Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٢٣) - بَابٌ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ - حديث رقم (٥٣٦٩)
تمام البحث في هذا في شرح الحديث الأول في الباب، ولله الحمد والمنّة.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٦٨/٢٢] (٢٠٦٣)، وأخرجه (البخاريّ)
مختصراً بلفظ: ((المؤمن يأكل ... إلخ)) (٥٣٩٦ و٥٣٩٧)، و(الترمذيّ) في
(الأطعمة)) (١٨١٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٠/٤)، و(ابن ماجه) في
((الأطعمة)) (٣٢٥٦)، و(مالك) في ((الموطّأ)) (١٠٩/٣ و١١٠)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (١٩٥٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢١/٨)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٥٧/٢ و٣١٨ و٣٧٥ و٤١٥ و٤٣٥ و٤٥٥)، و(الطحاويّ) في
((مشكل الآثار)) (٤٠٨/٢ و٤٠٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٢)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٩/٥)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (١١٦/٦ -١١٧)
و((شُعَب الإيمان)) (٢٣/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٨٨٠)، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٢٣) - (بَابٌ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ)
قوله: ((يَعِيبُ)) بفتح حرف المضارعة، مضارع عاب، من باب باع.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٦٩] (٢٠٦٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ طَعَاماً
قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئً أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.

٤٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَخْلُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو
هريرة رضيته رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُه أنه (قَالَ: مَا عَابَ)؛ أي: ما تنقّص (رَسُولُ اللهِ وَهـ
طَعَاماً قَطَّ)؛ أي: طعاماً مباحاً، أما الحرام فكان يعيبه، ويذُمّه، وينهى عنه،
وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الْخِلْقة كُرِهَ، وإن كان من جهة
الصَّنْعة لم يُكرَه، قال: لأن صنعة الله لا تُعاب، وصنعة الآدميين تعاب.
والذي يظهر - كما قال الحافظ تَّتُ -: التعميم، فإن فيه كسر قلب
الصانع، قال النوويّ: من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب؛ كقوله: مالحٌ،
حامضٌ، قليل الملح، غليظٌ، رقيقٌ، غير ناضج، ونحو ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: والذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس على
إطلاقه، فإنه إن كان لتنبيه خادمه أو أهل بيته على أن لا يصنعوا مثله، فهو
جائز دون كراهة؛ لأن هذا من باب التعليم لهم، والتدريب على الصنعة، وإن
كان نزل ضيفاً، أو دخل على بعض أصدقائه، فقرّبوا له طعاماً، فلا ينبغي له
أن يقول ما سبق؛ فإن فيه كسر قلب المضيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(كَانَ، وَِّ (إِذَا اشْتَهَى شَيْئاً)؛ أي: أَكْل شيء (أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ) هذا
مثلُ ما وقع له وسل﴿ في الضبّ، ووقع في رواية أبي يحيى التالية: ((وإن لم
يشتهه سكت))؛ أي: عن عيبه، قال ابن بطال: هذا من حُسن الأدب؛ لأن
المرء قد لا يشتهي الشيء، ويشتهيه غيره، وكلُّ مأذون في أكْله من قِبَل الشرع
ليس فيه عيب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن بطال ٤٧٨/٩.

٤٨٣
(٢٣) - بَابٌ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ - حديث رقم (٥٣٦٩)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٦٩/٢٣ و٥٣٧٠ و٥٣٧١ و٥٣٧٢ و ٥٣٧٣]
(٢٠٦٤)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٥٦٣) و((الأطعمة)) (٥٤٠٩)، و(أبو
داود) في ((الأطعمة)) (٣٧٦٤)، و(الترمذيّ) في ((البرّ والصلة)) (٢٠٣١)، و(ابن
ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣٠٠ و٣٣٠١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٧٤/٢ و٤٧٩
و٤٨١) و((الزهد)) (٤/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤٣٦ و٦٤٣٧)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢/٥ و٢١٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٧٧/١١)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٥١/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٢٠/١)،
و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٣١/٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٩/٧)
و((دلائل النبوّة)) (٣٢١/١) و((شُعَب الإيمان)) (٨٤/٥)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٢٨٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَ﴿ من حسن الخُلُق، وَلِيْن الجانب،
فلا يعيب طعاماً، ولا يذمّه، وإن لم يُعجبه، تعظيماً لنعمة الله تعالى، وستراً
على صانعه، فهو كما وصفه الله ◌ُعَلَ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[القلم: ٤].
٢ - (ومنها): بيان أدب من آداب الأكل، وهو أن لا يعيب الطعام، بل
إن أعجبه، وإلا تركه، وسكت على ما يراه عيباً.
قال القرطبيّ تَخّْقُ: هذا من أحسن آداب الأكل، وأهمها، وذلك: أن
الأطعمة كلها نِعَم الله تعالى، وعَيْبُ شيء من نِعَم الله تعالى مخالف للشكر
الذي أمر الله تعالى به عليها، وعلى هذا فمن استطاب طعاماً فليأكل،
ويشكر الله تعالى؛ إذ مَكَّنه منه، وأوصل منفعته إليه، وإن کرهه فلیترکه،
ويشكر الله تعالى؛ إذ مكّنه منه، وأعفاه عنه، ثم قد يستطيبه، أو يحتاج إليه في
وقت آخر فيأكله، فتتمّ عليه النعمة، ويَسْلَم مما يناقض الشكر. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن هذا لا ينافي ما تقدّم من قوله وَّ﴿ في الضبّ: ((تعافه
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٤٤/٥.

