Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
الفُرس؛ لأنه كان شعارهم ذلك الوقت، فلما لم يَصِر شعاراً لهم، وزال ذلك
المعنى زالت الكراهة، والله تعالى أعلم.
قال: وقد عرفت أن الميثرة قُيّدت تارة بكونها حمراء، وأُطلقت تارة،
فمن يَحْمِل المطلق على المقيّد يخصّ النهي بالحمراء، ومن يأخذ بالمطلق،
وهم الحنفيّة، والظاهريّة، فمقتضى مذهبهم طَرْد النهي عنها، وإن لم تكن
حمراء.
ووقع في حديث عليّ تَظُه عند أبي داود: ((ونُهي عن مَيَاثير الأُرْجُوان)).
فإن فُسّر الأرجوان بمطلق الأحمر ساوى الرواية التي فيها المياثر الحمر، وإن
فسّرناه بالمصبوغ بصبغ مخصوص، فمقتضاه اختصاصه بالمصبوغ بذلك الصبغ
المخصوص خاصّة، وأنه لا يتعدّى لِمَا سواه إلا أن تكون تَعْدِيَته بطريق
القياس، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التعليلات التي ذكروها في سبب النهي
عن المياثر، من كونها حريراً، أو غير ذلك، لم تُذكر في الحديث، فالظاهر أن
النهي عام في جميع أنواع المياثر، سواء كانت من حرير، أو من غيره، وسواء
كانت حمراء، أو غيرها، كما تقدّم عن الطبريّ، وأن النهي للتحريم في
الجميع، إذ النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع، والله تعالى أعلم.
(وَعَنِ الْقَسِّيِّ)؛ أي: نهى عن لُبس الثياب القَسّيّة، وهي بفتح القاف،
وتشديد المهملة، بعدها ياء النسبة.
وقد ذكر البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) تفسيرها فيما علّقه عن عاصم - يعني:
ابن كُليب - عن أبي بُردة، قال: قلت لعلي: ما القسّة؟ قال: ثيابٌ أتتنا من
الشام - أو من مصر - مُضَلَّعَةٌ (٢) فيها حرير، وفيها أمثال الأُتْرُنْجِ(٣). انتهى.
وقال في ((الفتح)): وذكر أبو عبيد في ((غريب الحديث)) أن أهل الحديث
يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلدة، يقال لها:
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٣١/٣.
(٢) أي: فيها خطوط عريضةٌ كالأضلاع.
(٣) أي: إن الأضلاع التي فيها غليظة معوجّة.

٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
القَسّ، رأيتها، ولم يعرفها الأصمعيّ، وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقَسّ
بمصر، منهم الطبريّ، وابن سِيدَهْ، وقال الحازميّ: هي من بلاد الساحل،
وقال المهلّب: هي على ساحل مصر، وهي حصن بالقرب من الْفَرَمَا، من جهة
الشام، وكذا وقع في حديث ابن وهب أنها تلي الفرَمَا - والْفَرَمَا بالفاء، وراء
مفتوحة - وقال النوويّ: هي بقرب تِنِّيس، وهو متقاربٌ.
وحَكَى أبو عبيد الهرويّ عن شَمِر اللغويّ أنها بالزاي، لا بالسين، نسبة
إلى الْقَزّ، وهو الحرير، فأُبدلت الزاي سيناً .
وحكى ابن الأثير في ((النهاية)) أن القَسّ الذي نُسب إليه هو الصقيع،
سمِّي بذلك لبياضه، وهو، والذي قبله كلامُ من لم يعرف القَسّ القرية.
(١)
.(
انتھی
وقيل: هي ثياب من كَتّان مخلوط بحرير، وقيل: هي ثياب من القّزّ،
وأصله: الْقَزّيّ، بالزاي، منسوب إلى القَزّ، وهو رديء الحرير، فأبدلت الزاي
سيناً، ذكره في ((الطرح))(٢).
(وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ) بفتح الحاء المهملة، معروف، وهو عربيّ، سمِّي
بذلك لخلوصه، يقال لكلّ خالص: مُحرَّر، وحرّرتُ الشيءَ: خلّصته من
الاختلاط بغيره. وقيل: هو فارسيّ معرَّبٌ(٣).
(وَالإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، هي - كما في ((المصباح)) - غليظ الديباج،
فارسيّ مُعَرَّب. وقال ابن الأثير تَُّ: قد تكرر ذكر الإستبرق في الحديث،
وهو ما غَلُظ من الحرير، والإِبْرَيْسَم، وهي لفظة أعجميّة، معرَّبَةٌ، أصلها
اسْتَبْرَه، وقد ذكرها الجوهريّ في الباء من القاف، على أن الهمزة، والسين،
والتاء زوائد، وأعاد ذكرها في السين من الراء، وذكرها الأزهريّ في خُماسيّ
القاف، على أن همزتها وحدها زائدة، وقال: أصلها بالفارسية: اسْتَفرَه، وقال
أيضاً: إنها، وأمثالها من الألفاظ حروفٌ عربيّة، وقع فيها وفاق بين العجمية
(١) ((الفتح)) ٣١٤/١٣ - ٣١٥، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٣٨).
(٢) ((طرح التثريب)) ٢٣٢/٣.
(٣) ((الفتح)) ٣٠١/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٢٨).

