Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ اللَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٨)
بِهَا) بالبناء للمفعول؛ أي: يُطلب له الشفاء من مرضه بسببها؛ لأنها مسّت جسد
النبيّ وَّهر الشريف، فكانت لباسه، فتعدّت إليها بركته ◌َله، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب، وأسماء بنت أبي بكر
هذا من أفراد المصنّف نَُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٩٨/١] (٢٠٦٩)، و(أبو داود) في ((اللباس))
(٤٠٥٤)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (٢٨١٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(٩٦١٩)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨١٩) و((اللباس)) (٣٥٩٤)، و(البخاريّ)
في ((الأدب المفرد)» (٣٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٥٥/٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦/١ و٣٤٧/٦ و٣٤٨ و٣٥٣ و٣٥٤ و٣٥٥)، و(عبد بن
حميد) في ((مسنده)) (١٥٧٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣١/٥)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٨/٢٤)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٣٤/٥)،
و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (١٤١/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على تحقيق العلم، والمناظرة
بينهم فيما يختلفون فيه من المسائل، وسؤال كلّ منهم عن حجج الآخرين.
٢ - (ومنها): بيان ورَع ابن عمر ﴾ه حيث أخذ بالأحوط، فترك العَلَم
في الثوب خوفاً من أن يدخل في النهي عن لبس الحرير، لكن الحقّ أنه يجوز؛
لحديث عمر به الآتي، ولعله لم يبلغه حديثه، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): بيان جواز لبس ميثرة الأرجوان إذا لم تكن من الحرير، فإن
الأرجوان يكون من الحرير وغيره.
٤ - (ومنها): استحباب التبرّك بآثار النبيّ ◌َطفول، مثل ثوبه، ونحو ذلك.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿ ه من حبّ النبيّ وَلِّ، حيث
يستشفون بآثاره، ويحتفظون بها حتى لا ينعدم خيرها، ولا تنقطع بركتها، والله
تعالى أعلم.

٥٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ أَبِي ذُبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ،
يَقُولُ: أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمُ الْحَرِيرَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ مولاهم، أبو
محمد الكوفيّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٠) (م س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) ٠١٢٨١/١٩
٢ - (خَلِيفَةُ بْنُ كَعْبٍ أَبُو ذُبْيَانَ) التميميّ، أبو ذُبيان البصريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبي الزبير، والأحنف بن قيس، وعنه حفصة بنت سيرين،
وشعبة، وجعفر بن ميمون الأنماطيّ.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في (الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا
الحدیث.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، أو أبو
خُبيب الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿يَا، قُتل في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٦١٠/١٦.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن
صحابيّ ظّ، وأول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، وولي الخلافة
تسع سنين.
شرح الحديث:
(عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ أَبِي ذْبْيَانَ) - بكسر المعجمة، ويجوز ضمها، بعدها
موحّدة ساكنة، ثم تحتانية - هو التميميّ البصريّ، أخرج له الشيخان، والنسائيّ

٥٨٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرَّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٩)
هذا الحديث فقط، وقد وثقه النسائيّ، ووقع في رواية أبي عليّ بن السكن،
عن الفربريّ: ((عن أبي ظبيان)) بظاء مشالة، بدل الذال، وهو خطأ، وأشدّ خطأ
منه ما وقع في رواية أبي زيد المروزيّ، عن الفربريّ، عن أبي دينار - بمهملة
مكسورة، بعدها تحتانية ساكنة، ونون، ثم راء - نبّه على ذلك أبو محمد
الأصيليّ، قاله في ((الفتح))(١) .
(قَالَ) خليفة (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) ﴿هَا، حال كونِهِ (يَخْطُبُ، يَقُولُ:
أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (لَا) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، (تُلْبِسُوا) بضمّ
أوله، من الإلباس، وهو متعدّ إلى مفعولين، الأول قوله: (نِسَاءَكُمْ) والثاني
قوله: (الْحَرِيرَ) قال النوويّ كَّقُ: هذا مذهب ابن الزبير، وأجمعوا بعده على
إباحة الحرير للنساء، كما سبق، وهذا الحديث الذي احتجّ به إنما ورد في لبس
الرجال؛ لوجهين :
أحدهما: أنه خطاب للذكور، ومذهبنا، ومذهب محققي الأصوليين أن
النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الإطلاق.
والثاني: أن الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم قبل هذا وبعده
صريحة في إباحته للنساء، وأمْره وسي عليّاً وأسامة ﴿يا بأن يكسواه نساءهما،
مع الحديث المشهور أنه و ﴿ ﴿ قال في الحرير، والذهب: ((إن هذين حرام على
ذكور أمتي، حِلّ لإناثها))، والله أعلم. انتهى(٢).
(فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي إنما نهيتكم عن إلباس نسائكم الحرير؛ لأني
(سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)
[تنبيه]: وقع في رواية للنسائي من طريق جعفر بن ميمون، عن خليفة بن
كعب، دون ذِكر عمر رُه في إسناده، قال الحافظ: وشعبة أحفظ من جعفر بن
(٣)
میمون. انتهى
(يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا) ناهية أيضاً، (تَلْبَسُوا) بفتح أوله، من
(١) ((الفتح)) ٣٠٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٣٤).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٤.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٣٤).