٤٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
نفسي))؛ لأن ذاك إخبار بعدم رغبته في أكله، لا عيب في نفس الضبّ، فإنه من
جملة نِعَم الله تعالى التي تستحقّ التعظيم والشكر لخالقها، ولذا أمر وَلـ
خالد بن الوليد بأكلها .
٤ - (ومنها): أن هذا أيضاً لا ينافي الإنكار على من أساء في صنعة
الطعام من الخدم، والأهل، فإن تعليمهم، وتنبيههم على أخطائهم؛ لئلا يقعوا
في مثله فيما يُستقبَل مشروع، وممدوح لا ممنوع، ولا مذموم.
قال بعضهم: الذي يظهر أن عيب الطعام إن كان من أجل خِلْقته، فهو
حرامٌ؛ لكونه عيباً لِخَلْق الله وَلَ، وإن كان من أجل سوء صُنعته، فمكروه إن
كان المقصود منه تحقير الطعام، أو الكفر بالنعمة، أو تحقير الصانع، وأما إذا
كان لأجل النصح للصانع حتى يتنبّه على ما أخطأ في صنعته، فيجتنب فيما
يُستقبل، فالظاهر أنه ليس من العيب الممنوع إذا كان برفق، لا يكسر به قلب
الصانع من غير ضرورة، وكذلك إذا كان إخباراً عن كراهية طبيعيّة في قلب
الطاعم، كما مرّ من قوله وَ له: (تعافه نفسي)) في الضبّ(١).
وأخرج الترمذيّ في ((الشمائل)) حديثاً لهند بن أبي هالة ظُه بسند فيه
ضَعف، وَصَفَ فيه هند رسول الله وَّه، وفيه: ((يعظم النعمة، وإن دقّت، غير
أنه لم یکن یذمّ ذواقاً، ولا يمدحه)).
قال الشيخ علي القاري كَُّ(٢): أما نفي الذمّ فلكونه نعمةً أيّ نعمة، وذمّ
النعمة كفران، وشعار للمتكبّرين والجبابرة، وأما نفي مدحه فلكونه يُشعر
بالحرص والشَّرَه، ولعلّ المدح هنا هو ما كان منشؤه الحرص والشّرَهَ، أما إذا
كان شكراً لله تعالى، أو تشجيعاً لصانعه، وشكراً لحسن صنعته، فالظاهر أنه
ليس بمكروه، ويدلّ عليه ما أخرجه مسلم، والترمذيّ في قصّة ضيافة أبي
الهيثم بن التّهان ظُه من قول النبيّ وَّه: ((لتسئلنّ عن هذا النعيم يوم القيامة،
ظلّ باردٌ، ورُطَبٌ طيّبٌ، وماءٌ باردٌ))، وقد تقدّمت القصّة في ((باب جواز
استتباعه غيره ... إلخ))، فراجعها، وبالله تعالى التوفيق.
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٨٥/٤.
(٢) راجع: ((جمع الوسائل في شرح الشمائل)) لعليّ القاري تخلّمُ ١٣/٢.

٤٨٥
(٢٣) - بَابٌ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ - حديث رقم (٥٣٧٠ - ٥٣٧١)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ
اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن
(٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم قريباً.
و ((الأعمش)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية زهير بن معاوية، عن الأعمش هذه ساقها ابن حبّان ◌َظُّ
في ((صحيحه))، فقال:
(٦٤٣٦) - أخبرنا أبو عروبة، حدّثنا عبد الرحمن بن عمرو البجليّ،
حدّثنا زهير بن معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال:
((ما عاب رسول الله وَ﴾ طعاماً قطّ، إذا اشتهى أكل، وإلا ترك)). انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، كُلَّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو) أبو عامر الْعَقَديّ البصريّ، ثقة [٩] (ت٤
أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٢ - (عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ) بفتحتين: نسبة إلى موضع بالكوفة،
ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((النكاح)) ٣٤٩٨/١٥.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و((سفيان)) هو: الثوريّ.
(١) (صحيح ابن حبان)) ٣٤٧/١٤.