٥٢٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
والعربيّة، وقال: هذا عندي هو الصواب. انتهى(١).
(وَالدِّيَاجِ) بكسر الدال المهملة، وقد تُفتح، وبعضهم قال: الكسر أصوب
من الفتح: هي الثياب المتّخذة من الإبرِيسَم، فارسيّ معرّب.
وقال ابن منظور تَُّهُ: والدِّيباجُ ضَرْبٌ من الثياب مشتقّ من الدَّبْج، وهو
النقش، والتزيين، وهو بالكسر والفتح: مُوَلَّدٌ، والجمع دَیابیجُ، ودبابيج، قال
ابن جني: قولهم: دبابيج يدلّ على أَن أَصله دِبَّاجٌ، وأَنهم إِنما أَبدلوا الباء ياء
استثقالاً لتضعيف الباء، وكذلك الدينار، والقيراط، وكذلك في التَّصْغير، وفي
الحَديثِ ذكْرُ الدِّيباج، وهي الثياب المتَّخَذة من الإبريسم، فارسيّ مُعَرَّب، وقد
تُفتح داله، وقال الليّث: الدِّيباج - بالكسر - أَصوب من الدَّيْباج - بالفتح - وكذلك
قال أبو عبيد في الدِّيباج، والدِّيوان، وجَمْعهما دَبابِيجُ، ودَواوينُ. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ تَُّ: الدِّيبَاجُ: ثوبٌ سَدَاه ولُحْمَتُهُ إِبْرَيْسَم، ويقال: هو
معَرَّبٌ، ثم كَثُر، حتى اشتقَّت العربُ منه، فقالوا: دَبَجَ الغيثُ الأرضَ دَبْجاً،
من باب ضرب: إذا سقاها، فأنبتت أزهاراً مختلفةً؛ لأنه عندهم اسم للمُنَقَّش،
واختُلِف في الياء، فقيل: زائدةٌ، ووزنه فيعالٌ، ولهذا يُجمع بالياء، فيقال:
دَبَابِيجُ، وقيل: هي أصل، والأصل دَبَّاجٌ بالتضعيف، فأُبدل من أحد المضغَّفَين
حرف العلة، ولهذا يُرَدّ في الجمع إلى أصله، فيقال: دَيَابِيجٌ، بياء مثناة بعد
الدال. انتهى(٣).
وقال أيضاً: و((الإبريسم)): معرّبٌ، وفيها لغات، كسر الهمزة، والراء،
والسين، وابن السِّكِّيت يمنعها، ويقول: ليس في الكلام إِفْعِيلِلٌ بكسر اللام،
بل بالفتح، مثلُ إِهْلِيلَجٍ، وإِظْرِيفل، والثانية فَتْح الثلاثة، والثالثة كَسْر الهمزة،
وفتح الراء والسين. انتهى (٤).
وقال في ((القاموس)): ((الإبريسم)) بفتح السين وضمّها: الحرير، أو
(٥) .
معرّب. انتھی
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١/ ٤٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٨٨/١.
(٥) ((القاموس المحيط)» ص٩٥.
(٢) ((لسان العرب)) ٢٦٢/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٤٢.

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وقال وليّ الدين كَُّهُ: ذِكرُ الديباج، والاستبرق بعد الحرير - أي: في
بعض الروايات - من ذِكْر الخاصّ بعد العامّ، وكأنه أشار بذلك إلى أنه لا فرق
في تحريم الحرير بين جيّده، وهو الديباج، ورديئه، وهو الإستبرق، والله
أعلم. انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: النهي عن لُبس الحرير، والإستبرق،
والديباج، مختصّ بالرجال، فيجوز لُبسه للنساء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٧٧/١ و٥٣٧٨ و٥٣٧٩ و٥٣٨٠ و٥٣٨١
و٥٣٨٢] (٢٠٦٦)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٣٩) و((المظالم)) (٢٤٤٥)
و((النكاح)) (٥١٧٥) و((الأشربة)) (٥٦٣٥) و((المرضى)) (٥٦٥٠) و((اللباس))
(٥٨٣٨ و٥٨٤٩ و٥٨٦٣) و((الأدب)) (٦٢٢٢) و((الاستئذان)) (٦٢٣٥) و((الأيمان
والنذور)) (٦٦٥٤) وفي ((الأدب المفرد)) (٩٢٤)، و(أبو داود) في ((اللباس))
(٥٠٥١)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨٠٩)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٤/
٥٤) و((الأيمان والنذور)) (٨/٧)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٢١١٥ و٣٥٨٩)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٨٣٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٤٦)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١٠/٨ - ٢١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٤/٤
و٢٩٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٨٢/١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣٠٤٠ و٥٣٤٠ و٥٤٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٦/١ و٢/
٧٠ و٥٠/٤ و٢١٩/٥ و٢٢٠ و٢٢١ و٢٢٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٤/٦
و٢٦٣/٧ و١٠٨/١٠) و((شُعب الإيمان)» (٢٣/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(١٤٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بعيادة المريض، وقال النوويّ: أما عيادة المريض
فسُنَّة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه، ومن لا يعرفه، والقريب، والأجنبيّ،

