Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨٣)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ بْنِ
قَيْسٍ) الكِنْديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م س) تقدم
في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت المشهور، من كبار [٨]
(ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٣ - (أَبُو فَرْوَةَ) الأصغر، مسلم بن سالم النَّهْديّ الكوفيّ، ويقال له:
الْجُهنيّ؛ لنزوله فيهم، مشهور بكنيته، صدوقٌ [٦].
روى عن عبد الله بن عُكيم الجهنيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلي، وابنه
عيسى بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي الْهُذيل، وأبي الأحوص الجشميّ،
وغيرهم.
وروی عنه ابنه عمر، وحفیدہ حفص بن عمر بن مسلم، وجعفر بن زیاد
الأحمر، وشعبة، وفطر بن خليفة، وأبو عوانة، وعبد الواحد بن زياد،
والسفیانان، وآخرون.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث،
ليس به بأس، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُكَيْم) - بالتصغير - الْجُهَنيّ، أبو معبد الكوفيّ،
مخضرم، قال: قُرئ علينا كتابٌ رسول الله ﴿ ﴿ بأرض جهينة، ثقةٌ [٢].
روى عن أبي بكر، وعمر، وحذيفة بن اليمان، وعائشة.
وروى عنه زيد بن وهب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه عيسى بن
عبد الرحمن، وأبو فَرْوة مسلم بن سالم الجهنيّ، وغيرهم.
قال الخطيب: سكن الكوفة، وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقةً،
وقال ابن عيينة، عن هلال الوزّان: حدّثنا شيخنا القديم عبد الله بن عُكيم،
وكان قد أدرك الجاهليّة، وقال موسى الْجُهنيّ، عن أبيه عبد الله بن عُكيم: كان
أبي يُحبّ عثمان، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يُحب عليّاً، وكانا متواخيين،

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
فما سمعتهما إلا أن أبي قال مرّة لعبد الرحمن: لو أن صاحبك صبر أتاه
الناس، وقال البخاريّ: أدرك زمن النبيّ ◌َّے، ولا يُعرف له سماع صحيحٌ،
وكذا قال أبو نعيم، وقال ابن حبان في ((الصحابة)): أدرك زمنه، ولم يسمع منه
شيئاً، وكذا قال أبو زرعة، وقال ابن منده، وأبو نعيم: أدركه، ولم يره، وقال
البغويّ: يُشَكّ في سماعه، وقال أبو حاتم أيضاً: له سماع من النبيّ ◌ِّ، من
شاء أدخله في المسند على المجاز، وقال ابن سعد: كان إمام مسجد جهينة،
وقال حكايةً عن غيره: إنه مات في ولاية الحجاج.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا
الحدیث.
٥ - (خُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسمه حِسْل، أو حُسيل الْعَبسيّ، حليف
الأنصار، الصحابيّ الجليل ابن الصحابيّ، من السابقين، استُشهد أبوه بأحد،
ـيّ سنة (٣٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ومات هو في أول خلافة عليّ
جـ٢ ص٤٥٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رََّثُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، وأن
صحابيّه رَّبُه ذو مناقب جمّة، فقد ثبت في ((صحيح مسلم)) أنه وَّ أعلمه بما
كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي فَرْوَةَ) بفتح الفاء، وسكون الراء، مسلم بن سالم النَّهْديّ
الكوفيّ، (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُكَيْم) بالتصغير، الْجُهنيّ، (قَالَ: كُنَّا مَعَ
يا (بِالْمَدَائِنِ)، وفيَّ رواية البخاريّ: ((كان حذيفة بالمدائن،
حُذَيْفَةً) بن اليمان ◌َ﴾
فاستسقى))، والمدائن اسم بلفظ جَمْع مدينة، وهي بلدة عظيمة على دجلة، بينها
وبين بغداد سبعة فراسخ، كانت مسكن ملوك الفرس، وبها إيوان كسرى
المشهور، وكان فَتْحها على يد سعد بن أبي وقّاص ◌َظُه في خلافة عمر
سنة ست عشرة. وقيل: قبل ذلك، وكان حُذيفة عاملاً عليها في خلافة عمر،