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن الأعمش هذه ساقها البخاريّ تَخُّْهُ في
((صحیحه))، فقال:
(٥٠٩٣) - حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي
حازم، عن أبي هريرة، قال: ((ما عاب النبيّ وَّ طعاماً قطّ إن اشتهاه أكله،
وإن کرهه ترکه)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَتَّى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى آلٍ جَعْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِ عَابَ طَعَاماً قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ سَكَتَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو يَحْيَى مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ) ابن هُبيرة المخزوميّ المدنيّ، مقبولٌ [٤].
رَوَى عن أبي هريرة هذا الحديث، وعنه الأعمش.
أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وابن ماجه، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الموضع.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: قال النوويّ كَّهُ: ذَكَر مسلم في الباب اختلاف طرق هذا
الحديث، فرواه أوّلاً من رواية الأكثرين عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي
هريرة، ثم رواه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي يحيى مولى آل جعدة،
عن أبي هريرة، وأنكر عليه الدارقطنيّ هذا الإسناد الثاني، وقال: هو مُعَلٌّ،
قال القاضي عياض: وهذا الإسناد من الأحاديث المعلّة في كتاب مسلم التي
بَيّن مسلم علّتها كما وَعَدَ في خطبته، وذكر الاختلاف فيه، ولهذه العلّة لم يذكر
البخاريّ حديث أبي معاوية، ولا خَرّجه من طريقه، بل خَرَّجه من طريق آخر،
(١) ((صحيح البخاريّ ٢٠٦٥/٥.

٤٨٧
(٢٣) - بَابٌ لَا يَعِيبُ الطَّعَامَ - حديث رقم (٥٣٧٢)
وعلى كل حال فالمتن صحيحٌ، لا مَطْعَن فيه، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر رواية أبي حازم عن الأعمش ما نصّه:
وللأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عنه، عن أبي
يحيى مولى آل جعدة، عن أبي هريرة، وأخرجه أيضاً من طريق أبي معاوية،
وجماعة عن الأعمش، عن أبي حازم، واقتصر البخاريّ على أبي حازم؛
لكونه على شرطه دون أبي يحيى، وأبو يحيى مولى جعدة بن هُبيرة
المخزوميّ مدنيّ، ما له عند مسلم سوى هذا الحديث، وقد أشار أبو بكر بن
أبي شيبة فيما رواه ابن ماجه عنه إلى أن أبا معاوية تفرّد بقوله: ((عن
الأعمش، عن أبي يحيى))، فقال لمّا أورده من طريقه: يخالفه فيه بقوله: عن
أبي حازم، وذكره الدارقطنيّ فيما انتَقَد على مسلم، وأجاب عياض بأنه من
الأحاديث المعللة التي ذَكَر مسلم في خطبة كتابه أنه يوردها، ويبيّن علّتها،
كذا قال.
قال الحافظ: والتحقيق أن هذا لا علّة فيه لرواية أبي معاوية الوجهين
جميعاً، وإنما كان يأتي هذا لو اقتصر على أبي يحيى، فيكون حينئذ شاذّاً، أما
بعد أن وافق الجماعة على أبي حازم، فتكون زيادة محضةً، حفظها أبو
معاوية، دون بقية أصحاب الأعمش، وهو من أحفظهم عنه، فيُقبَل، والله
أعلم. انتهى كلام الحافظ تَّلُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أجاب الحافظ تَّثُ عن هذا الانتقاد، وله
وجهٌ، إلا أن ما سلكه القاضي عياض تَُّ هو الأظهر بصنيع مسلم نَّثُ،
وذلك أنه إنما أورد روايتي أبي معاوية ليُبيّن علّة الرواية الأولى منهما، وهي
طريق الأعمش، عن أبي يحيى مولى آل جعدة، فبيّن تَخُّْ أن رواية أبي معاوية
التي وافق فيها الجماعة من كون الأعمش يروي عن أبي حازم، لا عن أبي
يحيى هي المحفوظة، وأما الرواية المخالفة لها، فهي شاذّة معلّة بها، والله
تعالى أعلم.
(١) (شرح النوويّ)) ٢٦/١٤ - ٢٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٣١/١٢ - ٣٣٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٠٩).

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا قبله، وغرضه بيان موافقة أبي معاوية لجرير، والثوريّ في
روايتهما عن الأعمش، عن أبي حازم.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ اَلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٢٤) - (بَابُ الّهْيِ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَة الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) (١)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الباب ذُكر في معظم النُّسخ بعد قوله:
(كتاب اللباس والزينة)) الآتي، ووقع في بعضها قبله، وهذا هو اللائق، فلهذا
قدّمته، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٤] (٢٠٦٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ،
عَنَّْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((الذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةٍ
الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ثقةٌ [٢].
(١) هكذا ترجم القرطبيّ كلّفُ في ((مختصره))، وترجم النوويّ وغيره ((باب تحريم
استعمال أواني الذهب والفضّة في الشُّرب وغيره على الرجال والنساء))، والأول
أخصر، وأنسب، ولذا أثبتّه هنا، فتنبّه.

