Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(٢٤) - بَابُ النّهْيٍ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَة الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - حديث رقم (٥٣٧٦)
الشافعي في القديم يدلّ على أنه أراد أن نفس الذهب والفضة الذي اتُّخِذ منه
الإناء ليست حراماً، ولهذا لم يَخْرُم الحليّ على المرأة، هذا كلام صاحب
((التقريب))، وهو من متقدِّمي أصحابنا، وهو أتقنُهم لِنَقْل نصوص الشافعيّ،
ولأن الشافعيّ رجع عن هذا القديم، والصحيح عند أصحابنا وغيرهم من
الأصوليين أن المجتهد إذا قال قولاً، ثم رجع عنه لا يبقى قولاً له، ولا يُنسب
إليه، قالوا: وإنما يُذكر القديم، ويُنسب إلى الشافعيّ مجازاً، وبإِسْم ما كان
عليه، لا أنه قول له الآن، فحصل مما ذكرناه أن الإجماع منعقد على تحريم
استعمال إناء الذهب، وإناء الفضة في الأكل، والشرب، والطهارة، والأكلِ
بمعلقة من أحدهما، والتجمّرٍ بمجمرة منهما، والبول في الإناء منهما، وجميع
وجوه الاستعمال، ومنها المكحلة، والمِيْل، وطرف العالية، وغير ذلك، سواءٌ
الإناء الصغير والكبير، ويستوي في التحريم الرجل والمرأة، بلا خلاف، وإنما
فُرِّق بين الرجل والمرأة في التحلي؛ لِمَا يُقصد منها من التزيّن للزوج والسيد،
قال أصحابنا: ويحرم استعمال ماء الورد، والأدهان من قارورة الذهب
والفضة، قالوا: فإن ابتلي بطعام في إناء ذهب أو فضة، فيُخرج الطعام إلى إناء
آخر من غيرهما، ويأكل منه، فإن لم يكن إناء آخر فليجعله على رغيف، إن
أمكن، وإن ابتلي بالدهن في قارورة فضة، فليصبّه في يده اليسرى، ثم يصبه
من الیسری في اليمين، ويستعمله.
قال أصحابنا: ويحرم تزيين الحوانيت، والبيوت، والمجالس بأواني
الفضة والذهب، هذا هو الصواب، وجوّزه بعض أصحابنا، قالوا: وهو غلط،
قال الشافعيّ، والأصحاب: لو توضأ، أو اغتسل من إناء ذهب أو فضة عصى
بالفعل، وصحّ وضوءه وغُسله، قال: هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة،
والعلماء كافّة، إلا داود، فقال: لا يصحّ، والصواب الصحة، وكذا لو أكل
منه، أو شرب عصى بالفعل، ولا يكون المأكول، والمشروب حراماً، هذا كله
في حال الاختبار، وأما إذا اضطر إلى استعمال إناء فلم يجد إلا ذهباً، أو
فضةً، فله استعماله في حال الضرورة، بلا خلاف، صَرَّح به أصحابنا، قالوا:
كما تُباح الميتة في حال الضرورة، قال أصحابنا: ولو باع هذا الإناء صح
بيعه؛ لأنه عين طاهرة، يمكن الانتفاع بها بأن تُسْبَك، وأما اتخاذ هذه الأواني

٥٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
من غير استعمال، فللشافعيّ، والأصحاب فيه خلاف، والأصح تحريمه،
والثاني كراهته، فإن كرهناه استحقّ صانعه الأجرة، ووجب على كاسره أرش
النقص، ولا فلا، وأما إناء الزجاج النفيس، فلا يحرم بالإجماع، وأما إناء
الياقوت، والزمرد، والفيروزج، ونحوها، فالأصح عند أصحابنا جواز
استعمالها، ومنهم من حرّمها، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَذُ(١)، والله
تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) (شرح النوويّ)) ٢٧/١٤ - ٣٠.

٥٠٣
٣٧ - كتاب اللباس، والزينة
٣٧ - (كِتَابُ اللّاسِ، وَالزّينَةِ)
مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): أنه لا يخفى مناسبة هذا الكتاب لكتابَي الأشربة،
والأطعمة، فإن الإنسان مع الأكل، والشرب محتاج إلى اللباس، فلا بدّ من
بيان أحكام اللباس أيضاً؛ ليكون على بصيرة في شؤون حياته في أكله، وشُربه،
ولباسه، منوّراً بنور الشريعة الغرّاء، ومهتدياً بهدى الكتاب والسُّنَّة، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثانية): اللباس بكسر اللام: ما يُلبس، وجمعه لُبُسٌ، مثل
كتاب وكُتُبٍ، قال المجد كََّفُ: لَبِسَ الثَّوْبَ؛ كسَمِعَ لُبْساً بالضم، وامرأةً: تَمَتَّعَ
بها زَماناً، وقَوْماً: تَمَلَّى بِهِم دَهْراً، وفلانَةَ عُمُرَهُ: كانتْ معه شَبَابَهُ كُلَّه،
واللّبَاسُ، واللَّبُوسُ، واللُّبْسُ، بالكسر، والمَلْبَسُ، كَمَفْعَدٍ، ومِنْبَرٍ: ما يُلْبَسُ.
انتھی(١).
وقال الفيّوميّ ◌َُّهُ: لَبِسْتُ الثوبَ، من باب تَعِبَ لُبْساً، بضم اللام،
واللِّبْسُ، بالكسر، واللِّبَاسُ: ما يُلْبَس، ولِيَاسُ الكعبةِ، والهودجِ كذلك، وِجَمْع
اللِبَاسِ: لُبُسٌِ، مثل كِتَابٍ وكُتُب، ويُعَدَّى بالهمزة إلى مفعول ثانَ، فيقال: أَلْبَستُهُ
الثوبَ، والمَلَسُ بفتح الميم والباء، مثل اللباسِ، وجمعه مَلِبسُ. انتهى(٢).
و((الزينة)) بالكسر: ما يُتزيّن به؛ كالزِّيَان، ككتاب، قاله المجد تَذَثُ(٣).
وقال الفيّومِيّ كَّقُ: زانَ الشيءُ صاحبه زَيْناً، من باب سار، وأزانه إزانةً
مثله، والاسم الزِّينة، وزيّنه تزييناً مثله، والزَّيْنُ نقيض الشين. انتهى(٤).
(١) ((القاموس المحيط)) ٧٣٨/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٥٨٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٤٨/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٦١.

