Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
(١٦) - بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا - حديث رقم (٥٣٣١)
[البقرة: ٦١]؛ لأن المراد بالوحدة دوام الأشياء المذكورة من غير تبدّل، وذلك
يصدق على ما إذا كان المطعوم أصنافاً، لكنها لا تتبدل أعيانها. انتهى(١).
(وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وكذا عند مسلم،
وفي رواية المستملي: ((من العين))؛ أي: شفاء من داء العين، قال الخطابيّ:
إنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة؛ لأنها من الحلال المحض الذي ليس في
اكتسابه شبهة، ويُستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر، والعكس
بالعكس.
وقال ابن الجوزيّ: في المراد بكونها شفاء للعين قولان:
[أحدهما]: أنه ماؤها حقيقةً، إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنه
لا يُستعمل صرفاً في العين، لكن اختلفوا كيف يُصنع به؟ على رأيين:
أحدهما: أنه يُخلط في الأدوية التي يكتحل بها، حكاه أبو عبيد، قال: ويصدق
هذا الذي حكاه أبو عبيد أن بعض الأطباء قالوا: أكل الكمأة يجلو البصر.
ثانيهما: أن تؤخذ، فتشق، وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ
المِيل، فيُجعل في ذلك الشق، وهو فاتر، فيكتحل بمائها؛ لأن النار تلطّفه،
وتذهب فضلاته الرديئة، ويبقى النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها، وهي
باردة يابسة، فلا ينجع، وقد حَكَى إبراهيم الحربيّ عن صالح وعبد الله ابني
أحمد بن حنبل، أنهما اشتكت أعينهما، فأخذا كمأة، وعصراها، واكتحلا
بمائها، فهاجت أعينهما، ورَمِدا، قال ابن الجوزيّ: وحَكَى شيخنا أبو بكر بن
عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة، فاكتحل به، فذهبت عينه.
[والقول الثاني]: أن المراد ماؤها الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع في
الأرض، فتربى به الأكحال، حكاه ابن الجوزيّ عن أبي بكر بن عبد الباقي
أيضاً، فتكون الإضافة إضافة الكل، لا إضافة جزء، قال ابن القيّم: وهذا
أضعف الوجوه.
قال الحافظ: وفيما ادّعاه ابن الجوزيّ من الاتفاق على أنها لا تُستعمل
صرفاً نَظَر، فقد حَكَى عياض عن بعض أهل الطبّ في التداوي بماء الكمأة
(١) ((الفتح)) ١٠٣/١٣ - ١٠٤، كتاب ((الطبّ)) (٥٧٠٨).
٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
تفصيلاً، وهو إن كان لتبريد ما يكون بالعين من الحرارة، فتستعمل مفردةً، وإن
كان لغير ذلك فتستعمل مركبةً، وبهذا جزم ابن العربيّ، فقال: الصحيح أنه ينفع
بصورته في حال، وبإضافته في أخرى، وقد جُرِّب ذلك، فوُجد صحيحاً، نَعَم
جزم الخطابيّ بما قال ابن الجوزيّ، فقال: تربى بها التوتياء وغيرها من
الأكحال، قال: ولا تُستعمل صِرفاً، فإن ذلك يؤذي العين.
وقال الغافقيّ في ((المفردات)): ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين، إذا عُجن
به الإثمد، واكتُحِل به، فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصر حدّةً، وقُوّةً،
ويدفع عنها النوازل.
وقال النوويّ: الصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقاً، فيعصر ماؤها،
ويجعل في العين منه، قال: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عَمِي،
وذهب بصره حقيقةً، فكُحل عينه بماء الكمأة مجرداً فشُفِي، وعاد إليه بصره،
وهو الشيخ العدل الأمين الكمال بن عبد الدمشقيّ، صاحب صلاح، ورواية في
الحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقاداً في الحديث، وتبركاً به،
فنفعه الله به.
قال الحافظ: الكمال المذكور هو كمال الدين بن عبد العزيز بن
عبد المنعم بن الخضر يُعْرَف بابن عبد بغير إضافة الحارثيّ الدمشقيّ، من
أصحاب أبي طاهر الخشوعيّ سَمِع منه جماعة من شيوخ شيوخنا، عاش ثلاثاً
وثمانين سنةً، ومات سنة اثنتين وسبعين وستمائة قبل النوويّ بأربع سنين.
وينبغي تقييد ذلك بمن عَرَف من نفسه قوّةً اعتقاد في صحة الحديث،
والعمل به، كما يشير إليه آخر كلامه، وهو ينافي قوله أوّلاً: مطلقاً .
