانت الصحابة
عليه من المبادرة إلى امتثال أمره، ونهيه بَّهَ، والاقتداء بأفعاله. انتهى(٣).
وقوله: (وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِيَحْيَى)؛ يعني: أن سياق الحديث المذكور هو
لفظ شيخه يحيى بن يحيى، وأما محمد بن رُمح، وقتيبة، فروياه بالمعنى، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ًا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٥٤٦٢ و٥٤٦٣ و٥٤٦٤] (٢٠٩١)،
و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٦٥ و٥٨٦٦ و٥٨٦٧ و٥٨٧٣) و((الأيمان والنذور))
(٦٦٥١) و((كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)) (٧٢٩٨)، و(مالك) في ((الموطأ))
(٩٣٦/٢)، و(أبو داود) في ((الخاتم)) (٤٢١٨ و٤٢١٩ و٤٢٢٠)، و(الترمذيّ)
(١) ((الفتح)) ٣٥٨/١٣ - ٣٥٩، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٦٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٣٤٩.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦٦/١٤.
٧٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
في ((اللباس)) (١٧٤١) و((الشمائل)) (٩٥ و٩٨)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٨)
١٧٨ و١٩٤ و١٩٥) و((الكبرى)) (٤٦٥/٥ و٥٦٧)، و(ابن ماجه) في ((اللباس))
(٣٦٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨/٢ و٣٤ و٣٩ و٦٠ و٦٨ و٨٦ و٩٤ و٩٦
و١١٩ و١٢٧ و١٢٨ و١٤١ و١٤٦ و١٥٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٤٩١ و٥٤٩٤ و ٥٤٩٥ و٥٤٩٩ و٥٥٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٢/٥
و٢٥٣ و٢٥٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)» (٢٦٢/٤)، و(أبو يعلى)
في ((مسنده)) (٢٠٥/١٠)، و(الطبريّ) في ((مسند الشاميين)) (٨٠/١)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٤٢/٤) و((شُعَب الإيمان)) (١٩٨/٥ و٢٠٢)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٣١٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز لبس الخاتم، والتزيّن به بشرط أن لا يكون من
ذهب.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن لبس خاتم الذهب.
ـية من الحرص على متابعته وعَ د-
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
في جميع ما يصدر منه، قولاً، أو فعلاً، أو نحوهما، إلا ما كان خصوصيّةً
له عليه.
٤ - (ومنها): أن فيه جواز خاتم الفضّة، قال النوويّ تَخْتُ: وقد أجمع
المسلمون على جواز خاتم الفضّة للرجال، وكره بعض علماء الشام المتقدّمين
لُبسه لغير ذي سلطان، ورووا فيه أثراً، وهذا شاذّ مردود. وقال الخطابيّ:
ويكره للنساء خاتم الفضّة؛ لأنه من شعار الرجال، قال: فإن لم تجد خاتم
ذهب، فلتُصفّره بزعفران، وشِبهه. قال النوويّ: وهذا الذي قاله ضعيفٌ، أو
باطلٌ، لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضّة. انتهى (١).
٥ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم من الأصوليين أن أفعاله وَله
تنقسم إلى عبادة، وعادة، فيَقْصُرون الاتّباع على القسم الأول، دون الثانيّ،
وهي قسمة ضيزى، ما أنزل الله بها من سلطان، فقد كان الصحابة
(١) (شرح مسلم) ١٤ / ٦٧.
٧٢٩
(١٠) - بَابُ تَحْرِیمِ خَاتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ-حديث رقم (٥٤٦٢)
حريصين على اتّباعه وَ﴿ في جميع ما يصدر عنه من العبادة، والعادة، فهذا
أنس بن مالك ه يقول: إن خياطاً دعا رسول الله وَله، الطعام صنعه، قال:
فذهبت مع رسول الله وَلليه إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله وَل﴾ خبزاً،
ومرقاً فيه دُبّاء وقديداً، فرأيت النبيّ وَّر، يتتبع الدباء من حوالي القصعة، قال:
فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. متّفقٌ عليه.
