Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٤)
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٠٣ و٥٢٠٤ و٥٢٠٥] (١٧٣٣)، و(البخاريّ)
في ((الجهاد والسير)) (٣٠٣٨) و((المغازي)) (٤٣٤٣ و٤٣٤٥) و((الأدب)) (٦١٢٤)
و((الأحكام)) (٧١٧٢)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٦٨٤)، و(النسائيّ) في
(الأشربة)) (٢٩٨/٨) و((الكبرى)) (٢١٤/٣)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة))
(٣٢٩١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٥٧/٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤/
٤١٠ و٤١٧) وفي ((الأشربة)) (٢٣٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٠٦)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٨٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٧٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٩٩/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٨)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٠٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ
مِنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيِّ بَّهِ بَعَثَهُ وَمُعَاذَاً إِلَى الْيَمَنِ،
فَقَالَ لَهُمَا: ((بَشِّرَا، وَيَسِّرَا، وَعَلِّمَا، وَلَا تُنَفِّرًا))، وَأُرَاهُ قَالَ: ((وَتَطَاوَعَا))، قَالَ: فَلَمَّا
وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَهُمْ شَرَاباً مِنَ الْعَسَلِ، يُطْبَخُ حَتَّى
يَعْقِدَ، وَالْمِزْرُ يُصْنَعُ مِنَ الشَّعِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ
فَهُوَ حَرَامٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، تقدّم
قريباً .
والباقون ذُكروا في الباب، و((سفيان)) هو: ابن عيينة.
[تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ هذا الإسناد، وقال: لم يتابع ابن عبّاد عن
سفيان، عن عمرو، عن سعيد، وقد روي عن سفيان، عن مسعر، عن سعيد،
ولا يثبت، ولم يُخرجه البخاريّ من طريق سفيان. انتهى، ونقل النوويّ كلام
الدار قطنيّ هذا، ولم يتعقّبه.

٧٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
وعبارة الدارقطنيّ في ((العلل)): واختُلِف عن ابن عيينة، فرُوي عن
محمد بن عباد المكيّ عنه، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن أبي بُردة، عن
أبيه، عن أبي موسى، وخالفه سهل صقير، فرواه عن ابن عيينة عن مسعر،
وغيره، عن سعيد بن أبي بردة، وكلاهما غير محفوظ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن ما قاله الدارقطنيّ كَخْلَتُهُ وجيه،
وذلك أن محمد بن عبّاد تفرّد عن سفيان، وخالفه غيره، وهو ليس بحافظ، إلا
أن متن الحديث صحيح محفوظ من الطرق الأخرى، فلا حرج على مسلم،
حيث أورده في معرض المتابعة، لا في معرض الاحتجاج، فتأمل بالإنصاف،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار أنه (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع هذا الحديث (مِنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِهِ) أبي بردة عامر، وقيل غيره، (عَنْ جَدٍِّ) أبي موسى
، (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َرِ بَعَثَهُ)؛ أي: أبا موسى (وَمُعَاذَاً)؛ أي: ابن
الأشعريّ ﴾
جبل ◌َُّ (إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُمَا: ((بَشِّرًا، وَيَسِّرًا)؛ أي: خذا بما فيه اليُسر
والسهولة، زاد في الرواية السابقة في ((الجهاد والسِّير)): ((ولا تعسّرا))؛ أي: لا
تأخذا بما فيه الشدّة. (وَعَلَّمَا)؛ أي: علّما الناس أمور دينهم، (ولَا تُنَفِّرًا)) وفي
الرواية السابقة في ((الجهاد والسِّير)) [٤٥١٦/٣] (١٧٣٣): ((يسّرا، ولا تعسّرا،
وبشّرا، ولا تُنفّرا))، قال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((يسّرا، ولا تعسّرا، وبشّرا ولا
تنفّرا)) هذا من باب المقابلة المعنوية؛ لأن الحقيقية أن يقال: بشّرا، ولا تنذرا،
وآنسا، ولا تنفّرا، فجَمَع بينهما؛ لتعمّ البشارة والنذارة، والتأنيس والتنفير.
قال الحافظ تَُّ بعد نقل كلام الطيبيّ هذا: ويظهر لي أن النكتة في
الإتيان بلفظ البشارة، وهو الأصل، وبلفظ التنفير، وهو اللازم، وأتى بالذي
بعده على العكس؛ للإشارة إلى أن الإنذار لا يُنفَى مطلقاً، بخلاف التنفير،
فاكتفَى بما يلزم عنه الإنذار، وهو التنفير، فكأنه قيل: إن أنذرتم، فليكن بغير
(١) ((علل الدار قطنيّ)) ٢١٥/٧.