٥٢٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
واختلف العلماء في الأوكد، والأفضل منها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: دعواه الإجماع على سُنيّته فيه نظر لا يخفى،
وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان الأمر باتباع الجنائز، قال النوويّ: وأما اتّباع الجنائز
فسُنَّة بالإجماع أيضاً، وسواء فيه من يعرفه، وقريبه، وغيرهما، وسبق إيضاحه
في ((الجنائز)). انتهى (٢).
٣ - (ومنها): الأمر بتشميت العاطس، قال النوويّ: وهو سُنَّة على
الكفاية إذا فعله بعض الحاضرين سقط الأمر عن الباقين، وشَرْطه أن يَسمع قول
العاطس: ((الحمد لله))، كما سنوضّحه مع فروع تتعلق به في بابه - إن شاء الله
تعالی ۔ انتھی(٣) .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((سُنَّة على الكفاية)) فيه نَظَر لا يخفى،
وسيأتي أن الراجح أنه فرض عَيْن، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): الأمر بإبرار القسم، قال النوويّ كَّتُهُ: وأما إبرار القسم
فهو سنة أيضاً مستحبة متأكدةٌ، وإنما يُندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة، أو
خوف ضرر، أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يبرّ قَسَمه، كما ثبت أن
أبا بكر ته لَمّا عَبّر الرؤيا بحضرة النبيّ وَ﴿، فقال له النبيّ وَلي: ((أصبت
بعضاً، وأخطأت بعضاً))، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرنِّي، فقال:
((لا تُقسم))، ولم يخبره. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((مستحبّة)) فيه نظر لا يخفى؛ إذ ورد الأمر
به، والأمر للوجوب، إلا لصارف، ولم يوجد هنا صارف، فالظاهر الوجوب،
فتأمّل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): الأمر بنصر المظلوم، وهو على الكفاية، قال النوويّ ◌َّتُهُ:
وأما نَصْر المظلوم فمن فروض الكفاية، وهو من جملة الأمر بالمعروف،
(١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٤.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٤.

٥٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والنهي عن المنكر، وإنما يتوجه الأمر به على من قَدَر عليه، ولم يَخَفْ ضرراً.
انتهى (١).
٦ - (ومنها): الأمر بإجابة الداعي، والمراد به الداعي إلى وليمة ونحوها
من الطعام، وقد سبق البحث فيه مستوفَى في ((باب الوليمة)) من (كتاب
النكاح))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): الأمر بإفشاء السلام، وهو إشاعته، وإكثاره، وبَذْله لكل
مسلم، كما قال ◌َ﴿ في الحديث الآخر: ((وتقرأ السلام على من عرفت، ومن
لم تعرف))، وسبق بيان هذا مستوفّى في ((كتاب الإيمان))، ولله الحمد والمنّة.
وأما ردّ السلام فهو فرض بالإجماع، فإن كان السلام على واحد كان
الردّ فرض عين عليه، وان كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم، إذا ردّ
أحدهم سقط الحرج عن الباقين.
٨ - (ومنها): تحريم استعمال خواتيم الذهب، وهو خاصّ بالرجال، كما
تقدّم.
٩ - (ومنها): تحريم استعمال آنية الفضّة، ومثلها الذهب، وهو عامّ
للرجال والنساء، كما تقدّم أيضاً.
١٠ - (ومنها): تحريم استعمال المياثر، وقد تقدم اختلاف أهل اللغة في
معناها .
١١ - (ومنها): تحريم استعمال القَسّيّة، وهي الثياب المخطّطة بالحرير.
١٢ - (ومنها): تحريم لبس الإستبرق، وهو ما غلظ من الديباج،
والحرير، والديباج، وقد تقدّم بيان الفرق بينها في خلال شرحها، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب عيادة المريض:
قال الإمام البخاريّ كَّثُ في ((صحيحه)): ((باب وجوب عيادة المريض))،
ثم أخرج بسنده عن أبي موسى الأشعريّ ◌َظُه، قال: قال رسول الله وَ له:
(١) ((شرح النوويّ)) ٣١/١٤.

٥٢٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
((أطعموا الجائع، وعُودوا المريض، وفُكُّوا العاني)). وأخرج أيضاً حديث
البراء نظ به المذكور في الباب.
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب وجوب عيادة المريض)) كذا جزم بالوجوب
على ظاهر الأمر بالعيادة. قال ابن بطال: يَحْتَمِل أن يكون الأمر على الوجوب
بمعنى الكفاية؛ كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويَحتمل أن يكون للندب،
للحثّ على التواصل والألفة، وجزم الداوديّ بالأول، فقال: هي فرض،
يَحمله بعض الناس عن بعض.
وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ
بعض دون بعض. وعن الطبريّ: تتأكّد في حقٌّ من تُرجى بركته، وتُسنّ فيمن
يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك.
ونقل النوويّ الإجماع على عدم الوجوب؛ يعني: على الأعيان. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما جزم به الإمام
البخاريّ كَّلُهُ، من وجوب عيادة المريض، لصريح الأمر في قوله: ((وعودوا
المريض))، لكنه على الكفاية كما قال الداوديّ، وأما ما ذهب إليه الجمهور من
الندب، فيحتاج إلى صارف للأمر عن الوجوب إلى الندب، ولم يذكروا ذلك،
وأما ما قاله الطبريّ من التفصيل بين من تُرجى بركته وغيره، فمما لا دليل
عليه، وأما ما ادعاه النوويّ من الإجماع، فقد أجاب عنه الحافظ بأنه يقصد
عدم الوجوب على الأعيان، فلا يخالف القول الأول، والله تعالى أعلم.
[تنبيهات]:
(الأول): يستحبّ عيادة الذميّ، قال الإمام البخاريّ كَذَثُ في ((صحيحه)):
(باب عيادة المشرك))، ثم أخرج بسنده عن أنس به أن غلاماً ليهود، كان
يخدُم النبيّ ◌َِّ، فمرض، فأتاه يعوده، فقال: ((أسلم)) فأسلم. انتهى.
قال ابن بطال ◌َّلُهُ: إنما تُشرع عيادته إذا رُچِي أن يجيب إلى الدخول في
الإسلام، فأما إذا لم يُطمع في ذلك، فلا. انتهى.
قال الحافظ تَخْلَثُهُ: والذي يظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد،
فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى، قال الماورديّ كَّلُهُ: عيادة الذميّ جائزة،
والقربة موقوفة على نوع حرمة، تقترن بها، من جِوار، أو قرابة. انتهى.

٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن استحباب عيادة الذمّيّ هو
الأرجح، اقتداء بالنبيّ ◌َ﴾، ورجاء إسلامه، وقول ابن بطال: فإذا لم
يُطمع ... إلخ فيه نظر؛ لأن ذلك غير محقّق؛ إذ ربما يظهر عليه الآن عدم
الرغبة في الإسلام، ثم يتحوّل بعده، فيرغب، فلا ينبغي اليأس نظراً لأول
حاله، والله تعالى أعلم.
(التنبيه الثاني): عموم هذا الحديث يدلّ على مشروعية عيادة كلّ مريض،
لكن استثنى بعضهم الأرمد؛ لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر
خارجيّ، قد يأتي مثله في بقية الأمراض؛ كالمُغمَى عليه، وقد جاء في عيادة
الأرمد بخصوصه حديث زيد بن أرقم معه، قال: ((عادني رسول الله وَّر، من
وجع كان بعيني))، أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وهو عند البخاريّ في
((الأدب المفرد))، وسياقه أتم.
وأما ما أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ مرفوعاً: ((ثلاثة ليس لهم عيادة:
العين، والدُّمَّلُ، والضِّرْس))، فصحح البيهقيّ أنه موقوف على يحيى بن أبي
کثیر .
(التنبيه الثالث): يؤخذ من إطلاق الحديث عدم تقييد العيادة بزمان
يمضي، من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور، وجزم الغزاليّ في («الإحياء)) بأنه
لا يُعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه: ((كان رسول الله وَل
لا يعود إلا بعد ثلاث))، وهذا حديث ضعيف جدّاً، تفرّد به مسلمة بن عليّ،
وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم؟ فقال: هو حديث باطل، وله شاهد من
حديث أبي هريرة، عند الطبرانيّ في ((الأوسط))، لكن فيه راو متروك، فلا يثبت
الحديث أصلاً، والله تعالى أعلم.
ويلتحق بعيادة المريض: تعهّده، وتفقّد أحواله، والتلطّف به، وربما كان
ذلك في العادة سبباً لوجود نشاطه، وانتعاش قوّته.
وفي إطلاق الحديث أيضاً أن العيادة لا تتقيّد بوقت دون وقت، لكن
جرت العادة بها في طرفي النهار، وترجم البخاريّ في ((الأدب المفرد)»:
((العيادة في الليل))، وساق عن خالد بن الربيع، قال: «لمّا ثقُل حذيفة أتوه في
جوف الليل، أو عند الصبح، فقال: أي ساعة هذه؟ فأخبروه، فقال: أعوذ بالله

٥٢٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرَّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
من صباح إلى النار ... )) الحديث. ونقل الأثرم عن أحمد أنه قيل له بعد
ارتفاع النهار في الصيف: تعود فلاناً؟ قال: ليس هذا وقت عيادة. ونقل ابن
الصلاح عن الفُرَاويّ أن العيادة تستحبّ في الشتاء ليلاً، وفي الصيف نهاراً،
وهو غريب.
(التنبيه الرابع): من آداب العيادة أن لا يُطيل الجلوس حتى يُضجر
المريض، أو يشقّ على أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة، فلا بأس، كما في
حيث عاده النبيّ وَّر، وأبو بكر ﴿به، فوجداه أغمي عليه،
حدیث جابر
فتوضأ النبيّ وَّه، ثم صبّ وَضُوءه عليه، فأفاق، فإذا النبيّ وَّ عنده، فقاله:
كيف أصنع في مالي؟ الحديث، أخرجه البخاريّ، أفاده في ((الفتح))(١).
(التنبيه الخامس): قد ورد في فضل عيادة المريض أحاديث كثيرة جياد،
منها عند مسلم، والترمذيّ، من حديث ثوبان ﴿به، مرفوعاً: ((إن المسلم إذا
عاد أخاه المسلم، لم يزل في خُرْفة الجنّة)). و((الخرفة)) بضم المعجمة، وسكون
الراء بعدها فاء، ثم هاء: هي الثمرة، إذا نضِجَت، شُبّه ما يحوزه عائد
المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر. وقيل: المراد بها هنا
الطريق، والمعنى أن العائد يمشي في طريق تؤديه إلى الجنّة، والتفسير الأول
أولى، فقد أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من هذا الوجه، وفيه: فقلت
لأبي قلابة: ما خُرفة الجنّة؟ قال: جَنَاها، وهو عند مسلم من جملة المرفوع.
وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) أيضاً من طريق عمر بن الحكم، عن
جابر، رفعه: ((من عاد مريضاً خاض في الرحمة، حتى إذا قعد استقرّ فيها))،
وأخرجه أحمد، والبزّار، وصححه ابن حبّان، والحاكم من هذا الوجه،
وألفاظهم مختلفة، ولأحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسند حسن(٢)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم تشميت العاطس:
ذهبت طائفة إلى أنه فرض عين، قال في ((الفتح)): وقد أخذ بظاهرها
(١) ((الفتح)) ٢١/١٣ - ٢٢، كتاب ((المرضى)) رقم (٥٦٤٩ و٥٦٥٠).
(٢) ((الفتح)) ٢٢/١٣، كتاب «المرضى)) رقم (٥٦٤٩ و٥٦٥٠).

