Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَِّيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٢)
وقال الفيّوميّ تَخُّْ: العَروس وصف يستوي فيه الذكر والأنثى ما داما في
إعراسهما، وجمعُ الرجل: عُرُس بضمّتين، مثلُ رسول ورُسُلٍ، وجمعُ المرأة:
عرائس، قال: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس: عَمِل عُرْساً، قال:
والإعراس: دخول الرجل بامرأته. انتهى باختصار(١).
(قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ) بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أتدرون (مَا)
استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء (سَقَتْ) تلك المرأة (رَسُولَ اللهِ وَيٍ؟) ثم بيّن ما
استفهمه بقوله: (أَنْقَعَتْ)؛ أي: تركت في الماء، قال النوويّ كَّلُهُ: هكذا هو
في الأصول: ((أنقعت))، وهو صحيح، يقال: أنقعتُ، ونقعت. انتهى(٢).
(لَهُ) وِ (تَمَرَاتٍ) بالتاء، وفي روايةٍ للبخاريّ: ((بَلّت تمرات)) بموحّدة،
ثم لام ثقيلة، وهو بمعنى أنقعت. (مِنَ اللَّيْلِ) تقدّم أن ((من)) بمعنى ((في))، أو
هي للتبعيض، (فِي تَوْرٍ) بالمثنّاة: إناء يكون من نُحاس وغيره، قاله في
((الفتح))(٣)، وقال النوويّ: وأما التور فهو بفتح التاء المثناة فوقُ، وهو إناء من
صُفْر، أو حجارة، ونحوهما، كالإِجّانة، وقد يُتوضأ منه. انتهى(٤).
وقد بيّن في الرواية الآتية أنه كان من حجارة، (فَلَّمَّا أَكَلَ)؛ أي: فرِغ ◌َلّـ
من أَكْله، كما في الرواية الأخرى. (سَقَتْهُ إِيَّاهُ)؛ أي: ذلك الشراب الذي أنقعته
من الليل، وفي الرواية الآتية: ((فلما فرغ رسول الله وق لقه من الطعام أمائته،
فسقته، تخصّه بذلك))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٢٢/٨ و٥٢٢٣ ٥٢٢٤] (٢٠٠٦)،
و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥١٧٦ و٥١٨٢ و٥١٨٣) و((الأشربة)) (٥٥٩١
و٥٥٩٧) و ((الأيمان والنذور)» (٦٦٨٥) وفي ((الأدب المفرد)» (٢٦١/١)،
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/١٣.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٥٥٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٢).
(٤) (شرح النوويّ)) ١٧٦/١٣.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٤٦/٤)، و(ابن ماجه) (١٩١٢)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٤٩٨/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٦/٥)، و(الرويانيّ) في
((مسنده)) (١٩٧/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٤٥/٢) و((الكبير)) (٢٠٠/٦)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة شرب النبيذ الذي لم يشتدّ، ولم يبلغ حدّ
الإسكار.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الدعوة لوليمة العرس.
٣ - (ومنها): بيان إجابة الدعوة، وقد تقدّم في ((النكاح)) اختلاف العلماء
في وجوبها، وقدّمنا ترجيح الوجوب مطلقاً، ما لم يكن هناك منكر، أو عذر
لمّا رأيا تصاوير
غيره يمنع من الحضور، وقد رجع ابن مسعود وابن عمر
ذات الأرواح(١).
٤ - (ومنها): جواز خدمة المرأة زوجها، ومن يدعوه، ولا يخفى أن
محلّ ذلك عند أمْن الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من الستر، قاله في
((الفتح))(٢)، وقال النوويّ كَُّ: هذا محمول على أنه كان قبل الحجاب، ويَبْعُد
حمله على أنها كانت مستورة البشرة. انتهى (٣).
٥ - (ومنها): جواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك.
٦ - (ومنها): بيان جواز شُرب ما لا يُسكر في الوليمة.
٧ - (ومنها): جواز إيثار كبير القوم في الوليمة بشيء دون من معه، قاله
في ((الفتح)) (٤).
وقال النوويّ نَّثُهُ: وفي هذا جواز تخصيص صاحب الطعام بعض
الحاضرين بفاخر من الطعام والشراب، إذا لم يتأذّ الباقون؛ لإيثارهم
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٢٠.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٥٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٢).
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/١٣.
(٤) راجع: ((الفتح)) ٥٥٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٢).