٥٤٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨٣)
ثم عثمان إلى أن مات بعد قَتْل عثمان ﴿ه، ذكره في ((الفتح))(١).
(فَاسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ) ◌َّه؛ أي: طلب الماء ليشربه، (فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ) بكسر
الدال المهملة، ويجوز ضمّها، بعدها هاء ساكنة، ثم قاف، هو كبير القرية
بالفارسيّة، قاله في ((الفتح)) (٢).
وقال النوويّ تَخُّْ: هو بكسر الدال على المشهور، وحُكي ضمّها، وممن
حكاه: صاحب ((المشارق))، و((المطالع))، وحكاهما القاضي في ((الشرح)) عن
حكاية أبي عبيدة، ووقع في نُسخ ((صحاح الجوهريّ))، أو بعضها مفتوحاً،
وهذا غريب، وهو زعيم فَلّحي العجم، وقيل: زعيم القرية ورئيسها، وهو
بمعنى الأول، وهو عجميّ مُعَرَّب، قيل: النون فيه أصلية، مأخوذ من الدَّهْقَنَة،
وهي الرياسة، وقيل: زائدة من الدّهق، وهو الامتلاء، وذكره الجوهريّ في
(دهقن)) لكنه قال: إن جعلتَ نونه أصلية، من قولهم: تدهقن الرجل، صرفتَه؛
لأنه فعلالٌ، وإن جعلتَه من الدهق، لم تصرفه؛ لأنه فعلان. قال القاضي:
يَحْتَمِل أنه سُمّي به مَن جَمَعَ المالَ، وملأ الأوعية منه، يقال: دَهقتُ الماءَ
وأدهقته: إذا أفرغته، ودهق لي دهقة من ماله؛ أي: أعطانيها، وأدهقت الإناء؛
أي: ملأته، قالوا: يَحْتَمِل أن يكون من الدَّهْقَنَة، والدَّهْقَمَة، وهي لين الطعام؛
لأنهم يليّنون طعامهم، وعيشهم؛ لسعة أيديهم وأحوالهم، وقيل: لحذقه،
ودَهائه، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخْذُ(٣).
ووقع في رواية أحمد عن وكيع، عن شُعبة: ((استسقى حذيفة من دهقان،
أو عِلْج))، وعند البخاريّ في ((الأطعمة)) من طريق سيف، عن مجاهد، عن ابن
أبي ليلى: ((أنهم كانوا عند حُذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسيّ)). قال الحافظ:
لم أقف على اسمه. انتهى.
(بِشَرَابٍ)، وعند النسائيّ: ((بِمَاءٍ))، (فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ)، وعند البخاريّ:
(بقدح من فضّة))، (فَرَمَاهُ بِهِ)؛ يعني: أن حذيفة ◌َبهِ رَمَى ذلك الدهقان بذلك
(١) ((الفتح)) ٦٩٣/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٢).
(٢) ((الفتح)) ٦٩٣/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٢).
(٣) «شرح النووي)) ٣٥/١٤.

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
الإناء عقوبة له، وللنسائيّ: ((فَحَذَفَهُ))، وفي رواية البخاريّ: ((فرمى به وجهه))،
ولأحمد من رواية يزيد، عن ابن أبي ليلى: ((ما يألو أن يُصيب به وجهه))، زاد
في رواية الإسماعيليّ، وأصله عند مسلم: ((فرماه به، فکسره)).
(وَقَالَ) حذيفة ◌َظُهُ معتذراً عما فعله به، وللنسائيّ: (ثُمَّ اغْتَذَرَ إِلَيْهِمْ مِمَّا
صَنَعَ بِهِ))، (إِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ)؛ يعني: أنه إنما فعل به
ذلك؛ لأنه نهاه قبلُ أن يسقيه بذلك الإناء؛ لكونه ذهباً، وفي رواية البخاريّ:
((فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته، فلم ينته))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((لم
أكسره إلا أني نهيته، فلم يَقبَل))، وفي رواية وكيع: ((ثم أقبل على القوم،
فاعتذر))، وفي رواية يزيد: (لولا أني تقدّمت إليه مرّة، أو مرّتين، لم أفعل به
هذا))، وفي رواية عبد الله بن عُكيم: ((إني أمرته أن لا يسقيني فيه)). ذكر هذا
كله في ((الفتح)).
وفي رواية الحميديّ في ((مسنده)): ((فحذفه حذيفة، وكان رجلاً فيه حِدّةٌ،
فكَرِهوا أن يكلِّموه، ثم التفت إلى القوم، فقال: أعتذر إليكم من هذا، إني
كنت تقدّمت إليه أن لا يسقيني في هذا))(١).
(فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ) الفاء تعليليّة؛ أي لأنه نَّهِ (قَالَ: (لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ
الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَلْبَسُوا الدِّيبَاجَ) بكسر الدال: ثوبٌ سَدَاه، ولُحْمته
إِبْرَيسمٌ، ويقال: هو معرّب، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث
البراء ظُبه الماضي، ولله الحمد والمنّة.
(وَالْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ) أفرد الضمير بتأويله بما ذُكر؛ أي: إن جميع ما ذُكر من
الذهب، وما عُطف عليه، وللنسائيّ: ((فإنها))؛ أي: هذه الأشياء، من الذهب،
والفضّة، والديباج، والحرير، وفي رواية للبخاريّ: ((وقال: هُنّ لهم في الدنيا،
وهنّ لكم في الآخرة))، قال في (الفتح)): كذا فيه بلفظ ((هُنّ)) بضم الهاء، وتشديد
النون في الموضعين، وفي رواية أبي داود، عن حفص بن عمر شيخ البخاريّ فيه
بلفظ: ((هِيَ)) بكسر الهاء، ثم التحتانية، وكذا في رواية غندر، عن شعبة، ووقع
عند الإسماعيليّ، وأصله في مسلم: ((هو))؛ أي: جميع ما ذُكِر. انتهى.
(١) ((المسند)) للحميديّ ٢٠٩/١.