وقد أخرج الترمذيّ في ((جامعه)) بسند صحيح إلى قتادة قال: حُدِّثت أن
أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ، أو خمساً، أو سبعاً، فعصرتهنّ، فجعلت
ماءهنّ في قارورة، فكحلت به جارية لي، فَبَرِئت.
وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم
المسبحيّ، وابن سينا، وغيرهما، والذي يزيل الإشكال عن هذا الاختلاف أن
الكمأة وغيرها من المخلوقات خُلقت في الأصل سليمة من المضارّ، ثم
عرضت لها الآفات بأمور أخرى، من مجاورة، أو امتزاج، أو غير ذلك، من
٣٦٣
(١٦) - بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا - حديث رقم (٥٣٣١)
الأسباب التي أرادها الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة لِمَا اختصت به من
وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضارّ بالمجاورة، واستعمال كل ما
وردت به السُّنَّة بصدقٍ يَنتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنيّته،
والعكس بالعكس، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن القيّم ◌َّتُ تحقيقُ نفيسٌ
جدّاً، خلاصته أن ما دلّ عليه حديث الباب من كون ماء الكمأة شفاءً للعين
حقّ وصدقٌ، ينتفع به من اعتقد صحّة ذلك عن النبيّ وَّ، واستعمله تحقيقاً
لاتباع سنّته، وتصديقاً لِمَا أخبر به من الوحي الذي لا شكّ فيه، فإذا استعمله
الإنسان على هذه النيّة الصالحة، فإنه يُشفى بإذن الله تعالى، فعليك أيها المسلم
بالصدق مع الله ربك، وإخلاص التوحيد، وطهارة الطويّة تظفر بما طلبته من
الخيرات الدينيّة والدنيويّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعيد بن زيد نظرته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٣١/١٦ و٥٣٣٢ و٥٣٣٣ و٥٣٣٤ و٥٣٣٥
و٥٣٣٦ و٥٣٣٧] (٢٠٤٩)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٤٧٨ و٤٦٣٩) و((الطبّ))
(٥٧٠٨)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٦٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/
١٥٦)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٩٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥/
٦٠)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٣/١ - ٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٧/١
و١٨٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩١/٥ و١٩٢ و١٩٣ و١٩٤)، و(الضياء) في
(المختارة)) (٢١٧/١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٢٤/٦)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٢٥٦/٢ - ٢٥٧)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٨٢/٤ و٨٣ و٨٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٥/٩)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (١/
١٧٨ - ١٧٩)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٨٩٦ - ٢٨٩٧)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٠٣/١٣ - ١٠٤، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٠٨).
٣٦٤
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ،
وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذكروا في الباب، وقبل باب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ
أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثٍ عَبْدِ الْمَلِكِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ) الكنديّ، أبو محمد الكوفيُّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما
دلّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (الْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ) هو: الحسن بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عباس، وعمرو بن حريث، وعبيد بن نَضْلة، ويحيى بن
الجزار، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وروى عنه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأشعث بن طليق،
وعزرة بن عبد الرحمن، ويحيى بن ميمون.
قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: صدوقٌ، ليس به بأس، إنما
يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقال أبو زرعة: ثقةٌ، وحديثه عند البخاريّ
مقرون بغيره، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء، وقال ابن سعد:
٣٦٥
(١٦) - بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا - حديث رقم (٥٣٣٣)
كان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وقال أحمد بن حنبل:
الحسن العُرَنيّ لم يسمع من ابن عباس شيئاً، وقال أبو حاتم: لم يدركه.
أخرج له البخاريّ مقروناً بغيره، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن
ماجه، وله في هذا الكتاب حدیثان فقط، حديث الباب وکرّره ثلاث مرّات،
وحديث (٢٧٩٩): حديث أَبيّ بن كعب في قوله رَكَ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ
اٌلْأَدْفَ﴾ الآية [السجدة: ٢١].
[تنبيه]: قوله: (الْعُرَنِيُّ) - بضمّ العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون -:
نسبة إلى عُرَينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن أراش، بطن من بَجِيلة،
قاله في ((اللباب))(١) .
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةٌ ... إلخ) موصول بالإسناد المذكور، وليس معلّقاً،
فتنبه .
وقوله: (لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ) قال في
((الفتح)): كأنه أراد أن عبد الملك كَبِر، وتغيَّر حفظه، فلما حدّث به شعبةً توقف
فيه، فلما تابعه الحكم بروايته ثبت عند شعبة، فلم ينكره، وانتفى عنه التوقف
فيه .
