Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٦٠) الاختناث بخاء معجمة، ثم تاء مثناة فوقُ، ثم نون، ثم ألف، ثم مثلثة، وقد فسّره في الحديث، وأصل هذه الكلمة: التكسر، والانطواء، ومنه سُمّ الرجل المتشبه بالنساء في طبعه، وكلامه، وحركاته مُخَنّئاً. قال: واتفقوا على أن النهي عن اختنائها نهي تنزيه، لا تحريم، ثم قيل: سببه أنه لا يؤمَن أن يكون في السِّقاء ما يؤذيه، فيدخل في جوفه، ولا يدري، وقيل: لأنه يُقَذِّره على غيره، وقيل: إنه يُنتنه، أو لأنه مستقذر. وقد رَوَى الترمذيّ وغيره عن كبشة بنت ثابت، وهي أخت حسان بن ثابت ﴿ًا قالت: دخل عليّ رسول الله وَ ل﴿، فشرب من قِربة معلَّقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته، قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. وقَطْعُها لفم القربة فَعَلَتْه لوجهين: أحدهما: أن تصون موضعاً أصابه فم رسول الله ولو عن أن يُبتذل، ویمسّه کل أحد. والثاني: أن تحفظه؛ للتبرك به، والاستشفاء، والله أعلم. فهذا الحديث يدلّ على أن النهي ليس للتحريم. انتهى كلام النوويّ تَُّهُ(١)، وهو بحث حسنٌّ، والله تعالى أعلم. زاد في رواية البخاريّ بعد قوله: ((عن اختناث الأسقية)) ما نصّه: ((يعني أن تُكسر أفواهها، فيُشرب منها))، فقال في ((الفتح)): قوله: ((يعني أن تُكسر أفواهها، فيُشرب منها)) المراد بكسرها ثَنْيُها، لا كسرها حقيقةً، ولا إبانتها، والقائل: ((يعني)) لم يصَرَّح به في هذه الطريق، ووقع عند أحمد، عن أبي النضر، عن ابن أبي ذئب بحذف لفظ ((يعني)) فصار التفسير مدرَجاً في الخبر. ووقع في الرواية الثانية: قال عبد الله - هو ابن المبارك -: قال معمر - هو ابن راشد - أو غيره: هو الشرب من أفواهها، وعبد الله بن المبارك روى المرفوع عن يونس، عن الزهريّ، وروى التفسير عن معمر، مع التردد. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن وهب، عن يونس، وابن أبي ذئب معاً مدرجاً، ولفظه: ((ينهى عن اختناث الأسقية، أو الشرب أن يشرب من (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٤/١٣. ١٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة أفواهها))، كذا فيه بحرف التردد، وهو عند مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس وحده، بلفظ: ((عن اختناث الأسقية، أن يُشرَب من أفواهها))، وهذا أشبه، وهو أنه تفسير الاختناث، لا أنه شكٌّ من الراوي في أيّ اللفظين وقع في الحديث، لكن ظاهره أن التفسير في نفس الخبر، وأخرجه مسلم أيضاً من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، ولم يسق لفظه، لكن قال مثله، قال: غير أنه قال: ((واختنائها أن يُقْلَب رأسها، ثم يُشْرَب))، وهو مدرج أيضاً، وقد جزم الخطابيّ أن تفسير الاختناث من كلام الزهريّ، ويُحْمَل التفسير المطلق، وهو الشرب من أفواهها على المقيّد بكسر فمها، أو قلب رأسها . ووقع في مسند أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب في أول هذا الحديث: شَرِب رجل من سقاء، فانساب في بطنه جَانٌ، فَنَهَى رسول الله وََّ، فذكره(١)، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، فرّقهما، عن يزيد به، قاله في ((الفتح)) (٢). [تنبيه]: قال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): ((بَابُ الشرب من فم السقاء»: (٥٦٢٨) - حدثنا مسدَّد، حدّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة عظاته: (نَهَى النبيّ وََّ أن يُشْرَب مِنْ في السقاء)). (٥٦٢٩) - حدثنا مسدّد، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ّ قال: (نَهَى النبيّ وَّل عن الشرب من في السقاء)). انتهى. هذا الحديثان ما أخرجهما مسلم، قال ابن الْمُنَيِّر: لم يقنع بالترجمة التي قبلها - يعني قوله: باب اختناث الأسقية - لئلا يُظَنّ أن النهي خاصّ بصورة الاختناث، فبيّن أن النهي يَعُمّ ما يمكن اختنائه، وما لا يمكن، كالفَخّار مثلاً. انتھی . وقال في ((الفتح)): قوله: ((أن يشرب من في السقاء)) زاد أحمد عن إسماعيل بهذا الإسناد والمتن: ((قال أيوب: فأنبئت أن رجلاً شرب من في (١) إسناده صحيح. (٢) (الفتح)) ٦٨٤/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٥). ١٤٣ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٦٠) السقاء، فخرجت حية))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عباد بن موسى، عن إسماعيل، ووَهِمَ الحاكم، فأخرج الحديث في ((المستدرك)) بزيادته، والزيادة المذكورة ليست على شرط الصحيح؛ لأن راويها لم يُسَمَّ، وليست موصولةً، لكن أخرجها ابن ماجه من رواية سَلَمة بن وَهْرام، عن عكرمة، بنحو المرفوع، وفي آخره: ((وأن رجلاً قام من الليل بعد النهي إلى سقاء، فاختنثه، فخرجت عليه منه حية))، وهذا صريح في أن ذلك وقع بعد النهي، بخلاف ما تقدم من رواية ابن أبي ذئب في أن ذلك كان سبب النهي، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك وقع قبل النهي، فكان من أسباب النهي، ثم وقع أيضاً بعد النهي تأكيداً. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن ماجه المذكورة ضعيفة أيضاً؛ لأن في سندها زَمْعَة بن صالح، وهو ضعيف، كما في ((التقريب)). لكن أخرج الحديث ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) بسند صحيح، فقال: (٢٤١٢٧) - حدثنا أبو بكر، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد، قال: شَرِب رجل من سقاء، فانساب في بطنه جانّ، فنهى رسول الله وَّر عن اختناث الأسقية. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الْخُدْريّ ◌َُّهَ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٦٠/١ و٥٢٦١ و٥٢٦٢] (٢٠٢٣)، و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٦٢٥ و٥٦٢٦)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٧٢٠)، و(الترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٨٩٠)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٤١٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٥٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في (١) ((الفتح)) ٦٨٦/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٥). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٠٢/٥. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ((مصنّفه)) (١٠٢/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٣ و٦٧ و٦٩ و٩٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١١٩/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٨٢/٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣١٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٦٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٨/٥ - ١٤٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٧٧/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٥/٧) و((شُعَب الإيمان)) (٥/ ١١٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٠٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الشرب من في السقاء : قال في ((الفتح)): قال النوويّ: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه، لا للتحريم، كذا قال، وفي نقل الاتفاق نظرٌ؛ لِمَا سأذكره، فقد نقل ابن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القِرَب، وقال: لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطال في ردّ هذا القول، واعتذر عنه ابن الْمُنَيّر باحتمال أنه كان لا يَحمِل النهي فيه على التحريم، كذا قال، مع النقل عن مالك أنه لم يبلغه فيه نهي، فالاعتذار عنه بهذا القول أولى، والحجة قائمة على من بلغه النهي. قال النوويّ: ويؤيّد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك. قال الحافظ: لم أرَ في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدلّ على الجواز، إلا مِنْ فِعله بَّة، وأحاديث النهي كلها من قوله، فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك، فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه ◌َّ: أما أوّلاً فلعصمته، ولطيب نكهته، وأما ثانياً فلرفقه في صب الماء، وبيان ذلك بسياق ما ورد في علة النهي، فمنها ما تقدم من أنه لا يؤمَن دخول شيء من الهوامّ مع الماء في جوف السقاء، فيدخل فم الشارب، وهو لا يشعر، وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء، وهو يشاهد الماء يدخل فيه، ثم ربطه ربطاً محكماً، ثم لمّا أراد أن يشرب حلّه فشرب منه، لا يتناوله النهي. ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة ها بسند قويّ، بلفظ: ((أن النبيّ ◌َّ﴿ نَهَى أن يُشْرَب من في السقاء؛ لأن ذلك يُنتنه))، وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصّاً بمن يشرب، فيتنفس داخل الإناء، أو باشر بفمه باطن السقاء، أما من صبّ من القربة داخل فمه من غير مماسة فلا. ١٤٥ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٦٠) ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء، فينصب منه أكثر من حاجته، فلا يأمَن أن يُشْرَق به، أو تبتلّ ثيابه. قال ابن العربيّ: وواحدة من الثلاثة تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جدّاً. وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة ما ملخّصه: اختلف في علة النهي، فقيل: يخشى أن يكون في الوعاء حيوان، أو ينصب بقوة، فيشرق به، أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب، فربما كان سبب الهلاك، أو بما يتعلق بفم السقاء من بخار النفَس، أو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره، أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة، فيكون من إضاعة المال، قال: والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم، وقد جزم ابن حزم بالتحريم؛ لثبوت النهي، وحَمَل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة؛ لأنهم كانوا أوّلاً يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء، فُنُسخ الجواز. قال الحافظ: ومن الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذيّ، وصحَّحه من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدّته كبشة، قالت: (دخلت على رسول الله وَ ل﴿، فشَرِب من في قِربة معلّقة))، وفي الباب عن عبد الله بن أنيس، عند أبي داود، والترمذيّ، وعن أم سلمة في ((الشمائل))، وفي ((مسند أحمد))، والطبرانيّ، و((المعاني)) للطحاويّ. قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): لو فُرِّق بين ما يكون لعذر، كأن تكون القربة معلقةً، ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسِّراً، ولم يتمكن من التناول بكفه، فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تُحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر، فتُحمل عليه أحاديث النهي. قال الحافظ: ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلّقة، والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقاً، بل على تلك الصورة وحدها، وحَمْلها على ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة حال الضرورة جمعاً بين الخبرين أولى من حملها على النَّسخ، والله أعلم. وقد سبق ابن العربيّ إلى نحو ما أشار إليه العراقيّ، فقال: يَحْتَمِل أن يكون شُربه وَ ل﴿ في حال ضرورة، إما عند الحرب، وإما عند عدم الإناء، أو مع وجوده، لكن لم يتمكن لشغله من التفريغ من السقاء في الإناء، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يكون شرب من إداوة، والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة؛ لأنها مظنة وجود الهوامّ، كذا قال، والقربة الصغيرة لا يمتنع وجود شيء من الهوامّ فيها، والضرر يحصل به، ولو كان حقيراً، والله أعلم. (١) انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بحمل النهي على التحريم أرجح؛ لأن النهي يقتضي التحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا، لأن ما ذكروه صارفاً من فعل النبيّ وَ ﴿ ليس قويّاً؛ لِمَا ذُكر من حَمْله على حالة الضرورة، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. وبالسند المثَّصل إلى المؤلّف كَغُّْ أوّل الكتاب قال: [٥٢٦١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ، أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين، والحديث متّفقٌ عليه. وقوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ: ونهيه ◌َّ﴿ عن اختناث الأسقية، قال الراوي: واختنائها أن يُقْلَبَ رأسُها، ويُشرب منه، قال ابن دريد: اختناث الأسقية: كسر أفواهها إلى خارج؛ ليُشرب منها، فأمَّا كسرها إلى داخل فهو القَمْع. قال القرطبيّ: وأصل هذه اللفظة: التَّكسر، والتثني، ومنه: المخنَّث وهو (١) ((الفتح)) ٦٨٦/١٢ - ٦٨٨، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٥). ١٤٧ (١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٦١) الذي يتكسَّر في كلامه تكسُّر النساء، ويَنْثَنِي فِي مِشْيَته كمشيتهنَّ. وقيل في هذا، وفي نهيه وَّر عن الشرب من فم السقاء أن ذلك مخافة أن يتقزَّز منه بعض الناس فيستقذره، وقيل: لِمَا يُخاف من ضرر يكون هنالك، كما رُوي عن أبي سعيد: أن رجلاً شرب من في سقاء فانساب جانّ(١) في بطنه، فنهى النبيّ وَّر عن اختناث الأسقية، وأن يُشرب من أفواهها، ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزهريّ، وقد خرَّج الزبيريّ وغيره: أن النبيّ وَّ قام إلى قربة، فخنثها، وشرب من فيها، وهذا - إن صحَّ(٢) - محمله: أن النبيّ وَّهُ عَلِم أنه لم يكن هنالك شيء يضرّ، وأنه لم يكن يُستقذر منه شيء، بل كان كلُّ ما يُستقذر من غيره يستطاب منه، وتطيب به الأشياء. انتهى(٣). وقوله: (أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا) ((أن)) مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل بدل من ((اختناث))، فهو تفسير لمعنى الاختناث، وهذا التفسير تقدّم أنه مدرج، وقد جزم الخطّابيّ أنه من تفسير الزهريّ. ويُحمل هذا التفسير المطلق، وهو الشرب من أفواهها على المقيّد بكسر فمها، أو قلب رأسها؛ أي: في رواية للبخاريّ بقوله: ((يعني: أن تُكسر أفواهها، فيُشرب منها)»، والله تعالى أعلم. وقوله: (مِنْ أَفْوَاهِهَا) قال في ((العمدة)): الأفواه: جمع فم، على سبيل (١) الجانّ: ضرب من الحيّات، أكحل العينين، يَضرب إلى الصفرة، لا يؤذي، والجمع: چِنّان. (٢) قال الجامع: لا يصحّ هذا الحديث، فقد قال الترمذيّ في ((الجامع)) بعد إخراجه من حديث عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه: هذا إسناد ليس إسناده بصحيح، وعبد الله بن عمر الْعُمَريّ يُضعّف من قِبَل حفظه، ولا أدري سمع من عيسى أم لا. انتھی. وإنما الحديث صحيح بغير ذكر لفظ: ((فخنثها))، فقد أخرجه الترمذي بسند صحيح ٣٠٦/٤، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدّته كبشة، قالت: ((دخل عليّ رسول الله (99، فشرب من في قربة معلقة، قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. انتهى. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٦/٥ - ٢٨٨. ١٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الردّ إلى الأصل؛ لأن أصل فَم: فَوْهٌ، حُذفت منه الهاء؛ لاستثقالها عند الضمير، لو قيل: ((فَوْهُهُ))، فلما حُذفت عُوِّضت عنها الميم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): الأفواه: جمع فم، وهو على سبيل الردّ إلى الأصل في الفم أنه فَوْءٌ، نُقصت منه الهاء؛ لاستثقال هاءين عند الضمير لو قال: فَوْهُهُ، فلمّا لم تَحْتَمِلِ الواوُ بعد حذف الهاء الإعرابَ؛ لسكونها عُوِّضت ميماً، فقيل: فَمّ وهذا إذا أُفرد، ويجوز أن يُقتصر على الفاء إذا أضيف، لكن تزاد حركة مُشْبَعةٌ يختلف إعرابها بالحروف، فإن أضيف إلى مضمر كَفَت الحركات، ولا يضاف مع الميم إلا في ضرورة الشعر، كقول الشاعر [من الرجز]: كَالْحُوتِ لَا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهْ يُصْبِحُ عَظْشَانَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ فإذا أرادوا الجمع، أو التصغير ردّوه إلى الأصل، فقالوا: فُوَيْهُ، وأَفْواهٌ، ولم يقولوا: فُمَيمٌ، ولا أَفْمَامٌ. انتهى(٢). وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَاخْتِنَاتُهَا أَنْ يُقْلَبَ رَأْسُهَا، ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٨] (ت١٥٤) وهو ابن (٥٨) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. و((الزهريّ)) ذُكر قبله. (١) ((عمدة القاري)) ١٩٨/٢١. (٢) ((الفتح)) ٦٨٥/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٢٥). ١٤٩ (٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٣) وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بإسناد الزهريّ السابق، وهو: عن عبيد الله بن ئه . عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي سعيد الْخُدريّ وقوله: (مِثْلَهُ)؛ أي: مثل المتن السابق. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لمعمر بن راشد. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة تَّلهُ في ((مسنده))، لكنه بالشكّ، فقال: (٨١٨٥) - حدثنا أبو داود السجزيّ، قئنا مسدّد، قثنا سفيان، عن الزهريّ (ح) وحدّثنا السلميّ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله، أو عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: نَهَى رسول الله وَيه عن اختناث الأسقية، واختناتُها أن يُقْلَب رأسها، ثم يُشْرَب منه. انتهى(١). وساقها البيهقيّ في ((الكبرى)) بدون شكّ، ولكن جعل التفسير عن الأصمعيّ، فقال: (١٤٤٣٨) - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفّار، نا أحمد بن منصور، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: ((نهى رسول الله وَله عن اختناث الأسقية))، رواه مسلم في ((الصحيح)) عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، وأخرجه البخاريّ من وجهين آخرين، عن الزهريّ، قال الأصمعيّ: الاختناث أن تُثني أفواهها، ثم يشرب منها. انتهى(٢). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَكُلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ النَّهْىِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً) وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٣] (٢٠٢٤) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَِّيَّ وَهِ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً). (١) ((مسند أبي عوانة)) ١٤٩/٥. (٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٢٨٥/٧. ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُذْبة، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥١. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت٧ أو١١٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٤ - (أَنَسُ) بن مالك رَُّه تقدّم قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُ، وهو (٣٩٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه أنس ظُه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك ◌َّهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَّ زَجَرَ) هو بمعنى الراوية التالية: (نَھَى))، يقال: زجرته زَجْراً، من باب نصر: إذا منعته، فانزجر، وازدجر ازدجاراً، والأصل: ازتجر، على اعتَعَلَ، يُستعمل لازماً، ومتعدّياً، وتزاجروا عن المنكر: زَجَرَ بعضُهم بعضاً، قاله الفيّوميّ(١). (عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً) قال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((زَجَر عن الشرب قائماً))، وفي رواية: ((نَهَى عن الشرب قائماً))، قال قتادة: قلنا: فالأكل؟ قال: ((أشرّ، أو أخبث))، وفي رواية عن قتادة، عن أبي عيسى الأُسْواريّ، عن أبي سعيد الخدريِّ: ((أن رسول الله وَل زَجَر عن الشرب قائماً))، وفي رواية عنه: ((نَهَى عن الشرب قائماً))، وفي رواية عن عُمر بن حمزة قال: أخبرني أبو غَطَفان الْمُرّيّ أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَلجه: ((لا يشربنّ أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقيء))، وعن ابن (١) ((المصباح المنير)) ٢٥١/١. ١٥١ (٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٣) عباس: ((سقيت رسول الله وَ﴿ من زمزم، فشَرِب وهو قائم))، وفي الرواية الأخرى: ((أن رسول الله وَ﴿ُ شَرِب من زمزم، وهو قائم))، وفي ((صحيح البخاريّ)) أن عليّاً عَظُهُ شَرِب قائماً، وقال: رأيت رسول الله وَ﴿ فعل كما رأيتموني فعلتُ. على أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالاً باطلةً، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يضعّف بعضها، واذَّعَى فيها دعاوى باطلة، لا غرض لنا في ذكرها، ولا وجه لإشاعة الأباطيل، والغلطات في تفسير السنن، بل نذكر الصواب، ويشار إلى التحذير من الاغترار بما خالفه، وليس في هذه الأحاديث - بحمد الله تعالى - إشكال، ولا فيها ضَعْف، بل كلها صحيحة، والصواب فيها أن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه، وأما شُربه و * قائماً فبيان للجواز، فلا إشكال، ولا تعارض، وهذا الذي ذكرناه يتعيّن المصير إليه، وأما من زعم نَسْخاً، أو غيره فقد غَلِط غلطاً فاحشاً، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، لو ثبت التاريخ، وأنّى له بذلك؟ والله أعلم. [فان قيل]: كيف يكون الشرب قائماً مكروهاً، وقد فعله النبيّ وَّ؟. [فالجواب]: أن فعله ول* إذا كان بياناً للجواز، لا يكون مكروهاً، بل البيان واجب عليه وَله، فكيف يكون مكروهاً؟، وقد ثبت عنه أنه وَله توضأ مرةً مرةً، وطاف على بعير، مع أن الإجماع على أن الوضوء ثلاثاً، والطواف ماشياً أكمل، ونظائر هذا غير منحصرة، فكان ◌َ﴿ ينبّه على جواز الشيء مرّةً، أو مرّات، ويواظب على الأفضل منه، وهكذا كان أكثر وضوئه وَله ثلاثاً ثلاثاً، وأكثر طوافه ماشياً، وأكثر شُربه جالساً، وهذا واضح، لا يتشكك فيه من له أدنى نسبة إلى علم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد النوويّ كَُّ في شرح أحاديث هذا الباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٤/١٣ - ١٩٥. ١٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ◌َُّّه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٦٣/٢ و٥٢٦٤ و٥٢٦٥] (٢٠٢٤)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٧١٧)، و(الترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٨٧٩)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٤٢٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٠٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٨/٣ و١٨٢ و٢٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/ ٢٠٦)، و(الدارميّ) في («سننه)) (١٢٠/٢ - ١٢١) و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٢١ و٥٣٢٣)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٧٢/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٧٣ و٣١٦٥ و٣١٩٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٥١/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨١/٧ - ٢٨٢) و((شُعَب الإيمان)) (١٠٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حُكم الشرب قائماً: قال أبو العبّاس القرطبيّ كَُّ: لم يَصِرْ أحدٌ من العلماء فيما علمتُ إلى أن هذا النهي على التحريم، وإن كان جارياً على أصول الظاهرية، إنَّما حَمَله بعض العلماء على الكراهة، والجمهور: على جواز الشرب قائماً، فمن السلف: أبو بكر، وعمر، وعليّ ﴿ه، وجمهور الفقهاء، ومالك متمسكين في ذلك بشرب النبيّ ◌َ﴿ من زمزم قائماً، وكأنهم رأوا هذا الفعل منه متأخراً عن أحاديث النهي، فإنَّه كان في حجة الوداع، فهو ناسخٌ، ويُحَقِّقُ ذلك حُكم الخلفاء الثلاثة بخلافها، ويبعدُ أن تخفى عليهم تلك الأحاديث مع كثرة علمهم، وشدَّة ملازمتهم للنبيّ وَّ، وتشدُّدهم في الدين، وهذا وإن لم يصلح للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر. وأمَّا من قال بالكراهة: فيجمع بين الحديثين بأن فعل النبيّ وَ لّ يبيِّن الجواز، والنَّهي يقتضي التنزيه؛ فالأولى: ترك ذلك على كل حال. وأما قول قتادة: ((الأكلُ أَشَرُّ)): فَشَيءٌ لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما علمتُ، وعلى ما حكاه النّقَلة والحفاظ، فهو رأيه، لا روايته، والأصل: الإباحة، والقياس خليٍّ عن الجامع. ١٥٣ (٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٣) قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لا روايته فيه نظر لا يخفى، فإن قول قتادة: قلنا: فالأكل؛ أي: سألنا أنساً عن الأكل، يردّه؛ فقد صرّح بأنه رواه عن أنس، وليس رأياً له، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وقد ذهب بعض الناس: إلى أن النهي عن الشرب قائماً إنما كان لئلا يستعجل القائم فَيَعُبَّ، فيأخذه الكُباد(١)، أو يُشْرَق، أو يأخذه وجع في الحلق، أو في المعدة؛ فينبغي ألا يشرب قائماً، وحيث شرب النبيّ وَّ قائماً أَمِن ذلك، أو دَعَته إلى ذلك ضرورة، أو حاجة، لا سيما وكان على زمزم، وهو موضع مزدحم الناس، أو لعلَّه فعل ذلك ليري الناس أنه ليس بصائم، أو لأن شُرب ماء زمزم في مثل ذلك الوقت مندوبٌ إليه، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). وقد