٥٤٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨٣)
(لَهُمْ)؛ أي: للكفّار (فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ)؛ أي: المذكور، (لَكُمْ) أيها
المسلمون (فِي الآخِرَةِ) قال الإسماعيليّ نَّثُ: ليس المراد بقوله: ((في الدنيا))
إباحة استعمالهم إياه، وإنما المعنى بقوله: ((لهم))؛ أي: هم الذين يستعملونه
مخالفةً لزيّ المسلمين، وكذا قوله: ((ولكم في الآخرة))؛ أي: تستعملونه مكافأة
لكم على تركه في الدنيا، ويُمنعه أولئك جزاءً لهم على معصيتهم باستعماله.
ويَحْتَمِل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا، لا
يتعاطاه في الآخرة، مِنْ شرب الخمر، ولباس الحرير، ففي حديث عبد الله بن
الزبير ﴿، مرفوعاً: ((مَنْ لبس الحرير في الدنيا، فلن يلبسه في الآخرة))، رواه
البخاريّ، ومسلم، وعن ابن عمر ﴿ّ مرفوعاً: ((من شرب الخمر في الدنيا لم
يشربها في الآخرة))، متّفقٌ عليه.
وقال النوويّ كَّلُهُ: أي: إن الكفار إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا، وأما
الآخرة فما لهم فيها من نصيب، وأما المسلمون فلهم في الجنة الحرير،
والذهب، وما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وليس في الحديث حجة لمن يقول: الكفار غير مخاطبين بالفروع؛ لأنه
لم يصرِّح فيه بإباحته لهم، وإنما أخبر عن الواقع في العادة، أنهم هم الذين
يستعملونه في الدنيا، وإن كان حراماً عليهم، كما هو حرام على المسلمين.
انتهى(١).
وقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) قال النوويّ كَّتُ: إنما جَمَع بينهما؛ لأنه قد يُظن
أنه بمجرد موته صار في حكم الآخرة، في هذا الإكرام، فبيَّن أنه إنما هو في
يوم القيامة، وبَعده في الجنة أبداً، ويَحْتَمِل أن المراد: أنه لكم في الآخرة، من
حين الموت، ويستمر في الجنة أبداً. انتهى(٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) (شرح النوويّ)) ٣٦/١٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٦/١٤.

٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٨٣/١ ٥٣٨٤ و٥٣٨٥ و٥٣٨٦ و٥٣٨٧ و ٥٣٨٨
و٥٣٨٩] (٢٠٦٧)، و(البخاريّ) في ((الأطعمة)) (٥٤٢٦) و((الأشربة)) (٥٦٣٢
و٥٦٣٣) و((اللباس)» (٥٨٣١ و٥٨٣٧)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٧٢٣)،
(والترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٨٧٨)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (١٩٨/٨) و((الكبرى))
(٤٧٢/٥)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٤١٤ و٣٥٩٠)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (١٩٩٢٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١٠/٨)، و(الحميديّ) في
«مسنده)) (٤٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٥/٥ و٣٩٠ و٣٩٦ و٣٩٧ و٣٩٨
و٤٠٠ و٤٠٤ و٤٠٨)، و(الدارميّ) في ((الأشربة)) (٢٠٣٧)، و(الدارقطنيّ) في
(سننه)) (٢٩٣/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٨٦٥)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٣٣٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٠٣١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الشرب في إناء الذهب، والفضّة.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن لُبس الديباج، والحرير، وهو عند الجمهور
خاصّ بالرجال، دون النساء، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى -.
٣ - (ومنها): أن فيه تعزيرَ من ارتكب معصية، لا سيما إن كان قد سبق
نهيه عنها، كقضية الدهقان مع حذيفة څئه.
٤ - (ومنها): أنه لا بأس أن يُعَزِّرَ الأميرُ بنفسه بعض مستحقي التعزير.
٥ - (ومنها): أن الأمير، والكبير، إذا فعل شيئاً صحيحاً في نفس الأمر،
ولا يكون وجهه ظاهراً لمن حضره ينبغي له أن ينبِّه بذكر سبب فِعله، ويبيّن
دليله، حتى لا يَحْمِل من يراه على إساءة الظنّ به، كما صحّ عن النبيّ ◌َل
قوله: ((إنها صفيّة))، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ
الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُكَيْمٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ، فَذَكَّرَ
نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: ((يَوْمَ الْقِيَّامَةِ)).

٥٤٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله، و((سفيان)) هو: ابن عيينة، وأبو فروة هو: مسلم بن
سالم.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ ... إلخ) فاعل ((ذَكَر))، وكذا ((لم يذكر)) ضمير ابن أبي
عمر شیخ مسلم، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٥] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي نَجِيحِ أَوَّلاً عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ،
سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ خُذَيْفَةَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
عُكَيْمِ، فَظَتَنْتُ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ عُكَيْم، قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ
بِالْمَدَّائِنِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: ((يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن عبد الجبّار العطّار، أبو بكر البصريّ،
نزيل مكّة، لا بأس به، من صغار [١٠] (ت٢٤٨) (م ت س) تقدم في ((البيوع))
٢٥/ ٣٩٧٣.
٢ - (ابْنُ أَبِي نَجِيح) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح، واسمه يسار الثقفيّ
مولاهم، أبو يسار المكَّيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت١٣١) أو
بعدها (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢١٣٤/٦.
٣ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه إمام مشهور[٣] (ت١ أو٢ أو٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٤ - (يَزِيدُ) بن أبي زياد الهاشميّ مولاهم الكوفيّ، ضعيف، كبِرَ،
فصار يتلقّن، وكان شيعياً [٥] (ت١٣٦) (خت م ٤) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٢٨٨.