٥٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
(المسألة الثالثة): كتب بعض الفضلاء(١) في هذا المحلّ بحثاً نفيساً
أحببت إيراده هنا؛ لنفاسته، قال: إن أكبر ما يحتاج إليه الإنسان بعد الطعام
والشراب هو اللباس الذي يستر عورته، ويدفع عنه الحرّ والبرد، ويتجمّل به في
المجامع، ولكون الإسلام ديناً تشمل أحكامه جميع شُعب الحياة لم يَدَعْ باب
اللباس هَمَلاً، بل وضع له مبادىء، وأحكاماً لا يجوز لمسلم أن يخالفها.
وقد يزعم الإنسان المعاصر أن اللباس والزينة من الأمور العاديّة البسيطة
التي تخضع للتقاليد الرائجة في كلّ عصر ومصر، ولا علاقة لها بأحكام الحلال
والحرام، فإنها ليست من الأمور الجذريّة التي تقوم على أساسها الحياة، ولكنّ
هذا الزعم إنما نشأ من قلّة التدبّر، وعوز الاطلاع على ما يؤثّر اللباس في حياة
الإنسان، والواقع أن اللباس والزيّ، وإن كان أمراً يتعلّق بمظهر الإنسان دون
مخبره، غير أن له أثراً عميقاً على سيرته، وخُلقه، وأحواله النفسيّة، فإن من
اللباس ما يغرس في النفوس بُذور الكِبْر والخيلاء، ومنه ما يربّي فيها
التواضع لله، ومنه ما يُنشئ فيها الأخلاق الحسنة، ومنه ما يمهّد لها السبيل إلى
الإسراف، والأَشَرِ، والبَطَر، وغَمْط حقوق الناس، فمن زعم أن اللباس ليس
إلا مظهراً من المظاهر، ولا صلة له بالسِّيَر والأخلاق الكامنة في الصدور، فقد
جَهِل طبيعة الإنسان.
ولذلك لم يترك الإسلام أمر اللباس سُدّى، ولكن الإسلام لا يسلك في
شأن من شؤون الحياة إلا طريقاً يتّفق مع الفطرة السليمة، ويتجاوب مع
مقتضيات الطبيعة، ولمّا كان الإنسان جُبل على حبّ التنوّع في أنواع اللباس
والطعام لم يقصُره الإسلام على نوع دون نوع، ولم يقرّر للإنسان نوعاً خاصّاً،
أو هيئةً خاصّةً من اللباس، ولا أسلوباً خاصّاً للمعيشة، وإنما وضع مجموعة
من المبادىء، والقواعد الأساسيّة يجب على المسلم أن يحتفظ بها في أمر
لباسه، ثم تركه حرّاً في اختيار ما يراه من أنواع الملابس، وليس هناك ما يمنع
التطوّر في أنواع اللباس ما دام الإنسان يحتفظ بهذه المبادىء، ويفي بشروطها
الواجبة.
(١) هو صاحب (تكملة فتح الملهم)) ٤ / ٨٧ - ٨٩.

٥٠٥
٣٧ - كتاب اللباس، والزينة
فمن مقدّمة هذه المبادىء أن اللباس يجب أن يكون ساتراً لعورة
الإنسان، فالإسلام يُلزم الرجل أن يلبس ما يستر ما بين سرّته وركبتيه، ويُلزم
المرأة أن تستر جميع جسدها ما عدا وجهها وكفّيها، وقدميها على خلاف في
ذلك، فسترُ العورة من أهمّ ما يُقصد باللباس، قال الله ◌َالَ: ﴿يَبَنِيّ ءَادَمَ قَدْ أَلْنَا
عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِّكُمْ وَرِيثًا﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، فبيّن الله ◌ُعَلَ أن مواراة
السوءة، وهو ستر العورة من أعظم مقاصد اللباس، وإن اللباس الذي يُخلّ
بهذا المقصد يُهمل ما خُلق اللباس لأجله، فَيَحْرُم على الإنسان استعماله، فكلٌ
لباس ينكشف معه جزء من عورة الرجل والمرأة لا تُقرّه الشريعة الإسلاميّة مهما
كان جميلاً، أو موافقاً لِدُور الأزياء، وكذلك اللباس الرقيق، أو اللاصق
بالجسم الذي يحكي للناظر شكل حصّة من الجسم الذي يجب سَتْره، فهو في
حكم ما سبق في الحرمة، وعدم الجواز.
والمبدأ الثاني أن اللباس إنما يُقصد به الستر والتجمّل، أما الستر فَلِما
سبق، وأما التجمّل فلأن الله ◌َّ سمّاه زينة في قوله ◌َك: ﴿خُذُواْ زِيَتَكُمْ عِندَ كُلِّ
مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وفي قوله تعالى: ﴿قُلُّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ،
وَاُلَِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقد أخرج النسائيّ عن أبي الأحوص، عن
أبيه قال: دخلت على النبيّ وَلير، فرآني سيىء الهيئة، فقال: ((ألك من مال؟))
قلت: نعم، من كلّ المال قد آتاني الله، فقال: ((إذا كان لك مالٌ، فَلْيُرَ
عليك))(١)، وفي رواية ابن حبّان في ((صحيحه))، عن أبي الأحوص، عن أبيه أنه
أَتَى النبيَّ وَِّ، فرآه رسول الله وَ شهر أشعث، أغبر، في هيئة أعرابيّ، فقال: ((ما
لك من المال؟» قال: من كل المال قد آتاني الله، قال: ((إن الله إذا أنعم على
العبد نعمةً، أحب أن تُرَى به))(٢).
وعن ابن عمر﴿ه أن النبيّ وَّ قال: ((إن الله يُحبّ أن يُرى أثرُ نعمته
على عبده))، أخرجه الترمذي، وحسّنه(٣).
وأما ما يُقصد به الخيلاء، والكبر، أو الأشر، والبطر، أو الرياء، فهو
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٥٩/٥.
(٣) ((سنن الترمذيّ)) ١٢٣/٥.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٢٣٥/١٢.