٥٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
اللُّبس، وهو متعدّ لمفعول واحد، وهو قوله: (الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل
أيضاً، (مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ)) قال في ((الفتح)): في رواية
الكشميهنيّ: ((لن يلبسه))، والمحفوظ من هذا الوجه: ((لم))، وكذا أخرجه
مسلم، والنسائيّ، وزاد النسائيّ، في رواية جعفر بن ميمون في آخره: ((ومن لم
يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:
٢٣])»، وهذه الزيادة مدرجة في الخبر، وهي موقوفة على ابن الزبير، بَيَّن ذلك
النسائيّ أيضاً من طريق شعبة، فذكر مثل سند حديث الباب، وفي آخره: قال
ابن الزبير، فذكر الزيادة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عليّ بن الجعد،
عن شعبة، ولفظه: ((فقال ابن الزبير من رأيه: ومن لم يلبس الحرير في الآخرة
لم يدخل الجنة، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ﴾)).
وقد جاء مثل ذلك عن ابن عمر ظها أيضاً، أخرجه النسائيّ من طريق
حفصة بنت سيرين، عن خليفة بن كعب، قال: ((خطبنا ابن الزبير ... )) فذكر
الحديث المرفوع، وزاد: ((فقال: قال ابن عمر: إذاً والله لا يدخل الجنة،
قال الله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾)).
وأخرج أحمد، والنسائيّ، وصححه الحاكم، من طريق داود السّرّاج، عن
أبي سعيد، فذكر الحديث المرفوع، مثل حديث عمر هذا في الباب، وزاد:
((وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو)).
وهذا يَحْتَمِل أن يكون أيضاً مدرجاً، وعلى تقدير أن يكون الرفع
محفوظاً، فهو من العامّ المخصوص بالمكلَّفين من الرجال؛ للأدلة الأخرى
بجوازه للنساء. انتهى(١).
وقال السنديّ كَُّ عند قوله: ((لم يدخل الجنة، قال الله تعالى:
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾)): وهذا منه رَهُبه استنباط لطيفٌ، لكن دلالة الكلام على
الحصر غير لازم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٣٠٨/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٣٤).
(٢) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٢٠١/٨.

٥٨٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٠)
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٩٩/١]، و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٣٣)،
و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤٠٤٢)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨١٧)،
و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٥٣٠٧) و((الكبرى)) (٩٦٢٢)، و(ابن ماجه) في
((الجهاد)) (٢٨٢٠) و((اللباس)) (٣٥٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥/١ و٣٦
و٤٣ و٥٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٠٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا
عَاصِمُ الأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ، وَنَحْنُ بِأَذْرَ بِيجَانَ: يَا
عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدَِّكَ، وَلَا مِنْ كَدِّ أَبِيكَ، وَلَا مِنْ كَدِّ أُمِّكَ، فَأَشْبِعِ
الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّتَقُّمَ، وَزِيَّ أَهْلَ
الشِّرْكِ، وَلَبُوسَ الْحَرِيرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ، قَالَ: ((إلَّا
هَكَذَا))، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللهِ لَّهِ إِصْبَعَيْهِ: الْوُسْطَى، وَالسَّبَّابَةَ، وَضَمَّهُمَا، قَالَ
زُهَيْرُ: قَالَ عَاصِمٌ: هَذَا فِي الْكِتَابِ(١)، قَالَ: وَرَفَعَ زُهَيْرٌ إِصْبَعَيْهِ).
رجال الإسناد: خمسة:
١ - (عَاصِمُ الأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو عُثْمَانَ) النَّهْديّ، عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو الكوفيّ، ثمّ
البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، و((زُهير)) هو: ابن معاوية بن حُدیج.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذُ، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ
مخضرم، وأن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين
(١) وفي نسخة: ((هو في الكتاب)).

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
بالجنّة ﴿ّ، ذو مناقب جمّة، استُشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين،
ووليَ الخلافة عشرين سنةً ونصفاً رَُّته .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النهديّ عبد الرحمن بن مُّلّ مثلّث الميم، واللام مشدّدة
أنه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َُّبه، قال النوويّ كَّتُهُ: معنى: (كتب
إلينا)): كتب إلى أمير الجيش، وهو عتبة بن غزوان ليقرأه على الجيش، فقرأه
علينا. انتهى(١).
وقوله: (وَنَحْنُ بِأَذْرَ بِيجَانَ) جملة حاليّة من ((إلينا))، وفي الرواية الآتية:
(جاءنا كتاب عمر، ونحن بأذربيجان))، وفي رواية البخاريّ: ((أتانا كتاب
عمر))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أتانا كتاب عمر)) كذا قال أكثر أصحاب قتادة،
وشذّ عمر بن عامر، فقال: عن قتادة، عن أبي عثمان، عن عثمان، فذكر
المرفوع، وأخرجه البزّار، وأشار إلى تفرّده به، فلو كان ضابطاً لقلنا: سمعه
أبو عثمان من كتاب عمر، ثم سمعه من عثمان بن عفان، لكن طُرُق الحديث
تدلّ على أنه عن عمر، لا عن عثمان، وقد ذكره أصحاب الأطراف في ترجمة
أبي عثمان، عن عمر، وفيه نظر؛ لأن المقصود بالكتابة إليه هو عتبة بن فَرْقد،
وأبو عثمان سمع الكتاب يُقرأ، فإما أن تكون روايته له عن عمر بطريق
الوجادة، وإما أن يكون بواسطة المكتوب إليه، وهو عتبة بن فرقد، ولم يذكروه
في رواية أبي عثمان عن عتبة، وقد نَبَّه الدارقطنيّ على أن هذا الحديث أصل
في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين، قال ذلك بعد أن استدركه عليهما، وفي
ذلك رجوع منه عن الاستدراك عليه، والله أعلم. انتهى(٢).
وقوله أيضاً: (وَنَحْنُ بِأَذْرَ بِيجَانَ) - بفتح الهمزة، والذال المعجمة،
وسكون الراء، وقيل: بسكون الذال، وفتح الراء، وبكسر الموحدة، بعدها
تحتانية ساكنة، ثم جيم خفيفة، وآخره نون - وحَکی ابن مكيّ كسر أوله،
(١) ((شرح النوويّ) ٤٦/١٤.
(٢) ((الفتح)) ٣٠٢/١٣ - ٣٠٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).