٥٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَوَّلاً عَنْ مُجَاهِدٍ ... إلخ) قائل: ((حدّثنا))
هو: سفيان بن عيينة.
وقوله: (ثُمَّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ ... إلخ) هذا أيضاً من قول ابن عيينة.
وقوله: (ثُمَّ حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ ... إلخ) أيضاً من كلام ابن عيينة.
وقوله: (فَظَنَنْتُ ... إلخ) هو أيضاً من كلام ابن عيينة، وحاصل ما أشار
إليه أن ابن عيينة سمع هذا الحديث أوّلاً من ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن
ابن أبي ليلى، عن حذيفة، ثم سمعه من يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى،
عن حذيفة، ثم حدّثه به أبو فَرْوة مسلم بن سالم، عن عبد الله بن عُكيم، عن
حذيفة .
وقوله: ((فظننت ... إلخ)) جملة معترضة بين قوله: ((سمعت ابن عُكيم))،
وقوله: ((قال: كنّا مع حذيفة ... إلخ))، ولم يتبيّن لي سبب ظنّه هذا، فقد ثبت
سماع ابن أبي ليلى هذا الحديث من حُذيفة ◌ُه، فقد أخرجه الشيخان بما
يدلّ على أنه سمعه منه، ففي رواية مسلم التالية من طريق الحكم، عن ابن أبي
ليلى، قال: شهِدت حذيفة استسقى بالمدائن ... إلخ، وفي رواية البخاريّ من
طريق مجاهد، عن ابن أبي ليلى، أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى ... إلخ،
فتبيّن بهذا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه عن حذيفة مباشرةً لا بواسطة ابْنِ
عُكَيْم، كما قال ابن عيينة هنا، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: ((يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) فاعل (ذَكَر))، و((يقل))
ضمير عبد الجبّار(١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الجبّار، عن سفيان بن عيينة هذه لم أجد من ساقها
بسياق مسلم، وقد أخرجها النسائيّ في ((المجتبى))، عن شيخه محمد بن
(١) أي: لشيخ مسلم، كما هو لشيخه في السند الماضي، فما وقع في شرح الشيخ
الهرريّ من كون الضمير لابن أبي ليلى محلّ نظر، ومن الغريب أنه جعله لشيخ
مسلم في السند الماضي، وهنا لابن أبي ليلى، وسياق الإسناد متّحد، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.

٥٤٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرَّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨٦)
عبد الله بن يزيد المقرىء، إلا أنه لم يذكر قوله: ((فظننت ... إلخ))، قال رَّلهُ:
(٥٣٠١) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدّثنا سفيان، قال:
حدّثنا ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، ويزيدُ بن أبي زياد، عن
ابن أبي ليلى، وأبو فَرْوة عن عبد الله بن عُكيم، قال: استسقى حذيفة، فأتاه
دِهْقان بماء في إناء، من فضة، فحذفه، ثم اعتذر إليهم مما صنع به، وقال:
إني نهيته، سمعت رسول الله ول* يقول: ((لا تشربوا في إناء الذهب والفضة،
ولا تلبسوا الديباج، ولا الحرير، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة».
انتھی(١).
وأخرجها ابن الجارود في ((المنتقى))، فقال:
(٨٦٥) - حدّثنا ابن المقرئ، قال: ثنا سفيان، عن ابن نَجِيح، عن
مجاهد، عن ابن أبي ليلى، ويزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، وأبي فروة
عن عبد الله بن عُكيم، قالا: استسقى حذيفة به، فأتاه دهقان بماء في إناء
من فضة، فحذفه، ثم اعتذر إليهم فيما صنع، فقال: إني قد نهيته، سمعت
رسول الله وسلم يقول: ((لا تشربوا في إناء الذهب، والفضة، ولا تلبسوا
الديباج، ولا الحرير، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي لَيْلَى - قَالَ: شَهِدْتُ
خُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى بِالْمَدَائِنِ، فَأَتَّهُ إِنْسَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ
عُكَيْمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما
دلّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا في الباب.
(١) ((سنن النسائيّ - المجتبى)) ١٩٨/٨.
(٢) ((المنتقى)) لابن الجارود ٢١٩/١.

٥٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وقوله: (فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ ... إلخ) هو الدهقان المذكور في الرواية السابقة، ولا
يُعرف اسمه.
وقوله: (فَذَكَرَهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ) فاعل ((ذَكَرِ)) ضمير
الحكم، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية الحكم عن ابن أبي ليلى هذه لم أجد من ساقها بسياق
مسلم، إلا أن الترمذيّ أخرجها بسياق قريب منه، فقال:
(١٨٧٨) - حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة،
عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى يحدّث أن حذيفة استسقى، فأتاه إنسان
بإناء من فضة، فرماه به، وقال: إني كنت قد نهيته، فأبى أن ينتهي، إن
رسول الله ◌َ﴿ نَهَى عن الشرب في آنية الفضة، والذهب، ولبس الحرير،
والديباج، وقال: ((هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا
بَهْزٌ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُعَاذٍ، وَإِسْنَادِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي
الْحَدِيثِ: ((شَهِدْتُ حُذَيْفَةَ))، غَيْرُ مُعَاذٍ وَحْدَهُ، إِنَّمَا قَالُوا: إِنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى).
رجال هذه الأسانيد: تسعة :
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم
قريباً .
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: وكيعٌ، ومحمد بن
جعفر، وابن أبي عديّ، وبهز رووه عن شعبة.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٢٩٩/٤.