◌ّ يقول: أخذ رسول الله ټ بيدي، ذات يوم،
وهذا جابر بن عبد الله
إلى منزله، فأخرج إليه فلقاً من خبز، فقال: ((ما من أدم؟)) فقالوا: لا إلا شيء
من خَلّ، قال: ((فإن الخل نعم الأدم))، قال جابر: فما زلت أحب الخل، منذ
سمعتها من نبي الله وَلتر، وقال طلحة - الراوي عن جابر -: ما زلت أحب
الخل منذ سمعتها من جابر. رواه مسلم. وهؤلاء أصحابه الكرام لَمّا اتخذ بِله
خاتماً من ذهب، اتخذوا كلهم خواتم من ذهب، ولَمّا رماه، رموه، ثم لَمّا
اتخذ خاتماً من فضّة، اتخذوا كلهم خواتم من فضّة، ولقد أجاد الإمام
البخاريّ تَظْلُ في ((صحيحه))، حيث ترجم بقوله: ((باب الاقتداء بأفعال
النبيّ و9َّ))، ثم أورد فيه حديث ابن عمر ◌ًا في قصّة الخاتم، المذكور في
هذا الباب.
وقال في ((الفتح)): والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ
اَللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَأَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد ذهب جَمْع إلى وجوبه؛ لدخوله في عموم الأمر بقوله تعالى:
ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وبقوله: ﴿فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:
٣١]، وبقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فيجب
اتباعه في فعله، كما يجب في قوله، حتى يقوم دليل على الندب، أو
الخصوصية.
وقال آخرون: يَحْتَمِل الوجوب، والندب، والإباحة، فيحتاج إلى القرينة،
والجمهور للندب إذا ظهر وجه القُربة، وقيل: ولو لم يظهر، وهو الحقّ، ومنهم
من فصل بين التكرار وعدمه.
وقال آخرون: ما يفعله وَّه، إن كان بياناً لمُجْمَل، فحُكمه حُكم ذلك
المجمل، وجوباً، أو ندباً، أو إباحةً، فإن ظهر وجه القربة فللندب، وما لم
٧٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
يظهر فيه وجه التقرب فللإباحة، وأما تقريره على ما يُفْعَل بحضرته، فيدل على
الجواز.
والمسألة مبسوطة في أصول الفقه، ويتعلق بها تعارض قوله وفعله،
ويتفرع من ذلك حكم الخصائص، وقد أُفردت بالتصنيف، قال: ولشيخ شيوخنا
الحافظ صلاح الدين العلائيّ فيه مصنَّف جليل، وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة
أقوال :
[أحدها]: يُقَدَّم القول؛ لأن له صيغة تتضمن المعاني، بخلاف الفعل.
[ثانيها]: الفعل لأنه لا يطرقه من الاحتمال ما يطرق القول.
[ثالثها]: يُفْزَع إلى الترجيح، وكل ذلك محله ما لم تقم قرينة، تدل على .
الخصوصية .
وذهب الجمهور إلى الأول، والحجة له أن القول يعبّر به عن المحسوس
والمعقول، بخلاف الفعل، فيختص بالمحسوس، فكان القول أتمّ، وبأن القول
مُتَّفَقٌ على أنه دليل، بخلاف الفعل، ولأن القول يدل بنفسه، بخلاف الفعل
فيحتاج إلى واسطة، وبأن تقديم الفعل يفضي إلى ترك العمل بالقول، والعمل
بالقول يمكن معه العمل بما دل عليه الفعل، فكان القول أرجح بهذه الاعتبارات.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثالث هو الأرجح؛ بدليل
أن الصحابة ﴿، وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة كانوا إذا احتجّ بعضهم
بالقول عارضه الآخر بالفعل، وهذا دليلٌ على أن القول والفعل عندهم في
درجة واحدة، لا ترجيح لأحدهما على الآخر إلا بمرجّح، فهذا ابن عبّاس ◌ًَّا
لمّا سمع أنه وَليل نهى عن أجرة الحجّام، قال: احتجم النبيّ وَّ، وأعطى
الحجّام أجره، ولو كان حراماً ما أعطاه، متّفق عليه، وعليّ رَظُه لمّا سمع
كراهية الشرب من قيام، توضأ، ثم شرب قائماً، فقال: هكذا رأيته رَ له يفعل،
إلى غير ذلك مما كانوا يحتجون به من أفعاله وَّ على من احتجّ عليهم بأقواله.