٥٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
حرامٌ، وعن ابن عبّاس ◌ِ﴿ّا أن النبيّ وَّه قال: ((كُلْ ما شئت، والبَسْ ما
شئت، ما أخطَأَتْكَ اثنتان: سَرَف، ومخيلة))، ذكره البخاريّ تعليقاً في أوائل
اللباس، وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنّقه))(١).
والمبدأ الثالث أن اللباس الذي يتشبّه به الإنسان بأقوام كفرة لا يجوز
◌ُبْسه لمسلم إذا قصد بذلك التشبّه بهم، قال ابن نُجيم في ((البحر الرائق))(٢): ثم
اعلم أن التشبّه بأهل الكتاب لا يُكره في كلّ شيء، فإنا نأكل ونشرب كما
يفعلون، إنما الحرام هو التشبّه فيما كان مذموماً، وفيما يُقصد به التشبّه، كذا
ذكره قاضي خان في ((شرح الجامع الصغير))، فعلى هذا لو لم يقصد التشبّه لا
يُكره عندهما، وقال هشام في ((نوادره: رأيت على أبي يوسف تَّتُهُ نعلين
محفوفين بمسامير الحديد، فقلت له: أترى بهذا الحديد بأساً؟ فقال: لا،
فقلت له: إن سفيان، وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأنه تشبُّه بالرهبان، فقال أبو
يوسف دَخَُّهُ: كان رسول الله وَله يلبس النعال التي لها شُعور، وإنها من لباس
الرهبان، فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما يتعلّق به صلاح العباد لا تضرّ،
وقد يتعلّق بهذا النوع من الأحكام صلاح العباد، فإن من الأراضي ما لا يمكن
قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع من الأحكام، كذا في ((المحيط)) في
المتفرّقات(٣).
والمبدأ الرابع أن لُبس الحرير حرام للرجال دون النساء، وكذلك إسبال
الإزار تحت الكعبين لا يجوز للرجال، ويجوز للنساء.
وقال الإمام الشيخ وليّ الله الدهلويّ تَخْلُ في ((حجة الله البالغة)): اعلم
أن النبيّ وَ﴿ نظر إلى عادات العجم، وتعمّقاتهم في الاطمئنان بلذّات الدنيا،
فحرّم رؤوسها، وأصولها، وكَرِهِ ما دون ذلك؛ لأنه عَلِم أن ذلك مُفضٍ إلى
نسيان الدار الآخرة، مستلزم للإكثار من طلب الدنيا، فمن تلك الرؤوس اللباس
الفاخرة، فإن ذلك أكبر همّهم، وأعظم فخرهم، والبحث عنه من وجوه:
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧١/٥.
(٢) ((البحر الرائق شرح كنز الدقائق)) ١١/٢.
(٣) راجع: ((الفتاوى الهندية)) ٣٣٣/٥ الباب التاسع من الكراهية.

٥٠٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرَّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
منها: الإسبال في القُمُص، والسراويلات، فإنه لا يُقصد بذلك الستر،
والتجمّل اللذان هما المقصودان في اللباس، وإنما يُقصد به الفخر، وإرادة
الغنى، ونحو ذلك، والتجمّل ليس إلا في القدر الذي يساوي البَدَن.
ومنها: الجنس المستغرب الناعم من الثياب، قال ◌َ : ((من ◌َبِس الحرير
في الدنيا لم يلبسه في الآخرة».
ومنها: الثوب المصبوغ بلون مُظْرب يحصل به الفخر والمراءاة، فنهى
رسول الله وَل عن المعصفر، والمزعفر.
قال: ولا اختلاف بين قوله ويتلهم: ((إن البذاذة من الإيمان)) (١)، وبين قوله وَكلّه:
((إن الله يحبّ أن يُرى أثر نعمته على عبده))(٢)؛ لأن هناك شيئين مختلفين في
الحقيقة قد يشتبهان بادىء الرأي، أحدهما مطلوب، والآخر مذموم، فالمطلوب:
ترك الشحّ، ويختلف باختلاف طبقات الناس، فالذي هو في الملوك شحّ ربما
يكون إسرافاً في حقّ الفقير، وتركُ عادات البدو، واللاحقين بالبهائم، واختيارُ
النظافة، ومحاسنُ العادات، والمذموم: الإمعان في التكلّف، والمراءاة، والتفاخر
بالثياب، وكسر قلوب الفقراء، ونحو ذلك، وفي ألفاظ الحديث إشارات إلى هذه
المعاني، كما لا يخفى على المتأمّل. انتهى كلام وليّ الله تَّقُ باختصار(٣).
(١) - (بَابُ تَحْرِيم اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ
وَالنِّسَاءِ، وَتَحْرِيمٍ خَّاتَم الذَّهَبِ، وَلُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ، وَإِبَاحَتِهِ
لِلنِّسَاءِ، وَإِيَاحَةِ الْعَلَّمَ وَنَحْوِهِ لِلرِّجَالِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٧] (٢٠٦٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ،
عَنْ أَشْعَثَ بْنٍ أَبِي الشَّعْنَاءِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا
زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرٍِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٤/ ٧٥.
(٢) حديث صحيح، تقدّم قريباً .
(٣) ((حجة الله البالغة)) ١٨٩/٢.

٥٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ:
أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ - أَوِ
الْمُقْسِمِ - وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِنْشَاءِ السَّلَامِ. وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيَمَ، أَوْ
عَنْ تَخَّتُم بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَائِرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ
الْحَرِيرِ ، وَالإِسْتَبْرَقِ، وَالدَِّاجِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَيْئَمَةَ(١)) زهير بن معاوية بن حُديج، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (أَشْعَثُ) بن أبي الشعثاء سُليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦]
(ت١٢٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٣/١١.
٥ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) المُزنيّ، أبو سُويد الكوفيّ، ثقةٌ [٣] لم
يُصب من زعم أن له صحبةً (ع) تقدم في ((الأيمان)) ٤٢٩٣/٨.
٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿يا، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَّثُ، وله فيه إسنادان فرَّق بينهما بالتحويل،
وهو مسلسلٌ بالكوفيين غير يحيى، فنيسابوريّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سليم بن الأسود أنه قال: (حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ
سُوَيْدٍ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزنيّ الكوفيّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ◌َا (فَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِسَبْعٍ)؛ أي: سبع خصال، (وَنَهَانَا عَنْ سَبْع) قال
العلامة ابن دقيق العيد تخذلُ: إخبار الصحابيّ عن الأمر والنهي على ثلاث
مراتب :
(١) هو: زهير المذكور بعد التحويل.