٥٨٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٠)
وضبطها صاحب ((المطالع))، ونقله عن ابن الأعرابيّ بسكون الذال، وفتح
الراء: بلد كبير من نواحي جبال العراق، غربيّ أَرْمينية، وهي الآن تبريز،
وقصباتها، قال الحافظ: والذي ذكرتُه الأشْهَرُ في ضبطها، وقد تُمَدّ الهمزة،
وقد تُكسَر، وقد تُحذف، وقد تُفتح الموحّدة، وقد يزاد بعدها ألف، مع مدّ
الأُولى، حكاه الجوهريّ، وأنكره الجواليقيّ، ويؤكده أنهم نسبوا إليها آذريّ
بالمدّ اقتصاراً على الركن الأول، كما قالوا في النسبة إلى بَعْلَبَكّ: بَعْلِيّ.
(١)
انتھی(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((أذربيجان)): هو إقليم معروف، وراء العراق،
وفي ضَبْطها وجهان مشهوران: أشهرهما، وأفصحهما، وقول الأكثرين:
أَذْرَبيجان، بفتح الهمزة، بغير مدة، وإسكان الذال، وفتح الراء، وكسر الباء،
قال صاحب ((المطالع))، وآخرون: هذا هو المشهور، والثاني: مَدّ الهمزة،
وفتح الذال، وفتح الراء، وكسر الباء، وحَكَى صاحب ((المشارق))، و((المطالع))
أن جماعة فتحوا الباء على هذا الثاني، والمشهور كسرها. انتهى(٢).
(يَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ) هو: عتبة بن فَرقد بن يربوع بن حبيب بن مالك بن
أسعد بن رفاعة بن ربيعة بن رفاعة بن الحارث بن بُهْثة بن سليم السُّلَميّ، أبو
عبد الله، نزل الكوفة، روى عن النبيّ وَلّ، وعن عمر، وروى عنه امرأته أم
عاصم، وقيس بن أبي حازم، وعبد الله بن رُبَيِّعة السلميّ، وعَرْفَج بن عبد الله
الثقفيّ، وعامر الشعبيّ، قال ابن عبد البرّ: وينسبونه عتبة بن يربوع بن حبيب بن
مالك، وهو فرقد بن أسعد، وروى شعبة عن حصين، عن امرأة عتبة بن فرقد
أنه غزا مع رسول الله وَ ل غزوتين، وقال ابن سعد: هو عتبة بن يربوع، ويربوع
هو فرقد، وذكر أبو زكريا صاحب ((تاريخ الموصل)) أنه هو الذي فتح الموصل
زمن عمر سنة ثمان عشرة، مع عياض بن غنم، قال: وشَهِد خيبر مع
رسول الله وَ﴿، وقَسَم له منها، وروى أحمد في ((الزهد)) عن هُشيم، عن
حُصين قال: كان عتبة بن فرقد يعطي سهمه لبني عمه عاماً، ولأخواله عاماً،
(١) ((الفتح)) ١٧٦/١١، كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٤٩٨٧).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤ /٤٥ - ٤٦.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال: وكان حصين من أقربائه، ذكره في ((التهذيب))(١).
وتعقّب في ((الفتح)) قوله: ((وشهد خيبر))، فقال: وأما قوله: إنه شهد
خيبر ... إلخ، فلم يوافق على ذلك، وإنما أول مشاهده حُنين. انتهى.
وقال في ((الفتح)): صحابيّ مشهور، سُمّي أبوه باسم النجم، واسم جدّه
يربوع بن حبيب بن مالك السُّلميّ، ويقال: إن يربوع هو فرقد، وإنه لقب له،
وكان عتبة أميراً لعمر في فتوح بلاد الجزيرة.
قال: ورَوَينا في ((المعجم الصغير)) للطبرانيّ من طريق أم عاصم امرأة
عتبة، عن عتبة، قال: أخذني الشَّرَى(٢) على عهد رسول الله وَّل، فأمرني،
فتجرّدت، فوضع يده على بطني وظهري، فعَبَق بي الطيب من يومئذ، قالت أم
عاصم: كنا عنده أربع نسوة، فكنا نجتهد في الطيب، وما كان هو يمسه، وإنه
كان لأطيبنا ريحاً. انتهى(٣).
(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدَِّكَ) قال القرطبيّ: يعني به مال المسلمين، وهو ضمير
يفسّرِه الحال، والكدّ: السعي، والتعب. انتهى(٤). (وَلَا مِنْ كَدِّ أَبِيَكَ، وَلَا مِنْ
كَدِّ أُمَِّكَ) قال النوويّ تَخْلُ: الكدّ: التعب، والمشقة، والمراد هنا: أن هذا
المال الذي عندك ليس هو من كسبك، ومما تَعِبت فيه، ولحقتك الشدّة،
والمشقة في كسبه، وتحصيله، ولا هو من كدّ أبيك، وأمك، فَوَرِثْتَه منهما، بل هو
مالُ المسلمين، فشاركهم فيه، ولا تختصّ عنهم بشيء، بل أشْبِعهم منه. انتهى(٥).
(فَأَشْبِعِ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ)؛ أي: منازلهم، (مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ)
المعنى: أشَبِعهم كما تشبع منه في الجنس، والقدر، والصفة، ولا تؤخر
أرزاقهم عنهم، ولا تُحْوِجهم يطلبونها منك، بل أوْصِلها إليهم، وهم في
منازلهم بلا طلب.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٩٣/٧ بزيادة من ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٣٩/٤.
(٢) ((الشَّرَى)) بُثُورٌ صغارٌ حُمْرٌ حَكّاكَةٌ مُكْربةٌ، تَحْدُثُ دفعةً غالباً، وتشتدّ ليلاً لِبُخار يثور
في البدن دَفْعةً، قاله في ((القاموس)) ص٦٨٣.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٣/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).
(٤) «المفهم)) ٣٩٤/٥.
(٥) (شرح النوويّ)) ٤٦/١٤.