٧٠٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٤)
تنفير، كقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ، فَوْلًا لَيْنَا﴾ الآية [طه: ٤٤]. انتهى(١)، وتقدّم في
((الزكاة)) بأتمّ مما هنا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وَأُرَاهُ قَالَ) يَحْتَمل أن يكون الشكّ من أبي موسى ظُه؛ أي:
أظنّهِ وَّه قال: ((وَتَطَاوَعًا)))؛ أي: فيما بينهما، ليُطع أحدكما الآخر فيما يأمره
به، وقد مرّ في ((الزكاة)) من غير شك، ولفظه: ((وتطاوعا، ولا تختلفا)).
(قَالَ) أبو موسى (فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن
يقول: فلمّا وليتُ رجعتُ، ويَحْتَمِل أن يكون من كلام أبي بردة، والوجه الأول
أظهر؛ لأن هذا ظاهر أنه منقطع؛ لأن أبا بردة لم يشهد القصّة، وإن كان يمكن
تأويله بأنه أخذه من أبيه، فتأملٌ.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَهُمْ)؛ أي: لأهل اليمن (شَرَاباً مِنَ الْعَسَلِ) هو
المسمّى بالبتع كما بيّنه في الرواية التالية، (يُطْبَخُ) بالبناء للمفعول، (حَتَّى يَعْقِدَ)
بفتح الياء، وكسر القاف، يقال: عَقَدت الْعَسَل، ونحوه، وأعقدته، هكذا ضبطه
النوويّ، والذي في ((القاموس)) و((شرحه)): وعَقّدته تعقيداً بالتشديد -: أغليته
حتى غَلُظَ، كأعقدته فهو مُعْقَد، قال الكِسائيّ: ويقال للقَطِران والرُّبِّ ونحوِهِ:
أَعقَدْتُه حتى تَعَقَّدَ، وفي ((المحكم)): عَقَدَ العَسَلُ، والرُّبُّ، ونحوهما يَعْقِدُ،
وانعَقَدَ، وأعقَدْتُه، فهو مُعْقَدٌ، وعَقِيدٌ: غَلُظَ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد مما ذَكَره في ((القاموس))، و((شرحه)) أن
عَقَد بالتخفيف ثلاثيّاً لازم، وأما المتعدّي، فهو أعقدته بالألف، أو عقّدته
بالتشديد، فيكون الصواب في عبارة النووي: ((عَقَدَ العسلُ ونحوه))، فالعسل
مرفوع على الفاعليّة، وليس منصوباً، ويكون معنى ((حتى يعقِد))؛ أي: حتى
يَغْلُظ، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَ) لهم (الْمِزْرُ) بالكسر، (يُصْنَعُ) بالبناء للمفعول، (مِنَ الشَّعِيرِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ)؛ أي: صدّ عن إقامتها بسبب
إسكاره، كما قال تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ﴾
(١) ((الفتح)) ٤٧٨/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٤١).
(٢) (تاج العروس)) ٢١٢٩/١.

٧٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
[المائدة: ٩١] (فَهُوَ حَرَامٌ)))؛ أي: فشُربه محرّم، والله تعالى أعلم.
والحديث تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٠٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنٍ أَبِي
خَلَفٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنٍ أَبِي خَلَفٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ -
وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَهِ وَمُعَاذَاً إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((ادْعُوَا
النَّاسَ، وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا))، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفْتِنَا
فِي شَرَابَيْنِ، كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ،
وَالْمِزْرُ، وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِّهِ قَدْ
أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِم بِخَوَاتِهِ، فَقَالَ: ((أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ، أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٧) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٢/٩٢.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ حافظ فاضل، من كبار [١٠] (ت١١ أو٢١٢) (خ م مد ت س
ق) تقدّم في ((المقدّمة)) ٨٨/٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ
ربّما وَهِمَ [٨] (ت١٨٠) عن (٨٠) سنة (ع) تقدّم في «المقدّمة)) ٩٦/٦.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) واسم أبيه زيد، تقدّم قريباً.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
وقوله: (فَقَالَ: ((ادْعُوَا النَّاسَ) بألف التثنية خطاباً لأبي موسى ومعاذ
جًا .
وقوله: (وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرًا) ((بشّرا)) أمرٌ من البشارة، وهي الإخبار بالخير،
وهي نقيض النذارة، وهي الإخبار بالشرّ، والمعنى: وبشّرا الناسَ، أو المؤمنين
بفضل الله تعالى، وثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، وكذا المعنى في قوله:
((ولا تنفّرًا))؛ يعني: بذكر التخويف، وأنواع الوعيد، فيُتألّف من قرُب إسلامه