٥٠٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
الأولى: أن يأتي بالصيغة؛ كقوله: افعلوا، أو لا تفعلوا.
الثانية: قوله: أمرنا رسول الله * بكذا، ونهانا عن كذا، وهو كالمرتبة
الأُولى في العمل به، أمراً ونهياً، وإنما نزل عنها؛ لاحتمال أن يكون ظنّ ما
ليس بأمرٍ أمراً، إلا أن هذا الاحتمال مرجوح، للعلم بعدالته، ومعرفته
بمدلولات الألفاظ لغة.
الثالثة: قوله: أُمرنا، ونُهينا على البناء للمجهول، وهي كالثانية، وإنما
نزلت عنها؛ لاحتمال أن يكون الأمر غير النبيّ وَّ﴾. انتهى(١).
(أَمَرَنَا) بدل تفصيل من قوله: ((أمرنا رسول الله وَّه))، بدلُ فِعْلٍ من فِعْلٍ،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ
(بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) متعلّق بـ((أمرنا))، وهو بكسر العين المهملة، وتخفيف
التحتانيّة مصدر عاده، يقال: عُدتُ المريضَ عِيَادةً: زُرتُهُ، فالرجل عائد،
وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوَّد بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا
كلام العرب، قاله في ((المصباح))، وقد أشار ابن مالك تَُّهُ إلى أن فُعّالاً
بالألف للمذكّر فقط، دون الفُعَّل بلا ألف، فإنه للمذكَّر والمؤنث، حيث قال
في ((خلاصته)):
وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَفُعَلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ
وَذَانٍ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا
وِمِثْلُهُ الْفُعَالُ فِيمَا ذُكِّرَا
(وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ) قال ابن دقيق العيد تَخْتُهُ: ((اتباع الجنائز يَحْتَمِل أن يراد
به اتّباعها للصلاة، فإن عبّر به عن الصلاة، فذلك فَرْضٌ من فروض الكفاية عند
الجمهور، ويكون التعبير بالاتّباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في
الغالب؛ لأنه ليس من الغالب أن يصلى على الميت، ويدفن في محلّ موته.
ويَحْتَمِل أن يراد بالاتّباع: الرواح إلى محلّ الدفن لمواراته، والمواراة
أيضاً من فروض الكفايات، لا تسقط إلا بمن تتأدى به)). انتهى(٢).
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٥٥/١٣، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٦٣).
(٢) ((إحكام الأحكام)) ٤٩١/٤ بنسخة ((الحاشية)).

٥١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب؛ لأنه حقيقة،
فالحمل عليه أولى، كما أشار إلى ذلك الصنعانيّ تَّتُهُ في ((حاشيته)).
(وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) التشميت بالسين المهملة، والشين المعجمة، لغتان
مشهورتان، قال ابن منظور تَّلُهُ: والتسميت ذكر الله على الشيء، وقيل:
التسميتُ: ذِكْر الله رَك على كلّ حال، والتسميت: الدعاء للعاطس، وهو
قولك له: يرحمك الله. وقيل: معناه: هداك الله إلى السَّمت، وذلك لِمَا في
العاطس من الانزعاج، والْقَلَق، هذا قول الفارسيّ.
وقد سمَّتَهُ: إذا عطس، فقال له: يرحمك الله، أُخِذَ من السمت إلى
الطريق، والقصدِ، كأنه قصده بذلك الدعاء؛ أي: جعلك الله على سمت
حسن. وقد يجعلون السين شيئاً، كسمّر السفينةَ، وشمّرها: إذا أرساها. وقال
النضر بن شُميل: التسميتُ: الدعاء بالبركة، يقول: بارك الله فيه. وقال أبو
العباس: يقال: سَمَّتَ العاطسَ تسميتاً، وشمّته تشميتاً: إذا دعا له بالهَدْي،
وقصدِ السَّمْتِ المستقيم، والأصل فيه السين، فقُلبت شيئاً، قال ثعلب:
والاختيار بالسين؛ لأنه مأخوذ من السمت، وهو القصد والمحجّة، وقال أبو
عبيد: الشين أعلى في كلامهم وأكثر. انتهى(١).
وقال صاحب ((المحكم)): التسميت: الدعاء للعاطس، وقال الهرويّ في
باب الشين المعجمة: قال أبو عبيد: يقال: سمّت العاطسَ، وشمّته بالسين،
والشين: إذا دعا له بالخير، والسين أعلى اللغتين. وقال أبو بكر: يقال: سمَّتُ
فلاناً، وسَمَّتُ عليه: إذا دعوت له، وكلّ داع بالخير، فهو مسمّتٌ، ومشمّتٌ.
وقال أحمد بن يحيى: الأصل فيها السين، من السمت، وهو القصد، والهدي،
قال ثعلب: ومعناه بالمعجمة: أبعد الله عنك الشماتة. انتهى، ذكره النوويّ في
((تهذيب الأسماء))(٢).
وقال في ((الفتح)) ما نصّه: قال الخليل، وأبو عبيد، وغيرهما: يقال
بالمعجمة، وبالمهملة، وقال ابن الأنباريّ: كلّ داع بالخير مشمّت بالمعجمة،
(١) (لسان العرب)) ٢ /٤٦ - ٤٧.
(٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٥٤/٣ - ١٥٥.

