Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِيَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
و((ليمن الله))، الأخيرة نقلها الجوهريّ، وحينئذ يذهب الألف في الوصل، قال
نصيب [من الطويل]:
فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدتُهُمْ نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللهِ مَا نَذْرِي
كل ذلك اسم وُضع للقسم، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف،
والتقدير: أيمن الله قَسَمي، وايمن الله ما أُقسم به. انتهى ببعض تصرّف(١).
(مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّ رَبَا)؛ أي: زاد (مِنْ أَسْفَلِهَا)؛ أي: من
الموضع الذي أُخذت منه، (أَكْثَرُ مِنْهَا) ضبطوا ((أكثر)) في المواضع كلّها بالباء
الموحّدة، وبالثاء المثلّثة. (قَالَ) عبد الرحمن (حَتَّى شَبِعْنَا) بكسر الباء، قال
المجد: الشَّبْعُ بالفتح، وكعِنَبٍ: ضدّ الجوع، شَبِعَ كسَمِنَ خُبزاً ولحماً،
ومنهما، وأشبعته من الجوع، والشِّبْعُ بالكسر، وكعِنَبٍ: اسم ما أشبعك.
(فَإِذَا
انتهى (٢). (وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ)
هِيَ)؛ أي: الجفنة التي فيها الطعام (كَمَا هِيّ)؛ أي: كما كانت أوَّلاً (أَوْ أَكْثَرُ)
من الأول. (قَالَ) أبو بكر (لِمْرَأَتِهِ) أمّ رُومان (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟)
قال النوويّ كَّثُ: هذا خطاب من أبي بكر لامرأته أمّ رُومان چًا، ومعناه: يا
من هي من بني فراس، قال القاضي: فراس هو ابن غَنْم بن مالك بن كنانة،
ولا خلاف في نسب أم رومان إلى غنم بن مالك، واختلفوا في كيفية انتسابها
إلى غنم اختلافاً كثيراً، واختلفوا هل هي من بني فِراس بن غنم، أم من بني
الحارث بن غنم؟ وهذا الحديث الصحيح يؤيّد كونها من بني فراس بن غنم.
(٣)
انتھی(٣) .
وقال في ((الفتح)): وبنو فِراس - بكسر الفاء، وتخفيف الراء، وآخره
مهملة - ابن غنم بن مالك بن كنانة، وقال النوويّ: التقدير: يا مَن هي من بني
فراس، وفيه نظر، والعرب تُطلِقٍ على من كان منتسباً إلى قبيلة أنه أخوهم، كما
قال ضمام: أنا أخو بني سعد بن بكر.
وقد تقدم أن أم رومان من ذرية الحارث بن غنم، وهو أخو فراس بن
(١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٨٢٠٣/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٦٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٤.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
غنم، فلعل أبا بكر نسبها إلى بني فراس؛ لكونهم أشهر من بني الحارث، ويقع
في النسب كثيرٌ من ذلك، ويُنسبون أحياناً إلى أخي جدّهم، أو المعنى: يا
أخت القوم المنتسبين إلى بني فراس، ولا شك أن الحارث أخو فراس، فأولاد
كل منهما إخوة للآخرين؛ لكونهم في درجتهم.
وحَكَى عياض أنه قيل في أم رومان: إنها من بني فراس بن غنم، لا من
بني الحارث، وعلى هذا فلا حاجة إلى هذا التأويل، قال الحافظ: ولم أر في
كتاب ابن سعد لها نسباً إلا إلى بني الحارث بن غنم، ساق لها نَسَبَيْن
مختلفين، فالله أعلم. انتهى(١).
(قَالَتْ) أمّ رومان ◌َوْهَا (لَا، وَقُرَّةٍ عَيْنِي) قال أهل اللغة: قُرّة العين يُعبَّر بها
عن المسرّة، ورؤية ما يحبه الإنسان، ويوافقه، قيل: إنما قيل ذلك: لأن عينه
تَقَرّ لبلوغه أمنيته فلا يستشرف لشيء، فيكون مأخوذاً من القرار، وقيل: معناه:
أنام الله عينك، وهو يرجع إلى هذا، وقيل: مأخوذ من القُرّ بالضمّ، وهو
البَرْد؛ أي: عينه باردة لسرورها، وعدم مُقْلقها، قال الأصمعيّ وغيره: أقرّ الله
عينه؛ أي: أبرد دمعته؛ لأن دمعة الفرَح باردة، ودمعة الحزن حارّة، ولهذا يقال
في ضدّه: أسخن الله عينه، قال صاحب ((المطالع)): قال الداوديّ: أرادت بِقُرَّة
عَيْنِها النبيّ بَّهِ، فأقسمت به، وفيه بُعدٌ.
ولفظة ((لا)) في قولها: ((لا وقرّة عيني)) زائدة، ولها نظائر مشهورة،
ويَحْتَمِل أن تكون نافيةً، وفيه محذوف؛ أي: لا شيء غير ما أقول، وهو:
وقرّة عيني لهي أكثر منها، ذكره النوويّ تَذَتُهُ(٢).
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر ما تقدّم ما نصّه: وإنما حلفت أم رُومان ◌َّا
بذلك لِمَا وقع عندها من السرور بالكرامة التي حصلت لهم ببركة
مضى
(٣)
الصدّيق
(لَهِيَ الآنَ)؛ أي: في الوقت الحاضر، وهو ما بعد الأكل منها، (أَكْثَرُ)
(١) ((الفتح)) ٢٥٢/٨ - ٢٥٣، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩/١٤ - ٢٠.