قال ابن بطال تخّتُهُ، بعد أن حكى الاختلاف في أفعاله ربَّر، محتجّاً لمن
قال بالوجوب بحديث الباب: لأنه خلع خاتمه، فخلعوا خواتمهم، ونزع نعله
في الصلاة، فنزعوا، ولمّا أمرهم عام الحديبية بالتحلّل، وتأخّروا عن المبادرة،
رجاء أن يأذن لهم في القتال، وأن ينصروا، فيكملوا عمرتهم، قالت له أم
٧٣١
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ خَاتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٣)
سلمة رضيثنا: اخرج إليهم، واحلِق، واذبح، ففعل، فتابعوه مسرعين، فدل ذلك
على أن الفعل أبلغ من القول، ولمّا نهاهم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل،
فقال: ((إني أُطعم وأُسقى))، فلولا أن لهم الاقتداء به لقال: وما في مواصلتي
ما يبيح لكم الوصال، لكنه عَدَل عن ذلك، وبيّن لهم وجه اختصاصه
بالمواصلة. انتهى.
قال الحافظ: وليس في جميع ما ذَكّره ما يدل على الْمُدَّعَى من
الوجوب، بل على مطلق التأسي به، والعلم عند الله تعالى. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن أفعاله و ل﴿ إن كانت
بياناً لمجمل، فهي بحَسَب ذلك المجمل، وجوباً، أو ندباً، أو إباحةً، وإلا
فهي للاستحباب، ما لم يقم دليل الوجوب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
(ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ،
كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَِّّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فِي
خَاتِمِ الذَّهَبِ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍّ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى).
رجال هذه الأسانيد: أحد عشر:
١ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٢ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكِنْديّ، أبو مسعود العسكريّ، نزيل
الريّ، أحد الحفّاظ صدوقٌ له غرائب [١٠] (ت٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف،
تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
٣ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّكُونيّ، أبو مسعود الكوفيّ الْمُجَدَّر، صدوقٌ،
صاحب حديث [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٥٩٣/٣.
(١) ((الفتح)) ٢٠٤/١٥ - ٢٠٥.
٧٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ)؛ أي: الأربعة: محمد بن بشر العبديّ
الكوفيّ، ويحيى بن سعيد القطّان، وخالد بن الحارث الْهُجيميّ، وعُقبة بن خالد
السَّكونيّ رووا هذا الحديث عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، عن ابن عمر ◌ًا.
[تنبيه]: رواية محمد بن بشر، عن عبيد الله العمريّ ساقها النسائيّ في
((سننه))، فقال:
(٩٥٤٨) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا محمد بن بشر، عن
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله وَ لّ خاتَماً من ذهب،
وجَعَل فصّه مما يلي بطن كفه، فاتخذ الناس الخواتيم، فألقاه رسول الله وَله،
فقال: لا ألبسه أبداً، ثم اتخذ رسول الله وَ﴿ خاتماً من وَرِق، فأدخله في يده،
ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى هلك
في بئر أُرِیس. انتهى(١).
ورواية يحيى بن سعيد القطّان، عن عبيد الله ساقها البيهقيّ في ((شُعب
الإيمان))، فقال:
(٦٣٤٤) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا
أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى، ثنا عبيد الله، أخبرني نافع،
عن ابن عمر، ((أن النبيّ وَل * اتخذ خاتَماً من ذهب، وجعل فصه مما يلي كفه،
فاتخذ الناس، فرمى به، واتخذ خاتما من وَرِقٍ)). انتهى(٢).
ورواية خالد بن الحارث، عن عُبيد الله ساقها النسائيّ كَُّهُ في
((الكبرى))، فقال:
(٩٥٤٧) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، عن عبيد الله،
عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَل﴿ اتَّخَذ خاتَماً من ذهب،
وجَعَل فصّه مما يلي كفه، فاتخذ الناس خواتيم، فطرحه النبيّ وَّ، وقال: ((لا
ألبسه أبداً)). انتهى (٣).
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٥٧/٥.
(٢) (شعب الإيمان)) للبيهقيّ ١٩٧/٥.
(٣) ((المجتبى)) ١٥٩/٨، و((السنن الكبرى)) ٤٥٧/٥.