٥١١
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
وبالمهملة، والعرب تجعل الشين والسين في اللفظ الواحد بمعنى. انتهى.
قال: وهذا ليس مطرداً، بل هو في مواضع معدودة، وقد جمعها شيخنا
شمس الدين الشيرازيّ صاحب ((القاموس)) في جزء لطيف، قال أبو عبيد:
التشميت بالمعجمة أعلى وأكثر، وقال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل
العربية، وفي الرواية. وقال ثعلب: الاختيار بالمهملة؛ لأنه مأخوذ من
السمت، وهو القصد، والطريق القويم، وأشار ابن دقيق العيد في ((شرح
الإلمام)) إلى ترجيحه. وقال القزّاز: التشميت التبريك، والعرب تقول: شَمَّتَهُ:
إذا دعا له بالبركة، وشَمَّتَ عليه: إذا برّك عليه. وفي الحديث في قصّة تزويج
علي بفاطمة ◌َّا: ((شَمَّتَ عليهما))؛ أي: دعا لهما بالبركة.
ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك، قال: التسميت بالمهملة أفصح،
وهو من سُمَّتِ الإبلُ في المرعَى إذا جُمِعَت، فمعناه على هذا: جَمَع الله
شملك، وتعقّبه بأن سمت الإبل إنما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحد أنه
بالمعجمة، فيكون معنى سَمَّتَه: دعا له بأن يُجمَع شمله. وقيل: هو بالمعجمة
من الشماتة، وهو فرح الشخص بما يسوء عدوّه، فكأنه دعا له أن يكون في
حال من يُشْمَتُ به، أو أنه إذا حمد الله أدخل على الشيطان ما يسوؤه، فشَمَّت
هو بالشيطان. وقيل: هو من الشوامت، جَمْع شامتة، وهي القائمة، يقال: لا
ترك الله له شامتة؛ أي: قائمة.
وقال ابن العربي في ((شرح الترمذيّ)): تكلّم أهل اللغة على اشتقاق
اللفظين، ولم يُبَيّنوا المعنى فيه، وهو بديع، وذلك أن العاطس يَنْحَلّ كلّ عضو
في رأسه، وما يتّصل به من العنق، ونحوه، فكأنه إذا قيل: رحمك الله، كان
معناه: أعطاه الله رحمة يرجع بها بذلك(١) إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على
حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة، فمعناه: رجع كلّ عضو إلى
سَمْته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة، فمعناه: صان الله شوامته؛ أي:
قوائمه التي بها قوام بَدَنه عن خروجها عن الاعتدال، قال: وشوامت كلّ شيء
قوامه، فقوام الدابّة بسلامة قوامها التي يُنتَفع بها إذا سَلِمت، وقوائم الآدميّ
(١) كذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب: ((بَدَنه))، والله أعلم.

٥١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
بسلامة قوائمه التي بها قوامه، وهي رأسه، وما يتّصل به من عنق وصدر. انتهى
ملخّصاً (١).
[تنبيه]: من آداب العاطس أن يَخفِض صوته بالعُطاس، ويرفع بالحمد،
وأن يُغطّي وجهه، لئلا يبدو من فيه، أو أنفه ما يتأذّى به جليسه، ولا يَلْوِي
عنقه يميناً، ولا شمالاً، لئلا يتضرّر بذلك.
قال ابن العربيّ تَخُّْهُ: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رَفْعه
إزعاجاً للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولو لوى
عنقه صيانة لجليسه لم يَأْمَن من الالتواء، وقد شاهدنا مَن وقع له ذلك.
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ بسند جيّد عن أبي هريرة ظُبه، قال:
كان النبيّ وَّ: ((إذا عطس وضع يده على فيه، وخفض صوته))، وله شاهد من
حديث ابن عمر ها بنحوه عند الطبرانيّ.
قال ابن دقيق العيد كَّلُ: ومن فوائد التشميت: تحصيل المودّة،
والتأليف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكِبْر، والحملِ على
التواضع، لِمَا في ذِكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يَعْرَى عنه أكثر
المكلّفين. انتهى(٢).
(وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، أَوِ الْمُقْسِم) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي، هل قال:
((القسم))، أو قال: ((المقسم))، ((وَإِبْرَارِ الْقَسَم)) بكسر الهمزة، مصدر أَبَرّه،
و((القسم)) بفتحتين: اليمين، ومعنى ((إبرار القسم)): فعلُ ما أراده الحالف ليصير
بذلك بارّاً .
وقال الإمام ابن دقيق العيد تَّتُهُ: قوله: ((إبرار القَسَم، أو المقسم)»: فيه
وجهان :
((أحدهما)): أن يكون ((المقسم)) مضموم الميم، مكسور السين، ويكون في
الكلام حذفُ مضاف، تقديره يمين المُقْسِم.
(١) ((الفتح)) ١٠٨/١٤ - ١٠٩، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٢١).
(٢) ((الفتح)) ١١٠/١٤، كتاب ((الأدب)) رقم (٦٢٢١).

٥١٣
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
(والثاني)): بفتح الميم(١) والسين، على أن يكون بمعنى القسم، وإبراره
هو الوفاء بمقتضاه، وعدم التحنيث فيه، فإن كان ذلك على سبيل اليمين، كما
إذا قال: والله لتفعلنّ كذا، فهو آكد مما إذا كان على سبيل التحليف؛ كقوله:
بالله افعل كذا؛ لأن في الأول إيجاب الكفارة على الحالف (٢)، وفيه تغريم
للمال، وذلك إضرار به. انتهى (٣) .
قال الحافظ تَّلُ - عند قوله: ((وإبرار المقسم)) -: واختُلف في ضبط
السين، فالمشهور أنها بالكسر، وضمّ أوله على أنه اسم فاعل، وقيل: بفتحها؛
أي: الإقسام، والمصدر قد يأتي للمفعول، مثل: أدخلته مُدْخَلاً بمعنى
الإدخال، وكذا أخرجته. انتهى (٤).
[تنبيه]: إبرار القسم إنما يلزم فيما إذا كان جائزاً، ولا يمنع منه مانعٌ،
وإلا فلا يلزم؛ لأن النبيّ وَ﴿ لمّا أقسم أبو بكر عليه لَيُخبرنّه بما أصاب في
تعبير الرؤيا، وما أخطأ، قال له: ((لا تُقسم))، ولم يبرّ وَ ل﴿ قسمه، لحكمة لا
نعلمها، قاله الصنعانيّ، ومعنى قوله: ((لا تقسم))؛ أي: لا تكرر القسم، وإلا
فإنه قد أقسم، حيث قال: ((أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرنّي بالذي أصبت
من الذي أخطأت ... )). قاله الكرمانيّ، والحديث متّفقٌ عليه.
(وَنَصْرِ الْمَظْلُوم)؛ أي: إعانته، وهو فرض كفاية، وهو عامّ في
المظلومين، وكذلك في الناصرين، بناءً على أن فرض الكفاية مخاطَب به
الجميع، وهو الراجح، ويتعيّن أحياناً على من له القدرة عليه وحده، إذا لم
يترتّب على إنكاره مفسدة، أشدّ من مفسدة المنكر، فلو علم، أو غلب على ظنه
أنه لا يُفيد سقط الوجوب، وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو
تساوت المفسدتان تخيّر.
(١) يَحْتَمِل أن يكون بضمّ الميم أيضاً، كما هو مقتضى ما يأتي في عبارة الحافظ،
فتنبه .
(٢) هذا مبنيّ على أنها تنعقد اليمين على الغير. انتهى. ((العدّة حاشية العمدة)) ٤٩٣/٤.
(٣) ((إحكام الأحكام)) ٤٩٤/٤ بنسخة ((الحاشية)).
(٤) ((الفتح)) ٢٩٢/١٥ - ٢٩٣، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٥٤).