٥٥١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨٨)
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَإِسْنَادِهِ) إسناده: حدثنا شعبة، عن الحكم،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة
[تنبيه]: رواية وكيع، عن شعبة ساقها، الإمام أحمد كثُ في ((مسنده)،
فقال :
(٢٣٤٤٩) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن
الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: استسقى حُذيفة من دهقان، أو
عِلْج، فأتاه بإناء فضة، فحذفه به، ثم أقبل على القوم، اعتذر اعتذاراً، وقال:
إني إنما فعلت ذلك به عمداً؛ لأني كنت نهيته قبل هذه المرّة، إن رسول الله وَله
نهانا عن لبس الديباج، والحرير، وآنية الذهب، والفضة، وقال: ((هو لهم في
الدنيا، وهو لنا في الآخرة)). انتهى(١).
ورواية محمد بن جعفر، عن شعبة ساقها الترمذيّ كَّلُهُ في («جامعه»،
فقال:
(١٨٧٨) - حدثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة،
عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى يحدّث، أن حذيفة استسقى، فأتاه
إنسان بإناء من فضة، فرماه به، وقال: إني كنت قد نهيته، فأبى أن ينتهي، إن
رسول الله ﴿ نَهَى عن الشرب في آنية الفضة، والذهب، ولبس الحرير،
والديباج، وقال: ((هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)). انتهى.
وأما روايتا ابن أبي عديّ، ويهز بن أسد، كلاهما عن شعبة، فلم أجد
من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَِّيِّ بَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
مَنْ ذَكَرْنَا).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٠٠/٥.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
رجال هذين الإسنادين: تسعة:
١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية ابن عون، عن مجاهد ساقها أبو عوانة في ((مسنده))،
فقال :
(٨٤٤٩) - وحدّثنا أبو بكر الصغانيّ، وأبو داود الحرانيّ، قالا: ثنا
عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن عون (ح) وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا أشهل بن
حاتم، قال: أنبا ابن عون، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:
كنا مع حذيفة بالمدائن، فاستسقى، فأتاه دهقان بإناء من فضة، فرمى به وجهه،
فقلنا: اسكتوا، فإنا إن سألناه لم يحدّثنا، فلما كان بعدُ قال: تدرون لِمَ رميته؟
إني كنت نهيته، قال: فذكر عن النبيّ وَل ل أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب،
والفضة، وعن لبس الحرير، والديباج، قال: ((هو لهم في الدنيا، ولكم في
الآخرة)). انتهى(١).
وأما رواية منصور، عن مجاهد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
سَيْفٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِداً يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، قَالَ:
اسْتَسْقَى خُذَيْفَةُ، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةٍ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا))).
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٢١٤/٥ - ٢١٥.

٥٥٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٠)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابین.
٣ - (سَيْفُ) بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ رُمي بالقدر، سكن البصرة أخيراً [٦] مات بعد سنة (١٥٠) (خ م س ق)
تقدم في ((الصلاة)) ٩٠٦/١٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَسَقَاهُ مَجُوسِيٍّ) هو الدهقان المذكور فيما مضى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٩٠] (٢٠٦٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ، عِنْدَ بَابٍ
الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
وَلِلْوَقْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ
فِي الآخِرَةِ»، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِوَّهِ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ
عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةٍ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا))، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخاً لَهُ مُشْرِكاً بِمَكَّةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْتُ، وهو (٤٠٧) من رباعيّات الكتاب، وفيه
ابن عمر ها أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، والمشهورين
بالفتوى، وأشهر الناس باتّباع الأثر، والتشدّد فيه، والله تعالى أعلم.

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﴿مَا هكذا رواه أكثر أصحاب
نافع، وأخرجه النسائيّ من رواية عُبيد الله بن عمر العُمريّ، عن نافع، عن ابن
عمر، عن عمر، أنه ((رأى حلةً))، فجعله من مسند عمر ظُبه، قال الدار قطنيّ:
المحفوظ أنه من مسند ابن عمر. انتهى.
وقال أبو عمر بن عبد البرّ كَُّهُ: لم يُختَلَف عن مالك في إسناد هذا
الحديث، ولا يَختلف مالك وغيره من أصحاب نافع، عن نافع فيه أيضاً،
وبعض أصحاب عبيد الله يقولون فيه: عن ابن عمر، عن عمر، فيجعلونه من
مسند عمر، وهو عند أهل العلم بالحديث، وأهل الفقه سواء في وجوب
الاحتجاج به، والعمل. انتهى(١).
(رَأَى حُلَّةً) - بضم المهملة - قال أبو عُبيد: الْحُلَل: برود اليمن، والحُلَّة
إزار ورداء، ونقله ابن الأثير، وزاد: إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سیده
في ((المحكم)): الحلّة بُرْدٌ أو غيره، وحَكَى عياض أن أصل تسمية الثوبين حُلّة
أنهما يكونان جديدين كما حُلَّ طيُّهما. وقيل: لا يكون الثوبان حُلّةً حتى يَلبس
أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حلّ عليه، والأوّل أشهر.
(سِيَرَاءَ) - بكسر المهملة، وفتح التحتانية، والراء، مع المدّ ــ قال
الخليل: ليس في كلام العرب فِعَلاءُ - بكسر أوله، مع المدّ - سوى سِيَراء،
وحِوَلاء، وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعِنَباء، لغة في العنب.
قال مالك: هو الوَشْيُ من الحرير، كذا قال. والوَشْيُّ - بفتح الواو،
وسكون المعجمة، بعدها تحتانية. وقال الأصمعيّ: ثياب، فيها خطوط من
حرير، أو قَزّ، وإنما قيل لها: سيراء؛ لتسيير الخطوط فيها. وقال الخليل: ثوب
مُضَلَّع بالحرير، وقيل: مختلف الألوان، فيه خطوط ممتدّة، كأنها السيور. وقال
ابن سيده: هو ضرب من البرود. وقيل: ثوب مسيّر فيه خطوط يُعمل من القَزّ،
وقيل: ثياب من اليمن. وقال الجوهريّ: بُرْد فيه خطوط صُفْر. ونقل عياض عن
سيبويه، قال: لم يأت فِعَلاء صفةً، لكن اسماً، وهو الحرير الصافي.
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٤٠/١٤.

