Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الِإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٩)
٢ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
شرح الحديث:
عن عَطَاء بن أبي رَباح (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿هَا (يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ) بضمّ الجيم، وكسرها(١)؛ أي: ظلامه،
واختلاطه، يقال: جنح الليل يَجْنَح بفتحتين(٢): أقبل(٣).
وفي رواية البخاريّ: ((إذا استجنح الليل، أو كان جنح الليل))، قال في
((الفتح)): وفي رواية الكشميهنيّ: ((أو قال: جنح الليل))، وهو بضم الجيم،
وبكسرها، والمعنى: إقباله بعد غروب الشمس، يقال: جنح الليل: أقبل،
واستجنح: حان جُنحه، أو وقع، وحَكَى عياض أنه وقع في رواية أبي ذرّ:
((استجنع)) بالعين المهملة بدل الحاء، وهو تصحيف، وعند الأصيليّ: ((أوّلُ
الليل)) بدل قوله: ((أو كان جنح الليل))، و((كان)) في قوله: ((وكان جنح الليل))
تامّة؛ أي: حصل، ووُجد (٤).
وقال الطيبيّ نَّثُ: معنى جنح الليل: طائفة من الله، وأراد به هنا الطائفة
الأُولى منه عند امتداد فحمة العشاء. انتهى(٥).
(أَوْ أَمْسَيْتُمْ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، هل قال: ((إذا كان جنح
الليل))، أو قال: ((إذا أمسيتم))؟ أي: دخلتم في المساء، والمساء: ما بين الظهر
(١) وضبطه الطيبيّ بفتح الجيم وكسرها، والظاهر أن قوله بالفتح غلطً؛ لأنه لم يُذكر
في كتب اللغة إلا الضمّ والكسر، فتنبّه.
(٢) وجعله في ((القاموس)) مثلّث النون، من باب نصر، وضرب، وفتح، فتنبّه.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١١١.
(٤) ((الفتح)) ٥٦٩/٧، و((عمدة القاري)) ١٧٣/١٥، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٢٨٠).
(٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)» ٢٨٨٦/٩.

٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
إلى المغرب، وليس مراداً، بل المراد دخول الليل بدليل الروايات الأخرى،
فتنبه .
(فَكُفُّوا) أمر من الكفّ، وهو المنع، يقال: كفّ عن الشيء كفّاً، من
باب نصر: تركه، وكففته كفّاً: منعته، فكفّ، يتعدَّى، ويلزم، وهنا من
المتعدّي، ولذا نَصَبَ قوله: (صِبْيَانَكُمْ) بكسر الصاد المهملة، وتضمّ: جمع
صبيّ، قال المجد تَظْثُهُ: الصبيّ: من لم يَفظُم بعدُ، قال: جمعه أصبية،
وأَصب، وصِبْوةٌ، وصَبيةٌ، وصِبيةٌ، وصِبْوانٌ، وصِبيانٌ، وتُضمّ هذه الثلاثة.
انتھی "".
(فَإِنَّ الشَّيْطَانَ)؛ أي: جنس الشيطان، (يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ)؛ أي: وقت دخول
الليل، ومعناه أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين؛ لكثرتهم
حينئذٍ. (فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلَّهُمْ) بالخاء المعجمة، من التخلية، هكذا
في نُسخ مسلم، قال في ((الفتح)): قوله: ((فخلّوهم)) كذا للأكثر بفتح الخاء
المعجمة، وللسرخسيّ بضم الحاء المهملة، قال ابن الجوزيّ: إنما خيف على
الصبيان في تلك الساعة؛ لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم
غالباً، والذِّكر الذي يُحرز منهم مفقود من الصبيان غالباً، والشياطين عند
انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك
الوقت، والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في
النهار؛ لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وكذلك كل سواد، ويقال:
إن الشياطين تستعين بالظَّلْمة، وتكره النور، وتشأم به، ولهذا قال في حديث أبي
ذرّ رظُه فيما يقطع الصلاة: (قال: الكلب الأسود شيطان))، أخرجه مسلم(٢).
(وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ) من الإغلاق، فلهذا يقال: الباب مُغْلَقٌ، ولا يقال:
مغلوق، ووقع في رواية للبخاريّ: ((وأغلق بابك))، فقال في ((العمدة)): وإنما
قال: ((فكُفُوا)) بصيغة الجمع، وقال: ((وأغلق)) بصيغة الإفراد؛ لأن المراد
بقوله: ((أغلق)) لكل واحد، وهو عامّ بحسب المعنى، أو هو في معنى المفرد؛
(١) ((القاموس المحيط)) ص٧٢٧.
(٢) ((الفتح)) ٥٦٩/٧، و((عمدة القاري)) ١٧٣/١٥، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٢٨٠).