٥٨٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ اللَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٠)
وقال القرطبيّ كَّثُهُ: وقوله: ((فأشبع المسلمين مما تشبع منه))؛ أي: لا
تستأثر عليهم بشيء، ولا تختصّ به دونهم؛ أي أَمَره أن يسوي بين نفسه وبين
الناس فيما يأخذه من مال المسلمين، ثمَّ نهاه، وحذّره عن التنُّم، وهو الترفه،
والتوسُّع، وعن زيّ أهل الشرك؛ يعني بهم: المجوس؛ إذ لا يَعني به: مشركي
العرب، فإنَّ زيّ العرب كلَّه واحد؛ مشركهم ومسلمهم. والزِّيُّ: ما يتزيا
الإنسان به؛ أي: يتزين، وذلك يرجع للهيئات، وكيفية اللباس، كما قال ◌َله:
((خالفوا المشركين، فإنَّهم لا يَفْرُقون))، وقال: ((فإنهم لا يصبغون))، وقال:
((خالفوا المجوس: جُزُّوا الشوارب، وأوفوا اللِّحَى))، ومن هنا كره مالك وَظُّهُ
ما خالف زِيَّ العرب جملةً واحدةً. انتهى(١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): بَيَّن أبو عوانة تَظُّ في ((صحيحه)) من وجه آخر
سبب قول عمر ظبه ذلك، فعنده في أوله: ((أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر مع
غلام له بسلال(٢) فيها خَبِيصٌ(٣)، عليها اللبود، فلما رآه عمر، قال: أَيَشْبَعُ
المسلمون في رحالهم من هذا؟ قال: لا، فقال عمر: لا أريده، وكتب إلى
عتبة أنه ليس من كدّك ... )) الحديث. انتهى (٤).
(وَإِيَّاكُمْ وَالتَّتَقُّمَ)؛ أي: باعدوا أنفسكم عن التنعّم (وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ)
بكسر الزاي (وَلَبُوسَ الْحَرِيرِ) بفتحِ اللام، وضمّ الباء: ما يُلبس منه، قال
المجد ◌َّتُهُ: اللِّبَاسُ، واللَّبُوسُ، واللِّبْسُ بالكسر، والْمَلْبسُ، كمَفْعَد، ومِنْبَرِ:
ما يُلْبَس، وقال أيضاً: واللَّبُوسُ: الدِّرْع. انتهى (٥).
فإضافة (لَبُوس)) إلى ((الحرير)) بمعنى ((من))؛ أي: ما يُلْبس من الحرير،
وقيل: الإضافة بيانيّة، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ تَخْثُ: ومقصود عمر رَظُّهُ حَثّهم على خشونة العيش،
(١) (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٨٩/١٧.
(٢) بالكسر: جمع سَلّة بالفتح: وعاء تُحمل فيه الفواكه.
(٣) هو الطعام المعروف، يُعمل من التمر والسمن.
(٤) ((الفتح)) ٣٠٤/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).
(٥) ((القاموس المحيط)) ص١١٦٣.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وصلابتهم في ذلك، ومحافظتهم على طريقة العرب في ذلك، وقد جاء في هذا
الحديث زيادة في ((مسند أبي عوانة الإسفراینيّ))، وغيره بإسناد صحيح، قال:
((أما بعد فاتّزروا، وارتدوا، وألقوا الخفاف، والسراويلات، وعليكم بلباس
أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم، وزيّ العجم، وعليكم بالشمس فإنها حَمّام
العرب، وتمعددوا، واخشوشنوا، واخلولقوا، واقطعوا الرَّكْب، وانزوا نزواً،
وارموا الأغراض، فإن رسول الله وَلٍ ... )) الحديث. انتهى(١).
(فَإِنَّ) الفاء للتعليل، كما سبق قريباً؛ أي: لأن (رَسُولَ اللهِ نَّهُ نَهَى عَنْ
لَبُوسِ الْحَرِيرِ)؛ أي: عمّا يُلبس من الحرير. (قَالَ) وَلِ ((إِلَّا هَكَذَا)))؛ أي: إلا
ما كان قَدْر هذا مشيراً إلى المستثنى بإصبعيه، (وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِصْبَعَيْهِ)
بكسر الهمزة، وفتح الموحّدة، هذه هي اللغة الفصحى، فإن فيها عشر لغات،
تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبوع، بوزن عُصفُور، وقوله:
(الْوُسْطَى، وَالسَّبَّابَةَ) بدل تفصيل من ((إصبعيه))، و((الْوُسْطى)) تأنيث الأوسط،
(وَضَمَّهُمَا)؛ أي: ضمّ وَّر إصبعيه: الوُسطى والسّابة. (قَالَ زُهَيْرٌ)؛ أي: ابن
معاوية، (قَالَ عَاصِمٌ) الأحول: (هَذَا فِي الْكِتَابِ) وفي نسخة: (هو في
الكتاب))؛ يعني: كتاب عمر إلى عتبة ◌ِّمَا. (قَالَ) أحمد بن عبد الله شيخ
المصنّف: (وَرَفَعَ زُهَيْرٌ إِصْبَعَيْهِ)؛ أي: الوسطى والسبّابة، وليس هذا من
المسلسل لانقطاعه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في قوله: ((جاءنا كتاب عمر ظُه)) دلالة على أنهم
كانوا يعملون بالمكاتبة، وقد سبق أن الدارقطنيّ نبّه على أن هذا الحديث أصل
في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين، قال ذلك بعد أن استدرك عليهما، وفي
ذلك رجوع منه عن الاستدراك عليهما. أفاده في ((الفتح)) (٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على البخاريّ
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٤.
(٢) ((الفتح)) ٣١١/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).