(٣) ((الفتح)) ٢٥٢/٨ - ٢٥٣، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٤٣
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
بالثاء المثلّثة، وضَبَطه بعضهم بالباء الموحّدة، (مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ مِرَارٍ، قَالَ)
عبد الرحمن (فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ) أبو بكر ◌َه (إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ، يَعْنِي يَمِينَهُ)؛ أي: حَلِفَه على عدم الأكل من ذلك الطعام بسبب غضبه
على أهل بيته، وثم على الأضياف.
والمعنى: إنما كان الشيطان هو الحاملَ على ذلك، يعني الحامل على
يمينه التي حلفها في قوله: ((والله لا أطعمه)).
قال في ((الفتح)): وظاهر هذا السياق مخالف لرواية الجريريّ الآتية، فقال
عياض: في هذا السياق خطأ، وتقديم، وتأخير، ثم ذكر ما حاصله: أن
الصواب ما في رواية الجريريّ، وهو أن رواية سليمان التيميّ هذه تقتضي أن
سبب أكل أبي بكر من الطعام ما رآه من البركة فيه، فرغب في الأكل منه،
وأعرض عن يمينه التي حلف، لِمَا رَجَح عنده من التناول من البركة، ورواية
الجريريّ تقتضي أن سبب أكله من الطعام لَجاج الأضياف، وحَلِفهم بأنهم لا
يَطعمون من الطعام، حتى يأكل أبو بكر، ولا شك في كونها أوجه، لكن يمكن
ردّ رواية سليمان التيميّ إليها بأن يكون قوله: ((فأكل منها أبو بكر)) معطوفاً على
قوله: ((والله لا أطعمه))، لا على القصة التي دلّت على بركة الطعام، وغايته أن
حَلِفِ الأضياف أن لا يَطعموه لم يقع في رواية سليمان، والله أعلم.
قال الحافظ تَّتُهُ: ثم ظهر لي أن ذلك من معتمر بن سليمان، لا من
أبيه، فقد وقع في ((كتاب الأدب)) عند البخاريّ من رواية ابن أبي عديّ، عن
سليمان التيميّ: ((فحلفت المرأة لا تطعمه حتى تطعموه، فقال أبو بكر: كأن
هذه من الشيطان، فدعا بالطعام، فأكل، وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون اللقمة إلا
رَبًا من أسفلها)).
ويَحْتَمِل أن يُجمع بأن يكون أبو بكر أكل لأجل تحليل يمينهم شيئاً، ثم
لَمّا رأى البركة الظاهرة عاد، فأكل منها؛ لتحصل له، وقال كالمعتذر عن يمينه
التي حلف: ((إنما كان ذلك من الشيطان)).
قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن هذا الاحتمال، وأليقه بالمقام، وأما
الاحتمال الأول الذي أدّى إلى دعوى التقديم والتأخير ونحو ذلك، فلا يخفى
بُعده، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق.

٤٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
والحاصل أن الله أكرم أبا بكر ظته، فأزال ما حصل له من الحرج، فعاد
مسروراً، وانفك الشيطان مدحوراً، واستعمل الصدّيق مكارم الأخلاق، فحَنَّث
نفسه زيادةً في إكرام ضِيفانه؛ ليحصل مقصوده من أكلهم، ولكونه أكثر قدرةً
منهم على الكفارة. انتهى(١).
(ثُمَّ أَكَلَ) أبو بكر ◌َهُ (مِنْهَا)؛ أي: من تلك الجفنة، (لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَأَصْبَحَتْ) الجفنة (عِنْدَهُ) وَِّ. (قَالَ) عبد الرحمن (وَكَانَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْم عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً) قال النوويّ تَخْتُهُ:
هكذا هو في معظم النسخ: ((فَعَرَّفنا)) بالعين، وتشديد الراء؛ أي: جعلنا عُرفاء،
وفي كثير من النسخ: ((ففرقنا)) بالفاء المكرّرة في أوله، وبقاف، من التفريق؛
أي: جُعِل كل رجل من الاثني عشر مع فرقة، فهما صحيحان، ولم يذكر
القاضي هنا غير الأول.
وقوله: (فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً) قال النوويّ تَخْلَقُ: هكذا هو في معظم
النسخ، وفي نادر منها: ((اثني عشر))، وكلاهما صحيح، والأول جارٍ على لغة
مَن جَعَل المثنى بالألف في الرفع، والنصب، والجرّ، وهي لغة أربع قبائل من
العرب، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ﴾ [طه: ٦٣]، وغير ذلك، وقد
سبقت المسألة مرات. انتهى(٢).
(مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسُ اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ؟ إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ
مَعَهُمْ)؛ يعني: أنه تحقّق أنه جعل عليهم اثنا عشر عَرِيفاً، لكنه لا يدري كم
كان تحت يد كل عريف منهم؛ لأن ذلك يَحْتَمِل الكثرة والقلة، غير أنه يتحقق
أنه بعث معهم أي مع كل ناس عَريفاً، (فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) هو
شكّ من أبي عثمان في لفظ عبد الرحمن، وأما المعنى: فالحاصل أن جميع
الجيش أكلوا من تلك الجفنة التي أرسل بها أبو بكر إلى النبيّ وَّر، وظهر
بذلك أن تمام البركة في الطعام المذكور كانت عند النبيّ بيتر؛ لأن الذي وقع
فيها في بيت أبي بكر ظهور أوائل البركة فيها، وأما انتهاؤها إلى أن تكفي
(١) ((الفتح)) ٢٥٢/٨ - ٢٥٣ - ٢٥٤، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٤.

٤٤٥
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٤)
الجيش كلهم فما كان إلا بعد أن صارت عند النبيّ وَّر على ظاهر الخبر، والله
أعلم.