وقد تكلف الكرمانيّ لتوجيه كلام شعبة أشياء فيها نظر:
أحدها: أن الحكم مدلِّس، وقد عنعن، وعبد الملك صرح بقوله:
سمعته، فلما تقوى برواية عبد الملك لم يبق به محل للإنكار، قال الحافظ:
شعبة ما كان يأخذ عن شيوخه الذين ذُكر عنهم التدليس إلا ما يتحقق سماعهم
فيه، وقد جزم بذلك الإسماعيليّ وغيره ببُعد هذا الاحتمال، وعلى تقدير تسليمه
كان يلزم الأمر بالعكس، بأن يقول: لمّا حدثني عبد الملك لم أنكره من حديث
الحكم.
ثانيها: لم يكن الحديث منكوراً لي لأني كنت أحفظه.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣٦/٢.
٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
ثالثها: يَحْتَمِل العكس بأن يراد: لم ينكر شيئاً من حديث عبد الملك.
(١)
انتهى .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَقُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ
مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ نُقَيْلِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الكَمْأَةُ مِنَ الْمَنَّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَبَارََ
وَتَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَئِيُّ) الكنديّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْثَرُ) بن القاسم الزُّبيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٩) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٥/٤٨.
٣ - (مُطَرِّفُ) بن طَرِيف، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ
فاضلٌ، من صغار [٦] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٧٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) هذا نصّ صريح يُبطل
التأويلات السابقة، ويُوضّح أن المنّ الموجود الآن نوع من الأنواع التي
أنزلها الله على بني إسرائيل حقيقة، لا مجازاً، فتنبّه.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: ظاهر هذا اللفظ أنها مما أنزل الله تعالى على بني
إسرائيل؛ مما خلقه الله تعالى لهم في التِّيه، وذلك أنه كانوا ينزل عليهم في
أشجارهم مثل السُّكَّر، ويقال: هو الطرنجبين، وهو المنُّ في قول أكثر
المفسرين، وعلى ظاهر هذا الحديث تكون الكمأة أيضاً مما خُلق لهم في
مواضع نزولهم، وقيل: الكمء من المنّ، بمعنى: أنه يُشْبهه من حيث إن الكمأة
(١) ((الفتح)) ١٠٧/١٣ - ١٠٨، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٠٨).
٣٦٧
(١٦) - بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا - حديث رقم (٥٣٣٥ - ٥٣٣٦)
تطلع من عند الله تعالى من غير كلفة منا ببذر، ولا حرث، ولا سقي، كما كان
المنِّ ينزل عليهم عفواً من غير سبب منهم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الأرجح هو القول الأول، فلا
تغفل.
وقوله: (وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) قال القاضي عياض: قال بعض أهل العلم
بالطب في معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من
الحرارة فتُستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها (٢).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف تَخُّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَظْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ،
عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((الكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا
شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه،
و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد، و((مطرّف)) هو: ابن طَرِيف.
وقوله: (أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى)؛ أي: ابن عمران نبيّ بني إسرائيل
والحديث سبق القول فيه قبله.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((الكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ وَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ،
وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)).
(١) ((المفهم)) ٣٢٤/٥.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٤/٥.
٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثمّ المكيّ،
تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ،
حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ
مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ
حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا
شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ شَبِيبٍ) الزهرانيّ البصريّ، ثقةٌ [٦].
روى عن عبد الملك بن عُمير، والشعبيّ، والحسن البصريّ، وشهر بن
حوشب، وغيرهم.
وروى عنه هشام بن حسان، وهشام الدستوائيّ، وشعبة، ومعمر،
وحماد بن زيد.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: لا بأس به، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) .
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
٤ - (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبِ) الأشعريّ الشاميّ، مولى أسماء بنت يزيد بن
السكن، صدوقٌ كثير الإرسال [٣] (ت١١٢) (بخ م ٤) تقدّم في «المقدّمة)) ٦/
٣٦٩
(١٧) - بَابُ فَضِيلَةِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَبَاثِ - حديث رقم (٥٣٣٨)
٣٩، وليس عند مسلم رواية في هذا الباب، وقد توسّعت في شرح المقدّمة في
ذكر أقوال الجارحين والمعدّلين له، ورجّحت أن الاحتجاج به هو الحقّ،
فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
(١٧) - (بَابُ فَضِيلَةِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَبَاثِ)
((الكَبَاثُ)) بفتح الكاف، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف ثاء مثلّثة: ثمر
الأراك.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٨] (٢٠٥٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ
يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَنَحْنُ نَجْنِي الْكَبَاثَ، فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َِّ:
(عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ))، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَمَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ،
وَهَلْ مِنْ نَبِيِّ إِلَّ وَقَدْ رَعَاهَا؟))، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُو سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ﴿يَا، تقدّم قريباً.
٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين،
ويونس وإن كان أيليّاً إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال،
وفيه جابر بن عبد الله ظها أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿هَا أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَّهِ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ)
- بفتح الميم، وتشديد الراء - والظهران - بفتح الظاء، وسكون الهاء - بلفظ
تثنية الظّهر، وهو موضع معروف على دون مرحلة من مكة (١). (وَنَحْنُ نَجْنِي)؛
أي: نقتطف (الْكَبَاثَ) هو ثمر الأراك، وهو الْبَرِير بموحدة، بوزن الْحَرِير، فإذا
اسوَدّ فهو الكباث، وقال ابن بطال: الكباث ثمر الأراك الغَضّ منه، والْبَرِير
ثمره الرطب واليابس، وقال ابن التين: الذي في اللغة أنه ثمر الأراك، وقيل:
هو نضيجه، فإذا كان طَرِيّاً فهو موز، وقيل عكس ذلك، وأن الكباث الطريّ،
وقال أبو عبيد: هو ثمر الأراك إذا يبس، وليس له عجم، قال أبو زياد: يشبه
التين يأكله الناس والإبل والغنم، وقال أبو عمرو: هو حارّ كأن فيه ملحاً.
انتهى، وقال عياض: الكباث ثمر الأراك، وقيل: نضيجه، وقيل: غَضّه.
(٢)
انتھی(٢).
وقال القرطبيّ كَُّ: و((الكَبَاث)) هو النضيج من ثمر الأراك، قاله
الأصمعيُّ، وقال غيره: الصواب أن الكباث هو الذي لم ينضج، والمرْد (٣):
هو الذي نضج، واسْوَدّ، وأنشد [من الطويل]:
وَغَيَّر مَاءُ الْمَرْدِ فَاهَا فَلَوْنُهُ كَلَوْنِ النَّؤُور (٤) وَهْيَ أَدْمَاءُ سَارُهَا
(١) ((عمدة القاري)) ٧٥/٢١.
(٢) ((الفتح)) ١٢/ ٣٨٠، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٥٣).
(٣) المرد بفتح، فسكون: الغَضّ من ثمر الأراك، أو نضيجه. اهــ ((ق)).
(٤) ((النَّؤُور)) كصَبُور: النِّلج، وهو بالكسر: دخان الشحم يعالج به الوَشْم ليخضرّ. اهـ.
«ق)).
٣٧١
(١٧) - بَابُ فَضِيلَةِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَبَاثِ - حديث رقم (٥٣٣٨)
أي: سائرها، وقد حُكي أيضاً عن الأصمعيّ، وحُكي عن ابن الأعرابيّ أن
الذي لم يَسْوَدَّ هو الكَبَاثِ، والأسود هو الْبَرِير، وجماعه الْمُرْد، وعن مصعب أن
المرد هو إذا ورَّد؛ فاذا اخْضَرّ فهو الْكَبَاث، فإذا اسودّ، فهو الْبَرِير. انتهى(١).
(فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ))) زاد البخاريّ في روايته: ((فإنه
أيطب))، وهو لغة في أطيب، مقلوب منه، كما قالوا في جذب: جبذ(٢).
(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَمَ؟)، وفي رواية
(قَالَ) جابر
البخاريّ: ((فقيل: أكنت ترعى الغنم؟))، قال في ((الفتح)): في السؤال اختصار،
والتقدير: أكنت ترعى الغنم حتى عرفت أطيب الكباث؟ لأن راعي الغنم يَكثُر
تردده تحت الأشجار، لطلب المرعى منها، والاستظلال تحتها .
(قَالَ: ((نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ)؛ أي: وما من نبيّ (إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟)) قال
القرطبيّ كَّلُهُ: فيه أن الله تعالى دَرَّب الأنبياء له على رعاية الغنم،
وسياستها؛ ليكون ذلك تدريجاً إلى سياسة الأمم؛ إذ الراعي يقصد مصلحة
الغنم، ويحملها على مراشدها، ويقوم بكُلَفها وسياستها، ومَن تدرَّب على
هذا، وأحكمه كان متمكناً من سياسة الخلق، ورحمتهم، والرفق بهم، وكانت
الغنم بهذا أولى لِمَا خُصّ به أهلها من السكينة، وطلب العافية، والتواضع،
وهي صفات الأنبياء لعلّه، ولذلك قال ◌َله: ((السكينة في أهل الغنم، والفخر
والخيلاء في أهل الإبل))، متّفقٌ عليه. انتهى(٣).
وقال في ((العمدة)): والحكمة فيه أن يأخذ الأنبياء لل* لأنفسهم
بالتواضع، وتصفية قلوبهم بالخلوة، ويترقّوا من سياستها بالنصيحة إلى سياسة
أممهم بالشفقة عليهم، وهدايتهم إلى الصلاح.
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن الحكمة في اختصاص الغنم بذلك لكونها
لا تُركَب، فلا تزهو نفسُ راكبها. انتهى)» (٤).