٨٣
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٣٩)
إذ مقابلة الجمع بالجمع تفيد التوزيع، فكأنه قال: كُفَّ أنت صبيّك، كذا قاله
الكرمانيّ(١) .
(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) فيه أن ذِكر اسم الله تعالى مع فعل هذه المأمورات هو
الحصن الحصين من الشياطين، (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الشيطان
(لَا يَفْتَحُ بَاباً مُغْلَقاً، وَأَوْكُوا)؛ أي: اربطوا (قِرَبَكُمْ) بكسر القاف، وفتح الراء:
جَمْع قِرِبة، وعاء من جلد، (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ) من التخمير،
وهو التغطية، (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئاً) قال الطيبيّ ◌َُّهُ:
هو بضمّ الراء، وكسرها، والأول أصحّ، والمذكور بعد (لو)) فاعل فعل مقدّر؛
أي: ولو ثبت أن تعرُضوا عليها شيئاً، وجواب (لو)) محذوفٌ؛ أي: لو
خمّرتموها عرضاً بشيء، نحو العُود وغيره، وذكرتم اسم الله تعالى لكان كافياً،
والمقصود هو ذِكر اسم الله تعالى مع كلّ فعل؛ صيانةً عن الشيطان، والوباء،
والحشرات الهوَامّ. انتهى(٢).
(وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ))) أمرٌ من الإطفاء، إنما أَمر بذلك لأنه جاء في
((الصحيح)): ((أن الفويسقة جرّت الفتيلة، فأحرقت أهل البيت))، وهو عامّ يدخل
فيه السراج وغيره، وأما القناديل المعلقة فإن خيف حريق بسببها دخلت في
الأمر بالإطفاء، وإن أُمن ذلك، كما هو من الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بها؛
لانتفاء العلة، وسبب ذلك أنه صلى على خُمرة، فجرّت الفتيلةَ الفأرةُ فأحرقت
من الخُمرة مقدار الدرهم، فقال النبيّ وَّ ر ذلك. نبّه عليه ابن العربيّ، وفي
((سنن أبي داود)) عن ابن عباس ﴿يَا قال: ((جاءت فأرة، فأخذت تجر الفتيلة،
فجاءت بها، وألقتها بين يدي رسول الله ويس ير على الخمرة التي كان قاعداً
عليها، فأحرقت منها موضع درهم))(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبقيّة مسائله قبل ثلاثة
أحاديث، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((عمدة القاري)) ١٧٣/١٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٨٨٧/٩.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٧٤/١٥.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تََّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ نَحْواً
مِمَّا أَخْبَرَ عَطَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقُولُ: ((اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ رَاتٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عمرو بن دينار، عن جابر ظه هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَنْ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، كَرِوَايَّةٍ
رَوْحٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، يُلقّب أبا الجوزاء،
ثقةٌ [١١] (ت٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و((أَبُو عَاصِم)) هو: الضحّاك بن مخلد النبيل.
[تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج هذه ساقها النسائيّ كَّتُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٠٥٨٢) - أخبرنا أحمد بن عثمان، قال: حدّثنا أبو عاصم، قال:
حدّثنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع جابراً يقول: قال
رسول الله وَل: ((أغلقوا أبوابكم، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح
مُغْلَقاً، وأوكوا قِرَبكم، واذكروا اسم الله، وخَمِّروا آنيتكم، واذكروا اسم الله،
ولو أن تَعْرُضوا عليها شيئاً، وأطفئوا المصابيح)). قال ابن جريج: وأخبرني

٨٥
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِيكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٤٢)
عمرو بن دينار أنه سمع جابراً يُخبر نحو ما أخبرني عطاء، غير أنه لا يقول:
(اذكروا اسم الله)). انتهى(١).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٢] (٢٠١٣) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ(٢)، وَصِبْيَانَكُمْ،
إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتِ
الشَّمْسُ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ»).
رجال هذين الإسنادين: خمسة:
وقد تقدّم الإسناد الأول نفسه قبل أربعة أحاديث، وهما من رباعيّات
المصنّف نَّتُهُ، (٣٩٠ و٣٩١) من رباعيّات الكتاب، و((أبو خيثمة)) هو: زهير بن
معاوية المذكور قبله.
شرح الحديث:
◌َّ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ) قال
(عَنْ جَابِرٍ).
أهل اللغة: الفواشي: كلُّ منتشر من المال، كالإبل، والغنم، وسائر البهائم،
وغيرها، وهي جمع فاشية؛ لأنها تفشو؛ أي: تنتشر في الأرض، قاله
النوويّ(٣).
ووقع في بعض النسخ: ((مواشيكم))، وهو جمع ماشية، وهي المال من
الإبل، والغنم، قاله ابن السكيت، وجماعة، وبعضهم يجعل البقر من الماشية،
قاله الفيّوميّ(٤).