٥٣٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
- يعني: الأحاديث المذكورة في الباب - ابن مزين من المالكية، وقال به
جمهور أهل الظاهر، وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض
عين. وقوّى ابن القيّم ◌َّتُهُ هذا المذهب، كما سيأتي ذِكر كلامه قريباً.
وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين،
ورجّحه أبو الوليد ابن رشد، وأبو بكر ابن العربي، وبه قالت الحنفيّة، وجمهور
الحنابلة.
وذهب عبد الوهّاب، وجماعة من المالكيّة إلى أنه مستحبّ، ويجزىء
الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعيّة.
احتجّ الأولون بأحاديث كثيرة، منها حديث الباب: ((للمؤمن على المؤمن
ست خصال ... ))، ولفظ مسلم: ((حقّ المسلم على المسلم ستّ)» - فذكر
فيها -: ((وإذا عَطَس، فحمد الله، فشمّته)).
وأخرج البخاريّ، عن أبي هريرة تظلله، مرفوعاً: ((خمس تجب للمسلم
على المسلم ... ))، وأخرج من حديث أبي هريرة أيضاً عن النبيّ وَليقول، قال:
((إن الله يُحِبّ العطاس، ويَكْرَه التثاؤب، فإذا عطس، فحمِد الله، فحقّ على كلّ
مسلم سمعه أن يشمته ... )) الحديث. وأخرج من حديثه أيضاً، عن النبيّ وَّة،
قال: ((إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه، - أو صاحبه -
يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله، ويُصلح بالكم)).
وفي حديث عائشة رضيها عند أحمد، وأبي يعلى: ((إذا عطس أحدكم،
فليقل: الحمد لله، وليقل له مَنْ عنده يرحمك الله))، ونحوه عند الطبرانيّ، من
حديث أبي مالك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذه الأحاديث الصحيحة أن
المذهب الراجح وجوب تشميت العاطس على الأعيان، كما هو المذهب
الأول، وقد قَوَّى العلامة ابن القيّم تَخَّثُ هذا المذهب، في ((حواشي السنن))،
فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ ((الحقّ)) الدالّ عليه، وبلفظ ((عَلَى))
الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابيّ: ((أَمَرَنا
رسول الله وَّله))، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرةً بدون
مجموع هذه الأشياء. انتهى.

٥٣١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
وأما ترجيح الحافظ القول بأنه فرض كفاية، قائلاً: إن الأحاديث
الصحيحة الدالّة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية ... إلى آخر كلامه،
فيردّه ما تقدم من حديث أبي هريرة ظه، عند البخاريّ بلفظ: ((فحقّ على كلّ
مسلم سمعه أن يشمّته))، فإنه صريح في كونه فرض عين، فتنبّه، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ثم إنّ شَرْط فرض التشميت أن يَحمَد العاطسُ اللهَ تعالى، لِمَا
أخرجه مسلم في «صحيحه))، من حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُبه، قال:
سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إذا عَطَسَ أحدكم، فحمد الله، فشمّتوه، وإن لم
يحمد، فلا تشمّتوه))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في حكم الابتداء بالسلام:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الابتداء بالسلام واجب، لظاهر الأمر،
وذهب آخرون إلى استحبابه. قال العلامة ابن دقيق العيد تَخْدَتُهُ: استَدَلّ بالأمر
بإفشاء السلام من قال بوجوب الابتداء بالسلام، وفيه نظر، إذ لا سبيل إلى
القول بأنه فرض عين على التعميم من الجانبين، وهو أن يجب على كلّ أحد
أن يسلّم على كلّ من لقيه، لِمَا في ذلك من الحرج والمشقّة، فإذا سقط من
جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين؛ إذ لا قائل: يجب على واحد
دون الباقين، ولا يجب السلام على واحد دون الباقين، قال: وإذا سقط على
هذه الصورة، لم يسقط الاستحباب؛ لأن العموم بالنسبة إلى كلا الفريقين
ممکن. انتهى.
قال الحافظ تَخْذَثُهُ: وهذا البحث ظاهر في حقّ من قال: إن ابتداء السلام
فرض عين، وأما من قال: فرض كفاية، فلا يَرِدُ عليه إذا قلنا فرض الكفاية
ليس واجباً على واحد بِعَيْنه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول من قال بالوجوب
هو الأرجح، لظاهر النصوص الواردة بصيغة الأمر، ولكنه وجوب كفائيّ، لِمَا
تقدّم من حديث عليّ ◌َظُه، وغيره، وما ذكره ابن دقيق العيد نَظّثُ من الحرج
والمشقّة في الإيجاب على كل أحد أن يسلّم على كل من لقيه، فليس كذلك،
فإن الراجح أنه كفائيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٥٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
(المسألة السابعة): قال في ((الفتح)): استُدلّ بالنهي عن لُبس القسيّ على
مَنْع لُبس ما خالطه الحرير من الثياب؛ لتفسير القسيّ بأنه ما خالط غيرُ الحرير
فيه الحريرَ، ويؤيّده عطفُ الحرير على القسيّ في حديث البراء، ووقع كذلك
في حديث عليّ عند أبي داود، والنسائيّ، وأحمد، بسند صحيح على شرط
الشيخين، من طريق عَبِيدة بن عمرو، عن عليّ قال: ((نهاني النبيّ ◌َّ عن
القسيّ، والحرير))، ويَحْتَمِل أن تكون المغايرة باعتبار النوع، فيكون الكل من
الحرير، كما وقع عطف الديباج على الحرير، ولكن الذي يظهر من سياق طرق
الحديث في تفسير القسيّ أنه الذي يخالط الحرير، لا أنه الحرير الصِّرْف،
فعلى هذا يَحْرُم ◌ُبس الثوب الذي خالطه الحرير، وهو قول بعض الصحابة؛
کابن عمر، والتابعين؛ کابن سيرين.
وذهب الجمهور إلى جواز لُبس ما خالطه الحرير، إذا كان غير الحرير
الأغلب، وعُمْدتهم في ذلك ما تقدم في تفسير الحلة السيراء، وما انضاف إلى
ذلك من الرخصة في العَلَم في الثوب، إذا كان من حرير، كما تقدم تقريره في
حدیث عمر
قال ابن دقيق العيد: وهو قياس في معنى الأصل، لكن لا يلزم من جواز
ذلك جواز كل مختلط، وإنما يجوز منه ما كان مجموع الحرير فيه قَدْر أربع
أصابع، لو كانت منفردة بالنسبة لجميع الثوب، فيكون المنع من لبس الحرير
شاملاً للخالص والمختلط، وبعد الاستثناء يُقتصر على القدر المستثنى، وهو
أربع أصابع إذا كانت منفردة، ويلتحق بها في المعنى ما إذا كانت مختلطة،
قال: وقد توسّع الشافعية في ذلك، ولهم طريقان: أحدهما، وهو الراجح:
اعتبار الوزن، فإن كان الحرير أقلّ وزناً لم يحرم، أو أكثر حَرُم، وإن استويا
فوجهان، اختَلَف الترجيح فيهما عندهم.
والطريق الثاني: أن الاعتبار بالقلّة والكثرة بالظهور، وهذا اختيار القفال،
ومن تبعه .
وعند المالكية في المختلط أقوال: ثالثها الكراهة، ومنهم من فرّق بين
الخزّ، وبين المختلط بقطن ونحوه، فأجاز الخزّ، ومنع الآخر، وهذا مبني على
تفسير الخزّ، وقد تقدَّم في بعض تفاسير القسيّ أنه الخز، فمن قال: إنه رديء