(١) «المفهم)) ٣٢٤/٥ - ٣٢٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٠/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٥٣).
(٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣٢٥/٥.
(٤) ((عمدة القاري)) ٧٥/٢١.
٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وقال في ((الفتح)): قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء لَّهُ رَغْيَ الغنم
قبل النبوة أن يَحْصُل لهم التمرّن برعيها على ما يُكَلَّفونه من القيام بأمر أمتهم،
ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم، والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على
رعيها، وجَمْعها بعد تفرقها في المرعى، ونَقْلها من مسرح إلى مسرح، ودفع
عدوّها من سبع وغيره؛ كالسارق، وعَلِموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها مع
ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة، أَلِفُوا من ذلك الصبرَ على الأمة، وعرفوا
اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورَفَقُوا بضعيفها، وأحسنوا
التعاهد لها، فيكون تحمّلهم لمشقة ذلك أسهل، مما لو كُلَّفوا القيام بذلك من
أول وَهْلة؛ لِمَا يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخُصّت الغنم
بذلك؛ لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر؛
لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها،
فهي أسرع انقياداً من غيرها.
وفي ذِكر النبيّ وَّ لذلك بعد أن عَلِم كونه أكرم الخلق على الله، ما كان
عليه من عظيم التواضع لربه، والتصريح بمنّته عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء
- صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء - انتهى(١).
وقوله: (أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي، هل قال هذا
القول، أو قال قولاً شبيهاً به.
[تكملة]: أخرج البيهقيّ هذا الحديث في ((كتاب الدلائل)) من طريق
عُبيد بن شريك، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس بسند المصنّف،
فذكر هذا الحديث، وقال في آخره: ((وقال: إن ذلك كان يوم بدر، يوم جمعة،
لثلاث عشرة بقيت من رمضان))، قال البيهقيّ: رواه البخاري عن يحيى بن
بكير، دون التاريخ؛ يعني دون قوله: ((إن ذلك كان ... إلخ))، قال الحافظ:
وهو كما قال، ولعل هذه الزيادة من ابن شهاب أحد رواته. انتهى (٢)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢٨/٦، كتاب ((الإجارات)) رقم (٢٢٦٢).
(٢) ((الفتح)) ٣٨٠/١٢، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٥٣).
٣٧٣
(١٧) - بَابُ فَضِيلَةِ الأَسْوَدِ مِنَ الْكَبَاثِ - حديث رقم (٥٣٣٨)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٣٨/١٧] (٢٠٥٠)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء))
(٣٤٠٦) و((الأطعمة)) (٥٤٥٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٨/٤)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٦/٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥١٤٣ و٥١٤٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٠٦٢)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٠/٥ و٢٠١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٢٨٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه إباحةَ التحدث عن الماضين من الأنبياء، والأمم بذكر
سِيَرهم، وأخبارهم.
٢ - (ومنها): أن التحرّف في المعيشة ليس في شيء منها إذا لم تنه عنه
الشريعة نقيصة.
٣ - (ومنها): أن الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - أحوالهم
في تواضعهم غير أحوال الملوك والجبارين، وكذلك أحوال الصالحين،
والحمد لله رب العالمين(١).
٤ - (ومنها): بيان فضيلة رعي الغنم، وأن الأنبياء - عليهم الصلاة
والسلام - تدرّبوا عليها قبل سياستهم أممهم؛ لِمَا أسلفناه من الحكمة.
٥ - (ومنها): إباحة أكل ثمر الشجر الذي لا يُمْلَك، قال ابن بطال: كان
هذا في أول الإسلام عند عدم الأقوات، فإذ قد أغنى الله عباده بالحنطة،
والحبوب الكثيرة، وَسَعة الرزق فلا حاجة بهم إلى ثمر الأراك.
وتعقّبه الحافظ، فقال: إن أراد بهذا الكلام الإشارةَ إلى كراهة تناوله
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٤٤/٢٤.
٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
فليس بمسلَّم، ولا يلزم من وجود ما ذُكر منع ما أبيح بغير ثمن، بل كثير من
أهل الورع لهم رغبة في مثل هذه المباحات أكثر من تناول ما يُشتَرَى.
انتهى(١)، والله أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٨) - (بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ، وَالتََّدُّم بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٣٩] (٢٠٥١) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((نِعْمَ الأُدُمُ - أَوِ الإِدَامُ - الْخَّلُّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّم بنصّه قبل ثلاثة أبواب، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه، فتنبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: ((نِعْمَ الأُدُمُ - أَوِ الإِدَامُ - الْخَلُّ)))
قال أهل اللغة: (الإدام)) - بكسر الهمزة -: ما يؤتدم به، يقال: أَدَمَ الخبزَ يَأْدِمُهُ
- بكسر الدال ـ وجمع الإدام أُدُم بضم الهمزة والدال؛ كإهاب وأُهُب، وكتاب
وكُتُب، والأُدْم - بإسكان الدال ـ مفرد؛ كإدام، ذكره النوويّ(٢).