٢٣
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٣ -٥٢٢٤)
المخصَّص؛ لِعِلمه، أو صلاحه، أو شَرَفه، أو غير ذلك، كما كان الحاضرون
هناك يُؤْثِرون رسول الله ﴿﴿، ويُسَرُّون بإكرامه، ويَفْرَحون بما جرى، وإنما شَرِبِه
النبيّ ◌َ ﴿ لعلّتين: إحداهما: إكرام صاحب الشراب، وإجابته التي لا مفسدة
فيها، وفي تَرْكها كَسْر قلبه، والثانية: بيان الجواز، والله أعلم. انتهى(١).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدِ السَّاعِدِيُّ
رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ، فَدَهَا رَسُولَ اَلّهِ وَهِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريّ(٢)
المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٣] (١٨١) (خ م د ت س)
تقدم في ((الإیمان)» ٢٤٥/٣٥.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم هذه ساقها
البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)) عن شيخ مسلم، فقال:
(٥٢٦٩) - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي
حازم، قال: سمعت سهلاً يقول: أتى أبو أُسيد الساعديّ، فدعا رسول الله وَله
في عُرسه، فكانت امرأته خادمهم، وهي العَرُوس، قال: أتدرون ما سقت
رسول الله ﴾؟ أنقعت له تمرات من الليل، في تور. انتهى (٣).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٢٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: أَبَا غَسَّانَ - حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا
(١) (شرح النوويّ)) ١٧٦/١٣.
(٢) ((القاريّ)) بالقاف، والراء، وتشديد الياء: نسبة إلى قبيلة معروفة بجودة الرمي.
(٣) ((صحيح البخاريّ)) ٢١٢٣/٥.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
الْحَدِيثِ، وَقَالَ: فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنَ الطَّعَامِ أَمَائَتْهُ،
فَسَقَتْهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م ت س) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٣٥/٨.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الْجُمَحيّ
مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤) وله
ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢.
٣ - (مُحَمَّدٌ) بن مطرّف بن داود الليثيّ، أبو غسّان المدنيّ، نزيل عَسْقلان،
ثقةٌ [٧] مات بعد (١٦٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٥/٥٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَقَالَ: فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ) فاعل ((قال)) ضمير أبي غسّان محمد بن
مطرّف.
وقوله: (أَمَاثَتْهُ) قال النوويّ تَظْلَتُهُ: هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول
ببلادنا: ((أماثته)) - بمثلّثة، ثم مثناة، فوقُ - يقال: مائه، وأماثه لغتان
مشهورتان، وقد غَلِط من أنكر: أماثه، ومعناه: عَرَكَتْهُ، واستخرجت قُوّته،
وأذابته، ومنهم من يقول: أي لَيَّنته، وهو محمول على معنى الأوّل، وحَكَى
القاضي عياض أن بعضهم رواه: ((أماتته)) بتكرير المثناة، وهو بمعنى الأوّل.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية ((أماتته)) بالتاءين جعلها القرطبيّ من
التصحيف، وهو الظاهر عندي، ودونك حاصل عبارته: قوله: ((فأماثته)) هكذا
الرواية بالهمزة رباعيّاً، والثاء المثلثة، والتاء باثنتين من فوقها، ومعناه: عركته،
ويقال: ثلاثيّاً، قال الهرويّ: يقال: مُثْتُ الشيء، أَمِيتُه، وأمثْتُه أُمِيتُه، والثلاثي
حكاه ابن السِّكُيت، وقد وقع في بعض نُسخ مسلم: ((أماتته)) بتاءين، كل واحدة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٧/١٣.

٢٥
(٨) - بَابُ إِيَاحَةِ النَِّيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٤)
منهما باثنتين فوقُ، وهو تصحيف، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أماثته)) بمثلّثة، ثم مثناة، قال ابن التين: كذا
وقع رُباعيّاً، وأهل اللغة يقولونه ثلاثيّاً، ماثته بغير ألف؛ أي: مَرَسته بيدها،
يقال: مائه يموثه، ويمينه، بالواو، وبالياء، وقال الخليل: مِثتُ الملحَ في الماء
مَيْئاً: أذبته، وقد انماث هو. انتهى.
وقد أثبت الهرويّ اللغتين: مائه، وأمائه، ثلاثيّاً، ورباعيّاً. انتهى (٢).
وقوله: (فَسَقَتْهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ) قال النوويّ تَّقُ: كذا هو في ((صحيح
مسلم)): ((تَخُصّه)، من التخصيص، وكذا رُوي في ((صحيح البخاريّ))، ورواه
بعض رواة البخاريّ ((تتحفه))، من الإتحاف، وهو بمعناه، يقال: أتحفته به: إذا
خصّصته، وأطرفته. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: (تَخُصُّه بذلك)) كذا لجميع رواة مسلم، وإنما
خَصَّته بذلك لقلَّته، فإنَّه كان لا يكفي أكثر من واحد، ويَحْتَمِل أن تكون بدأته
به رجاء بركته في على عاداتهم معه.
وقد رواه ابن السَّكن في كتاب البخاريّ: ((تتحفه به))، وهو قريب المعنى
من: ((تخصُّه بذلك))، فإنَّه من التُّحفة، وهي الظُّرفة. انتهى(٤).
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((تُحْفَةً بذلك))، قال في ((الفتح)): كذا
للمستملي، والسرخسيّ: ((تُحْفة)) بوزن لُقْمة، وللأصيليّ مثله، وعنه بوزن
تَخُصّه، وهو كذلك لابن السكن بالخاء، والصاد الثقيلة، وكذا هو لمسلم،
وفي رواية الكشميهنيّ: ((أتحفته بذلك)). انتهى(٥).
[تنبيه]: رواية محمد بن مطرِّف، عن أبي حازم هذه ساقها البخاريّ ◌َّهُ
في (صحيحه))، وفيه بعض اختلاف، فقال:
(١) (شرح النوويّ)) ١٧٧/١٣.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٥٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٢).
(٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٧/ ١٢.
(٤) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٧/ ١٣.
(٥) راجع: ((الفتح)) ٥٥٤/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥١٨٢).

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
(٤٨٨٧) - حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا أبو غسّان، قال: حدّثني أبو
حازم، عن سهل، قال: لَمّا عَرّس أبو أُسيد الساعديّ دعا النبيّ وَّر وأصحابه،
فما صنع لهم طعاماً، ولا قَرّبه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بَلَّت تمرات في تور،
من حجارة من الليل، فلما فرغ النبيّ وَّر من الطعام أمانته له، فسقته، تتحفه
بذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٢٥] (٢٠٠٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
إِسْحَاقَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ سَهْلِ: حَدَّثَنَا - ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ مُطَّرِّفٍ أَبُو غَسَّانَ - أَخْبَرَنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ،
قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ نَِّ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ
إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ، فَنَزَلَتْ فِي أُجُم بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَلِ حَتَّى جَاءَهَا،
فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَالَتْ: أَعُوذُ
بِاللهِ مِنْكَ، قَالَ: ((قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي))، فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: لَا،
فَقَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ جَاءَكِ لِيَخْطُبَكِ، قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ
سَهْلٌ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَوْمَئِذٍ، حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةٍ بَنِي سَاعِدَةَ، هُوَ
وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((اسْقِنَا)) لِسَهْلِ، قَالَ: فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ، فَأَسْقَيْتُهُمْ
فِيهِ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ، فَشَرِبْنَا فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ
بَعْدَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ: قَالَ:
((اسْقِنَا يَا سَهْلُ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٩٨٦/٥.