٥٩١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٠)
ومسلم(١)، وقال: هذا الحديث لم يسمعه أبو عثمان من عمر، بل أخبر عن
كتاب عمر، قال: وهذا الاستدراك باطلٌ، فإن الصحيح الذي عليه جماهير
المحدثين، ومحققو الفقهاء، والأصوليين جواز العمل بالكتاب، وروايته عن
الكاتب، سواءٌ قال في الكتاب: أَذِنت لك في رواية هذا عني، أو أجَزْتك
روايته عني، أو لم يقل شيئاً، وقد أكثر البخاريّ ومسلم، وسائر المحدّثين،
والمصنفين في تصانيفهم، من الاحتجاج بالمكاتبة، فيقول الراوي منهم، وممن
قبلهم: كَتَب إليّ فلان كذا، أو كتب إليّ فلان، قال: حدّثنا فلان، أو أخبرني
مكاتبةً، والمراد به هذا الذي نحن فيه، وذلك معمول به عندهم، معدود في
المتّصل؛ لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعانيّ، فقال: هي أقوى من
الإجازة، ودليلهم في المسألة الأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله وليه
كان يكتب إلى عُمّاله، ونُوّابه، وأمرائه، ويفعلون ما فيها، وكذلك الخلفاء،
ومن ذلك كتاب عمر ظبه هذا، فإنه كَتَبه إلى جيشه، وفيه خلائق، من
الصحابة، فدَلّ على حصول الاتفاق منه، وممن عنده في المدينة، ومَن في
الجيش على العمل بالكتاب، والله أعلم.
وأما قول أبي عثمان: كَتَب إلينا عمرُ، فهكذا ينبغي للراوي بالمكاتبة أن
يقول: كتب إليّ فلان، قال: حدّثنا فلان، أو أخبرنا فلان مكاتبةً، أو في كتابه،
أو فيما كتب به إليّ، ونحو هذا، ولا يجوز أن يُطلق قوله: حدّثنا، ولا أخبرنا،
هذا هو الصحيح، وجوّزه طائفة من متقدمي أهل الحديث، وكبارهم، منهم
منصور، والليث، وغيرهما. انتهى كلام النوويّ كَُّ(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً.
وإلى ما ذُكر من جواز الرواية بالمكاتبة أشار السيوطيّ تَخْتُ في ((ألفيّة
الحدیث)، حیث قال:
يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
فَهْيَ کَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا
يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا
(١) ما سبق عن ((الفتح)) ظاهر أن الدارقطنيّ رجع عن استدراكه عليهما، فلعلّ النوويّ
ما رأى ذلك، والله تعالى أعلم.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١٤ - ٤٦.

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
صِحَّتُهَا بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ
أَوْ لَا فَقِيلَ لَا تَصِحُ وَالأَصَخْ
كَاتِبِهِ وَشَاهِداً بَعْضُ شَرَظْ
وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطْ
كِتَابَةً وَالْمُظْلِقِينَ وَهِّنٍ
ثُمَّ لْيَقُلْ حَدَّثَنِي أَخْبَرَنِي
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٤٠٠ و٥٤٠١ ٥٤٠٢ ٥٤٠٣ ٥٤٠٤
و٥٤٠٥ و٥٤٠٦ و٥٤٠٧] (٢٠٦٩)، و(البخاريّ) في ((اللباس)) (٥٨٢٨ و٥٨٢٩
و٥٩٣٠)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤٠٤٢)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٨/
٢٠٢) و((الكبرى)) (٥٧٤/٥)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٢٠) و((اللباس))
(٣٥٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥/١ و٣٦ و٤٣ و٥٠)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٤٥٤)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (١٠٣٠)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٣١/٥ و٢٣٢ و٢٣٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١/
١٥٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٩/٣ و١٤/١٠)، و((شُعَب الإيمان)) (١٥
١٣٧ و١٥٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٠٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الرخصة في لبس الحرير قدر إصبَعَين.
٢ - (ومنها): أن في هذا الحديث، وأمثاله بياناً واضحاً لمن قال: يحرم
على الرجال لبس الحرير؛ للوعيد المذكور.
٣ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن أجاز لبس العَلَم من الحرير، إذا كان في
الثوب، وخصه بالقدر المذكور، وهو إصبعان، كما في هذا الحديث، أو
أربع، كما في الحديث التالي، وهذا هو الأصح عند الشافعية.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): لم يقع في رواية أبي عثمان النَّهْديّ في
((الصحيحين)) في استثناء ما يجوز من لبس الحرير إلا ذكر الإصبعين، لكن وقع
عند أبي داود من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، في هذا
الحديث: ((أن النبيّ وَّ نَهَى عن الحرير، إلا ما كان هكذا، وهكذا إصبعين،
وثلاثةً، وأربعةً))، ولمسلم من طريق سُوَيد بن غَفَلة - بفتح المعجمة والفاء
واللام الخفيفتين - أن عمر خَطَب، فقال: ((نَهَى رسول الله وَّ عن لبس الحرير