[تنبيه]: جعل العسكريّ في ((تصحيفاته)): ((مواشيكم)) من التصحيفات،
فقال: يُصَحِّفون فواشيكم بمواشيكم، وفَحْمة بقَحَمة، وإنما الرواية عند أهل
الثبت والضبط: ((فواشيكم)) بالفاء، والواحدة فاشية، وهي ما ينتشر، ويفشو من
(١) ((السنن الكبرى)) ٦/ ١٨٧.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٨٦/١٣.
(٢) وفي نسخة: ((مواشيكم)).
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٤.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
الإبل، والغنم، وغيرها، ومن لا يضبط يقول: ((مواشيكم)) على أنها جمع
ماشية، وأكثر العرب ليسوا أصحاب مواشي. انتهى(١).
(وَصِبْيَانَكُمْ، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ) - بفتح الفاء،
وسكون الحاء المهملة -؛ أي: ظُلمتها، وسوادها، جَمْعه: فِحامٌ، وفُحُومٌ(٢)،
وفسّرها بعضهم هنا بإقباله، وأول ظلامه، وكذا ذكره صاحب ((نهاية الغريب))
قال: ويقال للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء: الفحمة، وللتي بين
العشاء والفجر: الْعَسْعَسة، قاله النوويّ(٣).
وقال العسكريّ: وأما قوله: ((فحمة العشاء)) فمنهم من يرويه بضم الفاء،
ومنهم من يرويه بفتحها، والروايتان صحيحتان، يقال: فُحْمة، وفَحْمة العشاء؛
يعني به: سواد الليل وظلمته، وإنما يكون ذلك في أول الليل، وأما من رواه
قحمة، بالقاف فهو خطأ وتصحيف. انتهى.
وقال أيضاً: عن ابن الأعرابيّ قال: فحمة العشاء من لدن المغرب إلى
العشاء، وقال الفزاريّ: من لدن العشاء إلى نصف الليل، وقد أفحم القومُ: إذا
أناخوا في فحمة الليل، وقال الغنويّ: إنما الفحمة في القيظ أولَ الليل،
وليست لليل الشتاء فحمة؛ لأنه لا حرّ فيه، فيحبسهم، وإنما يُفحمون إذا أقاموا
فحمة العشاء؛ ليسكن عنهم الحرّ، ويبرد الليل، ثم يسيرون ليلتهم. انتهى(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: ضبطُ الفَحْمة بضمّ الفاء لم أجده في
(القاموس))، ولا في ((شرحه))، ولا في ((الصحاح))، ولا في ((اللسان))، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
قال في ((القاموس))، و((شرحه)): والفَحْمة من الليل: أوله، أو أشدّ
سواده؛ أي: سواد أوله، أو أشده سواداً، أو ما بين غروب الشمس إلى نوم
الناس، سُميت بذلك لحرّها؛ لأن أول الليل أحَرّ من آخره، ومنه الحديث:
((ضُمُّوا فواشيكم حتى تذهب فَحْمة العشاء))؛ أي: شدة سواد الليل، وظلمته،
(١) (تصحيفات المحدثين)) للعسكريّ ١٩٤/١.
(٢) ((القاموس)) ص٩٧٨.
(٤) ((تصحيفات)) ١٩٥/١ - ١٩٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/١٣.

٨٧
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٤٣)
وإنما يكون ذلك في أوله، والتي بين العتمة والغداة: العسعسة، قال ابن بَرّيّ:
حَكَى حمزة بن الحسن الأصبهانيّ، أن أبا الفضل قال: أخبرنا أبو معمر
عبد الوارث، قال: كنا بباب بكر بن حبيب، فقال عيسى بن عُمر في عرض
كلام له: قحمة العشاء، فقلنا: لعلها فحمة العشاء، فقال: هي قحمة بالقاف،
لا يُختلف فيها، فدخلنا على بكر بن حبيب، فحكيناها له، فقال: هي بالفاء لا
غير؛ أي: فَوْرَته. انتهى(١).
(فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ) الفاء تعليليّة؛ أي لأن الشياطين (تَنْبَعِثُ)؛ أي: تنتشر،
وتتفرّق (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ))؛ أي: وبعد ذهابها لا
ينبعثون، فلا يحصل منهم ضرر، فلكم أن ترسلوا فواشيكم وصبيانكم، والله
تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٤٢/١٠ و٥٢٤٣] (٢٠١٣)، و(أبو داود)
(٢٦٠٤)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٥٣٥/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٢/٣
و٣٨٤ و٣٩٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٤/٥)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (٩٠/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٦/٣)، و(ابن الجعد) في
((مسنده)) (٣٨١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٦/٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِنَحْوِ حَدِيثٍ زُهَيْرٍ).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل أربعة أحاديث،
و((عبد الرحمن)) هو: ابن مهديّ، و((سفيان)) هو الثوريّ.