٢٧
(٨) - بَابُ إِيَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٥)
شرح الحديث:
أنه (قَالَ: ذُكِرَ) بالبناء للمفعول، قال
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ
صاحب ((التنبيه)): لا أعرف الشخص الذي ذكر له وَ * تلك المرأة (١)، ويَحْتَمل
أن يكون الذاكر النعمان بن الجون الكنديّ، فقد ذكر ابن سعد أنه أتى النبيّ وَكلمه
مسلماً، فقال: ألا أُزوّجك أجمل أيّم في العرب؟ والمرأة هي ابنته، والله
تعالى أعلم. (لِرَسُولِ اللهِنَّ﴿ِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ) هي الْجَوْنية - بفتح الجيم،
وسكون الواو، وبالنون - قيل: اسمها أُميمة بضم الهمزة(٢). (فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ)
بضمّ الهمزة، هو مالك بن ربيعة الساعديّ الذي تقدّم في الحديث الماضي،
(أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا) ظاهره أنه لم يذهب إليها أبو أُسيد بنفسه، وإنما أرسل إليها
غيره. (فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ) بكسر الدال، (فَنَزَلَتْ فِي أُجُم بَنِي سَاعِدَةَ) بضمّ
الهمزة والجيم، وهو الحِصْن، وجَمْعه آجامٌ بالمدّ، كعُنُقَ وأعناق، قال أهل
اللغة: الآجام: الحصون، قاله النوويّ(٣).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((في أجم)) - بضم الهمزة، والجيم - هو بناء
يشبه القصر، وهو من حصون المدينة، والجمع آجام، مثل أطم وآطام، وقال
الخطابيّ: الأُجُم، والأُطُم بمعنى، وأغرب الداوديّ، فقال: الآجام الأشجار،
والحوائط، ومثله قول الكرمانيّ: الأَجَمُ بفتحتين جَمْع أَجَمَة، وهي الغَيْضة(٤)،
وقال الجوهريّ: هو حصن بناه أهل المدينة من الحجارة، وهو الصواب(٥).
(فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةً) ((إذا)) هي
الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأه امرأةٌ (مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا) اسم فاعل من التنكيس، يقال:
نَكَس رأسه بالتخفيف، من باب نصر، فهو ناكسٌ، ونكّس بالتشديد، فهو
منكّسٌ: إذا طأطأه، قاله النوويّ(٦)، وقال الكرمانيّ: على صيغة اسم الفاعل،
من الإنكاس، والتنكيس (٧).
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٤٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٣.
(٥) ((عمدة القاري)) ٢٠٥/٢١.
(٧) ((عمدة القاري) ٢٠٥/٢١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٠٥/٢١.
(٤) ((الفتح)) ٩٩/١٠.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٣.

٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
(فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ:
هذا يدلّ على أنها لم تعرفه، ولم تَعرف ما يراد منها، ولذلك قالت لَمّا أُخبرت
بمن هو، وبما أُريدَ بها: ((أنا كنت أشقى من ذلك)). انتهى (١).
(قَالَ) وَِّ ((قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي))) قال القرطبيّ كَّقُ: هذا منه وَّ جواب
لقولها، وموافقة لها على قصدها وذلك أنه فَهِم منها كراهيةً من قولها، ومن
حالها؛ إذ كانت مُعْرِضةً عمَّن يُكلِّمُها، ولعلَّها لم تعجبه لا خُلُقاً، ولا خَلْقاً.
(٢)
.
انتهى (٢
وقال النوويّ كَّلُ: معناه: تركتك، وتركُهُ وَل﴿ تزوُجَها؛ لأنها لم تعجبه؛
إما لصورتها، وإما لخُلُقها، وإما لغير ذلك، وفيه دليل على جواز نظر الخاطب
إلى من يريد نكاحها، وفي الحديث المشهور أن النبيّ وَيّر قال: ((من استعاذكم
بالله فأعيذوه))، فلما استعادت بالله تعالى لم يجد النبيّ وَلا بُدّاً من إعاذتها،
وتركها، ثم إذا ترك شيئاً لله تعالى لا يعود فيه، والله أعلم. انتهى(٣).
(فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: لَا، فَقَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللهِ وَيهوى
جَاءَكِ لِيَخْطُبَكِ، قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ) قال في ((العمدة)): ليس أفعل
التفضيل هنا على بابه، وإنما مرادها إثبات الشقاء لها؛ لِمَا فاتها من التزوج
برسول الله صل *. انتهى (٤).
(قَالَ سَهْلٌ) نَظَبه (فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَوْمَئِذٍ، حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةٍ بَنِي
سَاعِدَةَ) هي ساباط(٥) كانت لبني ساعدة الأنصاريين، وهو المكان الذي وقعت
فيه البيعة لأبي بكر الصديق رظُه، قاله في ((العمدة))(٦).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: السَّقيفة: الصُّفّة، وكلّ ما سُقّف من جناح وغيره،
وسقيفة بني ساعدة كانت ظُلّةً، وقيل: صُفّةً، والجمع سَقَائف. انتهى (٧).
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٧/ ١٣.
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٧/ ١٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٠٥/٢١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٣.
(٥) ((الساباط)): سَقِيفة تحتها ممرّ نافذٌ، والجمع سوابط. اهــ ((المصباح)).
(٦) ((عمدة القاري)) ٢٠٥/٢١.
(٧) ((المصباح المنير)) ٢٨٠/١.