٤٨٩
(٢٤) - بَابُ النّهْيٍ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَة الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - حديث رقم (٥٣٧٤)
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعنه ابن ابنه
عمر بن محمد بن زيد، ونافع مولى ابن عمر، ذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وروى ابن أبي شيبة ما
يدلّ على أنه وُلد في عهد عمر، فإنه أخرج من طريق عمر بن محمد بن زيد،
عن أبيه، عن جدّه أنه لما وُلد ألحقه عمر في مائة من العطاء.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) التيميّ، ابن أخت أم
سلمة زوج النبيّ وَله، ثقةٌ(١) [٣].
روى عن أبيه، وخالته أم سلمة، وعنه ابنه طلحة، وأخته أسماء بنت
عبد الرحمن، وابن عمه القاسم بن محمد، وزيد بن عبد الله بن عمر،
وعثمان بن مرّة البصريّ.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره البخاريّ في ((التاريخ الأوسط)) في
فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين، وذكر أنه وَرِثَ عائشة
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))،
والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده
بعده، وقال في ((التهذيب)): له عندهم في الشرب في الفضة.
٣ - (أُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة حُذيفة أو سُهيل بن المغيرة بن عبد الله بن
عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ وَّ بعد أبي
سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستّين سنةً، ماتت سنة (٦٢)
على الأصحّ (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
(١) هكذا قال في ((الفتح)): ثقةٌ، وقال في ((التقريب)): مقبولٌ، والأول أَولى؛ لأنه روی
عنه جماعة، وأخرج له الشيخان في الأصول، فتنبّه.

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن
بعض: نافع، وزيد، وعبد الله، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) هو تابعي ثقة، ليست له رواية عند مسلم إلا هذا
الحديث، وله في البخاريّ، هذا وحديث في إسلام عمر رَظ ◌ُه.
وقد تابع مالكاً عن نافع عليه موسى بن عقبة، وأيوب، وغيرهما، وذلك
عند مسلم، وخالفهم إسماعيل بن أمية عن نافع، فلم يذكر زيداً في إسناده،
جعله عن نافع عن عبد الله بن عبد الرحمن، أخرجه النسائيّ، والْحُكْمُ لمن زاد
من الثقات، ولا سيما وهم حفّاظ، وقد اجتمعوا، وانفرد إسماعيل.
وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد، عن أم
سلمة، ووافقه سعد بن إبراهيم، عن نافع في صفية، لكن خالفه، فقال: عن
عائشة، بدل أم سلمة، وقول محمد بن إسحاق أقرب، فإن كان محفوظاً، فلعلّ
لنافع فیه إسنادین.
وشذّ عبد العزيز بن أبي روّاد، فقال: عن نافع، عن أبي هريرة.
وسلك بُرْد بن سِنان، وهشام بن الغاز الجادّةَ، فقالا: عن نافع، عن ابن
عمر، أخرج الجميع النسائيّ، وقال: الصواب من ذلك كله رواية أيوب، ومَنْ
تابَعه، ذكره في ((الفتح)) (١).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) هو ابن أخت أم
سلمة ◌ّا التي روى عنها هذا الحديث، أمه قُريبة بنت أبي أمية بن المغيرة
المخزومية، وهو ثقة، ما له عند الشيخين غير هذا الحديث، قاله في
((الفتح)) (٢)، وكذا ليس له عند مسلم إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِّ نَّهِ﴾ ◌َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((الذِي يَشْرَبُ
(١) ((الفتح)) ٦٩٥/١٢ - ٦٩٦، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٤).
(٢) ((الفتح)) ٦٩٦/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٤).