٥١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وشَرْطُ الناصرِ أن يكون عالماً بكون الفعل ظلماً، ويقع النصر مع وقوع
الظلم، وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه، كمن أنقذ إنساناً، من يد إنسان
طالبه بمال ظلماً، وهدّده إن لم يبذله، وقد يقع بَعْدُ، وهو كثير. قاله في
((الفتح))(١).
وقد جاء الأمر بنصر الأخ ظالماً، أو مظلوماً، وذلك فيما أخرجه
البخاريّ في ((صحيحه)) عن حميد، عن أنس ◌َظُبه، قال: قال رسول الله وَله :
((انصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً))، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً،
فكيف ننصره ظالماً؟ قال: ((تأخذ فوق يديه)). وللإسماعيليّ من رواية معاذ،
عن حميد: فقال: ((يكُفّه عن الظلم، فذاك نصره إياه))، ولمسلم من حديث
جابر رَّ نحوه، وفيه: ((إن كان ظالماً، فليَنْهَه، فإنه له نُصرةٌ)».
وقوله: ((فقال: تأخذ فوق يديه)) كَنَى به عن كفّه عن الظلم بالفعل، إن لم
يكُفّ بالقول، وعبّر بالفوقية إشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوّة، وفي رواية
معاذ عن حميد عند الإسماعيليّ: ((فقال: يَكُفّه عن الظلم، فذاك نَصْرِه إياه)).
قال ابن بطال: النصر عند العرب: الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه
من الظلم مِنْ تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة.
قال البيهقيّ: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء عن
ظلمه لنفسه حسّاً ومعنى، فلو رأى إنساناً يريد أن يَجُبّ نفسه لظنه أن ذلك يزيل
مفسدة طَلَبِه الزنا مثلاً مَنَعه من ذلك، وكان ذلك نصراً له، واتَّحَد في هذه
الصورة الظالم والمظلوم.
وقال ابن الْمُنَيِّر: فيه إشارة إلى أن الترك كالفعل في باب الضمان، وتحته
فروع كثيرة، قاله في ((الفتح))(٢).
(وَإِجَابَةِ الدَّاعِي)؛ أي: إجابة دعوة الداعي إذا دعا، وظاهره عموم
وجوب الإجابة لكلّ دعوة، عُرْساً كان أو غيره، وبه يقول ابن عمر ◌ًا، وهو
(١) ((الفتح)) ٢٦٤/٦، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٤٥).
(٢) ((الفتح)) ٦/ ٢٦٣، كتاب ((المظالم)) رقم (٢٤٤٣ - ٢٤٤٤).

٥١٥
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
الحقّ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى، في ((كتاب النكاح))، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
(وَإِفْشَاءِ السَّلام)؛ أي: إشاعته، وإكثاره، وأن يبذُله لكلّ مسلم، كما
قال ◌َ﴿ في الحديث الآخر: ((وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف))،
وسبق بيان هذا في ((كتاب الإيمان))، في حديث: ((أفشوا السلام).
وفي الرواية الآتية من طريق شعبة، عن الأشعث بلفظ: ((ورَدِّ السلام))،
ولا مغايرة بين الروايتين في المعنى؛ لأن ابتداء السلام وردّه متلازمان، وإفشاء
السلام ابتداءً يستلزم إفشاءَهُ جواباً .
وقال في ((الفتح)): والمراد من إفشاء السلام نَشْره بين الناس ليُحْيُوا
سُنَّته، وقد جاء إفشاء السلام من حديث البراء ظُبه بلفظ آخر، أخرجه البخاريّ
في ((الأدب المفرد))، وصححه ابن حبّان، من طريق عبد الرحمن بن عَوْسَجة،
عنه رفعه: ((أفشوا السلام تَسْلَموا))، وله شاهد من حديث أبي هريرة .
،
مرفوعاً: ((ألا أدلّكم على ما تَحابّون به؟ أفشوا السلام بينكم)).
وعن عبد الله بن سَلام رفعه: ((أطعموا الطعام، وأفشوا السلام ... ))
الحديث، وفيه: ((تدخلوا الجنّة بسلام)). أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))،
وصححه الترمذيّ، والحاكم، وللأولين، وصححه ابن حبّان، من حديث
عبد الله بن عمرو ظًا رفعه: ((اعبدوا الرحمن، وأفشوا السلام ... )) الحديث،
وفيه: ((تدخلوا الجنّة)).
ومن الأحاديث في إفشاء السلام: ما أخرجه النسائيّ في ((عمل اليوم
والليلة))، عن أبي هريرة ﴿به، رفعه: ((إذا جاء أحدكم إلى القوم، فليُسلّم،
وإذا قام فليسلّم، فليست الأُولى بأحقّ من الآخرة)). وأخرج ابن أبي شيبة، من
طريق مجاهد، عن ابن عمر ط﴿جًا، قال: ((إن كنت لأَخرج إلى السوق، وما لي
حاجة إلا أن أسلّم، ويُسلَّم عليّ).
والأحاديث في إفشاء السلام كثيرة، منها عند البزّار، من حديث ابن
الزبير، وعند أحمد من حديث عبد الله بن الزبير، وعند الطبرانيّ من حديث ابن
مسعود، وأبي موسى، وغيرهم.