٧٣٣
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ خَاتَمِ اللَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٣)
ورواية عقبة بن خالد السَّكُونيّ، عن عبيد الله ساقها البيهقيّ كَّثُ في
((الكبرى))، فقال:
(٧٣٥٣) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد، ثنا
الحسن بن العباس الرازيّ، ثنا سهل بن عثمان، ثنا عُقبة بن خالد، عن
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَل﴿ أَتِيَ بخاتم من ذهب، فجعله
في يده اليمنى، وجعل فصّه مما يلي كفه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فلما
رأى ذلك نزعه، فقال: ((لا ألبسه أبداً))، فاتخذه من وَرِقٍ. انتهى(١)، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثٍ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ
الْيُمْنَى) كذا في رواية عقبة بن خالد، عن عبيد الله، عن نافع أنه نصّ على
أنه ﴿ جعل الخاتم في يده اليمنى، وكذلك وقع عند البخاريّ في رواية
جويرية بن أسماء، عن نافع، ونصّه: ((قال جويرية: ولا أحسبه إلا قال: في
يده اليمنى)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال جويرية: ولا أحسبه إلا قال: في يده
اليمنى))، هو موصول بالإسناد المذكور، قال أبو ذرّ في روايته: لم يقع في
البخاريّ موضع الخاتم من أيّ اليدين إلا في هذا.
وقال الداوديّ: لم يجزم به جويرية، وتواطؤ الروايات على خلافه يدلّ
على أنه لم يحفظه، وعملُ الناس على لُبس الخاتم في اليسار يدلّ على أنه
المحفوظ .
قال الحافظ: وكلامه متعَقَّب، فإن الظن فيه من موسى شيخ البخاريّ،
وقد أخرجه ابن سعد عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجه الإسماعيليّ، عن
الحسن بن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، كلاهما عن جويرية،
وجزما بأنه لَبِسه في يده اليمنى، وهكذا أخرج مسلم من طريق عقبة بن خالد،
عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في قصّة اتخاذ الخاتم من
ذهب، وفيه: ((وجعله في يده اليمنى))، وأخرجه الترمذيّ، وابن سعد من طريق
(١) (سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٤٢/٤.
٧٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
موسى بن عقبة، عن نافع، بلفظ: ((صَنَع النبيُّ بَّهِ خاتَماً من ذهب، فتختم به
في يمينه، ثم جلس على المنبر فقال: إني كنت اتخذت هذا الخاتم في يميني،
ثم نبذه ... )) الحديث، وهذا صريح من لفظه وَ ل﴿ رافعٌ لِلْبس، وموسى بن عقبة
أحد الثقات الأثبات.
وأما ما أخرجه ابن عديّ من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
وأبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي رَوّاد، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر:
((كان النبيّ ◌َّ يتختم في يساره))، فقد قال أبو داود بعده: ورواه ابن إسحاق،
وأسامة بن زيد، عن نافع: ((في يمينه)). انتهى.
ورواية ابن إسحاق قد أخرجها أبو الشيخ في ((كتاب أخلاق النبيّ وَّ))
من طريقه، وكذا رواية أسامة، وأخرجها محمد بن سعد أيضاً، فظهر أن رواية
اليسار في حديث نافع شاذّة، ومن رواها أيضاً أقلّ عدداً، وألْيَن حفظاً ممن
روی الیمین.
وقد أخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) بسند حسن، عن عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر، قال: ((كان النبيّ رَّم- يتختم في يمينه)).
وأخرج أبو الشيخ في (كتاب أخلاق النبيّ وَّر)) من رواية خالد بن أبي
بكر، عن سالم، عن ابن عمر نحوه، فَرَجَحَت رواية اليمين في حديث ابن عمر
أيضاً.
وقد ورد التختم في اليمين أيضاً في أحاديث أخرى، منها عند مسلم، من
حديث أنس: ((أن النبيّ ◌َّ لبس خاتَماً من فضة في يمينه، فصّه حبشيّ)).
وأخرج أبو داود أيضاً من طريق ابن إسحاق، قال: رأيت على الصَّلْت بن
عبد الله خاتَماً في خنصره اليمين، فسألته، فقال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه
هكذا، وجعل فصّه على ظهرها، ولا إخال ابن عباس إلا ذكره عن النبيّ وَّه
وأورده الترمذيّ من هذا الوجه مختصراً: ((رأيت ابن عباس يتختم في يمينه،
ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله (مثل﴿ يتختم في يمينه)).