(١) ((تاج العروس)) ٧٨٤٣/١ - ٧٨٤٤.

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٤] (٢٠١٤) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْئِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((غَطَّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ
فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ
وِكَاءُ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٢٣) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧َ) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْئِيُّ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٥ - (جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم) الأنصاريّ، والد عبد الحميد المدنيّ،
ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٧/٢٢.
٦ - (الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيم) الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (بخ م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ٢٠٤/٢٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثُمانيّات المصنّف، وهو مسلسل بالمدنيين من يزيد بن الهاد، وفيه
أربعة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يزيد، ويحيى، وجعفر، والقعقاع،

٨٩
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٤٤)
ورواية الأولين من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الخامسة، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني في ((التقييد)) بعد أن ساق سند
مسلم هذا ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث عن أبي العبّاس الرازيّ، وفي
النسخة المقروءة على الْجُلوديّ: حدّثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد،
ويحيى بن سعيد - بواو العطف - عن جعفر، وكذلك عن أبي العلاء بن ماهان،
والمحفوظ في هذا الإسناد: الليث، عن يزيد بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد،
عن جعفر بن عبد الله بن الحكم.
وهكذا خرّجه أبو مسعود، عن مسلم: حدّثنا أبو عمر أحمد بن محمد،
قال: نا عبد الوارث بن سفيان، قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا الحارث بن
أبي أسامة، قال: نا أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: نا الليث، قال: حدّثني
يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثيّ، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عبد الله بن
الحكم، عن القعقاع بن حكيم، عن جابر بن عبد الله، مرفوعاً.
حدّثنا أبو عمر النّمَريّ، قال: نا عبد الله بن محمد بن يوسف الفَرَضيّ،
قال: نا أبو الحسن عليّ بن القاسم بن العبّاس بن الفضل بن شاذان الرازيّ،
قال: نا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ، قال: نا أبو زرعة
الرازيّ، قال: نا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: نا الليث، عن ابن الهادي،
عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن القعقاع بن حكيم،
عن جابر بن عبد الله، مرفوعاً. انتهى كلام الجيّانيّ تَظَُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذكره الجيّانيّ تَّثُ أنه وقع اختلاف
في هذا الإسناد، هل هو ((عن يزيد بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد))، أو عن
يزيد بن عبد الله، ويحيى بن سعيد بالعطف؟ والمحفوظ أن يحيى شيخ ليزيد،
وليس معطوفاً عليه، كما هو الموجود في معظم النُّسخ، فليُتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(١) ((تقييد المهمل)) ٨٩٥/٣.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
شرح الحديث :
(عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿َّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ:
((غَطُّوا الإِنَاءَ) بفتح الغين المعجمة، وضمّ الطاء المهملة أمرٌ من التغطية؛ أي:
اجعلوا عليه ساتراً، ولا تتركوه مكشوفاً، (وَأَوْكُوا السِّقَاءَ) بقطع الهمزة، من
الإيكاء رباعيّاً، وتقدّم أن فيه لغةً قليلةً، وهي وَكَى يَكِي ثلاثيّاً، والمعنى:
اربطوا فمه بالوٍكاء، وهو ما يُربط به الشيء، ثم ذكر علّة الأمر بما ذُكر بالفاء
التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ فِي السَّنَّةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ) قال النوويّ ◌َُّهُ: الوباء
يُمَدّ، ويُقصر، لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، والقصر أشهر، قال
الجوهريّ: جمع المقصور أوباء، وجمع الممدود أوبية، قالوا: والوباء مرض
عامّ يُفضي إلى الموت غالباً. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ◌َْتُهُ: الوَبَاءُ بالهمز مرضٌ عامّ يُمَدّ، ويُقصَر، ويُجمع
الممدود على أَوْبِئَةٍ، مثل مَتاع وأمتعة، والمقصور على أَوْبَاءِ، مثلُ سبب
وأسباب، وقد وَبِئَتِ الأرضُ تَوْبَأُ، من باب تَعِبَ وَيْئاً، مثل فلس: كَثُر
مَرَضها، فهي وَبِئَةٌ، ووَبِيئَةٌ، على فَعِلَة، وفَعِيلة، ووُبِئَتْ بالبناء للمفعول، فهي
مَوْبُوءَةٌ؛ أي: ذات وباء. انتهى(٢) .