٥٥٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٠)
وقال ابن عبد البرّ كَخْلُهُ: فأما قوله في هذا الحديث: ((حُلّة سيراء))، فإن
أهل العلم يقولون: إنها كانت حلة من حرير، ولا يختلفون في الثوب المُصْمَت
الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره أنه لا يحل للرجال لباسه، واختلفوا في
الثوب الذي يخالطه الحرير على ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله.
وأما أهل اللغة فإنهم يقولون: الحلة السيراء هي التي يخالطها الحرير،
قال الخليل بن أحمد: السيراء بُرود يخالطها حرير، وقال غيره: هي ضروب
من الوشي، والبرود.
وأما الحلة عندهم فثوبان اثنان، لا يقع اسم الحلة على واحد، وأما
الحلة المذكورة في هذا الحديث فحرير كلها بنقل الثقات لذلك. انتهى(١).
[تنبيه]: اختُلِف في قوله: ((حلة سيراء))، هل هو بالإضافة، أو لا؟ فوقع
عند الأكثر بتنوين ((حلّة))، على أنّ ((سيراء)) عطف بيان، أو نعت، وجزم
القرطبيّ بأنه الرواية. وقال الخطابيّ: قالوا: ((حلّةٌ سيراءُ))، كما قالوا: ((ناقةٌ
عُشَراءُ))، ونقل عياض عن أبي مروان ابن السرّاج أنه بالإضافة، قال عياض:
وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا، وقال النوويّ: إنه قول المحققين، ومتقني
العربية، وإنه من إضافة الشيء لصفته، كما قالوا: ثوب خزّ. انتهى.
وفي الرواية الآتية من طريق سالم، عن أبيه: ((قال: وجد عمر بن
الخطاب ظُه حُلّة من إستبرق، تباع بالسوق ... ))، والإستبرق: ما غلظ من
الحرير، وفي رواية عند النسائيّ: ((أن عمر كان مع النبيّ وَّ في السوق، فرأى
الحلّة))، ولا تعارض بين هذا، وبين قوله: (عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ)؛ أي: النبويّ؛
لأن طرف السوق كان يَصِل إلى قرب باب المسجد، قاله الحافظ ◌َّهُ(٢).
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) (لو)) هنا للتمنّي، أو للعَرْض، فلا
تحتاج إلى جواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطية، حُذف جوابها؛ أي: لكان
خيراً .
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٤٢/١٤.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٤/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤١).

٥٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وفي رواية سالم الآتية: ((ابتع هذه، فتجمّل بها))، وكأن عمر ظُله أشار
بشرائها، وتمنّاه.
(فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فيه استحباب التجمل، وحسن الهيئة
للجمعة، ووجه ذلك أن عمر به أشار على النبيّ وَله بالتجمل للجمعة، فلم
يُنكر عليه، وإنما أنكر التجمل بالحرير، فدلّ على أن التجمل بما يحلّ لُبسه من
أنواع الحُلَل مستحب.
وقال السنديّ تَخْتُ: وفي قول عمر رظَه هذا دلالة على أن التجمل يوم
الجمعة كان مشهوراً بينهم، مطلوباً؛ كالتجمّل للوفود، وقد قرّره النبيّ وَّ على
ذلك، وإنما ردّه من حيث إن الحرير لا يليق به. انتهى.
(وَلِلْوَقْدِ) قيل: الوفد: الرُّكبان المكرمون، يقال: وَفَدَ فلان يَقِدُ، وِفَادةً:
إذا خرج إلى مَلِك، أو أمير. والوَقْدُ اسم جَمْع، وقيل: جمعٌ، وأما الوفود،
فجَمْع وافد. أفاده في ((اللسان)).
وفي رواية سالم الآتية: ((فتجمّل بها للعيد وللوفد)).
وفي رواية جرير بن حازم، عن نافع الآتية: ((فلبستها لوفود العرب إذا
قَدِموا عليك))، وفي رواية النسائيّ: ((فتجمّل بها لوفود العرب، إذا أتوك، وإذا
خطبت الناس في يوم عيد وغيره ... )).
قال في ((الفتح)): وكأنه خصّه بالعرب؛ لأنهم كانوا إذ ذاك الوفودَ في
الغالب؛ لأن مكة لَمّا فُتحت بادر العرب بإسلامهم، فكانت كلّ قبيلة تُرسل
كُبراءها لِيُسْلموا، ويتعلّموا، ويرجعوا إلى قومهم، فيدعوهم إلى الإسلام،
ويعلّموهم. انتهى(١).
(إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟) - بفتح القاف، وكسر الدّال -، يقال: قَدِمَ من سفره،
كعَلِم، قُدُوماً، وقِدْماناً - بالكسر -: رجع، فهو قادم. أفاده في ((القاموس)).
وفي رواية للنسائيّ: ((إذا أتوك)).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) وفي رواية جرير بن حازم الآتية:
((إنما يلبس الحرير في الدنيا))، (مَنْ لَا خَلَاقَ لَّهُ فِي الآخِرَةِ))) ((الخَلاق)) - بفتح
(١) (الفتح)) ٣٢٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤١).