وقد رَوَى أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث سمرة ظ به قال: ((أُتِي
النبيّ ◌َ﴿ بقَصْعة فيها ثريد، فأكل، وأكل القوم، فما زالوا يتداولونها إلى قريب
من الظهر، يأكل قوم، ثم يقومون، ويجيء قوم، فيتعاقبونه، فقال رجل: هل
كانت تُمَدّ بطعام؟ قال: أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تُمَدّ من
السماء)).
قال الحافظ: قال بعض شيوخنا: يَحْتَمِل أن تكون هذه القصعة هي التي
وقع فيها في بيت أبي بكر ما وقع(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا
(المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق
متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٥٤/٢٠ ٥٣٥٥] (٢٠٥٧)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٦٠٢) و((المناقب)) (٣٥٨١) و((الأدب)) (٦١٤٠ و٦١٤١)، و(أبو
داود) (٣٢٧٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٩٧/١ و١٩٨)، و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (٢٠٤/٥ و٢٠٦)، و(البزار) في ((مسنده)) (٢٢٧/٦)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٤/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التجاء الفقراء إلى المساجد عند الاحتياج إلى
المواساة، إذا لم يكن في ذلك إلحاح، ولا إلحاف، ولا تشويش على
المصلين، واستحباب مواساتهم عند اجتماع هذه الشروط.
٢ - (ومنها): مشروعيّة التوظيف في المخمصة.
(١) ((الفتح)) ٢٥٥/٨ - ٢٥٦ - ٢٥٤، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٣ - (ومنها): جواز الغَيبة عن الأهل والولد والضيف، إذا أُعدت لهم
الكفاية، قاله في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ تَخُّْ: فيه جواز ذهاب مَن عنده ضِيفان إلى أشغاله،
ومصالحه، إذا كان له من يقوم بأمورهم، ويسد مسدّه، كما كان لأبي بكر هنا
عبد الرحمن ﴿ًا. انتهى (٢).
٤ - (ومنها): فيه بيان ما كان عليه أبو بكر به من الحبّ للنبيّ وَّوله
والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره، على الأهل، والأولاد، والضيفان،
وغيرهم.
٥ - (ومنها): أن فيه تصرفَ المرأة فيما تُقَدِّم للضيف، والإطعام بغير إذن
خاصّ من الرجل.
٦ - (ومنها): جوازُ سبّ الوالد للولد على وجه التأديب، والتمرين على
أعمال الخير، وتعاطيه.
٧ - (ومنها): جواز الحلف على ترك المباح.
٨ - (ومنها): توكيد الرجل الصادق لِخَبره بالقَسَم.
٩ - (ومنها): جواز الحنث بعد عقد اليمين.
١٠ - (ومنها): عرض الطعام الذي تظهر فيه البركة على الكبار، وقبولهم
ذلك.
١١ - (ومنها): العمل بالظنّ الغالب؛ لأن أبا بكر ظنّ أن عبد الرحمن
فَرّط في أمر الأضياف، فبادر إلى سبّه، وقَوَّى القرينة عنده اختباؤه منه.
١٢ - (ومنها): بيان ما يقع من لطف الله تعالى بأوليائه، وذلك أن خاطر
أبي بكر ظُه تشوّش، وكذلك ولده، وأهله، وأضيافه بسبب امتناعهم من
الأكل، وتكدّر خاطر أبي بكر رُه من ذلك حتى احتاج إلى ما تقدم ذكره من
الحرج بالحَلِف، وبالحنث، وبغير ذلك، فتدارك الله ذلك، ورفعه عنه بالكرامة
التي أبداها له، فانقلب ذلك الكَدَر صفاءً، والنكد سروراً، ولله الحمد والمنة.
(١) ((الفتح)) ٢٥٦/٨، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٤.

٤٤٧
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٥)
١٣ - (ومنها): أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها فَعَل
ذلك، وكَفَّر عن يمينه، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
١٤ - (ومنها): حَمْلُ الْمُضِيف المشقّة على نفسه في إكرام ضيفانه، وإذا
تعارض چنثه وچِنْثهم حَنَّث نفسه؛ لأن حقهم علیه آكد.
١٥ - (ومنها): أن فيه كرامةً ظاهرةً لأبي بكر الصديق حُبه، وفيه إثبات
كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السُّنَّة، خلافاً للمعتزلة، قاله النوويّ تَذْتُهُ(١).
١٦ - (ومنها): أن فيه دليلاً لجواز تفريق العرفاء على العساكر، ونحوها،
وفي ((سنن أبي داود)): ((العِرافة حقّ))(٢)؛ لِمَا فيه من مصلحة الناس، وليتيسَّر
ضَبْط الجيوش ونحوها على الإمام باتخاذ العرفاء، وأما الحديث الآخر:
((العرفاء في النار))(٣)، فمحمول على العرفاء المقصرين في ولايتهم المرتكبين
فيها ما لا يجوز، كما هو معتاد لكثير منهم، قاله النوويّ كَّتُهُ(٤)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٥] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحِ الْعَطَّارُ،
عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا
أَضْيَافٌ لَنَا، قَالَ: وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ،
وَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِثْنَا بِقِرَاهُمْ، قَالَ:
فَأَبَوْا، فَقَالُوا: حَتَّى بَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا، فَيَطْعَمَ مَعَنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُ رَجُلٌ
حَدِيدٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ أَذَّى، قَالَ: فَأَبَوْا، فَلَمَّا جَاءَ لَمْ
يَبْدَأُ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟ قَالَ: قَالُوا: لَا، وَاللهِ مَا
فَرَغْنَا، قَالَ: أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: وَتَتَخَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤/ ٢٠.
(٢) أخرجه أبو داود في ((سننه)) ١٣١/٣ وهو ضعيف، في سنده مجهول.