٥١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
وأخرج البخاريّ تَُّهُ في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح، عن ابن
عمر ضجًا: ((إذا سلمتَ، فأسمع، فإنها تحيّة من عند الله).
واستدلّ بالأمر بإفشاء السلام أنه لا يكفي السلام سرّاً، بل يُشترط
الجهر، وأقلّه أن يُسمَع في الابتداء، وفي الجواب.
قال النوويّ كَّلُهُ: أقلّه أن يرفع صوته بحيث يُسمِع المسلَّمَ عليه، فإن لم
يُسمعه لم يكن آتياً بالسُّنَّة، ويستحبّ أن يرفع صوته بقدر ما يتحقّق أنه سمعه،
فإن شكّ استظهر، ويُستثنى من رفع الصوت بالسلام ما إذا دخل على مكان،
فيه أيقاظ، ونيام، فالسُّنَّة فيه ما تقدّم في ((صحيح مسلم)) عن المقداد
قال: ((كان النبيّ وَّ يجيء من الليل، فيسلّم تسليماً، لا يُوقظ نائماً، ويُسمِع
اليقظان)».
ـه ،
ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه، وقد أخرج النسائيّ في ((عمل اليوم
والليلة)) بسند جيّد، عن جابر ◌َُّه، رفعه: ((لا تسلّموا تسليم اليهود، فإن
تسلیمهم بالرؤوس والأكفّ)).
ويُستثنى من ذلك حالة الصلاة، فقد وردت أحاديث جيّدة أنه وَ ل* ردّ
السلام، وهو يصلي إشارةً، منها: ((حديث أبي سعيد ◌َبه أن رجلاً سلّم على
النبيّ ◌ََّ، وهو يُصلي، فردّ عليه إشارةً))، ومن حديث ابن مسعود نحوه.
وكذا من كان بعيداً، بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارةً،
ويتلفّظ مع ذلك بالسلام، وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، قال: يُكره السلام
باليد، ولا یکره بالرأس.
ونقل النوويّ، عن المتولّي أنه قال: يُكره إذا لقي جماعة أن يخصّ
بعضهم بالسلام؛ لأن القصد بمشروعيّة السلام تحصيل الألفة، وفي التخصيص
إيحاشٌ لغير من خصّ بالسلام. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى: ويدلّ لِمَا قاله المتولي: ما أخرجه البخاريّ
في ((الأدب المفرد)) بسند صحيح عن ابن مسعود به أنه مرّ رجل، فقال:
السلام عليك يا أبا عبد الرحمن، فردّ عليه، ثم قال: ((إنه سيأتي على الناس
(١) ((الفتح)) ١٥٣/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٣٥).

٥١٧
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
زمان يكون السلام فيه للمعرفة))، وأخرجه الطحاويّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ في
(الشعب)) من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعاً، ولفظه: ((إن من أشراط الساعة
أن يمرّ الرجل بالمسجد، لا يُصلي فيه، وأن لا يُسلّم إلا على من يعرفه))،
ولفظ الطحاويّ: ((إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة))، والله تعالى أعلم.
(وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ، أَوْ) للشكّ من الراوي (عَنْ تَخَتُّم بِالذَّهَبِ)، وفي
رواية شعبة الآتية: ((نهانا عن خاتم الذهب، أو حلقة الذّهَّب))، وفي رواية
سفيان الآتية: ((وخاتم الذهب)) من غير شكّ.
والمعنى: نهانا عن لُبس الخواتيم، وهي جمع خاتم، ويُجمع أيضاً على
خواتم بلا ياء، وعلى خياتيم بياء بدل الواو، وبلا ياء أيضاً، وفي الخاتم
ثماني لغات: فتح التاء، وكسرها، وهما واضحتان، وبتقديمها على الألف،
مع كسر الخاء، خِتَام، وبفتحها، وسكون التحتانيّة، وضمّ المثنّة، بعدها واو،
ويحذف الياء والواو، مع سكون المثنّاة، خَتْم، وبألف بعد الخاء، وأخرى بعد
التاء، خاتام، وبزيادة تحتانيّة بعد المثناة المكسورة، خاتِيَام، وبحذف الأُولى،
وتقديم التحتانيّة، خَيْتَام، وقد جمعها الحافظ تَُّ بقوله(١) [من البسيط]:
ثَمَانِياً مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ
خُذْ نَظْمَ عَدِّ لُغَاتِ الْخَانَمِ انْتَظَمَتْ
مُ خَاتِيَامُ وَخَيْتُومُ وَخَيْتَامُ
خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا
سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ
وَهَمْزُ مَفْتُوحٍ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا
قال في ((الفتح)): أما الأول، فذكر أبو البقاء في إعراب الشواذّ في
الكلام على من قرأ ((العالمين)) بالهمز، قال: ومثله الْخَأَّتَم، وأما الثاني فهو
على الاحتمال، واقتصر كثيرون منهم النوويّ(٢) على أربعة، والحقّ أن الختم،
(١) هكذا نسب الحافظ الأبيات إلى نفسه في ((الفتح))، لكن رأيت في ((تاج العروس
شرح القاموس)) في مادّة ((ختم)) نَسْبَ الأبيات للحافظ العراقيّ، فلا أدري ممن
الخطأ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) وعبارة النوويّ في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٨٨/٣): الخاتم، والخاتم، بفتح
التاء، وكسرها، والخيتام، والخاتام، كلّه بمعنى، والجمع خواتيم، هذه اللغات
الأربع مشهورة. انتهى.

٥١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
والختام مختصّ بما يُختم به، فتكمل الثمان به، وأما ما يُتزيّن به فليس فيه إلا
ستّة، وأنشدوا في ((الخاتيام))، وهو أغربها :
أَخَذْتَ مِنْ سُعْدَاكَ خَاتِيَامَا لِمَوْعِدٍ تَكْتَسِبُ الآثَامَا
ثم إن النهي عن لُبسه للتحريم، وهو خاصّ بالرجال، دون النساء، والله
تعالى أعلم.
(وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ)؛ أي: ونهانا عن استعمال آنية الفضة، والنهي فيه
للتحريم، وهو عامّ في الرجال والنساء، فيَحْرُم استعمال آنية الفضّة، ومثله
الذهب في الأكل، والشرب، ونحوهما على كلّ مكلف، رجلاً كان أو امرأةً،
ولا يلتحق ذلك بالحليّ للنساء؛ لأنه ليس من التزيّن الذي أُبيح لهنّ في شيء،
وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى في الباب الماضي.
(وَعَنِ الْمَيَائِرِ) وفي رواية للبخاريّ، من طريق الثوريّ، عن أشعث:
((والمياثير الْحُمْرِ)).
و((المياثير)): جمع مِيثرة، قال ابن الأثير: المِيثرة بالكسر، مِفْعلَةٌ، من
الْوَثَارَة، يقال: وَثُرَ وَثَارَةً، فهو وَثِيرٌ؛ أي: وَطِيءٌ لَيِّنٌّ، وأصلها مِؤْثَرَةٌ، فَقُلِبت
الواو ياءً، لكسرة الميم، وهي من مراكب العجم، تُعمل من حرير، أو ديباجٍ.
انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((الميثرة)): بكسر الميم، وسكون التحتانيّة، وفتح
المثلّثة، بعدها راء، ثم هاء، ولا همز فيها أصلاً، وأصلها من الوَثَارة، أو
الوِثْرَة بكسر الواو، وسكون المثلّثة، والوَثِيرُ هو الفراش الوطيء، وامرأة وَثيرة،
کثیرة اللحم. انتهى.
وفي (صحيح البخاريّ)): ((أن أبا بردة سأل عليّاً ظُبه عن الميثرة؟ فقال:
كانت النساء تصنعنه لبعولتهنّ، مثل القَطَائف(٢)، يَصُفُّونها)). انتهى.
قال في ((الفتح)): ((يصفّونها))؛ أي: يجعلونها كالصُّفَّة، وحَکَی عیاض في
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١٥٠/٥.
(٢) ((القطائف)): جمع قطيفة: دثارٌ مُخملٌ، يضعونه فوق الرحال، قاله في ((طرح
التثریب)) ٢٣٠/٣.