وقال في ((النهاية)): الإدام - بالكسر -، والأَدُم - بالضم -: ما يؤكل مع
الخبز أيَّ شيء كان. انتهى(٣).
وقال الفيّوميّ تَخْذُهُ: يقال: أَدَمتُ الخبزَ، من باب ضرَبَ، وآدمته بالمدّ
لغة فيه: إذا أصلحت إساغته بالإدام، و((الإدام)) بكسر الهمزة: ما يُؤتدم به،
مائعاً كان، أو جامداً، وجمعه أُدُمٌ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، ویُسكّن
للتخفيف، فيُعامل معاملة المُفرَد، ويُجمع على آدام، مثلُ قُفْل وأقفالَ.
(١) ((الفتح)) ١٢/ ٣٨٠، كتاب ((الأطعمة)) رقم (٥٤٥٣).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/١٤.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣١/١.
٣٧٥
(١٨) - بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ، وَالتََّدُّمِ بِهِ - حديث رقم (٥٣٣٩)
وقال أيضاً: الْخَلُّ: معروفٌ، والجمع خُلُولٌ، مثل فَلْس وفُلُوس، سُمّي
بذلك؛ لأنه اختَلَّ منه طَعْمُ الْحَلاوة، يقال: اختلّ الشيءُ: إذا تغيّر،
واضطرب. قال: وخَلَّلتُ النبيذَ تخليلاً: جعلته خلّاً، وقد يُستعمل لازماً أيضاً،
فيقال: خَلَّلَ النبيذُ: إذا صار بنفسه خلّاً. انتهى كلام الفيّوميّ كَّقُ بتصرّف(١).
وقال ابن منظور تَُّ في ((اللسان)): قال ابن سِيدَهْ: الخلّ: ما حَمُضَ من
عصير العنب وغيره. قال ابن دُريد: هو عربيّ صحيح. قال: وخَلَّلَتِ الخمرُ
وغيرها من الأشربة: فسدت، وحَمُضَت. وخلَّلَ الخمرَ: جعلها خلّاً. انتهى
باختصار(٢) .
وقال المجد تَخْتُ في ((القاموس)): الخلّ: ما حَمُضَ من عَصِير العنب
وغيره، عربيّ صحيح، والطائفة منه خَلَّةٌ، وأجوده خلّ الخمرِ، مركّبٌ من
جوهرين: حارِّ وباردٍ، نافعٌ للمعدة، واللِّئَةِ، والقُرُح الخبيثة، والْحِكَّةِ، ونَهْشٍ
الْهَوامّ، وأكل الأَفْيُون، وحرقِ النار، وأوجاع الأسنان، وبُخَارُ حَارِّهِ
للاستسقاء، وُسْرِ السمعِ، والدَّوِيِّ، والطّنِين. انتهىَ (٣).
وقال الخطابيّ، والقاضي عياض: معنى الحديث مدح الاقتصار في
المأكل، ومنع النفس عن ملاذّ الأطعمة؛ كأنه يقول: ائتدموا بالخلّ، وما كان
في معناه، مما تَخِفّ مؤنته، ولا يَعِزّ وجوده، ولا تتأنقوا في الشهوات، فإنها
مفسدة للدِّين، مَسْقَمة للبدن.
وذكر النوويّ كلام الخطابيّ هذا، ثم قال: والصواب الذي ينبغي أن
يُجزم به أنه مدٌ للخل نفسه، وأما الاقتصار في المطعم، وترك الشهوات،
فمعلوم من قواعد أُخَر. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الخطابي وغيره هو الأقرب
إلى معنى الحديث، وهو أنه مدحٌ للاقتصار في المأكل، ومنعُ النفس عن ملاذٌ
الأطعمة، قال ابن القيم تخّتُ: هذا ثناء عليه بحسب الوقت، لا لتفضيله على
غيره؛ لأن سببه أن أهله قَدّموا له خبزاً، فقال: ((ما من أدم؟)) قالوا: ما عندنا
(١) ((المصباح المنير)) ١٨٠/١ - ١٨١.
(٣) (القاموس المحيط)) ص٨٩٤.
(٢) (لسان العرب)) ٢١١/١١.
(٤) ((تحفة الأحوذيّ)) ٤٦٥/٥.
٣٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
إلا خلٌّ، فقال ذلك جبراً لقلب مَن قدّمه، وتطييباً لنفسه، لا تفضيلاً له على
غيره؛ إذ لو حصل نحو لحم، أو عسل، أو لبن، كان أحقّ بالمدح. انتهى.