(٣) هو جزء من الحديث السابق، ضعيف؛ لِمَا مَرّ.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٠/١٤.

٤٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
قَالَ: فَتَنَخَّيْتُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي إِلَّا
جِئْتَ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا لِي ذَنْبٌ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ، قَدْ أَتَيْتُهُمْ
بِقِرَاهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يَطْعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟
قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: فَوَ اللهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَقَالُوا: فَوَ اللهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى
تَطْعَمَهُ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ، وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا عَنَّا
قِرَاكُمْ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ، هَلُمُّوا قِرَاكُمْ، قَالَ: فَجِيءَ
بِالطَّعَامِ، فَسَمَّى، فَأَكَلَ، وَأَكَلُوا، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِّ ◌َِّ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ بَرُّوا، وَحَنِثْتُ، قَالَ: فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ، وَأَخْيَرُهُمْ))، قَالَ:
وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ الْعَطَّارُ) أبو سعيد البصريّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩]
مات بعد المائتين (بخ مَّ د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٥٥٪
١٥٣٢.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل
موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
څله من عند
وقوله: (نَزَّلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا) هم الذين جاء بهم أبو بكر
رسول الله وَ﴿ كما بُيّن في الرواية السابقة.
وقوله: (وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللهَِ﴿ مِنَ اللَّيْلِ) ((إلى)) بمعنى
((عند))، و((من)) بمعنى ((في))، أو هي للتبعيض.
وقوله: (فَانْطَلَقَ)؛ أي: أراد أبو بكر ◌َُّه أن يذهب إلى النبيّ وَله.
وقوله: (اقْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ)؛ أي: انته من ضيافهم، يقال: فَرِغ؛ كمنع،
وسَمِعَ، ونَصَرَ فُرُوغاً، وفَرَاغاً، فهو فَرِغٌ، وفارٌ: خلا ذَرْعه، وفرغ له، وإليه:

٤٤٩
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٥)
قصد، قاله المجد تَذّثهُ(١).
وقوله: (جِثْنَا بِقِرَاهُمْ) بكسر القاف، والقصر، يقال: قَرَيتُ الضيفَ
أقريه، من باب رَمَى، قِرَى بالكسر، والقصر، وبالفتح والمدّ: إذا أضفته(٢).
وقوله: (حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا)؛ أي: صاحبه.
وقوله: (إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ)؛ أي: فيه قُوّةٌ وصلابةٌ، ويَغْضَب لانتهاك
الحرمات والتقصير في ضيفه، ونحو ذلك(٣).
وقوله: (لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ) بجرّ (أول)) صفة لـ((شيء))، وهو غير
منصرف للصفة ووزن الفعل، وهو بمعنى أسبق.
[تنبيه]: ((أوّل)) أصله أوأل، قُلبت الهمزة التي بعد الواو واواً، وأُدغمت
الواو الأُولى فيها، فصار أَوَّل، وقيل: وَوْأل، قُلبت الواو الأولى همزةً،
وقُلبت الهمزة التي بعد الواو واواً، وأدغمت الواو الأولى فيها، ففيه أعمالٌ
ثلاثٌ، وعلى القول الأول عَملان، ولذا رُجّح بقلّة الأعمال التصريفيّة فيه، قال
الحفنيّ: وبدليل قولهم في الجمع أوائل بالهمز، ولم يقولوا: أواول، وهو لا
يستلزم ثانياً؛ لأن معناه: ابتداء الشيء، ويُستعمل صفةً بمعنى أسبق، فيُمنع من
الصرف؛ للوصفيّة ووزن الفعل، ويمتنع حينئذ تأنيثه بالتاء، ودخول ((من)) عليه،
ويُستعمل اسماً بمعنى سابق، نحو لقِيته عاماً أوّلا، نحو قولهم: ما له أوّلُ ولا
آخرٌ، فيُصرف، ويؤنّث بالتاء، ويُستعمل ظرفاً، نحو رأيت الهلال أوّل الناس؛
أي: قبلهم، قال ابن هشام: وهذا هو الذي إن قُطع عن الإضافة بُني على
الضمّ. انتهى كلام الحفنيّ، ونظم الأجهوريّ ذلك، فقال [من الطويل]:
فَمَنْعُ انْصِرَافٍ فِیهِ أَمْرٌ مُحَتَّمُ
إِذَا أَوَّلُ قَدْ جَاءَ مَعْنَاهُ أَسْبَقُ
فَكُنْ حَافِظاً لِلْعِلْمِ تَحْظَى وَتَغْتَمُ
لِوَصْفٍ وَوَزْنِ الْفِعْلِ فِيهِ أَيَا فَتَّى
كَقَبْلُ مِنَ الأَحْوَالِ وَاللهُ أَعْلَمْ
وَمَا جَاءَ ظَرْفاً مِثْلَ قَبْلُ فَذَا لَهُ
انتهى من ((حاشية محمد عبادة العدويّ على شرح شُذور الذهب)»(٤).
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٩٩٠.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠٥٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢١/١٤.
(٤) ((حاشية محمد عبادة العدويّ على شرح شُذور الذهب)) ٦/١.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وقال الفيّوميّ تَخُّْ: الأَوَّلُ: مُفْتَتَح العدد، وهو الذي له ثانٍ، ويكون
بمعنى الواحد، ومنه في صفات الله تعالى هو الأَوَّلُ؛ أي: هو الواحد الذي لا
ثاني له، وعليه استعمال المصنِّفين في قولهم: وله شروط: الأَوَّلُ كذا، لا يراد
به السابق الذي يترتب عليه شيء بعده، بل المراد الواحد، وقول القائل: أول
وَلَدٍ تَلِده الأَمَةُ حُرُّ محمول على الواحد أيضاً، حتى يتعلق الحكم بالولد الذي
تلده سواءٌ ولدت غيره أم لا .