٤٩١
(٢٤) - بَابُ النّهْيٍ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - حديث رقم (٥٣٧٤)
فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ)، وفي الرواية الآتية من طريق عثمان بن مُرّة، عن عبد الله بن
عبد الرحمن: ((من شَرِب من إناء ذهب، أو فضة))، وفي رواية عليّ بن مُسْهِر،
عن عبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، عن نافع: ((أن الذي يأكل ويشرب في آنية
الذهب والفضة))، وأشار مسلم إلى تفرّد عليّ بن مسهر بهذه اللفظة، أعني
الأكل. (إِنَّمَا يُجَرْجِرُ) - بضم التحتانية، وفتح الجيم، وسكون الراء، ثم جيم
مكسورة، ثم راء - من الجرجرة، وهو صوت يُرَدِّده البعير في حنجرته إذا هاج،
نحو صوت اللجام في فَكّ الفرس.
قال النوويّ: اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر، وتُعُقّب بأن
الموفق بن حمزة في كلامه على ((المهذَّب)) حَكَى فتحها، وحَكَى ابن الفركاح
عن والده أنه قال: رُوي يُجَرْجَر على البناء للفاعل والمفعول، وكذا جوّزه ابن
مالك في ((شواهد التوضيح))، نعم رَدّ ذلك ابن أبي الفتح تلميذه، فقال في جزء
جَمَعه في الكلام على هذا المتن: لقد كَثُر بحثي على أن أرى أحداً رواه مبنياً
للمفعول فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث، وإنما سمعناه من الفقهاء
الذين ليست لهم عناية بالرواية، وسألت أبا الحسين اليونينيّ، فقال: ما قرأته
على والدي، ولا على شيخنا المنذريّ إلا مبنيّاً للفاعل، قال: ويبعد اتفاق
الحفاظ قديماً وحديثاً على ترك رواية ثابتة، قال: وأيضاً فإسناده إلى الفاعل هو
الأصل، وإسناده إلى المفعول فرع، فلا يصار إليه بغير حاجة، وأيضاً فإن
علماء العربية قالوا: يُحذف الفاعل إما للعلم به، أو للجهل به، أو إذا تُخُوِّف
منه، أو عليه، أو لِشَرَفه، أو لحقارته، أو لإقامة وزن، وليس هنا شيء من
(١)
ذلك. انتھی
.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتجاج الأخير ليس بشيء؛ لأنه يَحْتَمل أن
يكون حذفه للعلم به، وإنما الحجة إن صحّ اتفاق الحفّاظ على تركه، فتأمّل
بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ))) وقع للأكثر بنصب ((نار)) على أن الجرجرة بمعني
الصبّ، أو التجرّع، فيكون ((نار)) نُصِب على المفعولية، والفاعل الشارب؛
(١) (الفتح)) ٦٩٦/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٤).

٤٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
أي: يَصُبّ، أو يتجرّع، وجاء الرفع على أن الجرجرة هي التي تُصَوِّت في
البطن، قال النوويّ: النصب أشهر، ويؤيده رواية عثمان بن مرّة الآتية بلفظ:
((فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم))، وأجاز الأزهريّ النصب على أن الفعل
عُدِّي إليه، وابن السيد الرفع، على أنه خبر ((إنّ))، و((ما)) موصولة، قال: ومن
نصب جعل ((ما)) زائدة كافّة لـ((إنّ)) عن العمل، وهو نحو: ﴿إِنََّا صَنَعُواْ كَيْدُ
سَحِّ﴾ [طه: ٦٩]، فقرئ بنصب ﴿كَيْدُ﴾، ورَفْعه.
ويدفعه أنه لم يقع في شيء من النُّسخ بفصل ((ما)) من ((إنّ))، وقوله: إن النار
تصوّت في بطنه كما يصوِّت البعير بالجرجرة مجازُ تشبيهٍ؛ لأن النار لا صوت
لها، كذا قيل، وفي النفي نظر لا يخفى، قاله في ((الفتح)»(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤ /٥٣٧٤ و٥٣٧٥ و٥٣٧٦] (٢٠٦٥)،
و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٦٣٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/٤ و١٩٦
و١٩٧)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٤١٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٢٤/٢
- ٩٢٥)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٠/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١١/
٦٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢٣/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/
٢٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٠/٦ و٣٠١ و٣٠٢ و٣٠٤)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (١٢١/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٤١ و٥٣٤٢)، و(الطبرانيّ)
في ((الكبير)) (٦٣٣/٢٣ و٦٣٤ و٦٣٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٩/١٢
و٣٤٥ و٣٦٩ و٤٣١)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٨٨/٤ و١٥٩)، و(ابن
الجعد) في («مسنده)) (٢٣٣/١ و٤٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٦/٥
و٢١٧ و٢١٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧/١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٠٣٠)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٦٩٦/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٤).

٤٩٣
(٢٤) - بَابُ التّهْيٍ عَنِ الأَْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَة الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - حديث رقم (٥٣٧٤)
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم استعمال آنية الذهب
والفضّة :
(اعلم): أن أحاديث الباب تدلّ على تحريم الأكل والشرب في آنية
الذهب والفضة على كل مكلّف، رجلاً كان، أو امرأةً، ولا يلتحق ذلك بالحُلي
للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء، قال القرطبيّ وغيره: في
الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويُلحق بهما
ما في معناهما مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال
الجمهور، وأغربت طائفة شذّت، فأباحت ذلك مطلقاً، ومنهم من قصر التحريم
على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة
في الأكل.
قال في ((الفتح)): واختُلِف في علة المنع، فقيل: إن ذلك يرجع إلى
عَيْنهما، ويؤيده قوله بير: (هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة)).
وقيل: لكونهما الأثمان، وقِيَم المتلفات، فلو أبيح استعمالهما لجاز
اتخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلّتهما بأيدي الناس، فيُجحف بهم، ومَثَّله
الغزاليّ بالحكام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس، فلو مُنعوا
التصرف لأخلّ ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين حَبْس لهما
عن التصرف الذي ينتفع به الناس، ويَرِد على هذا جواز الحلي للنساء من
النقدين، ويمكن الانفصال عنه، وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية، وبه
صرّح أبو علي السنجيّ، وأبو محمد الجوينيّ.
وقيل: علة التحريم السَّرَف والخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء، ويَرِدُ عليه
جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس، وأكثر قيمةً من
الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شَذّ، وقد نَقَل ابن الصباغ في ((الشامل))
الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعيّ، ومن بعده، لكن في زوائد العمرانيّ عن
صاحب الفروع نَقَل وجهين.
وقيل: العلة في المنع التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر؛ لثبوت الوعيد
لفاعله، ومجرد التشبه لا يَصِل إلى ذلك، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا حاجة إلى هذه التكلّفات الباردة،