ويؤيّد هذا ما أخرجه أحمد في ((مسنده)) - إن صحّ - عن عبد الله بن
عُبيد بن عُمير قال: دخل على جابر نفر من أصحاب النبيّ وَِّ، فقدَّم إليهم
خبزاً وخلّاً، فقال: كلوا، فإني سمعت رسول الله ولير يقول: ((نعم الإدام
الخلّ))، إنه هلاك بالرجل أن يدخل عليه النفر من إخوانه، فيحتقر ما في بيته أن
يقدِّمه إليهم، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قُدِّم إليهم. انتهى (١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة عنها هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٣٩/١٨ و٥٣٤٠] (٢٠٥١)، و(الترمذيّ) في
((الأطعمة)) (١٨٤٠)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣١٦)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (١٤٨/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣٨/٢)، و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (١٩٨/٥)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٤٢٣/٧)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٦٢/١٠)، وفوائده تأتي في شرح حديث جابر ظُه الآتي - إن
شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٤٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ بْنِ نَافِعِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ صَالِحِ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((نِعْمَ
الأُدُمُ))، وَلَمْ يَشَُّكَّ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ بْنِ نَافِعِ التَّمِيمِيُّ) البخاريّ، مقبول [١١] (ت٢٥٢)
من أفراد المصنّف تقدم في ((الحيضَ)) ٧٦٦/١٣.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٧١/٣، وفي إسناده عبيد الله بن الوليد الصافيّ،
وهو ضعيف، كما في ((التقريب)).
٣٧٧
(١٨) - بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ، وَالتََّدُمِ بِهِ - حديث رقم (٥٣٤١)
٢ - (يَحْيَى بْنُ صَالِحِ الْوُحَاظِيُّ) الحِمصيّ، صدوقٌ، من أهل الرأي، من
صغار [٩] (٢١٢) وقد جاوز التسعين (خ م د ت ق) تقدم في ((البيوع)) ٤٠٦٧/٣٧.
[تنبيه]: قوله: (الوُحاظيُّ) هو - بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة،
وبالظاء المعجمة -: منسوب إلى وُحاظة قبيلة من حمير، هكذا ضبطه
الجمهور، وكذا نقله القاضي عياض عن شيوخهم، قال: وقال أبو الوليد
الباجيّ: هو بفتح الواو، قاله النوويّ تَهُ(١).
وقال ابن الأثير تَخْتُ: الْوُحاظيّ بضمّ الواو: نسبة إلى وُحاظة بن سعد بن
عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن
جُشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطر بن عريب. انتهى(٢).
و«سلیمان بن بلال)) ذُکر قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن صالح الْوُحاظيّ عن سليمان بن بلال هذه لم أجد
من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٤١] (٢٠٥٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي
بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ،
فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَهَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ(٣)، وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ،
نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
(يَحْيَى بْنُ بَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو بِشْرٍ) ابن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل،
ثقة [٥] (ت٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٨/٩.
٤ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف القرشيّ، تقدّم قريباً.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦/١٤.
(٣) وفي نسخة: ((فجعل يأكل منه)).
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣/ ٣٥٤.
٣٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) خِّ، تقدّم قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ُّ، وفي رواية المثنّى بن سعيد التالية: ((حدّثني
طلحة بن نافع، أنه سمع جابر بن عبد الله ﴿ها يقول ... )) (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ سَأَلَ
أَهْلَهُ)؛ أي: زوجه، ويَحتمل أن تكون هي عائشة ﴿هَا، (الأُدُعَ) تقدّم أنه بضمّتين
جمع إدام، وهو ما يؤكل به الخبز، (فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلَّ، فَدَعَا) وَ (بِهِ)؛
أي: بذلك الخلّ (فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ)، وفي بعض النسخ: ((يأكل منه))، (وَيَقُولُ:
(نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلَّ، نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلَّ))) كرّره مبالغة في مدحه، زاد في الرواية
التالية: ((قال جابر: فما زلت أحبّ الخلّ منذ سمعتها من نبيّ الله وَّ، وقال
طلحة: ما زلت أحبّ الخلّ منذ سمعتها من جابر ظُه))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضه هذا من أفراد المصنّف نَّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣٤١/١٨ و٥٣٤٢ و٥٣٤٣ و٥٣٤٤] (٢٠٥٢)،
و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٢٠)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٣٩
و١٨٤٢)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (١٤/٧) و((الكبرى)) (٤٦٠/٤)،
و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه)) (١٤٨/٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠١/٣ و٣٠٤ و٣٥٣ و٣٦٤ و٣٧٩ و٣٨٩ و٣٩٠
و٤٠٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٪
١٩٥)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٩٥/١) و((الكبير)) (١٨٤/٢)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٢٧٩/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): استحباب الحديث على الأكل، تأنيساً للآكلين.