إذا تقرر أنَّ الأول بمعنى الواحد، فالمؤنثة هي الأُوْلَى، بمعنى الواحدة
أيضاً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: سوى الموتة
التي ذاقوها في الدنيا، وليس بعدها أخرى، وقد تقدم في الآخر أنه يكون
بمعنى الواحد، وأن الأخرى بمعنى الواحدة، فقوله في ولوغ الكلب: ((يُغسَل
سبعاً))، في رواية: ((أُولاهُنَ))، وفي رواية: ((أُخْرَاهُنَّ))، وفي رواية: ((إِحْدَاهُنَّ)،
الكل ألفاظ مترادفة على معنى واحد، ولا حاجة إلى التأويل، وتَنَبَّهْ لهذه
الدقيقة، وتخريجها على كلام العرب، واستَغْنِ بها عما قيل من التأويلات،
فإنها إذا عُرِضت على كلام العرب لا يقبلها الذوق.
وتجمع الأُوْلَى على الأُوْلَيَاتِ، والأُوَلِ، والعشرُ الأُوَلُ، والأَوَائِلُ
أيضاً؛ لأنه صفة الليالي، وهي جمع مؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ
﴾ [الفجر: ١، ٢]، وقول العامة: ((العَشْرُ الأَوَّلُ)) بفتح الهمزة،
٢
وَلَالٍ عَشْرٍ
وتشديد الواو خطأ .
وأما وزن أَوّل قيل: فوعل، وأصله وَوْوَلٌ، فقُلبت الواو الأُولى همزة،
ثم أُدغم، ولهذا اجترأ بعضهم على تأنيثه بالهاء، فقال: أَوَّلَةٌ، وليس التأنيث
بالمرضيّ، وقال المحققون: وزنه أفعل، من آل يؤول: إذا سَبَقَ، وجاء، ولا
يلزم من السابق أن يلحقه شيء، وهذا يؤيد ما سَبَق من قولهم: أول ولد تلده؛
لأنه بمعنى ابتداء الشيء، وجائز أن لا يكون بعده شيء آخر، وتقول: هذا أول
ما كَسَبت، وجائز أن لا يكون بعده كَسْب آخر، والمعنى: هذا ابتداء كسبي،
والأصل: أأول بهمزتين، لكن قُلبت الهمزة الثانية واواً، وأدغمت في الواو،
قال الجوهريّ: أصله أوأل بهمز الوسط، لكن قُلبت الهمزة واواً للتخفيف،
وأدغمت في الواو، والجمع: الأَوَائِلُ، وجاء في أَوَائِل القوم: جمع أول؛

٤٥١
(٢٠) - بَابُ إِنْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٥)
أي: جاء في الذين جاءُوا أوّلاً، ويُجمع بالواو والنون أيضاً، وسمع أُوَلٌ،
بضم الهمزة، وفتح الواو، مخففةً، مثل أكبر، وكُبَر.
وفي ((أَوَّلَ)) معنى التفضيل، وإن لم يكن له فعلٌ، ويُستعمل كما يستعمل
أفعل التفضيل، من كونه صفة للواحد، والمثنى، والمجموع، بلفظ واحد، قال
تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِّ﴾ [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْصََ
النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٦]، ويقال: الأَوَّلُ، وأَوَّلُ القوم، وأَوَّلُ من القوم، ولمّا
استُعْمِل استعمال أفعل التفضيل انتصب عنه الحال، والتمييز، وقيل: أنت أَوَّلُ
دخولاً، وأنتما أَوَّلُ دخولاً، وأنتم أَوَّلُ دخولاً، وكذلك في المؤنث، (فَأَوَّلُ)
لا ينصرف؛ لأنه أفعل التفضيل، أو على زِنَته، قال ابن الحاجب: أَوَّلُ أفعل
التفضيل، ولا فعل له، ومثله آبَلُ، وهو صفة لمن أحسن القيام على الإبل،
قال: وهذا مذهب البصريين، وهو الصحيح؛ إذ لو كان على فوعل كما ذهب
إليه الكوفيون، لقيل: أولةٌ بالهاء، وهذا كالتصريح بامتناع الهاء، وتقول: عامٌ
أولُ، إن جعلته صفة لم تصرفه؛ لوزن الفعل والصفة، وإن لم تجعله صفة
صرفتَ، وجاز عامُ الأولِ بالتعريف والإضافة، ونقل الجوهريّ عن ابن
السِّكِّيت مَنْعها، ولا يقال: عامَ أولَ على التركيب. انتهى ما كتبه
الفيّوميّ كَُّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟)؛ أي: من قِراهم، وضيافتهم.
وقوله: (وَتَنَخَّيْتُ عَنْهُ)؛ أي: ابتعدت عن مكان أبي بكر ◌ُته؛ لئلا
يلحقني منه ضرر.
وقوله: (مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟) قال القاضي عياض تَُّهُ: قوله:
((لا)) هو بتخفيف اللام على التحضيض، واستفتاح الكلام، هكذا رواه
الجمهور، قال: ورواه بعضهم بالتشديد، ومعناه: ما لكم لا تقبلوا قراكم؟ وأيّ
شيء منعكم ذلك، وأحوجكم إلى تركه؟ انتهى(٢).
وقال القرطبيّ بعد ذكر كلام عياض المذكور: قلت: ويلزم على هذا
ثبوت النون من ((تقبلون))؛ إذ لا موجب لحذفها مع الاستفتاح، قال: ((وما
(١) ((المصباح المنير)) ٢٩/١ - ٣١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١/١٤.