وللطبرانيّ من وجه آخر، عن ابن عباس: ((كان النبيّ وٌَّ يتختم في
یمینه)، وفي سنده لِينٌ.
وأخرج الترمذيّ أيضاً من طريق حماد بن سلمة: رأيت ابن أبي رافع
٧٣٥
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ خَاتَمِ اللَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٣)
يتختم في يمينه، وقال: ((كان النبيّ ◌َّ يتختم في يمينه))، ثم نَقَل عن البخاريّ
أنه أصح شيء رُوي في هذا الباب.
وأخرج أبو داود، والنسائيّ والترمذيّ في ((الشمائل))، وصححه ابن
حبان، من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبيه، عن عليّ: ((أن
النبيّ ﴾﴿ كان يتختم في يمينه)).
وفي الباب عن جابر في ((الشمائل)) بسند ليّن، وعائشة عند البزار بسند
ليّن، وعند أبي الشيخ بسند حسن، وعن أبي أمامة عند الطبراني بسند ضعيف،
وعن أبي هريرة عند الدارقطنيّ في غرائب مالك بسند ساقط.
وورد التختم في اليسار من حديث ابن عمر كما تقدم، ومن حديث أنس
أيضاً، أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال:
((كان خاتم النبيّ وَّر في هذه))، وأشار إلى الخنصر اليسرى.
وأخرجه أبو الشيخ، والبيهقيّ في ((الشعب)) من طريق قتادة، عن أنس،
ولأبي الشيخ من حديث أبي سعيد، بلفظ: ((كان يلبس خاتمه في يساره))، وفي
سنده لِيْن، وأخرجه ابن سعد أيضاً.
وأخرج البيهقيّ في ((الأدب)) من طريق أبي جعفر الباقر، قال: ((كان
النبيّ وَّ﴿، وأبو بكر، وعمر، وعليّ، والحسن، والحسين، يتختمون في
اليسار))، وأخرجه الترمذيّ موقوفاً على الحسن والحسين حسبُ.
وأما دعوى الداوديّ أن العمل على التختم في اليسار، فكأنه توهّمه من
استحباب مالك للتختم، وهو يرجح عمل أهل المدينة، فظنّ أنه عمل أهل
المدينة، وفيه نظر، فإنه جاء عن أبي بكر، وعمر، وجَمْع جَمّ من الصحابة،
والتابعين بعدهم، من أهل المدينة، وغيرهم التختم في اليمنى.
وقال البيهقيّ في ((الأدب)): يُجمَع بين هذه الأحاديث بأن الذي لَبسه في
يمينه هو خاتم الذهب، كما صُرِّح به في حديث ابن عمر، والذي لَبسه في
يساره هو خاتم الفضة.
وأما رواية الزهريّ، عن أنس التي فيها التصريح بأنه كان فضة، ولَبسه
في يمينه، فكأنها خطأ، فقد تقدّم أن الزهري وقع له وَهَمٌّ في الخاتم الذي
طرحه النبيّ وَّر، وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة، وأن الذي في
٧٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
رواية غيره أنه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لَبسه في يمينه هو
الذهب. انتهى كلام البيهقيّ ملخصاً.
وجَمَع غيره بأنه لَبس الخاتم أوّلاً في يمينه، ثم حوّله إلى يساره،
واستَدَلّ له بما أخرجه أبو الشيخ، وابن عدي من رواية عبد الله بن عطاء، عن
نافع، عن ابن عمر: ((أن النبيّ ◌َ﴿ تختم في يمينه، ثم إنه حوّله في يساره))،
فلو صَحّ هذا لكان قاطعاً للنزاع، ولكن سنده ضعيف.
وأخرج ابن سعد من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: ((طَرَح
رسول الله وَ﴿ خاتمه الذهب، ثم تختَّم خاتماً من وَرِق، فجعله في يساره))،
وهذا مرسلٌ، أو مُعْضَلٌ.
وقد جَمَع البغويّ في ((شرح السُّنَّة)) بذلك، وأنه تختم أوّلاً في يمينه، ثم
تختم في يساره، وكان ذلك آخر الأمرين.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك،
فقال: لا يثبت هذا، ولا هذا، ولكن في يمينه أكثر، وقد تقدّم قول البخاريّ
أن حديث عبد الله بن جعفر أصحّ شيء، وَرَدَ فيه، وصُرِّح فيه بالتختم في
الیمین.