٥٣٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرَّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
الحرير، فهو الذي يتنزّل عليه القول المذكور، ومن قال: إنه ما كان من وَبَر،
فخُلط بحرير لم يتجه التفصيل المذكور، واحتَجّ أيضاً من أجاز لبس المختلط
بحديث ابن عباس ﴿: إنما نهى رسول الله وَ﴿ عن الثوب الْمُصْمَت من
الحرير، فأما العَلَم من الحرير، وسدى الثوب فلا بأس به، أخرجه الطبرانيّ
بسند حسن، هكذا وأصله عند أبي داود، وأخرجه الحاكم بسند صحيح،
بلفظ: إنما نُهي عن المصمت إذا كان حريراً، وللطبراني من طريق ثالث: نُهي
عن مصمت الحرير، فأما ما كان سداه من قطن، أو كتان، فلا بأس به.
واستَدَلّ ابن العربيّ للجواز أيضاً بأن النهي عن الحرير حقيقة في
الخالص، والإذن في القطن ونحوه صريح، فإذا خُلطا بحيث لا يسمى حريراً
بحيث لا يتناوله الاسم، ولا تشمله علة التحريم، خرج عن الممنوع فجاز.
وقد ثبت لُبس الخزّ عن جماعة من الصحابة وغيرهم، قال أبو داود:
لَبِسه عشرون نفساً من الصحابة وأكثر، وأورده ابن أبي شيبة عن جَمْع منهم،
وعن طائفة من التابعين بأسانيد جياد، وأعلى ما ورد في ذلك ما أخرجه أبو
داود، والنسائيّ من طريق عبد الله بن سعد الدَّشْتَكيّ، عن أبيه، قال: رأيت
رجلاً على بغلة، وعليه عمامة خزّ سوداء، وهو يقول: كسانيها رسول الله وَله .
وأخرج ابن أبي شيبة، من طريق عمار بن أبي عمار، قال: أتت مروان بن
الحكم مطارف خزّ، فكساها أصحاب رسول الله وَله .
والأصح في تفسير الخزّ أنه ثياب سَداها من حرير، ولُحمتها من غيره،
وقيل: تُنسج مخلوطة من حرير وصوف، أو نحوه، وقيل: أصله اسم دابة يقال
لها: الخزّ، سُمِّي الثوب المتخذ من وبره خزّاً؛ لنعومته، ثم أطلق على ما
يُخلط بالحرير؛ لنعومة الحرير، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بلبسه على
جواز لُبس ما يخالطه الحرير ما لم يتحقق أن الخزّ الذي لَبِسه السلف كان من
المخلوط بالحرير، والله أعلم.
وأجاز الحنفية، والحنابلة لُبس الخزّ ما لم يكن فيه شهرة، وعن مالك:
الكراهة، وهذا كله في الخزّ.
وأما القّزّ بالقاف بدل الخاء المعجمة، فقال الرافعيّ: عَدّ الأئمة القز من
الحرير، وحرّموه على الرجال، ولو كان كَمِدَ اللون، ونقل الإمام الاتفاق

٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
عليه، لكن حكى المتولي في ((التتمة)) وجهاً أنه لا يَحْرُم؛ لأنه ليس من ثياب
الزينة .
قال ابن دقيق العيد: إن كان مراده بالقزّ ما نطلقه نحن الآن عليه فليس
يخرج عن اسم الحرير، فيحرم، ولا اعتبار بكمودة اللون، ولا بكونه ليس من
ثياب الزينة، فإن كلّاً منهما تعليل ضعيف، لا أثر له بعد انطلاق الاسم عليه.
انتھی کلامه.
قال الحافظ: ولم يتعرض لمقابل التقسيم، وهو وإن كان المراد به شيئاً
آخر، فيتجه كلامه، والذي يظهر أن مراده به رديء الحرير، وهو نحو ما تقدم
في الخزّ، ولأجل ذلك وَصَفه بكمودة اللون، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر مما سبق أن الأرجح تحريم الخزّ،
والقزّ إن كان المراد به ما كان من نوع الحرير؛ لشمول أدلّة تحريم لبس الحرير
له، وأما ما ليس منه، ولكن أُطلق عليه الاسم فلا يحرم، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ
أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْم، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، إِلَّا قَوْلَهُ: ((وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، أَوِ الْمُقْسِمِ))، فَإِنَّهُ
لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَرْفَ فِي الْحَدِيثِ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ: ((وَإِنْشَادِ الضَّالِّ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً.
و((أشعث)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَإِنْشَادِ الضَّالَّ) هكذا في رواية مسلم بلفظ: ((إنشاد الضالّ))،
ووقع في رواية أبي عوانة في ((مسنده)) بلفظ: ((إرشاد الضالّ))، قال القاضي
عياض ◌َُّ في ((المشارق)): ((وإنشاد الضالّ)) كذا لكافّتهم، وعند ابن ماهان:
(١) ((الفتح)) ٣١٧/١٣ - ٣١٩، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٣٨).

٥٣٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٩)
((الضالة))، قال بعضهم: صوابه: ((وإرشاد الضالّ)) بالراء، وكذا أصلحه القاضي
الكنانيّ، وهو أوْجَه، والأول يتجه أيضاً، ويصح لا سيما مع من رواه:
((الضالة))، لكن الرواية الأولى أعرف وأشهر في غير هذا الحديث. انتهى(١).
والظاهر أن معنى ((إنشاد الضالّ))؛ أي: طلب الشيء الذي ضلّ عن
صاحبه، وغاب عنه معه؛ أي: مساعدة صاحبه في طلبه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة عن أشعث بن سُليم ساقها البخاريّ في
((صحيحه)) بلفظ رواية الجماعة، لا باللفظ الذي أشار إليه المصنّف، فقال:
(٥٣١٢) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن الأشعث بن
سليم، عن معاوية بن سويد بن مُقَرِّن، عن البراء بن عازب قال: ((أمرنا
رسول الله وَّيه بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتّباع الجنازة،
وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار
المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة، أو قال: آنية الفضة،
وعن المياثر، والقسيّ، وعن لبس الحرير، والديباج، والإستبرق)). انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ
أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْنَاءِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ زُهَيْرٍ، وَقَالَ: ((إِبْرَارِ الْقَسَم))
مِنْ غَيْرِ شَكَ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ((وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ، فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا
فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الآخِرَةِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قريباً.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (الشَّيْيَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ
[٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨.
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٩/٢.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٣٤/٥.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيَّ)؛ يعني: عليّ بن مُسهر، وجرير بن
عبد الحميد رويا عن سليمان الشيبانيّ.
وقوله: (وَقَالَ: ((إِبْرَارِ الْقَسَم ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير الشيبانيّ،
وكذلك فاعل ((زاد)) الآتي.
[تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، عن الشيبانيّ هذه ساقها ابن أبي شيبة في
((مصنّفه))، فقال:
(٢٤١٣٨) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا عليّ بن مُسْهِر، عن الشيبانيّ،
عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن معاوية بن سُويد بن مقرن، عن البراء بن
عازب، قال: ((نهى رسول الله وَل عن الشرب في الفضة، فإنه مَن شَرِب فيها
في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة)). انتهى(١).
ورواية جرير بن عبد الحميد عن الشيبانيّ، ساقها البخاريّ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٨٨١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا جرير، عن الشيبانيّ، عن أشعث بن أبي
الشعثاء، عن معاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، عن البراء بن عازب ◌ًّا قال: ((أمرنا
النبيّ وَّهه بسبع: بعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر
الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم، ونَهَى عن الشرب
في الفضة، ونَهَى عن تختّم الذهب، وعن ركوب المياثر، وعن لبس الحرير،
والديباج، والقسيّ، والإستبرق)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ الشَّيْيَانِيُّ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْم، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، بِإِسْتَادِهِمْ،
وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ جَرِيٍ، وَابْنِ مُسْهِرٍ).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٠٣/٥.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٣٠٢/٥.