٥٥٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٠)
المعجمة، وتخفيف اللام -: النصيب، وقيل: الحظّ، وهو المراد هنا، ويُطلق
على الحرمة، وعلى الدين، ويَحْتَمِل أن يُراد: مَنْ لا نصيب له في الآخرة؛
أي: مِنْ لبس الحرير. قاله الطيبيّ.
ويؤيده ما أخرجه الشيخان من حديث أبي عثمان، عن عمر ظ له أن
النبيّ وَ ل﴿ه قال: ((لا يُلبَسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس منه شيء في الآخرة))،
وفي رواية لمسلم: ((لا يَلْبَسُ الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة)).
والمعنى: أنه لا نصيب له في لُبس حرير الجنّة، قال السنديّ كَّلُهُ:
ويمكن تحقّق ذلك مع الدخول في الجنّة بأن يصرف الله تعالى الاشتهاء عنه،
فلا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ﴾ الآية [فصّلت: ٣١]،
بل هذا لازم في الجنّة، وإلا لاشتهى كلّ أحد درجة نبيّنا وَّة. انتهى(١).
(ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِوَلِ مِنْهَا حُلَلٌ) بنصب ((رسول)) على أنه مفعول
مقدّم، و((حُلَلٌ)) فاعل مؤخر، وفي رواية سالم الآتية: ((ثم أُتِي رسول اللهِ وَل
بثلاث حُلَل منها، فكسا عمرَ حُلّةً، وكسا عليّاً حلّةً، وكسا أُسامةَ حُلّةً ... )).
(فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا خُلَّةً) وفي رواية سالم: ((فلبث عمر ما شاء الله، ثم
أرسل إليه رسول الله وَ ﴿ بجبّة ديباج))، وفي رواية: ((وأن النبيّ وَّو بعث بعد
ذلك إلى عمر حلة سيراء))، وزاد الإسماعيليّ: ((بحلة سيراء من حرير))، و((من))
بيانية، وهو يقتضي أن السيراء قد تكون من غير حرير، قاله في ((الفتح))(٢).
(فَقَالَ عُمَرُ) ◌َبُه (يَا رَسُولَ اللهِ كَسَوْتَنِيهَا) إنما قال ذلك باعتبار ما فهمه،
وإلّا فقد ظهر في بقية الحديث أنه لم يُعطِه ليلبسها، أو المراد: أعطيتني ما
يصلح كسوة.
(وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) هو عطارد بن حاجب بن زُرَارة بن عُدُس بن
زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم التميميّ، أبو
عكرمة، وَفَدَ على النبيّ ◌َّ، واستعمله على صدقات بني تميم.
روى الطبرانيّ من طريق محمد بن زياد الْجُمَحيّ، عن عبد الرحمن بن
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٩٧/٨.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤١).

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
عمرو بن معاذ، عن عُطارد بن حاجب، أنه أهدى إلى النبيّ وَّ* ثوب ديباج،
كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه، فقالوا: نزل عليك من السماء؟! فقال: ((وما
تَعجَبون مِن ذا؟ لَمناديل سعد بن معاذ في الجنّة خير من هذا)).
وقال أبو عبيدة: وكان حاجب بن زُرَارة، يقال له: ذو القوس، وذلك أن
رسول الله وسلم لمّا دعا على مضر بالقحط، فأقحطوا، ارتحل حاجب إلى
كسرى، فسأله أن يأذن له أن ينزل حَوْلَ بلاده، فقال: إنكم أهل غَدْر، فقال:
أنا ضامن، فقال: ومن لي بأن تَفيَ؟ قال: أرهنك قوسي، فَأَذِن لهم في دخول
الرِّف، فلما استسقت مُضَر بالنبيّ وَّ دعا الله، فرفع عنهم القحط، وكان
حاجب مات، فرحل عُطارد بن الحاجب إلى كسرى، يطلب قوس أبيه، فردّها
عليه، وكساه حُلّةً.
وروى الواقديّ في ((المغازي)) بأسانيده: أن رسول الله ◌َّقو بعث بشر بن
سفيان العدويّ على صدقات خُزَاعة، فجمعوا له، فمنعهم بنو تميم، فبعث
النبيّ وَ﴿ إليهم عُيينة بن حصن في خمسين فارساً، فأغار، وسَبَى منهم أحدَ
عشر رجلاً، وإحدى عشرة امرأةً، وثلاثين صبيّاً، فوفد بعد ذلك رؤساء بني
تميم، منهم ◌ُطارد بن حاجب، فذكر القصّة، وأنهم أسلموا، وأجارهم، وارتدّ
عُطارد بن حاجب بعد النبيّ وَّ مع من ارتدّ من بني تميم، وتَبع سَجَاحِ، ثم
عاد إلى الإسلام، وهو الذي قال فيها: [من البسيط]
وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانًا
أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا
عَلَى سَجَاحِ وَمَنْ بِالْكُفْرِ أَغْوَانًا(١)
فَلَعْنَةُ اللهِ رَبِّ النَّاسِ كُلِّهِم
(مَا قُلْتَ) ((ما)) اسم موصول في محلّ نصب علَى أنه مفعول مطلق؛ أي:
قلت القول الذي قلته في حُلّة عطارد، وهو قوله وَله: ((إنما يلبس هذه من لا
خلاق له في الآخرة».
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إني لم أكسكها لتلبسها)))؛ أي: لم أُعطك إياها
لأجل أن تلبسها، وفي الرواية الآتية: ((إِنِّي لَمْ أبعث بها إليك لتلبسها، ولكني
بعثت بها إليك لتُصيب بها))، وفي رواية: ((تبيعها، وتصيب بها حاجتك))، وفي
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١١/٧ - ١٢.