وفي المسألة عند الشافعية اختلاف، والأصح اليمين.
قال الحافظ تَخْذُ: ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان
الُّبس للتزين به، فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى؛ لأنه
كالمودَع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين، وكذا وضْعه فيها، ويترجح التختم
في اليمين مطلقاً؛ لأن اليسار آلة الاستنجاء، فيُصان الخاتم إذا كان في اليمين
عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول.
وجنحت طائفة إلى استواء الأمرين، وجمعوا بذلك بين مختلف
الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم: ((بابُ التختم في اليمين
واليسار))، ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح.
ونقل النوويّ وغيره الإجماع على الجواز، ثم قال: ولا كراهة فيه -
يعني: عند الشافعية - وإنما الاختلاف في الأفضل.
وقال البغويّ: كان آخر الأمرين التختم في اليسار.
٧٣٧
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ خَاتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٤)
وتعقبه الطبريّ بأن ظاهره النَّسخ، وليس ذلك مراده، بل الإخبار بالواقع
اتفاقاً، والذي يظهر أن الحكمة فيه ما تقدم. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي في هذه المسألة هو ما أشار
إليه أبو داود تَّلُ فيما سبق نقله عنه، وهو استواء الأمرين، فكلّ من التختّم
في اليمين، وفي اليسار جائز، لا كراهة في أحدهما؛ لصحّة الأحاديث بكلِّ
منهما، كما سبق تحقيقه آنفاً، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٦٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا
أَيُّوبُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَبَِّيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ -
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ
الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أُسَامَةَ، جَمَاعَتُهُمْ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
عَنِ النَّبِّ وَّهِ فِي خَاتِمِ الذَّهَبِ، نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذه الأسانيد: ثلاثة عشر:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضّبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ رُمي بالنصب
[١٠] (ت٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠]
(ت٢٣٦) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
[تنبيه]: قوله (الْمُسَيَِّيُّ) بضمّ الميم، وفتح المثنّاة التحتيّة المشدّدة: نسبة
إلى جدّه الأعلى المسيّب بن أبي السائب(٢).
٥ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمْرة الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨]
(ت٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
(١) ((الفتح)) ٣٧٠/١٣ - ٣٧٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٧٦).
(٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٥٠٣/٣، و((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢١٤/٣.
٧٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
٦ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش المدنيّ، تقدّم قريباً.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٨ - (حَاتِمُ) بن إسماعيل الحارثيّ، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل،
صدوقٌ يَهِم [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢.
٩ - (هَارُونُ الأَيْلِيُّ) ابن سعيد، تقدّم قبل باب.
١٠ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
١١ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
والباقيان ◌ُكرا قبله.
وقوله: (كِلَاَهُمَا عَنْ أُسَامَةَ) كذا في النسخة الهنديّة بضمير التثنية، وهو
الموافق لغالب الاستعمال، والضمير يعود إلى حاتم بن إسماعيل، وابن وهب،
فهما رويا الحديث عن أسامة بن زيد الليثيّ.
ووقع في معظم النُّسخ بلفظ: ((كُلّهم عن أسامة))، وله وجه صحيح أيضاً،
وهو أنه جرى على أن أقلّ الجمع اثنان، وهو المذهب الراجح كما حقّقته في
((التحفة المرضيّة)) في الأصول، وأما تغليط بعض الشرّاح(١) له فمردود، كما
أسلفته غير مرّة، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: (جَمَاعَتُهُمْ عَنْ نَافِع)؛ يعني: الجماعة الثلاثة: أيوب السختيانيّ،
وموسى بن عقبة، وأسامة بن زيدَّ الليثيّ، فكلهم رووه نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َلِّ.
[تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع ساقها أحمد نَّهُ في ((مسنده))،
فقال :
(٦٣٣١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله ﴿﴿ خاتَماً من ذهب،
وصَنَعِ فَصّه من داخل، قال: فبينا هو يخطب ذات يوم قال: ((إني كنت صنعت
(١) هو: الشيخ الهرري. راجع: ((شرحه)) ٣٩٤/٢١.