٥٩٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٠)
إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع))، و((أو)) هنا للتنويع والتخيير، وقد
أخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ: ((إن الحرير لا يصلح منه إلا هكذا،
وهكذا، وهكذا - يعني: إصبعين، وثلاثاً، وأربعاً)).
وجَنَح الْحَلِيميّ إلى أن المراد بما وقع في رواية مسلم أن يكون في كل
كُمّ قدرُ إصبعين، وهو تأويل بعيد من سياق الحديث، وقد وقع عند النسائيّ في
رواية سُويد: ((لم يُرَخّص في الديباج إلا في موضع أربعة أصابع)). انتهى(١).
٤ - (ومنها): أن فيه حجة على من أجاز العَلَم في الثوب مطلقاً، ولو زاد
على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية.
٥ - (ومنها): أن فيه حجةً على من منع العَلَم في الثوب مطلقاً، وهو
ثابت عن الحسن، وابن سيرين، وغيرهما، لكن يَحْتَمِل أن يكونوا منعوه ورعاً،
وإلا فالحديث حجة عليهم، فلعلهم لم يبلغهم، قال النووي: وقد نُقل مثلُ
ذلك عن مالك، وهو مذهب مردودٌ، وكذا مذهب من أجاز بغير تقدير. والله
أعلم.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز لبس الثوب الْمُطَرَّز بالحرير، وهو
ما جُعل عليه طراز حرير مركب، وكذلك الْمُظْرَف، وهو ما سُجفت أطرافه
بسَجْف من حرير بالتقدير المذكور، وقد يكون التطريز في نفس الثوب، بعد
النسج.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضاً على جواز لبس الثوب الذي يخالطه من
الحرير مقدار العَلَم، سواء كان ذلك القدر مجموعاً، أو مفرَّقاً، وهو قويّ.
ذكره في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في لبس الحرير:
قال ابن بطال تَخَّقُ: اختلف في الحرير، فقال قوم: يحرُم ◌ُبسه في كل
الأحوال، حتى على النساء، نُقل ذلك عن عليّ، وابن عمر، وحذيفة، وأبي
موسى، وابن الزبير ، ومن التابعين عن الحسن، وابن سيرين. وقال قوم:
(١) ((الفتح)) ٣٠٦/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).
(٢) ((الفتح)) ٣١١/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).

٥٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
يجوز لبسه مطلقاً، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه، على من لبسه
خيلاء، أو على التنزيه.
قال الحافظ: وهذا الثاني ساقط؛ لثبوت الوعيد على لبسه، وأما قول
عياض: حمل بعضهم النهي العام في ذلك على الكراهة، لا على التحريم، فقد
تعقبه ابن دقيق العيد، فقال: قد قال القاضي عياض: إن الإجماع انعقد بعد ابن
الزبير، ومن وافقه على تحريم الحرير على الرجال، وإباحته للنساء، ذكر ذلك
في الكلام على قول ابن الزبير، في الطريق التي أخرجها مسلم: ((ألا لا تُلبسوا
نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر ... )) فذكر الحديث الآتي في الباب بعد هذا
الحديث، قال: فإثبات قول بالكراهة دون التحريم، إما أن يَنقض ما نقله من
الإجماع، وإما أن يُثبت أن الحكم العام قبل التحريم على الرجال، كان هو
الكراهة، ثم انعقد الإجماع على التحريم على الرجال، والإباحة للنساء،
ومقتضاه نسخ الكراهة السابقة، وهو بعيد جدّاً. وأما ما أخرجه عبد الرزاق،
عن معمر، عن ثابت، عن أنس ظُه قال: ((لقي عمر عبد الرحمن بن عوف،
فنهاه عن لبس الحرير، فقال: لو أطعتنا للبسته معنا، وهو يضحك))، فهو
محمول على أن عبد الرحمن، فَهِم من إذن رسول الله وَّ له، في لبس الحرير
نسخ التحريم، ولم ير تقييد الإباحة بالحاجة، كما سيأتي. قاله في ((الفتح)).
وقال القرطبيّ كَّلهُ: واختلف الناس في لباس الحرير، فمن مانع، ومن
مجوّز على الإطلاق، وجمهور العلماء على منعه للرجال، وإباحته للنساء، وهو
الصحيح لهذا الحديث - يعني: حديث عمر رَّه المتقدّم - وما في بابه، وهي
كثيرة، وأما إباحته للنساء، فيدلّ عليها قوله في هذا الحديث: ((إنما بعثت بها
إليك لتشقّقها خُمُراً بين نسائك))، ولِمَا خرّجه النسائيّ من حديث عليّ بن أبي
طالب رضيُه قال: إن نبيّ الله وَلّ أخذ حريراً في يمينه، وذهباً في شماله، ثم
قال: ((إن هذين حرام على ذكر أمتي، حلّ لإناثها))، قال عليّ ابن المدينيّ:
حديث حسنٌ، ورجاله معروفون.
وهذا كلّه في الحرير الخالص المصمت، فأما الذي سَداه حرير، ولُحمته
غيره، فكرهه مالك، وإليه ذهب ابن عمر، وأجازه ابن عبّاس. والْخَزّ،
فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: الحظر، والإباحة، والكراهة، وجُلّ المذهب