٥٥٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٩٠)
رواية: ((إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها))، وفي رواية: ((بعها، واقض بها
حاجتك، أو شَقِّقْها خُمُراً بين نسائك)).
(فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخَاً لَهُ) زاد في رواية سالم: ((من أمه))، (مُشْرِكاً بِمَكَّةَ)،
وفي رواية البخاريّ من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ((فأرسل بها
عمر إلى أخ له، من أهل مكّة قبل أن يُسلم))، قال النوويّ: هذا يُشعر بأنه
أسلم بعد ذلك. انتهى(١).
قال الحافظ: ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا فيما ذكره ابن بشكوال
في ((المبهمات) نقلاً عن ابن الحذّاء في رجال ((الموطإ))، فقال: اسمه عُثمان بن
حكيم. قال الدمياطيّ: هو السلميّ أخو خولة بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن
الأوقص، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر
لأمه لم يُصب.
قال الحافظ: قلت: بل له وجه بطريق المجاز. ويَحْتَمِل أن يكون عمر
ارتضع من أم أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد
لأمه من النسب.
وأفاد ابن سعد أن والدة سعيد بن المسيِّب هي أم سعيد بن عثمان بن
الحكم، ولم أقف على ذِكره في الصحابة، فإن كان أسلم، فقد فاتهم،
فليُستَدرك، وإن كان مات كافراً، وكان قوله: ((قبل أن يسلم)) لا مفهوم له، بل
المراد أن البعث إليه كان في حال كفره، مع قَطْع النظر عما وراء ذلك، فلتُعدّ
بنته في الصحابة. انتهى (٢).
وقال صاحب ((التنبيه)): قوله: ((فكساها عمر أخاً له)) هو أخو أخيه زيد بن
الخطّاب؛ لأمه أسماء بنت وهب، واسمه عثمان بن حكيم، قاله الدمياطيّ،
وقال ابن الحذّاء في ((التعريف)): إنه أخوه لأمه عثمان بن حكيم، قال الحافظ
وليّ الدين: والصواب مع الدمياطيّ. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) (شرح النوويّ)) ٣٨/١٤ - ٣٩.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٦/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٤١).
(٣) ((تنبيه المعلم)) ص٣٥٨.

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حديث عبد الله بن عمر .
هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٩٠/١ و٥٣٩١ و٥٣٩٢ و ٥٣٩٣ و٥٣٩٤
و٥٣٩٥] (٢٠٦٨)، و(البخاريّ) في ((الجمعة)) (٨٨٦) و((العيدين)) (٩٤٨)
و((الهبة)) (٢٦١٩) و((اللباس)) (٥٨٤١) و((الأدب)) (٥٩٨١)، و(أبو داود) في
((اللباس)) (٤٠٤٠)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (٩٦/٣) و((الزينة)) (١٩٦/٨)
و ((الكبرى)) (٥٢٣/١ و٤٦٢/٥ و٤٦٣)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٥٩١)،
و(مالك) في ((الموطأ)) (٩١٧/٢ - ٩١٨)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٦٢/١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٩٢٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٣٧)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٥٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠/٢ و٢٤
و٣٩ و٥١ و٦٨ و٨٢ و١٤٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥١١٣ و٥٤٣٩)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٤/٤ و٤٢٥٢)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٢٢٤/٥ و٢٢٥)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١٨٧/١٠)، و(البزّار) في
((مسنده)) (٢٨٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٢/٢ و١٢٩/٩)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنَّة)) (٣٠٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب حسن الهيئة للجمعة، والعيدين، ونحوهما
بلبس الملابس الحسنة، لكونه وَلّ أقرّ عمر ظبه على ذلك، وإنما أنكر عليه
استعمال السيراء، وما في معناه، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، عن
عبد الله بن سلام رَُّبه مرفوعاً: ((ما على أحدكم، لو اشترى ثوبين ليوم
الجمعة، سوى ثوبي مِهْنَته)) وتقدم أن في رواية سالم، عن أبيه: (للعيد)) بدل
(الجمعة))، وفي رواية ابن إسحاق، عن نافع: ((فتجملت بها لوفود العرب إذا
أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد، وغيره)).
فأخذ العلماء من هذا استحباب التجمل في سائر مجامع الخير، إلا ما
ينبغي فيه إظهار التمسكن، والتواضع، والخوف؛ كالاستسقاء، والكسوف.