(١) المراد فوائد حديث جابر بظلاله بجميع سياقاته في الباب، وغيره، لا خصوص
المتن هذا الذي شرحناه، فتنبّه.
٣٧٩
(١٨) - بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ، وَالتََّدُّمِ بِهِ - حديث رقم (٥٣٤١)
٢ - (ومنها): استحباب مدح الشخص طعامه أمام الآكلين حتى ينبسطوا
لِگگله، ویقضوا حاجاتهم منه.
٣ - (ومنها): جواز أخذ الإنسان بيد صاحبه في تماشيهما؛ لِأَخْذه وَله
بيد جابر
٤ - (ومنها): استحباب مواساة الحاضرين على الطعام.
٥ - (ومنها): أنه يستحبّ جعل الخبز ونحوه بين أيدي الآكلين بالسويّة.
٦ - (ومنها): أنه لا بأس بوضع الأرغفة، والأقراص صحاحاً، غير
مكسورة، ومكسّرً.
٧ - (ومنها): بيان حُكم من حلف أن لا يأتدم، فأكل خبزاً بخلّ، فإنه
يحنث؛ لأنه ◌َِّّهِ سمّاه ((إداماً)) ومَدَحه.
٨ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: وقسمة النبيّ وَل﴿ الأقرصة نصفين يدلّ
على جواز فعل مثل ذلك مع الضيف، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره
الضيف عند قلّة الطعام، كما فعل النبيّ وَ﴿، فإن الذي قُدّم إليه كان غداءه،
فإن أقرصتهم صغار، لا سيّما في مثل ذلك الوقت، ومع ذلك، فشرّك فيه
غيره، وفاءً بقوله {وَّر: ((طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي
الثلاثة))، رواه مسلم.
٩ - (ومنها): أن فيه استحباب حب الأشياء التي يُحبها النبيّ ◌َّ، وإن
لم تكن ملائمة لطبع الشخص، فقد قال جابر ربه: ((فما زلت أحبّ الخلّ منذ
سمعتها من نبيّ الله وَ (9))، وقال طلحة: ((ما زلت أحبّ الخلّ منذ سمعتها من
جابر ظُبه))، وهذا من علامة كمال المحبّة له وَّه، فإن من أحبّ شخصاً أحبّ
كلّ ما يُحبه المحبوب، وكلّ من ينتسب إليه.
١٠ - (ومنها): قال القرطبيّ كَُّ أيضاً: الإدام: كلّ ما يُؤتدم به؛ أي:
يُؤكل به الخبز مما يُطيّه، سواء كان مما يُصطبغ به؛ كالأَمْراق، والمائعات، أو
مما لا يُصطبغ به؛ كالجامدات؛ كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير
ذلك، هذا معنى الإدام عند الجمهور، من الفقهاء، والعلماء، سلفاً، وخلفاً،
وشذّ أبو حنيفة، وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشويّ،
وشِبْه ذلك، مما لا يُصطبغ به ليس شيء من ذلك بإدام.
٣٨٠
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
وينبني على هذا الخلاف الخلافُ فيمن حلف ألا يأكل إداماً، فأكل شيئاً
من هذه الجامدات، فحنّثه الجمهور، ولم يحنّثه أبو حنيفة، ولا صاحبه،
والصحيح ما صار إليه الجمهور بدليل قوله وَعليه، وقد وضع تمرةً على كسرة،
وقال: ((هذه إدام هذه))، رواه أبو داود، وبدليل قوله ﴿ ﴿ أيضاً، وقد سئل عن
إدام أهل الجنّةِ الجنّةَ أوّل ما يدخلونها، فقال: ((زيادة كبد الحوت))، رواه
البخاريّ. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً. والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٣٤٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ بِيَدِي ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخْرَجَ
إِلَيْهِ فِلَقاً مِنْ خُبْزِ، فَقَالَ: ((مَا مِنْ أُدُم؟))، فَقَالُوا: لَا، إِلََّ شَيْءٌ مِنْ خَلِّ، قَالَ:
((فَإِنَّ الْخَلَّ نِعْمَ الأُدُمُ))، قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ
نَبِيِّ اللهِ وَّهِ، وَقَالَ طَلْحَةُ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ جَابِرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (بَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العَبْديّ مولاهم، أبو يوسف
البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢٠٩/٢٥.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ
مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ) الضُّبَعيّ، أبو سعيد البصريّ القسّام القصير، ثقةٌ
[٦] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٦٩/٥٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَخَذَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِيَدِي ذَاتَ يَوْمِ إِلَى مَنْزِلِهِ) وفي الرواية