أجاد الحافظ تَُّهُ في ((الفتح)) في هذا المسألة، فأطال في البحث، وحقّق، وشرح ما تقدّم من كلام النوويّ، والقرطبيّ، وغيرهما من العلماء، أحببت إيراده بطوله؛ لنفاسته، وغزارة فوائده، قال رَّتُهُ: قال المازريّ: اختَلَف الناس في هذا، فذهب الجمهور إلى الجواز، وكرهه قوم، فقال بعض شيوخنا: لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء، فبادر لشربه قائماً قبلهم؛ استبداداً به، وخروجاً عن كون ساقي القوم آخرهم شرباً، قال: وأيضاً فإن الأمر في حديث أبي هريرة بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم في أنه ليس على أحد أن يستقيء، قال: وقال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة، قال: وتضمَّن حديث أنس الأكل أيضاً، ولا خلاف في جواز الأكل قائماً، قال: والذي يظهر لي أن أحاديث شُربِهِ وَله قائماً تدلّ على الجواز، وأحاديث النهي تُحمَل على الاستحباب، والحثّ على ما هو أَولى وأكمل، أو لأن في الشرب قائماً ضرراً، فأنكره من أجله، وفَعَله هو لِأَمْنه، قال: وعلى هذا الثاني يُحمل قوله: ((فمن نسي فليستقيء)) على أن ذلك يُحَرِّك خِلْطاً يكون القيء دواءه، ويؤيده قول النخعيّ: إنما نُهِي عن ذلك لداء البطن. انتهى كلام المازريّ ملخصاً. (١) ((الْكُبَاد))؛ كغُرَاب: وَجَع الْكَبِد، قاله في ((القاموس)). (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٨٥/٥ - ٢٨٦. ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة وقال عياض: لم يُخَرِّج مالك، ولا البخاريّ أحاديث النهي، وأخرجها مسلم من رواية قتادة، عن أنس، ومن روايته عن أبي عيسى، عن أبي سعيد، وهو معنعن، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه مما يُعِلّه، مع مخالفة الأحاديث الأخرى، والأئمة له، وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عُمر بن حمزة، ولا يُحْتَمَل منه مثل هذا؛ لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف. انتهى كلام عياض ملخصاً . ووقع للنوويّ ما ملَخَّصه: هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالاً باطلةً، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يُضَعِّف بعضها، ولا وجه لإشاعة الغلطات، بل يذكر الصواب، ويشار إلى التحذير عن الغلط، وليس في الأحاديث إشكال، ولا فيها ضعيف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشُربه وَّله قائماً لبيان الجواز، وأما من زعم نَسخاً، أو غيره، فقد غَلِطَ، فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، لو ثبت التاريخ، وفِعْله ◌َل﴿ لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروهاً أصلاً، فإنه كان يفعل الشيء للبيان مرّةً، أو مرّات، ويواظب على الأفضل، والأمرُ بالاستقاءة محمول على الاستحباب، فيستحب لمن شرب قائماً أن يستقيء لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حُمِل على الاستحباب، وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائماً ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مجازف، وكيف تُترك السُّنَّة الصحيحة بالتوهمات، والدعاوي، والترهات؟ انتهى كلام النوويّ. قال الحافظ: وليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلاً، بل ونَقْلُ الاتفاق المذكور إنما هو كلام المازريّ كما مضى، وأما تضعيف عياض للأحاديث فلم يتشاغل النوويّ بالجواب عنه. قال: وطريق الإنصاف أن لا تُدفَع حجة العالم بالصدر، فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلساً، وقد عنعنه، فيجاب عنه بأنه صرّح في ١٥٥ (٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٣) نفس السند بما يقتضي سماعه له من أنس، فإن فيه: ((قلنا لأنس: فالأكل؟)). وأما تضعيفه حديث أبي سعيد بأن أبا عيسى غير مشهور، فهو قول سَبَق إليه ابن المدينيّ؛ لأنه لم يرو عنه إلا قتادة، لكن وثقه الطبريّ، وابن حبان، ومثل هذا يُخَرَّج في الشواهد. ودعواه اضطرابه مردودة؛ لأن لقتادة فيه إسنادين، وهو حافظ. وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعُمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يُخَرِّج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، كما أشرت إليه عند أحمد، وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح، والله أعلم. قال النوويّ وتبعه العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): إن قوله: ((فمن نسي)) لا مفهوم له، بل يستحب ذلك للعامد أيضاً بطريق الأولى، وإنما خص الناسي بالذِّكر؛ لكون المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي غالباً إلا نسياناً . قال الحافظ: وقد يُطلق النسيان، ويراد به الترك، فيشمل السهو والعمد، فكأنه قيل: من تَرَك امتثال الأمر، وشرب قائماً، فليستقيء. وقال القرطبيّ في (المفهم)): لم يَصِر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم، وان كان جارياً على أصول الظاهرية، والقول به، وتُعُقّب بأن ابن حزم منهم جزم بالتحريم، وتمسك من لم يقل بالتحريم بحديث عليّ المذكور