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
لكم)) استفهام إنكاريّ، وعند ابن أبي جعفر بتشديد اللام على زيادة ((لا))، كما
في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، و﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ
السَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢]. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ويلزم ثبوت النون ... إلخ)) فيه أنه قد
جاء حذف النون بلا ناصب، ولا جازم(٢)، ومنه حديث: ((والذي نفس محمد
بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا ... )) الحديث(٣)،
وقول الشاعر:
أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي
وقوله: (قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ ... إلخ) القائل هو أبو بكر ظُه، ويَحْتَمل
أن يكون عبد الرحمن، والأول أولى.
وقوله: (كَالشَّرِّ) الكاف بمعنى ((مثل))؛ أي: مثل الشرّ الواقع في هذه الليلة.
وقوله: (كَاللَّيْلَةِ) بدل من «کالشرّ»، على حذف مضاف؛ أي: كشرّ هذه
الليلة .
وقوله: (قَطُّ) بضمّ الطاء المشدّدة: ظرف مستغرِق لِمَا مضى من الزمان،
ضدّ عَوْضُ(٤)؛ أي: لم أر فيما مضى من الزمان مثل الشر الذي وقع في هذه
الليلة مع هؤلاء الأضياف.
وقوله: (قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ) فاعل ((قال)) الأول ضمير
عبد الرحمن، والثاني ضمير أبي بكر څًا.
وقوله: (أَمَّا الأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ) قال القاضي عياض ◌َخْتُ: يعني حَلِفِه
أن لا يطعمه، وقد جاء كذا في الحديث نفسِهِ مفسّراً، وقيل: أراد أن اللقمة
الأُولى للشيطان؛ أي: لِقَمعه، وإرغامه، ومخالفته في مراده باليمين، وهو إيقاع
(١) ((المفهم)) ٣٤٠/٥.
(٢) راجع: ((الكافية الشافية)) وشرحها لابن مالك تخلثم ٢١٠/١.
(٣) حديث صحيح، رواه أصحاب السنن بهذا اللفظ، ورواه مسلم أيضاً كذلك في
بعض نُسخه، ووقع في بعضها بلفظ: ((لا تدخلون الجنّة ... إلخ)).
(٤) ((عَوْضُ)) بمعنى الزمن المستقبل، ضد ((قَطُ)).

٤٥٣
(٢٠) - بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَفَضْلِ إِثَارِهِ - حديث رقم (٥٣٥٥)
الوحشة بينه وبين أضيافه، فأخزاه أبو بكر ظ به بالحِنث الذي هو خير (١).
وقوله: (هَلُمُّوا قِرَاكُمْ)؛ أي: أحضروه.
وقوله: (فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿)؛ أي: لَمّا دخل أبو بكر
في الصباح ذهب أول النهار إلى النبيّ وَّر؛ ليُخبره بما جرى بينه وبين أضيافه
تلك الليلة.
وقوله: (بَرُّوا) بفتح الموحّدة، وتشديد الراء، يقال: بَرِرْتَ، وبَرَرْتَ،
بفتح الراء، وكسرها، وبَرّت اليمين تَبَرّ، كيَمَلّ، ويَحِلّ، بِرّاً، بالكسر، وبَرّاً
بالفتح، وبُرُوراً، وأبرّها: أمضاها على الصدق، قاله المجد كَذَتُهُ، وقال أيضاً:
البَرّ في اليمين بالفتح، ويُكسر: الصدق(٢).
وقوله: (وَحَيِثْتُ) من باب عَلِمَ، يقال: حَنِث في يمينه يَحْنَثُ حِنْثاً: إذا
لم يَفِ بموجبها، قاله الفيّومِيّ ◌َقْذَهُمُ(٣).
والمعنى: أنّ الأضياف بَرُّوا في يمينهم؛ لأنهم حلفوا أن لا يأكلوا إلا
إذا أكل، وقد أكل معهم، وحنثت أنا في يميني؛ لأنني حلفت أن لا آكل من
ذلك الطعام مطلقاً، ثم أكلت، فحنثت في يميني.
وقوله: ((بَلْ أَنْتَ أَبُرُّهُمْ)؛ أي: أكثرهم طاعةً، وخيرٌ منهم؛ لأنك حَنِثت
في يمينك حِنثاً مندوباً إليه، محثوثاً عليه، فأنت أفضل منهم.
وقوله: (وَأَخْيَرُهُمْ))) هكذا هو في جميع النُّسخ: ((وأخيرهم)) بالألف،
وهي لغة سبق بيانها مرات، قاله النوويّ (٤) .
قال الجامع عفا الله عنه: أخير، وأشرّ أصلان لخير وشرّ، قال ابن
مالك كَخْلُ في ((الكافية)):
وَغَالِباً أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرّ عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ
وقوله: (قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ) فاعل ((قال)) يَحْتَمل أن يكون ضمير أبي
عثمان النَّهْديّ، وهو الظاهر، ويَحْتَمِل أن يكون مَن دونه، والله تعالى أعلم.
(١) (شرح النوويّ)) ٢٢/١٤، و((إكمال المعلم)) ٥٥١/٦.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٩٤.
(٤) (شرح النوويّ)) ٢٢/١٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٥٤/١.

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وقوله: (وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ) قال النوويّ ◌َُّ: يعني: لم يبلغني أنه كفّر
قبل الحنث، فأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه؛ لقوله وصاجر: ((من حلف على
يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه))، وهذا
نصّ في عين المسألة، مع عموم قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنُّ
فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ووقع في رواية الجريريّ عند مسلم: ((فقال
أبو بكر: يا رسول الله بَرُّوا، وحَنِثت، فقال: بل أنت أبرّهم، وأخيرهم،
قال: ولم يبلغني كفّارة))، وسقط ذلك من رواية الجريريّ عند المصنف
- يعني: البخاريّ - وكأن سبب حذفه لهذه الزيادة أن فيها إدراجاً بيّنته رواية
أبي داود، حيث جاء فيها: ((فأخبرت - بضم الهمزة - أنه أصبح، فغدا على
النبيّ وَل ... إلخ)).