٥٩٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٠)
على الكراهة. واختلف فيه ما هو؟ فقيل: ما سَداه حرير، قال ابن حبيب: ليس
بين الخزّ وما سداه حرير، ولحمته قطن، أو غيره فرقٌ إلا الاتّباع، فإنه حُكي
إباحة الخزّ عن خمسة وعشرين من الصحابة، منهم: عثمان بن عفّان، وسعيد بن
زيد، وعبد الله بن عبّاس، وخمسة عشر تابعيّاً، وكان عبد الله بن عمر يكسو
بنيه الخزّ. وقيل في الخزّ: إنه يُشبه الحرير، وليس به، ويكره لِشَبَهه بالحرير،
وللسرف. قال: واختلف في علّة تحريم الحرير للرجال، فقال الأبهريّ: هي
التشبّه بالنساء. وقيل: ما يجرّه من الخيلاء. وقيل: التشبّه بالكفّار الذين لا
حظّ لهم في الآخرة، وهذا هو الذي دلّ عليه الحديث. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): واختلف في علة تحريم الحرير على رأيين مشهورين:
[أحدهما]: الفخر والخيلاء.
[والثاني]: لكونه ثوب رفاهية وزينة، فيليق بزي النساء، دون شهامة
الرجال. ويحتمل علةً ثالثة، وهي التشبه بالمشركين، قال ابن دقيق العيد: وهذا
قد يرجع إلى الأول؛ لأنه من سمة المشركين، وقد يكون المعنيان معتبرين، إلا
أن المعنى الثاني، لا يقتضي التحريم؛ لأن الشافعي قال في ((الأم)): ولا أكره
لباس اللؤلؤ، إلا للأدب، فإنه زيّ النساء.
واستُشكِل بثبوت اللعن للمتشبّهين من الرجال بالنساء، فإنه يقتضي منع ما
كان مخصوصاً بالنساء في جنسه، وهيئته، وذكر بعضهم علة أخرى، وهي
السرف، والله أعلم، ذكره في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذِكر أقوال أهل العلم،
وأدلّتهم في مسألة لبس الحرير والديباج أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريمه
على الرجال مطلقاً، إلا ما استثني، كما سيأتي، وإباحته للنساء هو الحقّ؛
لوضوح أدّته، وقوّة حججه.
وأما تَمَسّك من منع استعمال النساء للحرير والديباج؛ بأن حذيفة
استَدَلّ به على تحريم الشرب في إناء الفضة، وهو حرام على النساء والرجال
(١) ((المفهم)) ٣٨٦/٥ - ٣٨٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٠١/١٣ - ٣٠٢، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).

٥٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
جميعاً، فيكون الحرير كذلك. فقد أجيب عنه بأن الخطاب بلفظ ((لكم)) للذكور
ودخولُ الإناث فيه قد اختُلِف فيه، والراجح عند الأصوليين عدم دخولهنّ،
وأيضاً فقد ثبت إباحة الحرير والذهب للنساء، فقد أخرج أحمد، وأصحاب
﴿به أن النبيّ وَلـ
(السنن))، وصححه ابن حبّان، والحاكم، من حديث عليّ
أخذ حريراً، وذهباً، فقال: ((هذان حرامان على ذكور أمتي، حِلٌّ الإناثهم)).
وأخرج أحمد، والطحاويّ، وصححه، من حديث مَسْلَمَة بن مُخَلَّد أنه قال
لعقبة بن عامر: قُمْ، فحدِّث بما سمعت من رسول الله وَ الر، فقال: سمعته
يقول: ((الذهب، والحرير حرام على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم)).
وأخرج أبو داود، والنسائيّ، وصححه الترمذيّ، والحاكم، من حديث
أبي موسى، وأعلّه ابن حبان وغيره بالانقطاع، وأن راويه سعيد بن أبي هند لم
يسمع من أبي موسى. قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة تَخَّتُهُ: إن قلنا: إن
تخصيص النهي للرجال لحكمة، فالذي يظهر أنه منُّونَ عَلِم قلة صبرهنّ عن
التزين، فلَطَّف بهنّ في إباحته، ولأن تزيينهن غالباً إنما هو للأزواج، وقد ورد
أن ((حسن التبعل من الإيمان))، قال: ويُستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له
أن يبالغ في استعمال الملذوذات؛ لكون ذلك من صفات الإناث، ذكره في
((الفتح))(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٠١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدُ الْحَمِيدِ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِم، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
عَنِ النَّبِيِّ وَِّ فِي الْحَرِيرِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حَقْصُ بْنُ غِيَاتٍ) النخعيّ القاضي الكوفيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن نمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير،
و((عاصم)) هو: الأحول.
(١) ((الفتح)) ٣٢١/١٢، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤٠).

٥٩٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٢)
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِم) الضمير لجرير، وحفص.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن عاصم الأحول، ساقها
النسائيّ ◌َّثُ في ((سننه))، فقال:
(٩٦٢٦) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، عن عاصم، عن
أبي عثمان، عن عمر، قال: إياكم ولباس الحرير، فإن رسول الله وَّهِ «نَهَى عن
لباس الحرير إلا هكذا»، ورفع إصبعيه السبابة، والوسطى. انتهى(١).
وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده))، بسند مسلم، فقال:
(٢١٤) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن عاصم الأحول، عن أبي
عثمان، عن عمر، قال: إياكم ولباس الحرير، فإن رسول الله وَّهُ (نَهَى عن
لباس الحرير، إلا هكذا، ورفع أصابعه السبابة والوسطى)). انتهى (٢).
وأما رواية حفص بن غياث، عن عاصم فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَهُوَ عُثْمَانُ - وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ - وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ - أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ(٣)، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنٍ فَرْقَدٍ، فَجَاءَنَا ◌ِتَابُ
عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ِ قَالَ: ((لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي
الآخِرَةِ، إِلَّ هَكَذَا))، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإِبْهَامَ، فَرُئِيتُهُمَا أَزْرَارَ
الطََّالِسَةِ حِينَ رَأَيْتُ(٤) الطَّيَّالِسَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو ابن طرخان البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٧٤/٥.
(٣) ووقع في نسخة: ((عن ابن أبي عثمان)).
(٤) وفي نسخة: ((حتى رأيت)).
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ١/ ١٩٠.