وقال الأبيّ - بعد ذكر تفسير الجوهريّ للوباء -: قلت: الوباء المفسّر بما
ذكره الجوهريّ هو الوباء المعروف، والأظهر أنه ليس المرادَ في الحديث، ويأتي
الكلام عليه، وإنما هو وباء آخر، والنزول حقيقة إنما هو في الأجسام متحيّزة،
ففيه أن هذا الشيء الذي ينزل متحيّز، والله سبحانه أعلم بحقيقته. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا البحث الذي ذكره الأبيّ مما لا معنى له،
فما المانع من كون المراد بالوباء هو الوباء المعروف، وأيّ وباء غيره؟، وما
الداعي ليكون جسماً متحيّزاً، أو غير متحيّز؟، هذا كلّه تكلّف وتعقيد لمعنى
الحديث الواضح في الوباء المعروف عند أهل اللغة بلا حجة، ولا برهان،
والله تعالى المستعان.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/١٣ - ١٨٧.
(٣) ((شرح الأبيّ) ٣٣١/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٦/٢.

٩١
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٤٥)
وقوله: (لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ) جملة في محلّ رفع نعت لـ((وباءٌ))، وقوله: (لَيْسَ
عَلَيْهِ غِطَاءُ) في محلّ جرّ نعت لـ((إناء))، والغطاء بالكسر، وزانُ كتاب: السِّتْر،
وهو ما يُغطّى به، وجمعه أغطيةٌ، مأخوذ من قولهم: غَطَا الليل يَغْطُو: إذا
سترت ظلمته كلَّ شيءٍ(١). (أَوْ سِقَاءٍ) ((أو)) هنا للتنويع، (لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ)
بالكسر: ما يُشدّ به رأس القِرْبة، ونحوها. (إِلَّا نَزَلَ فِيهِ)؛ أي: في المذكور من
الإناء، والسقاء، (مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ))) ((من)) هنا للتبعيض؛ أي: بعض ذلك الوباء
النازل.
قال الشوكانيّ كَّلُهُ: والتعليل بقوله: ((فإن في السنة ليلةً)) يُشعر بأن شرعية
التخمير للوقاية عن الوباء، وكذلك الإيكاء، وقد تكلف بعضهم لتعيين هذه
الليلة، ولا دليل له على ذلك. انتهى(٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿يا هذا من أفراد
المصنّف تخذلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٤٤/١٠ و٥٢٤٥] (٢٠١٤)، و(أحمد) في
(«مسنده) (٣٥٥/٣)، و(عبد بن حُميد) في («مسنده)) (١١٤٠)، و(البخاريّ) في
((الأدب المفرد)) (١٢٣٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٤٥/٥)، و(البيهقيّ) في
((شُعَب الإيمان)) (١٢٧/٥)، وفوائد الحديث تقدّمت، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا
لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْماً يَنْزِلُ فِيهِ
وَبَاءُ)، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قَالَ اللَّيْثُ: فَالأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ(٣) فِي
كَانُونَ الأَوَّلِ).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٩/٢.
(٣) وفي نسخة: ((يتّقون في ذلك)).
(٢) ((نيل الأوطار)) ٨٦/١.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع
[١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) من مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم في
((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩]
(ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
و ((ليث بن سعد)) ذُكر قبله.
وقوله: ((فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْماً ... إلخ))) قال النوويّ تَخْلَقُ: قوله: ((يوماً))،
وفي رواية: ((ليلةً)) لا منافاة بينهما؛ إذ ليس في أحدهما نفي الآخر، فهما
ثابتان. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ اللَّيْثُ) هو ابن سعد راوي الحديث.
وقوله: (يَتَّقُونَ ذَلِكَ) وفي نسخة: ((يتقون في ذلك))، قال النوويّ ◌َّتُهُ:
معنى ((يتقون ذلك))؛ أي: يتوقعونه، ويخافونه.
وقوله: (فِي كَانُونَ الأَوَّلِ) قال النوويّ كَُّهُ: ((كانون)) غير مصروف؛ لأنه
عَلَمٌ أعجميّ، وهو الشهر المعروف. انتهى(٢).
وقال صاحب ((التكملة)): كانون الأول اسم لشهر معروف، وهو شهر
ديسمبر، قال: وليس في توقّعهم حجة للمسلمين، وإنما المذكور في الحديث
يوم، أو ليلة، ولا سبيل لتعيينهما. انتهى (٣).
وقال في ((القاموس)) و((شرحه)): والكانون الأول والآخر شهران في قلب
الشتاء، رُوميّةٌ، قال الأزهريّ: وهما عند العرب: الهراران، والهباران، وهما
شهرا سمقاح، وقماح. انتهى (٤).
وقال الأبيّ في ((شرحه)) متعقّباً ما ذكره الليث من كون ذلك في الكانون
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/١٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/١٣.
(٣) ((تكملة فتح الملهم)) ٦٦١/٣.
(٤) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ١/ ٨١٥٤.