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
فأيّ حاجة في البحث عن عّة مَنْع الشريعة عن شيء؟، هذا من فضول البحث،
لا يليق بالعاقل فضلاً عن العالم أن يشغل وقته به، فإن التعليل إن جاء
صريحاً، أو إشارة في النصّ اتُّبع، وإلا فلا حاجة إلى التكلّف، فتبصّر، ولا
تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق.
قال: واختُلِف في اتخاذ الأواني دون استعمالها، كما تقدم، والأشهر
المنع، وهو قول الجمهور، ورَخّصت فيه طائفة، وهو مبني على العلة في منع
الاستعمال، ويتفرع على ذلك غرامة أَرْش ما أُفسد منها، وجواز الاستئجار
عليها . انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: منع اتّخاذ الأواني يحتاج إلى دليل، فأين هو؟
فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
(ح) وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ
أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ
شُجَاعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ
الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثْنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا شَيَْانُ بْنُ
فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ
عَنْ نَافِعِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ،ً بِإِسْنَادِهِ، عَنْ نَافِعِ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ عَلِيٍّ
ابْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: ((أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ، أَوْ يَشْرَبُ فِيَّ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ))،
وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ الأَْلِ، وَالذَّهَبِ، إِلَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ).
رجال هذا الإسناد: واحِدٌ وعشرون:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث

٤٩٥
(٢٤) - بَابُ الّهْىٍ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آَنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - حديث رقم (٥٣٧٥)
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظً [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ) بن الوليد بن قيس السكونيّ، أبو همام بن أبي
بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م « ت ق) تقدم في ((الإيمان))
٤٠٢/٧٧.
٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م س) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٧ - (الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّميريّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق له خطأ
كثير [٨] (ت١٨٣) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٣٤/٨.
٨ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في
المغازي [٥] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٩ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الحَبَطَيّ الأُبليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِم، ورُمي
بالقدر، من صغار [٩] (ت٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
١٠ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ
إلا في حديث قتادة، ففيه ضعف [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦.
١١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ) ابن عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٨] (م س) تقدم
في ((النكاح)) ٣٤٦٧/٧.
والباقون تقدّموا قريباً .
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِع)؛ يعني: أن هؤلاء الخمسة، وهم: الليث بن
سعد، وأيوب السختيانيّ، وعبيد الله الْعُمَريّ، وموسى بن عقبة، وعبد الرحمن
السرّاج رووا هذا الحديث عن نافع بمثل رواية مالك عنه.
[تنبيه]: رواية الليث، عن نافع ساقها ابن ماجه ◌َّلهُ في («سننه»، فقال:

٤٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
(٣٤١٣) - حدّثنا محمد بن رُمْح، أنبأنا الليث بن سعد، عن نافع، عن
زيد بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم
سلمة، أنها أخبرته عن رسول الله * قال: ((إن الذي يشرب في إناء الفضة،
إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)). انتهى.
ورواية أيوب عن نافع، ساقها النسائيّ كَُّهُ في ((الكبرى))، فقال:
(٦٨٧٣) - أخبرنا عليّ بن حُجر، قال: أنا إسماعيل، عن أيوب، عن نافع،
عن زيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، عن النبيّ وَّ
قال: ((الذي يشرب في إناء من فضة، إنما يُجرجر في بطنه نار جهنم)). انتهى (١).
ورواية يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، ساقها النسائيّ تَظَّتُهُ
أيضاً في ((الكبرى))، فقال:
(٦٨٧٢) - أخبرني شعيب بن يوسف، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن
نافع، عن زيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أم
سلمة، عن النبيّ ◌َ ﴿ قال: ((إن الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في
بطنه نار جهنم)). انتهى(٢).
ورواية عليّ بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع ساقها ابن أبي شيبة تَخْذّتُهُ
في ((مصنّفه))، فقال:
(٢٤١٣٥) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا عليّ بن مُسهِر، عن عبيد الله،
عن نافع، عن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
بكر، عن أم سلمة زوج النبيّ ◌َر قالت: قال رسول الله وَله: ((إن الذي يأكل،
أو يشرب في آنية الذهب والفضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)). انتهى (٣).
ورواية موسى بن عُقبة عن نافع، ساقها أبو عوانة تَخّْثُ في ((مسنده))، فقال:
(٨٤٦٦) - حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، قثنا إسحاق بن إسماعيل،
قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن زيد بن
عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أمّ سلمة، عن النبيّ وَّه قال:
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ١٩٦/٤.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٠٣/٥.
(٢) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ١٩٥/٤.