٢٩
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٥)
(ثُمَّ قَالَ) ◌َلفر ((اسْقِنَا))) يجوز وصل همزته،
(هُوَ) ◌َِِّ (وَأَصْحَابُهُ)
وقَطْعها؛ لأنه يقال: سقاه ثلاثيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا
﴾.
﴾، ويقال: أسقاه رباعيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مٍَّ غَدَقًا
(لِسَهْلِ) بن سعد ◌ُه، قال القرطبيّ تَخْلُّ: هذا دليلٌ على التبسّط مع الصَّدِيق،
واستدعاء ما عنده من طعام، أو شراب، وهذا لا خلاف فيه إذا كان الصديق
ملاطفاً، طيّب النفس، وعُلم من حاله ذلك، وهذا الذي قال الله تعالى فيهم:
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١](١).
وقوله: (لِسَهْلِ) متعلّق بـ((قال))، لا بـ((اسقنا))، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
ووقع عند أبي نعيم: ((فقال: اسقنا يا أبا سعد))، قال الحافظ: والذي
أعرفه في كنية سهل بن سعد: أبو العبّاس(٢)، فلعلّ له كنيتين، أو كان الأصل:
(يا ابن سعد)) فتحرّفت. انتهى(٣).
(قَالَ: فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ)؛ أي: للنبيّ وَّهِ وأصحابه، (هَذَا الْقَدَحَ) مشيراً إلى
قدح معيّن معه، (فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار: (فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ
ذَلِكَ الْقَدَحَ) الذي شربه منه النبيّ ◌ََّ،ّ وأصحابه، (فَشَرِبْنَا فِيهِ) تبرّكاً
بأثر رسول الله وَ﴾. (قَالَ) أبو حازم (ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ)؛ أي: طلب من سهل أن
يهبه، ويُعطيه ذلك القدح (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعدما شرب منه أبو حازم
وأصحابه، (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) برفع ((عمر)) على أنه فاعل لـ((استوهبه))، وهو
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ أمير المؤمنين
الخليفة الراشد، المتوفّى في رجب سنة إحدى ومائة، وعمره أربعون سنةً،
ومدّة خلافته سنتان ونصف، تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٤٦/٦.
له لَمّا كان هو متولي إمرة المدينة حيث كان أميرها
وكان استيهابه
(١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٧٦/٥.
(٢) ذكر الحافظ المزّيّ كثّفُ في ترجمته من ((تهذيب الكمال)) (١٨٨/١٢) أن له كنيتين:
أبو العبّاس، ويقال: أبو يحيى.
(٣) ((الفتح)) ١٢/ ٧٠٠، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٧).

٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
للوليد، قال في ((الفتح)): وليست الهبة هنا حقيقةً، بل من جهة الاختصاص.
(١)
انتھی
(فَوَهَبَهُ لَهُ)؛ أي: أعطاه إياه، قال القرطبيّ تَخْلُ: واستيهابُ عمر بن
عبد العزيز القدح من سهل ظه؛ إنما كان على جهة التَّبُّرك بآثار النبيّ وَِّ،
ولم يزل ذلك دأب الصحابة والتابعين وأتباعهم، والفضلاء في كلِّ عصر، فكان
أصحابه يتبرَّكون بوضوئه، وشرابه، وبعرقه، ويستشفون بِجُبَّته، ويتبركون بآثاره،
ومواطنه، ويَدْعون، ويصلُّون عندها، وهذا كلُّه عملٌ بمقتضى الأمر بالتعزير،
والتعظيم، ونتيجة الْحُبِّ الصحيح، رزقنا الله الحظّ الأكبر من تعظيمه وَلِّ،
ومحبّته، وحشرنا في زمرته. انتهى(٢).
وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ) شيخه الثاني (قَالَ: ((اسْقِنَا بَا
سَهْلُ)))؛ يعني: أن أبا بكر بن إسحاق قال في روايته: ((اسقنا يا سهل)) بدل
قول محمد بن سهل شيخه الأول: ((قال: اسقنا لسهل))، وهذا من العناية
والاحتياط والورع في أداء ما سمعه من شيوخه من الألفاظ المختلفة، وإن لم
يختلف بها المعنى، فللَّه درّ المحدّثين حيث يحتاطون في أداء ما سمعوه كما
سمعوه، وللإمام مسلم تَّثُ من هذا القدح المعلّى، والْمُثُل الفُضلى، وقد
نالتهم دعوة النبيّ ◌َّ﴿ المباركة، فقد أخرج أصحاب السنن، وصححه الترمذيّ،
وابن حبّان عن ابن مسعود ◌ُبه، قال: سمعت النبيّ وَل﴿ يقول: ((نَضَّرَ الله
امرءاً، سمع منا شيئاً، فبلَّغه كما سَمِع، فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع)).
فَهَؤُلَاءِ أُمَنَاءُ السُّنَّهْ جَزَاهُمُ الله فَسِيحَ الْجَنّهْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
(١) ((الفتح)) ٧٠١/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٦٣٧).
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٢٧٦/٥.