٥٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وقوله: (إِلَّا هَكَذَا)؛ أي: مشيراً بإصبعيه السبابة والوسطى.
وقوله: (وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ بِإِصْبَعَيْهِ ... إلخ)؛ يعني: أشار بهما، عبّر عن
الفعل بالقول، وهو شائع، وهذه الإشارة للتفهيم بمقدار المستثنى.
وهذه الرواية لا تخالف ما سبق في رواية عاصم الأحول، حيث قال
فيها: ((ورفع لنا رسول الله وَله إصبعيه ... إلخ))؛ لأنه يُجمع بأن النبيّ وَل
أشار أوّلاً، ثم نقله عنه عمر، فبيّن بعد ذلك بعض رواته صفة الإشارة، أفاده
في (الفتح)(١).
وقوله: (فَرُئِيتُهُمَا) بضمّ الراء، وكسر الهمزة، وضبطه بعضهم بفتح
الراء(٢).
وقوله: (أَزْرَارَ الطَّيَالِسَةِ ... إلخ) بفتح الهمزة: جمع زِرّ بالكسر، وهو ما
يُزرَّر به الثوب بعضه على بعض، ومنه: وزرّرت عليّ قميصي، ويعني به أطراف
الطيالسة، وهو جمع طيلسان، وهو الكساء، أو الثوب الذي له علَمٌ، وكأنها
كانت لها أعلام من حرير، قاله القرطبيّ كَّهُ(٣).
وقوله: (حِينَ رَأَيْتُ الطَّيَالِسَةَ) ووقع في نسخة: ((حتى رأيت))، والظاهر
الأول، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٠٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ،
حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِیٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصنعانيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، تقدّم أيضاً قريباً.
(١) ((الفتح) ٣٠٥/١٣.
(٣) ((المفهم)) ٣٩٥/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٧/١٤.

٥٩٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٤٠٤)
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه لم أجد من ساقها، لكن
ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، من رواية يحيى القطّان، عن سليمان، فقال:
(٢٤٣) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا التيميّ،
عن أبي عثمان رظُه قال: كنا مع عتبة بن فرقد، فكتب إليه عمر څله بأشياء،
يحدثه عن النبيّ وَّطاهر، فكان فيما كتب إليه أن رسول الله وَله قال: ((لا يلبس
الحرير في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة منه شيء، إلا هكذا))، وقال
بإصبعيه السبابة والوسطى، قال أبو عثمان: فرأيت أنها أزرار الطيالسة، حين
(١)
رأينا الطيالسة. انتهى
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٤٠٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ
الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
عُثْمَانَ النَّهْدِّ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ، وَنَحْنُ بِأَذْرَ بِيجَانَ، مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، أَوْ
بِالشَّامِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ، إِلَّا هَكَذَا، إِصْبَعَيْنٍ، قَالَ
أَبُو عُثَّمَانَ: فَمَا عَتَّمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الأَعْلَامَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يدلّس، من كبار [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (أَوْ بِالشَّامِ) شكٌّ من الراوي، وتقدّم من رواية عاصم الأحول عن
أبي عثمان بلفظ: ((وَنحن بأذربيجان))، بدون شكّ، وهو الذي في رواية
البخاريّ، فإنه رواه عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن قتادة، بسند مسلم.
وقوله: (نَهَى عَنِ الْحَرِيرٍ)؛ أي: عن لُبس الحرير، لا عن تملّكه، ولا
عن التصرّف فيه بغير اللبس.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٦/١.

٦٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وقوله: (إِصْبَعَيْنِ) بدل من ((هكذا))، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((إلا
هكذا، وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام))، والمراد: الوسطى والسبّابة.
وقوله: (فَمَا عَتَّمْنَا ... إلخ) بفتح الفاء، بعدها ((ما)) النافية، و((عّمنا)) بمثنّاة
فوقيّة؛ أي: ما أبطأنا في معرفة ذلك لَمّا سَمِعناه، قال أبو عبيد: العاتم:
البطيء، يقال: عَتَم الرجل الْقِرَى: إذا أخّره.
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((فما عَّمنا أنه يعني الأعلام)»، هكذا ضبطناه
((عَتَّمنا)) بعين مهملة مفتوحة، ثم تاء مثناة فوقُ مشدّدة مفتوحة، ثم ميم ساكنة،
ثم نون، ومعناه: ما أبطأنا في معرفة أنه أراد الأعلامَ، يقال: عَتَمَ الشيءُ: إذا
أبطأ، وتأخر، وعَتَمْتُهُ: إذا أخّرته، ومنه حديث سلمان الفارسيّ ◌ُه أنه غَرَس
كذا وكذا أوديةً، والنبيّ وَّ﴿ يناوله، وهو يغرس، فما عَتَمَت منها واحدة؛ أي:
ما أبطأت أن عَلَّقت، فهذا الذي ذكرناه، من ضبط اللفظة وشرحها، هو
الصواب المعروف الذي صرَّح به جمهور الشارحين، وأهل غريب الحديث،
وذكر القاضي فيه عن بعضهم تغييراً، واعتراضاً لا حاجة إلى ذكره؛ لفساده.
انتهى كلام النوويّ كَذَهُمُ(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((فما عّمنا أنه يعني الأعلام))، كذا رواية
الصدفيّ، والأسديّ، ومعنى ذلك: أنا لم نتردّد، ولم نُبطىء، ورواه الطبريّ
وغيره: ((فما علمنا إلا أنه يريد الأعلام))، وهو واضحٌ، وكذا رواه قاسم بن
أصبغ. انتهى(٢).
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((فيما علمنا)) بدل ((فما عتّمنا))، فـ((ما))
موصولة، و((عَلِمنا))، بفتح، فكسر، من العِلم.
وقوله: (أَنَّهُ يَعْنِي الأَعْلَامَ)؛ أي: يقصد بقوله: ((إلا هكذا)) مشيراً بإصبعيه
الأعلام، بفتح الهمزة، جمع عَلَم بالتحريك: ومعناه؛ أي: الذي حصل في
عِلمنا أن المراد بالمستثنى الأعلامُ، وهي ما يكون في الثياب، من تطريف،
وتطريز، ونحوهما، قاله في ((الفتح))(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٤٧ - ٤٨.
(٢) ((المفهم)) ٣٩٦/٥.
(٣) ((الفتح)) ٣٠٣/١٣ - ٣٠٤، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).