٩٣
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِكَاءِ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٤٦)
الأول، فراجع شرحه، وإنما لم أنقله بلفظه؛ لأن عبارته غير واضحة، وأيضاً
لا حاجة إلى التعقّب على كلام الليث، فإنه لم يَحْمِل الحديث عليه قطعاً،
وإنما ذكر أن الأعاجم يتّقون ذلك، فيَحْتَمِل أن يكون هو المراد بالحديث،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عليّ بن نصر، عن الليث هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٦] (٢٠١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثمّ المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمام حجةٌ، من كبار [٨] (ت ١٩٨) وله (٩١) سنةً
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٢ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر،
أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فاضل، كان يشبّه بأبيه في الهدي
والسّمت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﴿هَا الْعَدويّ، وُلد بعد المبعث
بيسير، واستُصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنةً، ومات سنة (٣ أو ٧٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَّقُ، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعيّ عن
تابعيّ، وأن سالِماً أحد الفقهاء السبعة عند بعضهم، وأن صحابيّه أحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة، وكان من أشدّ الناس اتّباعاً للأثر .

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
شرح الحديث :
(عَنِ النَّبِيِّ وَِّ) أنه (قَالَ: ((لَا
(عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ◌ّ
تَتْرُكُوا النَّارَ فِيِّ بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ))) قيّده بالنوم؛ لحصول الغفلة به غالباً،
ويُستنبط منه أنه متى وُجدت الغفلة حصل النهي، قاله في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ كَُّهُ: هذا عامّ يدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل
المعلّقة في المساجد وغيرها، فإن خيف بسببها حريق دخلت في الأمر
بالإطفاء، وإن حصل الأمن منها، كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها؛
لانتفاء العلّة؛ لأن النبيّ ◌َّ عَلَّل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق بأن
الفُويسقة تُضرم على أهل البيت بيتهم، فإذا انتفت العلة زال المنع. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة،
ويَحْتَمِل أن تكون للندب، ولا سيما في حقّ من يفعل ذلك بنيَّة امتثال الأمر.
وقال ابن العربيّ: ظنّ قوم أن الأمر بغلق الأبواب عامّ في الأوقات كلّها،
وليس كذلك، وإنما هو مقيّد بالليل، وكأن اختصاص الليل بذلك؛ لأن النهار
غالباً محلّ التيقظ، بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان،
فإنه هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ظها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٤٦/١٠] (٢٠١٥)، و(البخاريّ) في ((بدء
الخلق)) (٦٢٩٣) وفي ((الأدب المفرد)) (٤٢٠/١)، و(أبو داود) في ((سننه))
(٥٢٤٦)، و(الترمذيّ) في ((جامعه)) (١٨١٣)، و(ابن ماجه) في ((سننه))
(٣٧٦٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٦/١١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٢٦٣/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٧٨/٢)، و(أحمد) في
(١) ((الفتح)) ٢٦١/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٩٣).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/١٣.
(٣) ((الفتح)) ٧/ ٥٩٤، كتاب ((بدء الخلق)) رقم (٣٣١٦).

٩٥
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِيكَاءٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٤٧)
((مسنده)) (٧/٢ و٨ ٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٥/٥ - ١٤٦)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (٣٢١/٩ و٣٦٩ و٣٩٨)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين))
(٤١/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٧] (٢٠١٦) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ، وَأَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ
- وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسَى، قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتُ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِشَأْنِهِمْ، قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ
فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ) الكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (أَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن برّاد بن يوسف بن أبي بُردة
الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٥ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل:
الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٧ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ
المشهور، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى
آخره، وله فيه خمسة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحادهم في كيفيّة التحمّل
والأداء، فكلهم سمعوا من لفظ أبي أسامة، ولذا قالوا: حدّثنا، وفيه رواية
الراوي عن جدّه عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ◌َبهِ أنه (قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتُ عَلَى أَهْلِهِ) قال
الحافظ تَخَّتُهُ: لم أقف على تسميتهم. (بِالْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ) ((من)) بمعنى ((في))،
ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض، (فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ) ببناء الفعل للمفعول،
ولم يُعرف من حدّثه (بِشَأْنِهِمْ)؛ أي: بحالهم، وما وقع لهم من احتراق بيتهم،
(قَالَ) وَهِ: (إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ) ((العدوّ)) يستوي فيه المذكّر
والمؤنث، والمثنى والجمع، قاله في ((العمدة))(١).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: العَدُوُّ: خلاف الصَّدِيقِ الْمُؤَالِي، والجمع: أَعْدَاءٌ،
وعِدَى، بالكسر، والقصر، قالوا: ولا نظير له في النعوت؛ لأن باب فِعَلٍ،
وزانَ عِنَبِ مختصّ بالأسماء، ولم يأت منه في الصفات إلا قومٌ عِدًى، وضمّ
العين لغة، ومثله سِوَى وسُوَى، وطِوَى وطُوَى، وتثبت الهاء مع الضم، فيقال:
عُدَاةٌ، ويُجمع الأَعْدَاءُ على الأَعَادِي، وقال في ((مختصر العين)): يقع العَدُوُّ
بلفظ واحد على الواحد المذكر، والمؤنث، والمجموع، قال أبو زيد: سمعت
بعض بني عُقَيل يقولون: هُنّ وَلِيّات الله، وعَدُوَّاتُ الله، وأولياؤه، وأَعْدَاؤُهُ،
قال الأزهريّ: إذا أُريد الصفة قيل: عدوَّةٌ، وقال في ((البارع)): إذا كان فَعُولٌ
بمعنى فاعل استَوَى فيه المذكّر والمؤنث، فلا يؤنث بالهاء سوى عَدُوِّ، فيقال
فيه: عَدُوَّةٌ. انتهى(٢).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٧٠/٢٢.