٣١
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٥)
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٢٥/٨] (٢٠٠٧)، و(البخاريّ) في ((الطلاق))
(٥٢٥٤)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٥٠/٦) و((الكبرى)) (٣٥٥/٣)، و(ابن
ماجه) في ((الطلاق)) (٢٠٥٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣٩/٥)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٤٢٦٦)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٦٣٥ - ٦٣٦)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٥/٥)،
و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٤٣١/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٩/٤)،
و(الرويانيّ) في («مسنده)) (٢٠١/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٥/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩/٧ و٣٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): التبسط على الصاحب واستدعاء ما عنده من مأكول
ومشروب.
٢ - (ومنها): تعظيم ذي الفضل بدعائه بكنيته.
٣ - (ومنها): التبرك بآثار النبيّ وَهو. قال النوويّ كَّلهُ: هذا فيه التبرك
بآثار النبيّ مَ ﴿، وما مسّه، أو لبسه، أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما
أجمعوا عليه، وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى
رسول الله و ﴿ في الروضة الكريمة، ودخول الغار الذي دخله النبيّ ◌َّ، وغير
ذلك، ومن هذا إعطاؤه * أبا طلحة شعره؛ ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه وَل ◌ّل
حِقْوه؛ لتكفّن فيه بنته ◌ُّ، وجعْله الجريدتين على القبرين، وجَمَعت بنت
ملحان عرقه و *، وتمسحوا بوَضوئه وَلَّ، ودَلَكُوا وجوههم بنخامته وَلَّ، وأشباه
هذه كثيرة مشهورة في ((الصحيح))، وكل ذلك واضح لا شك فيه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وأما التبرك بآثار غيره وَله، وإن قال الشراح
يُشرع، فمما لا دليل عليه، ويردّه عمل الصحابة ﴿ه، فإن أبا بكر ﴿له كان
أحب الناس إليهم بعده وَّة، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه تبرّك بآثاره، وكذا مَنْ
بعده من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا النبيّ و ◌َ ﴿ بالاقتداء بهم حيث قال:
((وعليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي ... )) الحديث، فلم يثبت عن
أحد منهم أنهم تبركوا بغيره وَ﴿، فينبغي التنبّه لذلك، والخير كلّ الخير في
الاتبّاع، والشرّ كلّ الشرّ في الابتداع.
٠

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
وكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ وَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
٤ - (ومنها): استيهاب الصَّدِيق ما لا يشقّ عليه هبته، وَلَعل سهلاً رَُّه
سمح بذلك لعمر بن عبد العزيز لبدل كان عنده من ذلك الجنس، أو لأنه كان
محتاجاً، فعوّضه ما يسدّ به حاجته، والله أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله في ((العمدة)): وفيه أن الشرب من قدحه وَليه، وآنيته
من باب التبرك بآثاره:
لَعَلِي أَرَاهُمْ أَوْ أَری مَنْ يَرَاهُمُ
كما كان ابن عمر رضيها يصلي في المواضع التي كان يصلي فيها، ويُدَوِّر
ناقته حيث أدارها وَ﴿ تبركاً بالاقتداء به، وحرصاً على اقتفاء آثاره، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الرابعة): في الكلام على المرأة التي استعادت منه ويتله: لقد
أفاض الحافظ تَخُّْ في ((الفتح)) في هذا البحث، وأحببت إيراده هنا لأن به يتمّ
الاستفادة من رواية مسلم المذكورة هنا :
(اعلم): أنه الإمام البخاريّ ◌َُّهُ قال في ((صحيحه)): ((باب مَن طَلّق،
وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟)).
(٥٢٥٤) - حدثنا الحميديّ، حدّثنا الوليد، حدّثنا الأوزاعيّ، قال: سألت
الزهريّ: أيُّ أزواج النبيّ ◌َ﴿ استعاذت منه؟ قال: أخبرني عروة، عن
عائشة ◌ِّا أن ابنة الْجَوْن لَمّا أُدخلت على رسول الله وَّ، ودنا منها، قالت:
أعوذ بالله منك، فقال لها: ((لقد عُذْتِ بعظيم، الْحَقِي بأهلك)).
قال أبو عبد الله: رواه حجاج بن أبي منيع، عن جدّه، عن الزهريّ، أن
عروة، أخبره أن عائشة قالت.
(٥٢٥٥) - حدثنا أبو نعيم، حدّثنا عبد الرحمن بن غَسيل، عن حمزة بن
أبي أُسيد، عن أبي أُسيد ظُه قال: خرجنا مع النبيّ وَّ حتى انطلقنا إلى
حائط، يقال له: الشَّوْط، حتى انتهينا إلى حائطين، فجلسنا بينهما، فقال
النبيّ وَّ: ((اجلسوا ها هنا))، ودخل، وقد أُتي بالْجَوْنيّة، فأُنزلت في بيتٍ، في
نخلٍ، في بيتٍ أُميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها، حاضنة لها،
فلما دخل عليها النبيّ وَّر قال: ((هبي نفسك لي))، قالت: وهل تهب الملكة

٣٣
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٥)
نفسها للسُّوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها؛ لِتَسْكُن، فقالت: أعوذ بالله
منك، فقال: ((قد عُذت بمعاذ))، ثم خرج علينا، فقال: ((يا أبا أُسيد اكسُها
رازقيين، وألحقها بأهلها)).
(٥٢٥٦ و٥٢٥٧) - وقال الحسين بن الوليد النيسابوريّ، عن عبد الرحمن،
عن عباس بن سهل، عن أبيه، وأبي أُسيد قالا: تزوج النبيّ وَلّ أُميمة بنت
شَراحيل، فلما أُدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد
أن يُجَهِّزها، ويكسوها ثوبين رازقيين.
حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا إبراهيم بن أبي الوزير، حدّثنا
عبد الرحمن، عن حمزة، عن أبيه، وعن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه،
بهذا .
فقال في ((الفتح)) في شرح الحديث الأول: قوله: ((أنّ ابنة الْجَون)) زاد
في نسخة الصغاني: ((الكلبية))، وهو بعيد على ما سأبيّنه، ووقع في ((كتاب
الصحابة)) لأبي نعيم من طريق عبيد بن القاسم، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
((عن عائشة، أن عمرة بنت الْجَوْن تعوّذت من رسول الله وَل﴿ حين أُدخلت
عليه، قال: لقد عُذت بمعاذ ... )) الحديث، وعُبيد متروك، والصحيح أن
اسمها: أُميمة بنت النعمان بن شراحيل، كما في حديث أبي أُسيد، وقال مرّةً:
أُميمة بنت شَراحيل، فنُسبت لجدّها، وقيل: اسمها أسماء، كما سأبيّنه في
حديث أبي أُسيد مع شرحه مستوفّى.
ورَوَى ابن سعد، عن الواقديّ، عن ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، عن
عروة، عن عائشة، قالت: تزوج النبيّ ◌َ ﴾ الكلابية، فذكر مثل حديث الباب،
وقوله: الكلابية غلطٌ، وإنما هي الكندية، فكأنما الكلمة تصحفت.
نَعَم الكلابية قصّة أخرى، ذكرها ابن سعد أيضاً بهذا السند إلى الزهريّ،
وقال: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، فاستعاذت منه، فطلّقها، فكانت
تلقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، قال: وتُؤُفِيت سنة ستين.
ومن طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن الكندية لمّا وقع
التخيير اختارت قومها، ففارقها، فكانت تقول: أنا الشقية.
ومن طريق سعيد بن أبي هند، أنها استعاذت منه، فأعاذها.

٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
ومن طريق الكلبيّ: اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو.
وحَكَى ابن سعد أيضاً أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: بنت
يزيد بن الْجَون، وأشار ابن سعد إلى أنها واحدة، اختُلف في اسمها،
والصحيح أن التي استعانت منه هي الْجَونية.
وروى ابن سعد من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: لم
تستعذ منه امرأة غيرها. قال الحافظ: وهو الذي يغلب على الظنّ؛ لأن ذلك
إنما وقع للمستعيذة بالخديعة المذكورة، فيبعد أن تُخدَع أخرى بعدها بمثل ما
خدعت به بعد شيوع الخبر بذلك.
قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أن النبيّ وَّه تزوج الْجَوْنية، واختلفوا في
سبب فراقه، فقال قتادة: لمّا دخل عليها دعاها، فقالت: تعالَ أنت، فطلقها،
وقيل: كان بها وَضَحُ كالعامرية، قال: وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله
منك، فقال: قد عُذت بمعاذ، وقد أعاذك الله مني، فطلّقها، قال: وهذا باطلٌ،
إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر، وكانت جميلة، فخاف نساؤه أن تغلبهن
عليه، فقلن لها: إنه يُعجبه أن يقال له: نعوذ بالله منك، ففعلت، فطلّقها .
قال الحافظ: كذا قال، وما أدري لِمَ حَكَم ببطلان ذلك، مع كثرة
الروايات الواردة فيه، وثبوته في حديث عائشة في ((صحيح البخاريّ))؟ وسيأتي
مزيد لذلك في الحديث الذي بعده، والقول الذي نسبه لقتادة ذَكَر مثله أبو سعيد
النيسابوريّ عن شرقي بن قَطاميّ.
قوله: ((رواه حجاج بن أبي مَنيع، عن جدّه)) هو حجاج بن يوسف بن أبي
منيع، وأبو منيع هو عبيد الله بن أبي زياد الوصافيّ - بفتح الواو، وتشديد
المهملة، وبالفاء - وكان يكون بحلب، ولم يخرج له البخاريّ إلا معلَّقاً، وكذا
لجدّه، وهذه الطريق وصلها الذَّهْليّ في ((الزهريات))، ورواه ابن أبي ذئب أيضاً
عن الزهريّ نحوه، وزاد في آخره: قال الزهريّ: جعلها تطليقةً، أخرجه
البيهقيّ.
وقوله: ((الحقي بأهلك)) بكسر الألف، من الحقي، وفتح الحاء، بخلاف
قوله في الحديث الثاني: ((ألحقها))، فإنه بفتح الهمزة، وكسر الحاء.
قوله: ((حدّثنا عبد الرحمن بن غسيل)) كذا في رواية الأكثر، بغير ألف

٣٥
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٥)
ولام، وفي رواية النسفيّ: ابن الغَسِيل، وهو أوجه، ولعلها كانت: ابن غسيل
الملائكة، فسقط لفظ: الملائكة، والألف واللام بدل الإضافة، وعبد الرحمن
يُنسب إلى جدّ أبيه، وهو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي
عامر الأنصاريّ، وحنظلة هو غسيل الملائكة، استُشهِد بِأُحُدٍ، وهو جنب،
فغسلته الملائكة، وقصته مشهورةٌ .
ووقع في رواية الجرجانيّ: عبد الرحيم، والصواب: عبد الرحمن، كما
نبّه عليه الجيانيّ.
قوله: ((إلى حائط، يقال له: الشَّوْط)) بفتح المعجمة، وسكون الواو،
بعدها مهملة، وقيل: معجمة، هو بستان، في المدينة معروف.
قوله: ((حتى انتهينا إلى حائطين، جلسنا بينهما، فقال النبيّ وَلّ اجلسوا
ها هنا، ودخل))؛ أي: إلى الحائط، في رواية لابن سعد، عن أبي أُسيد:
((قال: تزوج رسول الله وَلجر امرأةً من بني الْجَوْن، فأمرني أن آتيه بها، فأتيته
بها، فأنزلتها بالشَّوْط، من وراء ذُباب، في أُظُم، ثم أتيت النبيّ ◌َّز، فأخبرته،
فخرج يمشي، ونحن معه))، و((ذُباب)) بضم المعجمة، وموحدتين مخففاً: جبل
معروف بالمدينة، والأطم: الحصون، وهو الأُجُم أيضاً، والجمع آطام،
وآجام، كعُنُق وأعناق.
وفي رواية لابن سعد: ((أن النعمان بن الْجَوْن الكِنديّ أتى النبيّ
مسلماً، فقال: ألا أزوجك أجمل أَيِّم في العرب؟ فتزوجها، وبعث معه أبا
أُسيد الساعديّ، قال أبو أُسيد: فأنزلتها في بني ساعدة، فدخل عليها نساء
الحيّ فرحين بها، وخرجن، فذكرن من جمالها)).
قوله: ((فأُنزلت في بيتٍ، في نخلٍ، في بيتٍ، أُميمةُ بنتُ النعمان بن
شَراحيل))، هو بالتنوين في الكلّ، وأميمة بالرفع(١): إما بدلاً عن الْجَونية، وإما
عطف بيان، وظَنّ بعض الشراح أنه بالإضافة، فقال في الكلام على الرواية
التي بعدها: ((تزوج رسول الله وَلير أميمةَ بنت شَراحيل)): ولعل التي نزلت في
بيتها بنت أخيها، وهو مردود، فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من
(١) هكذا ذكر الحافظ في ((الفتح))، ومثله العينيّ في ((شرحه))، وهو محلّ نظر، فتأملّ.

٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
إعادة لفظ ((في بيتٍ))، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في ((مسنده)) عن أبي نعيم
شيخ البخاريّ فيه، فقال: ((في بيتٍ في النخلِ أُميمةُ ... إلخ))، وجزم هشام ابن
الكلبيّ بأنها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الْجَون الكِنديّة،
وكذا جزم بتسميتها أسماء: محمد بن إسحاق، ومحمد بن حبيب، وغيرهما،
فلعل اسمها أسماء، ولقبها أميمة.
ووقع في ((المغازي)) رواية يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: أسماء بنت
كعب الْجَونية، فلعل في نسبها من اسمه كعب نَسَبها إليه، وقيل: هي أسماء
بنت الأسود بن الحارث بن النعمان.
قوله: ((ومعها دايتها حاضنة لها)): الداية بالتحتانية: الظئر المرضع (١)،
وهي معرّبة، قال الحافظ: ولم أقف على تسمية هذه الحاضنة.
قوله: ((هبي نفسك لي ... إلخ)) السُّوقة بضم السين المهملة، يقال:
للواحد من الرعية، والجمع، قيل لهم ذلك: لأن الملك يسوقهم، فيُساقون
إليه، ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقيّ، قال ابن
المنيّر: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بمَلِك
كائناً من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان وَله قد
خُيِّر أن يكون ملكاً نبيّاً، فاختار أن يكون عبداً نبيّاً تواضعاً منه وَ ل﴿ لربه، ولم
يؤاخذها النبيّ ◌َ﴿ بكلامها؛ معذرةً لها؛ لقرب عهدها بجاهليتها، وقال غيره:
يَحْتَمِل أنها لم تعرفه وَ﴿، فخاطبته بذلك، وسياق القصّة من مجموع طرقها
يأبى هذا الاحتمال، نعم سيأتي في أواخر ((الأشربة)) من طريق أبي حازم، عن
سهل بن سعد (٢): ((قال: ذُكر للنبيّ وَ ل ◌َ امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد
(١) تعقّب العيني هذا التفسير على الحافظ، فقال: وقال بعضهم: الظئر المرضع،
قلت: ليس كما قال، وإنما الداية هي المرأة التي تُوَلَّد الأولاد، وهي القابلة، وهو
لفظً معرّبٌ. انتهى. ((عمدة القاري)) ٢٣١/٢٠.
قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد تفسير الداية في كتب اللغة، لا بتفسير الحافظ،
ولا بتفسير العينيّ، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٢) يعني: حديث مسلم الذي نحن الآن في شرحه.

٣٧
(٨) - بَابُ إِيَاحَةِ التَِّيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٥)
الساعديّ أن يرسل إليها، فقَدِمت، فنزلت في أُجُم بني ساعدة، فخرج النبيّ وَل
حتى جاءها، فدخل عليها، فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ
بالله منك، قال: لقد أعذتك مني، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ هذا
رسول الله ﴿ جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك))، فإن كانت
القصّة واحدةً، فلا يكون قوله في حديث الباب(١): ((ألحقها بأهلها))، ولا قوله
في حديث عائشة: ((الحقي بأهلك)) تطليقاً، ويتعيّن أنها لم تعرفه، وإن كانت
القصة متعددةً، ولا مانع من ذلك، فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها
الاضطراب، وقد ذكر ابن سعد بسند فيه العَرْزميّ الضعيف عن ابن عمر، قال:
كان في نساء النبيّ وَ ط ﴿ سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن
كلاب، قال: وكان النبيّ وَل بعث أبا أُسيد الساعدي يخطب عليه امرأة من بني
عامر، يقال لها: عمرة بنت يزيد بن عُبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن
عامر، قال ابن سعد: اختَلَف علينا اسم الكلابية، فقيل: فاطمة بنت
الضحاك بن سفيان، وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: سنا بنت سفيان بن
عوف، وقيل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف، فقال بعضهم: هي
واحدة، اختُلف في اسمها، وقال بعضهم: بل كنّ جَمْعاً، ولكن لكل واحدة
منهن قصة غير قصة صاحبتها، ثم ترجم الْجَوْنية، فقال: أسماء بنت النعمان،
ثم أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون، قال: قَدِم النعمان بن أبي الْجَون
الكنديّ على رسول الله وَ له مسلماً، فقال: يا رسول الله ألا أزوجك أجمل أَيِّم
في العرب، كانت تحت ابن عمّ لها، فتُؤُفّي، وقد رَغِبت فيك؟ قال: نعم،
قال: فابعث من يحملها إليك، فبعث معه أبا أُسيد الساعديّ، قال أبو أسيد:
فأقمت ثلاثة أيام، ثم تحمّلت معي في محفّة، فأقبلت بها حتى قدِمت المدينة،
فأنزلتها في بني ساعدة، ووجهت إلى رسول الله وَّة، وهو في بني عمرو بن
عوف، فأخبرته الحديث، قال ابن أبي عون: وكان ذلك في ربيع الأول سنة
تسع، ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم، عن أبي أُسيد قال:
((بعثني رسول الله وَّه إلى الجونية، فحملتها، حتى نزلت بها في أُظُم بني
(١) يعني: حديث البخاريّ.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
ساعدة، ثم جئت رسول الله وَلّر، فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه، حتى
جاءها ... )) الحديث.
ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: اسم الجونية: أسماء
بنت النعمان بن أبي الجون، قيل لها: استعيذي منه، فإنه أحظى لك عنده،
وخُدِعت لِمَا رؤي من جمالها، وذُكر لرسول الله وَّهِ مَن حَمَلها على ما قالت،
فقال: ((إنهنّ صواحب يوسف، وكيدهنّ))، فهذه تتنزل قصتها على حديث أبي
حازم، عن سهل بن سعد، وأما القصة التي في حديث الباب(١) من رواية
عائشة، فيمكن أن تنزل على هذه أيضاً، فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة، والقصة
التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدد، ويقوى
أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة، والتي في حديث سهل اسمها
أسماء، والله أعلم، وأميمة كان قد عقد عليها، ثم فارقها، وهذه لم يعقد
عليها، بل جاء ليخطبها فقط.
قوله: ((فأهوى بيده))؛ أي: أمالها إليها، ووقع في رواية ابن سعد:
((فأهوى إليها ليقبّلها، وكان إذا اختلى النساء أقعى، وقَبَّل))، وفي رواية لابن
سعد: ((فدخل عليها داخل من النساء، وكانت من أجمل النساء، فقالت: إنك
من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول الله وَل*، فإذا جاءك
فاستعيذي منه))، ووقع عنده عن هشام بن محمد، عن عبد الرحمن بن الغسيل
بإسناد حديث الباب، أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت،
فمشطتاها، وخضبتاها، وقالت لها إحداهما: إن النبيّ وَيقر يعجبه من المرأة إذا
دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك)).
قوله: ((فقال: قد عُذت بمعاذ)) هو بفتح الميم: ما يستعاذ به، أو اسم
مكان العَوْذ، والتنوين فيه للتعظيم، وفي رواية ابن سعد: ((فقال بكمّه على
وجهه، وقال: عُذت معاذاً ثلاث مرات))، وفي أخرى له: ((فقال: أَمِنَ
عائذُ الله)).
قوله: (ثم خرج علينا، فقال: يا أبا أسيد اكسها رازقيين)) براء، ثم زاي،
(١) يعني: حديث البخاريّ.