٤٩٧
(٢٤) - بَابُ التّهْيٍ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَة الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - حديث رقم (٥٣٧٥)
((الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار)). انتهى(١).
ورواية عبد الرحمن السرّاج عن نافع، ساقها أبو عوانة تَّفُ أيضاً في
((مسنده))، مقروناً بأيوب، فقال:
(٨٤٥٧) - حدّثنا أحمد بن يوسف التغلبيّ صاحب أبي عبيد، وعباس
الدُّوريّ قالا: ثنا أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، وعبد الله
السراج، عن نافع، عن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي بكر، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله وَس9: ((إن الذي يشرب في آنية
فضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)). انتهى (٢).
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ الأَكْلِ، وَالذَّهَبِ، إِلَّ فِي حَدِيثٍ
ابْنِ مُسْهِرٍ) هذا إشارة إلى أن عليّ بن مسهر تفرّد بذكر الأكل، والذهب في
الحديث، مخالفاً للجماعة، والمراد بمخالفته مخالفة من رواه عن عبيد الله،
عن نافع، وإنما قيّدته بهذا؛ لأن في رواية عثمان بن مُرّة، عن عبد الله بن
عبد الرحمن التالية ذِكْر الذهب، والله تعالى أعلم.
ثم رأيت البيهقيّ دَّثُ حقّق الموضوع في ((الكبرى))، ودونك نصّه:
قال ◌َُّ بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال مسلم نَّثُ: وليس في حديث
أحد منهم - يعني: حديث الجماعة الذين رووه عن نافع، ثم الجماعة الذين
رووه عن عبيد الله بن عمر - ذكرُ الأكل، والذهب، إلا في حديث ابن مسهر،
ثم أخرج الحديث الآتي بعد هذا عند مسلم بسنده، عن عثمان بن مرّة، ثنا
عبد الله بن عبد الرحمن، عن خالته أم سلمة ﴿ثا قالت: قال رسول الله وَلاته:
((من شَرِب في إناء من ذهب، أو فضة، فإنما يُجرجر في بطنه ناراً من جهنم)).
ثم قال البيهقيّ: وفي هذا ذكر الذهب دون الأكل، وقد روينا ذكر الأكل
في حديث حُذيفة بن اليمان، ثم في حديث عليّ بن أبي طالب، وأنس بن
في ((كتاب الطهارة))، وبالله التوفيق. انتهى كلام البيهقيّ دَذوقُهُ(٣).
مالك
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه البيهقيّ أن تفرّد عليّ بن
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٢١٧/٥.
(٣) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ١٤٥/٤ - ١٤٦.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٢١٧/٥.

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
مسهر لا يضرّ بصحّة الحديث، أما بالنسبة للأكل فلحديث عثمان بن مرّة
المذكور، وأما بالنسبة إلى ذكر الذهب فَلِمَا له من الشواهد من حديث حُذيفة،
وعليّ، وأنس عته، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٧٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو
عَاصِم، عَنْ عُثْمَانَ - يَعْنِي: ابْنَ مُرَّةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ خَالَتِهِ
أُمّ سَلَّمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ شَرِبَ فِي إِنَّاءٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ،
فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) من
أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (عُثْمَانُ بْنٌّ مُرَّةَ) البصريّ، مولى قريش، لا بأس به [٧].
روى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف،
وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعاذ بن عبد الله بن خُبيب الجهنيّ، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن سعيد القطان، وعثمان بن عمر بن فارس، والنضر بن
شُميل، ورَوح بن عبادة، وعباس بن حماد بن زائدة، وأبو عاصم.
قال ابن معين: صالحٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم:
یکتب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث،
وله عند النسائيّ أيضاً حديث واحد في كراء الأرض.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ) فأم سلمة هي هند بنت أبي أميّة المخزوميّ،
كما أسلفته قريباً، وأمه هي قُريبة بنت أبي أميّة المخزوميّة(١)، فهو ابن أختها
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٩٦/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٤).