(٢) ((المصباح المنير) ٣٩٨/٢.

٩٧
(١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَخْمِيرِ الإِنَاءِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ، وَإِيِكَاءٍ ... إلخ - حديث رقم (٥٢٤٧)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إن هذه النار إنما هي عدوّ لكم)) هكذا أورده
بصيغة الحصر مبالغةً في تأكيد ذلك، قال ابن العربيّ تَُّ: معنى كون النار
عدوّاً لنا أنها تنافي أبداننا، وأموالنا منافاةَ العدوّ، وإن كانت لنا بها منفعة،
لكن لا يحصل لنا منها إلا بواسطة، فأطلق أنها عدوّ لنا؛ لوجود معنى العداوة
فيها، والله أعلم. انتهى(١).
(فَإِذَا نِمْتُمْ) بكسر النون، من باب خاف يخاف، (فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ))) بقطع
الهمزة، من الإطفاء رباعيّاً؛ أي: أَخْمِدوها.
سبب الأمر
قال ابن دقيق العيد كَّتُهُ: يؤخذ من حديث أبي موسى
في حديث جابر بإطفاء المصابيح، وهو فنّ حسن غريب، ولو تُتُبّع لحصل منه
فوائد، قال الحافظ: قد أفرده أبو حفص العكبريّ من شيوخ أبي يعلى بن الفرّاء
بالتصنيف، وهو في المائة الخامسة، ووقفت على مختصر منه، وكأن الشيخ ما
وقف عليه، فلذلك تمنى أن لو تُتُبّع. انتهى، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٤٧/١٠] (٢٠١٦)، و(البخاريّ) في
((الاستئذان)) (٦٢٩٤)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٧٠)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٢٦٣/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٩/٤)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٥٢٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٤٦/٥)، و(أبو يعلى) في
(«مسنده)) (٢٧٧/١٣)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٤٨/٨)، و(البيهقيّ) في ((شُعَب
الإيمان)) (١٢٨/٥)، وفوائد الحديث تقدّمت، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ .
(١) ((الفتح)) ٢٦٢/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٩٤).

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٣٦ - (كِتَابُ الأَطْعِمَةِ)
هكذا في النسخة التي شرح عليها الأبيّ، والسنوسيّ، وصاحب
(التكملة))، ووقع في غيرها ((باب آداب الطعام ... إلخ)) بدون تقديم لفظ ((كتاب
الأطعمة))، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
و((الأطعمة)) بفتح الهمزة: جمع طعام، قال المجد تَُّهُ: الطَّعَام: البُرّ،
وما يؤكل، جمعه أَطْعِمةٌ، وجَمْع جَمْعه أطعمات، وطَعِمه، كسَمِعه طَعْماً،
وطعاماً. انتهى(١) .
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: طَعِمْتُهُ أَظْعَمُهُ، من باب تَعِبَ طَعْماً بفتح الطاء،
ويقع على كلّ ما يُساغ، حتى الماءُ، وذَوْقُ الشيء، وفي التنزيل: ﴿وَمَن لَّمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال ◌ََّ في زمزم: ((إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم))،
بالضمّ؛ أي: يَشْبَع منه الإنسان، والظُّعْمُ بالضم: الطَّعَام، قال أبو خراش
[من الطويل]:
وَأُوْثِرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بِالظُّعْمِ
أَرُدُّ شُجَاعَ الْبَظْنِ قَدْ تَعْلَمِينَهُ
إِذَا الزَّادُ أَمْسَى لِلْمُزَلَّجِ(٢) ذَا طَعْمٍ
وَأَغْتَبِقُ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَأَنْتَهِي
أراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يُشْتَهَى (٣).