وقوله: ((أبرّهم))؛ أي: أكثرهم بِرّاً؛ أي: طاعةٌ.
وقوله: ((وأخيرهم))؛ أي: لأنك حَنِثت في يمينك حنثاً مندوباً إليه
مطلوباً، فأنت أفضل منهم بهذا الاعتبار.
وقوله: ((ولم تبلغني كفارة)) استُدِلّ به على أنه لا تجب الكفارة في يمين
الدجاج والغضب، ولا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم من عدم الذّكر عدم الوجود،
فلمن أثبت الكفارة أن يتمسَّك بعموم قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ
فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع
قبل مشروعية الكفارة في الأيمان، لكن يعكُّر عليه ما ثبت من حديث عائشة أن
أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتى نزلت الكفارة.
وقال النوويّ: قوله: ((ولم تبلغني كفارة))؛ يعني: أنه لم يكفِّر قبل
الحنث، فأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه، كذا قال، وقال غيره: يَحْتَمِل
أن يكون أبو بكر لَمّا حلف أن لا يطعمه أضمر وقتاً معيناً، أو صفة
مخصوصة؛ أي: لا أطعمه الآن، أو لا أطعمه معكم، أو عند الغضب، وهو
مبني على أن اليمين هل تقبل التقييد في النفس أم لا؟ ولا يخفى ما فيه من
التكلف.
وقول أبي بكر ظُه: ((والله لا أطعمه أبداً)) يمين مؤكدةٌ، ولا تَحتمل أن

٤٥٥
(٢١) - بَابُ فَضِيلَةِ الْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَأَنَّ طَعَامَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٥٦)
تكون من لغو الكلام، ولا من سَبْق اللسان. انتهى (١)، والله تعالى أعلم
بالصواب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢١) - (بَابُ فَضِيلَةِ الْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ الْقَلِيلِ،
وَأَنَّ طَعَامَ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ، وَنَحْوٍ ذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٦] (٢٠٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((طَعَامُ
الإِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ
[١٠] (ت٢٢٦) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله الإمام الحجة الثبت القدوة
الفقيه، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة [٧] (ت١٧٩) (ع) وقد بلغ تسعين سنةً،
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨.
٣ - (أَبُو الزّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقةُ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ المشهور ◌َظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وهو مسلسل بالمدنيين، غير شيخه،
وقد دخل المدينة، وهو أصحّ أسانيد أبي هريرة به على ما نُقل عن بعضهم،
(١) (الفتح)) ٢٥٤/٨ - ٢٥٥، كتاب ((المناقب)) رقم (٣٥٨١).

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة تظلله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َُّهُ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((طَعَامُ الإِثْنَيْنِ)؛
أي: المُشْبِع لهما، (كَافِي الثَّلاثَةِ)؛ أي: لِقُوْتِهم، (وَطَعَامُ الثَّلاثَةِ)؛ أي:
المشبع لهم (كَافِي الأَرْبَعَةِ)))؛ أي: لِقُوْتِهم.
وفي حديث جابر ظ ◌ُه الآتي بعد هذا عند مسلم مرفوعاً: ((طعام الواحد
يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية))،
وعند ابن ماجه من حديث عمر رُه: ((إن طعام الواحد يكفي الاثنين، وإن
طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وإن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة))،
وقال المهلَّب: المراد بهذه الأحاديث الحضّ على المكارمة، والتقنع بالكفاية؛
يعني: وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة، وأنه
ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، ورابع أيضاً بحَسَب من يحضر.
وعند الطبرانيّ ما يرشد إلى العلة في ذلك، وأوله: «كُلُوا جميعاً، ولا
تفرَّقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين ... )) الحديث، فيؤخذ منه أن الكفاية
تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر زادت البركة.
وقيل: معناه: إن الله يضع من بركته فيه ما وَضع لنبيه ◌َّ، فيزيد حتى
یکفیھم.
قال ابن العربيّ: وهذا إذا صحّت نيّتهم، وانطلقت ألسنتهم به، فإن
قالوا: لا يكفينا قيل لهم: البلاء موكّل بالمنطق.
وقال العز بن عبد السلام في ((الأمالي)): إن أُريدَ الإخبار عن الواقع
فمُشْكِلٌ؛ لأن طعام الاثنين لا يكفي إلا اثنين، وإن كان له معنى آخر، فما
هو؟ .
والجواب من وجهين: أحدهما: أنه خبر بمعنى الأمر؛ أي: أطعموا
طعام الاثنين الثلاث، والثاني: أنه للتنبيه على أن ذلك يَقُوت الثلاث، وأخبرنا
بذلك لئلا نجزع، والأول أرجح؛ لأن الثاني معلوم. انتهى.

٤٥٧
(٢١) - بَابُ فَضِيلَةِ الْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَأَنَّ طَعَامَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٥٦)
وروى العسكريّ في ((المواعظ)) عن عمر ﴿له مرفوعاً: ((كُلُوا، ولا
تَفَرَّقُوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة،
كُلوا جميعاً، ولا تفرقوا، فإن البركة في الجماعة))، فيؤخذ من هذا أن الشرط
الاجتماع على الأكل، وأن معنى الحديث: طعام الاثنين إذا كانا مُتَفَرِّقَيْنِ كافي
الثلاثة إذا أكلوا مُجْتَمِعين، ذكره الزرقانيّ تَخْذُهُ(١).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْدَثُ: هكذا جاء هذا الحديث في
((الموطأ)) وغيره من حديث أبي الزناد، بهذا الاسناد، وقد رَوَى أبو الزبير عن
جابر ما هو أعمّ من هذا، ثم أخرج بسنده عن ابن جريج، قال: أخبرنا أبو
الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبيّ وَّه يقول: ((طعام الواحد
يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)).