٥١٩
(١) - بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ اللَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٧٧)
رواية: ((يصَفِّرْنَها)) بكسر الفاء، ثم راء، وأظنّه تصحيفاً، وإنما قال: ((يصفّونها))
بلفظ المذكّر للإشارة إلى أن النساء يصنعن ذلك، والرجال هم الذين
يستعملونها في ذلك.
وقال الزبيديّ اللغويّ: و((الميثرة)) مِرْفَقَة؛ كصُفَّةِ السَّرج. وقال الطبريّ:
هو وِطَاء يوضع على سَرج الفرس، أو رَحْل البعير، كانت النساء تصنعنه
لأزواجهنّ، من الأرجوان الأحمر(١)، ومن الديباج، وكانت مراكبَ العجم.
وقيل: هي أغشية للسروج من الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج. فحصّلنا
على أربعة أقوال في تفسير ((الميثرة))، هل هي وطاء للدابّة، أو لراكبها، أو هي
السرج نفسه، أو غشاوته؟(٢).
وقال في ((الفتح)) أيضاً عند شرح قوله: ((والمياثير الْحُمْر)) ما نصّه: قال
أبو عُبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها، كانت من مراكب العجم، من
ديباج، أو حرير. وقال الطبريّ: هي وعاء يوضع على سرج الفرس، أو رحل
البعير، من الأُرْجُوَان. وحكى في ((المشارق)) قولاً: إنها سروج من ديباج،
وقولاً: إنها أغشية للسروج من حرير، وقولاً: إنها تُشبه المِخَدَّة، تُحشَى
بقطن، أو ريش، يَجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبريّ، والأقوال
الثلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفةً، بل الميثرة تُطلق على كلّ منها، وتفسير أبي
عبيد يحتمل الثاني، والثالث.
وعلى كلّ تقدير، فالميثرة، إن كانت من حرير، فالنهي فيها كالنهي عن
الجلوس على الحرير، ولكن تقييدها بالأحمر أخصّ من مطلق الحرير، فيمتنع
إن كانت حريراً، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير
حرير، فالنهي فيها للزجر عن التشبّه بالأعاجم.
(١) (الأُرْجُوان)) بضمّ الهمزة، والجيم، بينهما راء ساكنةٌ، ثمّ واو خفيفةٌ، وحكى
عياض، ثم القرطبيّ فتح الهمزة، وأنكره النوويّ، وصوّب أن الضمّ هو المعروف
في كُتب الحديث، واللغة، والغريب، واختلفوا في المراد به، فقيل: هو صبغ
أحمر شديد الحمرة، وهو نَوْرُ شجر من أحسن الألوان، وقيل: الصوف الأحمر،
وقيل: كلّ شيء أحمر، فهو أرجوان، قاله في ((الفتح)) ١١/ ٤٩١.
(٢) ((الفتح)» ٤٧٣/١١ - ٤٧٤.

٥٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللباس والزينة
قال ابن بطال: كلام الطبريّ يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه،
سواء كانت من حرير، أم من غيره، فكان النهي عنها إذا لم يكن من حرير
للتشبّه، أو للسَّرَف، أو التزيّن، وبحَسْب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم
والتنزيه، وأما تقييدها بالحُمرة، فمن يَحمل المطلق على المقيّد وهم الأكثرون
يخصّ المنع بما كان أحمر. انتهى(١).
وقال الحافظ ولي الدين تَخْلُهُ: قال النوويّ: قال العلماء: الميثرة، وإن
كانت من الحرير، كما هو الغالب فيما كان من عادتهم، فهي حرام؛ لأنه
جلوس على حرير، واستعمال له، وهو حرام على الرجال، سواء كان على
رَحْل، أو سرج، أو غيرهما، وإن كانت ميثرة من غير حرير، فليست بحرام،
ومذهبنا أنها ليست مكروهة أيضاً، فإن الثوب الأحمر، لا كراهة فيه، فسواء
كانت حمراء، أم لا، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبيّ وَ ﴿ لبس حُلَّة
حمراء.
وحكى القاضي عياض، عن بعض العلماء كراهتها، لئلا يظنها الرائي من
بُعْد حریراً. انتهى.
وقال ابن قدامة: قال أصحابنا: يُكره لُبس الأحمر، وهو مذهب ابن
عمر، والصحيح أنه لا بأس به، وأحاديث الإباحة أصحّ.
وقال أبو العباس القرطبيّ: وأما من كانت عنده الميثرة من جلود السباع،
فوجه النهي عنها أنها لا تَعْمَل الذّكاة فيها، وهو أحد القولين عند أصحابنا، أو
لأنها لا تُذكَّى غالباً.
قال وليّ الدين: لكنها تطهر بالدباغ، إلا أن العلماء اختلفوا في طهارة
الشَّعْر تبعاً للجلد، إذا دُبغ، والمشهور عند الشافعية عدم طهارته، وقالت
الحنفيّة بطهارته، والأغلب في المياثير أنها لا شَعْر عليها، والله أعلم.
وقد يقال: إن المعنى في النهي عن المياثير ما فيه من الترفّه، وقد يتعذّر
في بعض الأوقات، فيشقّ تركها على من اعتادها، فيكون حينئذ إرشاداً، نُهي
عنه لمصلحة دنيويّة، وقد يكون لمصلحة دينيّة، وهي ترك التشبّه بعظماء
(١) ((الفتح)) ٤٩٠/١١ - ٤٩١، كتاب ((اللباس)) رقم (٥٨٣٩).