عند البخاريّ(١)، وصححّ الترمذيّ من حديث ابن عمر: «كنا نأكل على عهد رسول الله (َطير، ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام))، وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص، أخرجه الترمذيّ أيضاً، وعن عبد الله بن أنيس، أخرجه الطبرانيّ، وعن أنس، أخرجه البزار، والأثرم، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أخرجه الترمذيّ، وحسّنه، وعن عائشة، أخرجه البزار، وأبو علي الطوسيّ في ((الأحكام))، وعن أم سليم نحوه، أخرجه ابن شاهين، وعن عبد الله بن السائب، عن خباب، عن أبيه، عن جدّه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن كبشة، قالت: دخل عليّ النبيّ وَل﴿، فشَرِب من قِرْبة مُعلّقة، أخرجه (١) هو حديث عليّ ◌َُّهُ في شُربه قائماً من فَضْل وضوئه، وقوله: إنه ◌َّهو فعل ذلك. ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة الترمذيّ، وصححه، وعن كلثم نحوه، أخرجه أبو موسی بسند حسن. قال: وثبت الشرب قائماً عن عمر، أخرجه الطبريّ، وفي ((الموطأ)) أن عمر، وعثمان، وعليّاً كانوا يشربون قياماً، وكان سعد، وعائشة لا يرون بذلك بأساً، وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين. قال: وسلك العلماء في ذلك مسالك: [أحدها]: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم، فقال: حديث أنس - يعني: في النهي - جيد الإسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه - يعني: في الجواز - قال: ولا يلزم من كون الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز أن لا يكون الذي يقابله أقوى؛ لأن الثَّبْت قد يروي من هو دونه الشيءَ، فيرجَّح عليه، فقد رُجِّح نافع على سالم في بعض الأحاديث، عن ابن عمر، وسالم مقدَّم على نافع في الثبت، وقُدِّم شريك على الثوريّ في حديثين، وسفيان مقدَّم عليه في جملة أحاديث، ثم أسند عن أبي هريرة رضيه قال: لا بأس بالشرب قائماً، قال الأثرم: فدلّ على أن الرواية عنه في النهي ليست ثابتة، وإلا لَمَا قال: لا بأس به، قال: ويدلّ على وهاء أحاديث النهي أيضاً اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائماً أن يستقيء. [المسلك الثاني]: دعوى النسخ، واليها جنح الأثرم، وابن شاهين، فقررا على أن أحاديث النهي على تقدير ثبوتها منسوخة بأحاديث الجواز، بقرينة عمل الخلفاء الراشدين، ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادَّعَى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي؛ متمسكاً بأن الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النهي مُقَرِّرة لحكم الشرع، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة؛ لِمَا وقع منه وَّ في حجة الوداع، كما ثبت ذلك في حديث ابن عباس، وإذا كان ذلك الأخير من فِعْله ◌َّ دلّ على الجواز، ويتأيّد بفعل الخلفاء الراشدين بعده. [المسلك الثالث]: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل، فقال أبو الفرج الثقفيّ في نَصْره الصحاح: والمراد بالقيام هنا: المشي، يقال: قام في ١٥٧ (٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٤) الأمر إذا مشى فيه، وقمتَ في حاجتي: إذا سعيت فيها، وقضيتها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُعْتَ عَلَيْهِ قَآَبِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]؛ أي: مواظباً بالمشي عليه. وجنح الطحاويّ إلى تأويل آخر، وهو حمل النهي على من لم يسمّ عند شربه، وهذا إن سُلّم له في بعض ألفاظ الأحاديث لم يسلّم له في بقيتها. وسلك آخرون في الجمع بحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابيّ، وابن بطال، في آخرين، قال الحافظ: وهذا أحسن المسالك، وأسلمها، وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيراً، فقال: إن ثبتت الكراهة حُملت على الإرشاد، والتأديب، لا على التحريم، وبذلك جزم الطبريّ، وأيده بأنه لو كان جائزاً ثم حرّمه، أو كان حراماً ثم جوّزه لبيَّن النبيّ وَّر ذلك بياناً واضحاً، فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا . وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطبّ مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعداً أمكن، وأبعد من الشرق، وحصول الوجع في الكبد، أو الحلق، وكل ذلك قد لا يأمَن منه من شرب قائماً. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ في ((الفتح)(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من استعراض الأقوال، وأدلّتها في مسألة الشرب قائماً أن الذي يترجّح عندي مذهب من جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، كما قال به جماعة، وحقّقه الطبريّ، واستحسنه الحافظ؛ لأن به تجتمع الأدلّة من غير إجحاف ببعضها، ولا تكلّف، فتأمل ذلك بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتَّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِماً، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا (٢): فَالأَكْلُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ أَشَرُّ، أَوْ أَخْبَثُ). (١) ((الفتح)) ٦٧٣/١٢ - ٦٧٦، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦١٥). (٢) وفي نسخة: ((فقلت)). ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥. ٢ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف، إلا أنه مدلّس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا) وفي بعض النسخ: ((فقلت)). وقوله: (فَالأَكْلُ) بالرفع؛ أي: ما حكم الأكل قائماً؟. وقوله: (فَقَالَ: ذَاَكَ أَشَرُّ، أَوْ أَخْبَثُ) فاعل ((قال)) ضمير أنس، و((أو)) فيه للشكّ من الراوي، ثم إن هذا ظاهر في أن قتادة رواه عن أنس، وليس رأياً له، فيردّ ما سبق من قول بعضهم: إنه رأيه، فتنبّه. وقوله: (ذَاَ أَشَرُّ، أَوْ أَخْبَثُ) هكذا وقع في الأصول: ((أشرّ)) بالألف، والمعروف في العربية ((شَرّ)) بغير ألف، وكذلك ((خير))، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥]، ولكن هذه اللفظة وقعت هنا على الشكّ، فإنه قال: ((أشر، أو أخبث)) فشك قتادة في أن أنساً قال: ((أشر))، أو قال: ((أخبث)) فلا يثبت عن أنس أشر بهذه الرواية، فإن جاءت هذه اللفظة بلا شك، وثبتت عن أنس، فهو عربيّ فصيح، فهي لغة، وإن كانت قليلة الاستعمال، ولهذا نظائر، مما لا يكون معروفاً عند النحويين، وجارياً على قواعدهم، وقد صحّت به الأحاديث، فلا ينبغي ردّه إذا ثبت، بل يقال: هذه لغة قليلة الاستعمال، ونحو هذا من العبارات، وسببه أن النحويين لم يحيطوا إحاطة قطعية بجميع كلام العرب، ولهذا يَمنع بعضهم ما ينقله غيره عن العرب، كما هو معروف، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَذَتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: أخير وأشرّ أثبته أهل اللغة نقلاً عن بعض (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٦/١٣ - ١٩٧. ١٥٩ (٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً - حديث رقم (٥٢٦٥) العرب، قال الفيّوميّ كَّلُهُ: وهذا أخير من هذا بالألف في لغة بني عامر، وكذلك أشرّ منه، وسائر العرب تُسقط الألف منهما. انتهى(١). وقال المجد ◌َُّهُ: وهو أخير منك، كخيرٌ. انتهى(٢). وقال ابن مالك كَخَّفُ في ((الكافية)) مشيراً إلى مذهب جمهور العرب: وَغَالِباً أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرّ عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرّ وقال الخضريّ تَخْفُهُ في ((حاشيته) عند تعريف أفعل التفضيل بأنه الوصف الموازن لأفعل؛ أي: ولو تقديراً. قولنا: ولو تقديراً لإدخال خير وشرّ، فأصلهما أخير، وأشرّ، وقد يُستعملان كذلك، كقراءة بعضهم: ((مَن الكذّاب الأشرّ))، وقوله: بِلَالْ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ حُذفت همزتها؛ لكثرة الاستعمال، فهو شاذّ قياساً، لا استعمالاً، وفيهما شُذوذ آخر، وهو كونهما لا فِعْل لهما، وقد يُحمَل عليهما في الحذف أحبّ، کقوله : وَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الإِنْسَانِ مَا مُنِعَا وهو قليل. انتهى(٣). وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ قَتَادَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاحِ بن مَلِيح، أبو سفيان الرُّؤاسيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. (١) ((المصباح المنير)) ١٨٦/١. (٢) ((القاموس)) ص٤٠٦. (٣) ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٧٣/٢. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة ٢ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ قَتَادَةَ) فاعل ((يَذْكُر)) ضمير هشام الدستوائيّ. [تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه ساقها أبو داود تخُّ في ((سننه))، فقال: (٣٧١٧) - حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس: ((أن رسول الله (وَّ نَهَى أن يشرب الرجل قائماً)). انتهى(١). وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َظْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٢٦٦] (٢٠٢٥) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي عِيسَى الأُسْوَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهُ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عِيسَى الأُسْوَارِيُّ) البصريّ، وثّقه الطبرانيّ، وابن حبّان(٢) [٤]. رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، وابن عمر، وأبي العالية، وروى عنه ثابت البنانيّ، وقتادة، وعاصم الأحول. قال الميمونيّ عن أحمد: لا أعلم أحداً روى عنه إلا قتادة، وقال الطبرانيّ: بصريّ ثقةٌ، لا يحضرني اسمه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقد قال عليّ ابن المدينيّ: أبو عيسى الإِسواريّ: مجهول، لم يرو عنه إلا قتادة، وخالفه أبو بكر البزار، فزعم أنه مشهور (٣). أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعةً. [تنبيه]: قوله: ((الأسواريّ)): قال النوويّ كَُّهُ: هو بضم الهمزة، وحُكي (١) ((سنن أبي داود)) ٣٣٦/٣. (٣) ((تهذيب التهذيب)) ٥٦٩/٤. (٢) وقال في ((التقريب)): مقبول.