٥٣٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨١)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) عبد الله بن إدريس بن يزيد الأوديّ، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْم) بن زُنيم، واسم أبيه: أيمن، وقيل: أنس، وقيل
غير ذلك، صدوقٌ اختلط أخيراً، ولم يتميّز حديثه، فتُرك [٦] (ت١٤٨) (خت
م ٤) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٨٩.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل باب.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ جَرِيرٍ وابن مُسهر) فاعل ((يذكر)) ضمير عبد الله بن
إدریس.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، وليث بن
أبي سُليم لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨١] ( ... )(١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدُِّ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ،
قَالُوا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمِ، بِإِسْنَادِهِمْ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، إِلَّا
قَوْلَهُ: ((وَإِقْشَاءِ السَّلَام)، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا: ((وَرَدِّ السَّلَام))، وَقَالَ: ((نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ
الذَّهَبِ، أَوْ حَلْقَةِ الذَّهَبِ»).
رجال هذا الأسانيد: أحد عشر:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بِغُندر، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريباً.
(١) كتب في بعض النسخ هنا (ح) إشارة إلى التحويل، ولا يوجد في النسخة الهنديّة،
وهو الصواب، فتنبه.

٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الحكم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٩.
٦ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، وأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ هو:
عبد الملك بن عمرو.
وقوله: (قَالُوا جَمِيعاً ... إلخ) الضمير يرجع إلى هؤلاء الأربعة: محمد بن
جعفر، ومعاذ بن معاذ، وأبي عامر الْعَقَديّ، وبهز بن أسد، فكلّهم قالوا:
حدّثنا شعبة ... إلخ.
وقوله: (عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْم، بِإِسْتَادِهِمْ)؛ يعني: إسناد الأربعة المتقدّمين
الذين رووا عن أشعث بن أبي الشَّعثاء، وهم: زهير بن معاوية أبو خيثمة، وأبو
عوانة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وليث بن أبي سُليم، وإسنادهم عن أشعث بن
سُليم، عن معاوية بن سُويد، عن البراء بن عازب ﴿ه، عن رسول الله وَ رَ،
والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِلَّا قَوْلَهُ: ((وَإِفْشَاءِ السَّلام))) الضمير للنبيّ وَّ.
وقوله: (فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا: ((وَرَدِّ السَّلَام))) الضمير في ((فإنه))، وكذا في
((قال)) في الموضعين لشعبة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (نَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، أَوْ حَلْقَةِ الذَّهَبِ) ((أو)) فيه للشكّ من
الراوي، والحلقة بمعنى الخاتم.
قال الفيّوميّ ◌َخُّْهُ: حَلْقَةُ البابِ بالسكون، من حديد، وغيره، وحَلْقَةُ
القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كلُّه، والجمع حَلَقٌ،
بفتحتين، على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقٌ، بالكسر، مثل قَصْعَة
وقِصَع، وبَدْرَة وبِدَر، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَةَ، بفتح
اللام لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثل قَصَبَة

٥٣٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٨٢)
وقَصَبٍ. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أشعث بن سُليم ساقها البخاريّ كَّثُ في
((صحیحه))، فقال:
(٥٥٢٥) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا أشعث بن سُليم، قال:
سمعت معاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، قال: سمعت البراء بن عازب ﴿ًا يقول:
((نهانا النبيّ وَّر عن سبع: نهى عن خاتم الذهب، أو قال: حلقة الذهب، وعن
الحرير، والإستبرق، والديباج، والميثرة الحمراء، والقسيّ، وآنية الفضة،
وأمرنا بسبع: بعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وتشميت العاطس، وردّ السلام،
وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم)). انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(٣) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ،
وَعَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْنَاءِ، بِإِسْنَادِهِمْ،
وَقَالَ: ((وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ))، مِنْ غَيْرِ شَلُّك).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ) العَنْقَزيّ - بفتح العين المهملة، والقاف، بينهما
نون ساكنةٌ، وآخره زاي ـ القرشيّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ [٩]. قال
ابن حبان: كان يبيع العنقز، فُنُسب إليه، والعنقز: المرز نجوش(٤).
رَوَى عن عيسى بن طهمان، وحنظلة بن أبي سفيان، ويونس بن أبي
إسحاق، وابن جريج، وإسرائيل، والثوريّ، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: الحسين، وقاسم، وقتيبة، وإسحاق بن راهويه، وعليّ ابن
المدينيّ، وعليّ بن محمد الطنافسيّ، وأبو سعيد الأشجّ، والذّهْليّ، وغيرهم.
(١) ((المصباح المنير)) ١٤٦/١.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثناه)).
(٢) ((صحيح البخاريّ)) ٢٢٠٢/٥.
(٤) ((تهذيب التهذيب)» ٨٦/٨.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال
العجليّ: ثقةٌ، جائز الحديث.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال البخاريّ: قال أحمد بن نصر: مات سنة تسع وتسعين ومائة.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أشعث بن أبي الشعثاء هذه ساقها
الإمام أحمد تَخْثُ في ((مسنده))، فقال:
(١٨٦٦٧) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان،
عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن معاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، عن البراء بن
عازب، قال: أمرنا رسول الله وَ﴿ بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة
المريض، واتِّباع الجنائز، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، وتشميت العاطس،
وإبرار القسم، ونَصْر المظلوم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وآنية الفضة،
والحرير، والديباج، والإستبرق، والمياثر الْحُمْر، والقسيّ. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٨٣] (٢٠٦٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أَبِي
فَرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُكَيْم، قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ، فَاسْتَسْقَى
حُذَيْفَةُ، فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ بِشَرَابٍ فِي إِنَّءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ: إِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنِّي
قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ،
وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَلْبَسُوا الدِّيَاجَ، وَالْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ))).
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٩٩/٤.