٧٣٩
(١١) - بَابُ لُّبْسِ النَِِّّ ﴿َ خَماً مِنْ وَرِقٍ، تَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٤٦٥)
خاتَماً، وكنت ألبسه، وأجعل فصّه من داخل، وإني والله لا ألبسه أبداً))، فنبذه
فنبذ الناس خواتيمهم. انتهى(١).
ورواية موسى بن عُقبة، عن نافع ساقها الترمذيّ تَظُّ في ((الشمائل))،
فقال :
(١٠٥) - حدّثنا محمد بن عبيد الله المحاربيّ، ثنا عبد العزيز بن أبي
حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله وَله
خاتَماً من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فطرحه
رسول الله وَليلةٍ، وقال: ((لا ألبسه أبداً، فطرح الناس خواتيمهم)). انتهى(٢).
ورواية أسامة بن زيد الليثيّ، عن نافع ساقها أحمد نَظّثُهُ في ((مسنده))،
فقال :
(٦٤١٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا صفوان بن عيسى، أنا
أسامة بن زيد، عن نافع، عن عبد الله، أنّ النبيّ وَ ◌ّ اتَّخَذَ خاتماً من ذهب،
فجعله في يمينه، وجعل فصّه مما يلي باطن كفه، فاتخذ الناس خواتيم الذهب،
قال: فصعد رسول الله ◌َ﴿ المنبر، فألقاه، ونَهَى عن التختم بالذهب. انتهى(٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١١) - (بَابُ لُبْسِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ
رَسُولُ اللهِ، وَلُبْسِ الْخُلَفَاءِ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٦٥] ( ... ) - (حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ
عُبَيْدِ الله (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ، قَالَ: أَنَّخَذَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّكَانَ فِي يَدِ
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٤٦/٢.
(٢) ((الشمائل المحمدية)) للترمذيّ ٩٧/١.
(٣) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١٥٣/٢.
٧٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ، حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِثْرِ أَرِيسٍ،
نَقْشُهُ: («مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَتَّى وَقَعَ فِي بِثْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وقبله بباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه خماسيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه
مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد الله، وفيه ابن عمر ﴿ها تقدّم القول فيه قريباً.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿يَا أنه (قَالَ: أَّخَذَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ) قال
المجد رَّتُهُ: الْوَرق مثلّئةً، وكَكَتِفٍ، وجَبَلٍ: الدراهم المضروبة، جَمْعه:
أوراقٌ، ووِرَاقٌ؛ كالرِّقَة، جمعه رَقُونَ. انتهى(١).
وقال الشراح المرتضى: الوَرْقُ مُثلّثةً، وكَكَتِفٍ، وجبَل، خمْسُ لُغاتٍ،
حكَى الفَرّاءُ منها ورَقاً بالفتح، ووَرِقاً، ككَتِفٍ، ووِرْقاً بالكسر، مثل كبِد،
وكِبْد؛ لأنّ فيهم من ينقُل كسْرَة الرّاءِ إلى الواو، بعد التّخفيف، ومنهم منْ
يترُكُها على حالِها، كما في الصِّحاحِ. وقرأ أبو عَمْرو، وأبو بكر، وحمزةُ،
وخلَف: (بِوَرْقِكُمْ) بالفَتْحِ. وعن أبي عمْرو أيضاً، وابن مُحَيْصِن: (بِوِرْقِكُمْ)
بكسر الواو. وقرأ أبو عبيدَةً بالتّحريك، وقرأ أبو بكر: (بوُرْقِكم) بالضمّ،
وهي: الدّراهِم المضْروبَةُ، كما في الصِّحاح، وقال أبو عبيدَة: الوَرَق: الفِضّة
كانت مضْروبة، كدراهِم، أَوْ لا. انتهى (٢).
(فَكَانَ) ذلك الخاتم (فِي يَدِهِ) وَّهِ إلى أن تؤُفّي، (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرِ)
الصدّيق ◌َّهِ مدّة خلافته، (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َظُبه مدّة خلافته
أيضاً، (ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ) بن عفّان ◌َظُه، (حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ)؛ أي: من
عثمان؛ أي: من يده، (فِي بِثْرِ أَرِيسٍ) - بفتح الهمزة، وكسر الراء، وبالسين
المهملة، وزن عظيم - وهي في حديقةٍ بالقرب من مسجد قباء.
(١) ((القاموس المحيط)) ص١٣٩٣.
(٢) ((تاج العروس)) ١/ ٦٦١٠.