٤٩٩
(٢٤) - بَابُ النّهْيٍ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَة الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - حديث رقم (٥٣٧٦)
نسباً، فما كتبه بعض الشرّاح من قوله: لعلها خالته من الرضاعة خطأ، فليُتنبّه،
وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جَهَنَّمَ) قال الأبيّ: المراد بالنار:
المُهل، والحميم الذي يُسقاه، ويوصف بأنه نار، ويكون مما العقوبة فيه بجنس
الذنب، كما جاء في عقاب شارب الخمر. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخُّْ: اتَّفَقَ العلماء من أهل الحديث، واللغة، والغريب،
وغيرهم على كسر الجيم الثانية، من ((يُجَرْجِرُ))، واختلفوا في راء النار في
الرواية الأولى، فتقلوا فيها النصب، والرفع، وهما مشهوران في الرواية، وفي
كتب الشارحين، وأهل الغريب، واللغة، والنصب هو الصحيح المشهور الذي
جزم به الأزهريُّ، وآخرون من المحققين، ورجّحه الزجاج، والخطابيّ،
والأكثرون، وتؤيّده الرواية الثالثة: ((يجرجر في بطنه ناراً من جهنم))، قال:
ورويناه في ((مسند أبي عوانة الإسفراينيّ))، وفي ((الجعديات)) من رواية
عائشة ينا: ((إنما يجرجر في جوفه ناراً))، كذا هو في الأصول: ((نار)) من غير
ذکر جهنم.
وأما معناه: فعلى رواية النصب الفاعلُ هو الشارب مضمر في ((يُجرجر))؛
أي: يلقيها في بطنه، بجرع متتابع، يُسمَع له جرجرة، وهو الصوت؛ لتردده في
حلقه، وعلى رواية الرفع تكون النار فاعله، ومعناه: تصوّت النار في بطنه،
والجرجرة هي التصويت، وسُمِّي المشروب ناراً؛ لأنه يؤول إليها، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَ خُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا﴾
[النساء: ١٠].
وأما جهنم ـ عافانا الله منها، ومن كل بلاء - فقال الواحديّ: قال
يونس، وأكثر النحويين: هي عجمية لا تنصرف؛ للتعريف والعجمية، وسُمِّيت
بذلك؛ لِبُعد قَعْرها، يقال: بئر جهنام، إذا كانت عميقة القعر، وقال بعض
اللغويين: مشتقة من الجهومة، وهي الغِلَظ، سُمّيت بذلك؛ لِغِلَظ أمرها في
العذاب، والله أعلم.
(١) ((شرح الأبيّ)) ٣٦٩/٥.

٥٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
قال القاضي عياض نَّلهُ: واختلفوا في المراد بالحديث، فقيل: هو
إخبار عن الكفار من ملوك العجم، وغيرهم، الذين عادَتُهم فعل ذلك، كما قال
في الحديث الآخر: ((هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة))؛ أي: هم
المستعملون لها في الدنيا، وكما قال ◌َّ ر في ثوب الحرير: ((إنما يلبس هذا من
لا خلاق له في الآخرة»؛ أي: لا نصيب، قال: وقيل: المراد نهيُ المسلمين
عن ذلك، وأن من ارتكب هذا النهي استوجب هذا الوعيد، وقد يعفو الله عنه،
هذا كلام القاضي.
قال النوويّ تَخّْلُهُ: والصواب أن النهي يتناول جميع من يستعمل إناء
الذهب، أو الفضة، من المسلمين والكفار؛ لأن الصحيح أن الكفار مخاطبون
بفروع الشرع، والله أعلم.
وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب، وإناء
الفضة، على الرجل، وعلى المرأة، ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء، إلا
ما حكاه أصحابنا العراقيون أن للشافعيّ قولاً قديماً أنه يُكره، ولا يَحْرُم،
وحَكَوا عن داود الظاهريّ تحريم الشرب، وجواز الأكل، وسائر وجوه
الاستعمال، وهذان النقلان باطلان، أما قول داود فباطل؛ لمنابذة صريح هذه
الأحاديث في النهي عن الأكل والشرب جميعاً، ولمخالفة الإجماع قبله، قال
أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب، وسائر الاستعمال في
إناء ذهب، أو فضة، إلا ما حُكي عن داود، وقول الشافعيّ في القديم، فهما
مردودان بالنصوص، والإجماع، وهذا إنما يحتاج إليه على قول من يعتدّ بقول
داود فى الإجماع والخلاف، وإلا فالمحققون يقولون: لا يُعتدّ به لإخلاله
بالقياس، وهو أحد شروط المجتهد الذي يُعتدّ به.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ في حقّ داود الظاهريّ
قول مردود باطلٌ، فليس هناك محقّق قال بهذا، بل المحقّقون من زمان داود
إلى يومنا هذا لا يزالون يعتدّون بخلاف داود وغيره من الظاهريّة، ويعتبرونهم
من الأئمة المعتبرين في الوفاق والخلاف، وقد حقّقت هذا البحث في ((كتاب
الطهارة)) من شرح النسائيّ، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
قال: وأما قول الشافعيّ القديم، فقال صاحب ((التقريب)): إن سياق كلام