٣٩
(٨) - بَابُ إِبَاحَةِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ، وَلَمْ يَصِرْ مُسْكِراً - حديث رقم (٥٢٢٥)
ثم قاف، بالتثنية: صفة موصوف محذوف للعلم به، والرازقية ثياب من كَتّان
بيض طوال، قاله أبو عبيدة، وقال غيره: يكون في داخل بياضها زرقة،
والرازقيّ الصفيق، قال ابن التين: مَتَّعها بذلك، إما وجوباً، وإما تفضلاً.
قوله: ((وألحقها بأهلها)) قال ابن بطال: ليس في هذا أنه واجهها بالطلاق،
وتعقبه ابن الْمُنَيِّر بأن ذلك ثبت في حديث عائشة أول أحاديث الباب، فيُحمل
على أنه قال لها: الحقي بأهلك، ثم لما خرج إلى أبي أسيد قال له: ألحقها
بأهلها، فلا منافاة، فالأول قَصَد به الطلاق، والثاني أراد به حقيقة اللفظ، وهو
أن يعيدها إلى أهلها؛ لأن أبا أسيد هو الذي كان أحضرها، كما ذكرناه.
ووقع في رواية لابن سعد عن أبي أسيد قال: ((فأمرني، فرددتها إلى
قومها))، وفي أخرى له: ((فلما وصلت بها تصايحوا، وقالوا: إنك لغير مباركة،
فما دهاك؟ قالت: خُدِعت، قال: فتوفيت في خلافة عثمان))، قال: وحدثني
هشام بن محمد، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، أنها ماتت كَمَداً، ثم روى
بسند فيه الكلبيّ أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها، فأراد عمر معاقبتها، فقالت:
ما ضُرب عليّ الحجاب، ولا سُمِّيت أم المؤمنين، فكفّ عنها.
وعن الواقديّ: سمعت من يقول: إن عكرمة بن أبي جهل خَلَف عليها،
قال: وليس ذلك بثبت، ولعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق.
وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، أن الوليد بن
عبد الملك كتب إليه يسأله، فكتب إليه: ما تزوج النبيّ وَّل كندية إلا أخت بني
الجون، فملكها، فلما قدِمت المدينة نظر إليها، فطلقها، ولم يَبْنِ بها، فقوله:
فطلقها يَحْتَمِل أن يكون باللفظ المذكور قبل، ويَحْتمل أن يكون واجهها بلفظ
الطلاق.
قال: واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها؛ إذ لم يجر ذكر صورة العقد،
وامتنعت أن تهب له نفسها، فكيف يطلقها؟
والجواب أنه 19 كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرأة، وبغير إذن
وليّها، فكان مجرد إرساله إليها، وإحضارها، ورغبته فيها كافياً في ذلك،
ويكون قوله: ((هبي لي نفسك)) تطييباً لخاطرها، واستمالةً لقلبها، ويؤيده قوله
في رواية لابن سعد: أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له:

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
إنها رغبت فيك، وخطبت إليك. انتهى ما في ((الفتح))، وهو وإن كان طويلاً،
إلا أنه تضمّن فوائد كثيرة، فينبغي اغتنامها، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٢٦] (٢٠٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
قَالَا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثْنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ: الْعَسَلَ، وَالنَّبِيذَ، وَالْمَاءَ، وَاللَّبَنَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، ربّما وَهِمَ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الشهير، مات
سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
و ((أبو بكر بن أبي شيبة)) ذُكر في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف دَخْلَتُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين، سوی شیخیه،
فالأول كوفيّ، والثاني نسائيّ، ثم بغدادي، وفيه أنس من المكثرين السبعة،
روى (٢٢٨٦) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) رَبُهُ أنه (قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ) بفتح القاف، من
باب ضرب، يقال: سقيت الزرعَ سقياً، فأنا ساقٍ، وهو مَسْقيٍّ، على مفعول،