وفي ((التهذيب)): الطُّعْمُ بالضم: الْحَبّ الذي يُلقى للطير، وإذا أَظْلق أهل
الحجاز لفظ الطَّعَام عَنَوا به البرّ خاصةً، وفي العرف الطَّعَامُ: اسم لما يؤكل،
مثل الشراب اسم لَما يُشرب، وجمعه: أَطْعِمَةٌ، وأَطْعَمْتُهُ، فَطَعِمَ، واسْتَطْعَمْتُهُ:
(١) ((القاموس المحيط)) ص٨٠٣.
(٢) ((الْمُزَلَّجُ))؛ كمحمَّد: القليل، والْمُلْصق بالقوم، وليس منهم، والرجل الناقص،
والدُّون من كلّ شيء. اهـ. ((القاموس)) ص٥٦٧.
(٣) ((الصحاح)) ص٦٤١.

٩٩
(١) - بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا - حديث رقم (٥٢٤٨)
سألته أن يُطعمني، واسْتَطْعَمْتُ الطعام: ذُقْته؛ لأعرف طَعْمه، وتَطَعَّمْتُهُ كذلك،
والطُّعْمَةُ: الرِّزْق، وجمعها طُعَمٌ، مثلُ غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، والظُّعْمَةُ: المأكلة،
وأَظْعَمَتِ الشجرةُ بالألف: أدرك ثمرها، والطَّعْمُ بالفتح: ما يؤديه الذَّوْق،
فيقال: طَعْمُهُ حلو، أو حامض، وتغيّر طَعْمُهُ: إذا خرج عن وصفه الْخِلْقيّ،
والطّعْمُ: ما يُشْتَهَى مِن الطعام، وليس للغثّ طَعْمٌ، والطَّعَمُ بفتحتين لغة كِلابيةٌ،
وقولهم: ((الطَّعْمُ عِلَّةُ الرِّبَا)) المعنى: كونه مما يُطْعَم؛ أي: مما يُساغ جامداً
كان، كالحبوب، أو مائعاً، كالعصير، والدّهن، والْخَلّ، والوجه أن يُقرأ
بالفتح؛ لأن الطُّعْمَ بالضمّ يُطلق، ويراد به الطّعام، فلا يتناول المائعات،
والطَّعْمُ بالفتح يُطلق، ويراد به ما يُتناول استطعاماً، فهو أعمّ. انتهى(١).
(١) - (بابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٤٨] (٢٠١٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي خُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ:
كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَ﴿ْ طَعَاماً لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ وَهِ،
فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَاماً، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ
يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ
بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ، أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ
عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِبَةِ؛ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ؛
لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي بَدِي مَعَ بَدِهَا»).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (خَيْئَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ، یُرسل
[٣] مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣١٢/١٢.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٧٢/٢ - ٣٧٣.

١٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأطعمة
٢ - (أَبُو حُذَيْفَةَ) سلمة بن صُهيب، ويقال: ابن صهيبة، ويقال: صهبة،
ويقال: صهبان، ويقال: أصيهيب الْهَمْدانيّ، الأَرْحَبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن حذيفة، وابن مسعود، وعليّ بن أبي طالب، وعائشة
وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعليّ بن الأقمر، وخيثمة بن عبد الرحمن.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال يعقوب بن سفيان: اسم أبي حذيفة:
يزيد بن صهيبة، وهو ثقةٌ، قال: وذكر أبو إسحاق السَّبيعيّ أن اسمه سلمة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسيل، أو حِسْل العبسيّ، حليف
الأنصار الصحابيّ الجليل، من السابقين الأولين، وأبوه أيضاً صحابيّ، استُشهد
بأحد، ومات حُذيفة في أول خلافة عليّ سنة (٣٦) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، وأن فيه ثلاثة
من ثقات التابعين الكوفيين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن
أبي حُذيفة، وأن صحابيّه ابن صحابي ﴿هَا، وقد أعلمه النبيّ وَّر بما كان وبما
يكون إلى أن تقوم الساعة، كما هو في ((صحيح مسلم)).
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) ◌َهَ أنه (قَالَ: كُنَّا) معاشر أصحاب النبيّ وَِّ (إِذَا حَضَرْنَا
مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ طَعَاماً) بالفتح تقدّم أنه اسم لما يُؤْكل، (لَمْ نَضَعْ أَبْدِيَنَا)؛ أي: في
ذلك الطعام، (حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّه)؛ أي: ليبارك ذلك الطعام بسبب وضع
يده وَ ﴿ فيه، (فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً)؛ أي: وقتاً من الأوقات،
(طَعَاماً، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ) لم يُعرف اسمها، قاله صاحب ((التنبيه))(١)، وقال
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٤٧.