قال: فأما الكفاية والاكتفاء فليس بالشِّبَع والاستغناء، ألا ترى إلى قول
أبي حازم كَّلُهُ: إذا كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يغنيك،
ومن هذا الحديث - والله أعلم - أخذ عمر بن الخطاب ◌ُ فِعْله عام الرَّمادة
حين كان يُدخل على أهل كل بيت مثلهم، ويقول: لن يهلك امرؤ عن نصف
قُوتِه. انتھی(٢).
وقال في ((الفتح)): نُقل عن إسحاق بن راهويه، عن جرير قال: معنى
الحديث أن الطعام الذي يُشبع الواحد يكفي قُؤْت الاثنين، ويشبع الاثنين قوت
الأربعة، وقال المهلَّب: المراد بهذه الأحاديث الحضّ على المكارم، والتقنع
بالكفاية، يعني وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة،
وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضاً بحسب من
يحضر، وقد وقع في حديث عمر عند ابن ماجه بلفظ: ((إن طعام الواحد يكفي
الاثنين، وإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وإن طعام الأربعة يكفي
الخمسة والستة))، ووقع في حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في قصة أضياف
أبي بكر ﴿ المذكور في الباب الماضي: ((فقال النبيّ ◌َّ: من كان عنده طعام
(١) (شرح الزرقاني على الموطأ)) ٣٧٩/٤ - ٣٨١.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٥/١٩.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس)»،
وعند الطبرانيّ من حديث ابن عمر ما يرشد إلى العلة في ذلك، وأوله: ((كُلُوا
جميعاً ولا تفرّقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين ... )) الحديث، فيؤخذ منه
أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة، وقد
أشار الترمذيّ إلى حديث ابن عمر، وعند البزار من حديث سمرة نحو حديث
عمر، وزاد في آخره: ((ويد الله على الجماعة)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
الظُّهِ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٥٦/٢١] (٢٠٥٨)، و(البخاريّ) في
(الأطعمة)) (٥٣٩٢)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٢٠)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (١٧٨/٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٠٧/٢)، و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (٢٠٧/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب الاجتماع على الطعام، وأن لا يأكل المرء وحده.
٢ - (ومنها): الإشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصلت معها البركة،
فتعمّ الحاضرين.
٣ - (ومنها): أنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده، فيمتنع من تقديمه،
فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء، بمعنى حصول سدّ الرَّمَق، وقيام البُنْيَة، لا
حقيقة الشِّبَع، ومنه قول عمر ظُه عام الرَّمَادة: ((لقد هممت أن أُنزل على أهل
كل بيت مثل عددهم، فإن الرجل لا يهلك على ملء بطنه)).
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن السلطان في الْمَسْغَبة يُفرِّق الفقراء على
أهل السَّعة بقدر ما لا يضرّ بهم، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٣١٠/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٣٩٢).

٤٥٩
(٢١) - بَابُ فَضِيلَةِ الْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَأَنَّ طَعَامَ ... إلخ - حديث رقم (٥٣٥٧ -٥٣٥٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٧] (٢٠٥٩) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ
(ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوٌْ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي أَبُو
الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّه يَقُولُ: ((طَعَامُ
الْوَاحِدِ يَكْفِي الإِثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الإِثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي
الثَّمَانِيَةَ))، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: ((قَالَ رَسُولُ اللهِوَه))، لَمْ يَذْكُرْ: ((سَمِعْتُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قريباً، و((إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ)) هو: ابن راهويه، و((ابْنُ
جُرَيْجِ)) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج، و((أَبُو الزُّبَيْرِ)) هو: محمد بن
مسلم بن تَدْرُس المكيّ، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ه هذا من أفراد
المصنّف نَظَاثُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٥٧/٢١ ٥٣٥٨ و٥٣٥٩ و٥٣٦٠] (٢٠٥٩)،
و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٢٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٦٧٧٤)، و(ابن
ماجه) في ((الأطعمة))، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤٣/٥)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٠١/٣ و٣٨٢)، و(الدارميّ) في («سننه)) (١٣٦/٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٢٠٦/٥ و٢٠٧)، وأبو يعلى في («مسنده)) (١٩٢/٤)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٥٢٣٧)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب الإيمان)) (٢٤/٥)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢١/١١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ).

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا قريباً، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله، و((أبوه)) هو:
عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، و((عبد الرحمن)) هو: ابن مهديّ، و((سفيان)) هو
الثوريّ.
[تنبيه]: رواية سفيان عن أبي الزبير هذه ساقها الإمام أحمد كَّهُ في
((مسنده))، فقال:
(١٤٢٦٠) - حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان (ح)
وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله وَله:
((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي
(٢)
الثمانية)). انتهى
.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَقْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٥٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ:
أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((طَعَامُ الْوَاحِدٍ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الإِثْنَيْنِ يَْفِي الأَرْبَعَةَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم تقدّموا قريباً، و((أبو كريب)) هو: محمد بن العلاء، و((أبو معاوية))
هو: محمد بن خازم الضرير، و((أبو سفيان)) هو: طلحة بن نافع.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله
الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٦٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((طَعَامُ
(١) ولد الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٠١/٣.