٧٠٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٥)
بترك التشديد عليهم، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ وتاب من
المعاصي ونحوهم، أفاده العينيّ.
وقال المناويّ كَّثُ: قوله: ((وبشّرا)) بفضل الله تعالى، وعظيم ثوابه،
وجزيل عطائه، وسعة رحمته، وشمول عفوه، ومغفرته، من التبشير، وهو
إدخال السرور، والبشارة: الإخبار بخبر سارّ، وقوله: ((بشّرا)) بعد قوله: ((يسّر))
فيه جناس خطيّ، ولم يكتف به، بل أردفه بقوله: ((ولا تنفرا)) لِمَا مَرّ؛ وهو من
التنفير؛ أي: لا تذكرا شيئاً تهزمون منه، ولا تصدروا بما فيه الشدّة، وقابَل به
(بشّرا)) مع أن ضد البشارة النذارة؛ لأن القصد من النذارة التنفير، فصرّح
بالمقصود منها .
قال: ومن جعل معنى (يسّرا)) اصرفا وجوه الناس إلى الله في الرغبة فيما
عنده، وردّاهم في طلب الحوائج إليه، ودلّهم في كل أحوالهم، ومعنى: ((لا
تعسّرا)) لا تردّاهم إلى الناس في طلب ما يحتاجونه، فقد صرف اللفظ عن
ظاهره بلا ضرورة.
وهذا الحديث كما قال الكرمانيّ وغيره من جوامع الكلم؛ لاشتماله على
الدنيا والآخرة؛ لأن الدنيا دار العمل، والآخرة دار الجزاء، فأمَر النبيّ وَلـ
فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالجميل، والإخبار
بالسرور تحقيقاً لكونه رحمةً للعالمين في الدارين، وفيه الأمر بالتيسير بسعة
الرحمة، والنهي عن التنفير بذكر التخويف؛ أي: من غير ضمّه إلى التبشير،
وتأليف من قَرُب إسلامه، وتَرْك التشديد عليه، والأخذ بالأرفق، وتحسين الظن
بالله، لكن لا يجعل وَعْظَه كله رجاءً، بل يشوبه بالخوف، فيجعلهما كأدنى
حافر، والعلم والعمل كجناحي طائر. انتهى ببعض تصرّف(١)(٢).
(١) والتصرّف أنه وقع في روايته بلفظ: ((يسّروا ولا تعسّروا ... إلخ)) بواو الجمع،
فأوردته هنا بألف التثنية؛ ليوافق رواية مسلم، وقال أبو البقاء: وإنما قال: ((يسروا))
بالجمع مع أن المخاطب اثنان؛ لأن الاثنين جَمْع في الحقيقة؛ إذ الجمع ضمّ شيءٍ
إلى شيء، أو يقال: إن الاثنين أميران، والأمير إذا قال شيئاً توقّع قبول الأمر إلى
الجمع، أو أراد: أمَرَهما وأمَرَ من یولیانه. انتهى.
(٢) ((فيض القدير)) ٦/ ٤٦١ - ٤٦٢.

٧٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
وقوله: (وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرًا))) قال النوويّ تَّتُهُ: إنما جمع في هذه
الألفاظ، بين الشيء وضدّه؛ لأن الأمر يصدق بمرّة، أو مرات، مع فِعل ضدّه
في سائر الحالات، والنهي ينفي الفعل في جميع الأحوال، وهو المطلوب.
انتھی.
وقال المناويّ كَّلُ: قوله: ((يسّرا)) بفتح، فتشديد؛ أي: خذا بما فيه
التيسير على الناس بذِكْر ما يؤلّفهم لقبول المواعظ في جميع الأيام؛ لئلا يثقل
عليهم، فينفُروا، وذلك لأن التيسير في التعليم يورث قبول الطاعة، ويرغِّب في
العبادة، ويَسْهُل به العلم والعمل.
وقوله: ((ولا تعسّرا)): لا تشددا، أردفه بنفي التعسير مع أن الأمر بالشيء
نهي عن ضده؛ تصريحاً بما لزم ضمناً للتأكيد، ذكره الكرمانيّ، قال: وأَولى
منه قول جَمْع: عَقَّبه به؛ إيذاناً بأن مراده نفي التعسير رأساً، ولو اقتصر على
يَسِّرَا لَصَدَقَ على كل من يسَّر مرةً، وعَسّر كثيراً كذا قرره أئمة هذا الشأن،
ومنهم النوويّ وغيره، وبه يُعرَف أن لا حاجة لِمَا تكلّفه المولى ابن الكمال
حيث قال: أراد بالتعسير التهيئة، كخبر: ((كلٌّ ميسرٌ لِمَا خُلِقٍ له))، فلا يكون
قوله: ((ولا تعسرا)) تأكيداً، بل تأسيساً.
وأنت خبير بأنه مع عدم دعاء الحاجة إليه لا يلائمه السياق، بل ينافره.
انتھی(١).
وقوله: (يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ) الأول بالبناء للمفعول، والثاني بالبناء للفاعل،
وهذا لا ينافي ما في الرواية السابقة من قوله: ((يُطبخ حتى يَعْقِد))؛ لإمكان أن
يُصنع بالصناعتين، تارةً بالطبخ حتى يَعْقِد، وتارةً بالنبذ بلا طبخ، ويُترك حتى
يشتدّ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِم)؛ أي: إيجاز اللفظ
مع تناوله المعاني الكثيرة جدّاً، وقوله: (بِخَوَاتِمِهِ)؛ أي: كان يختم على
المعاني الكثيرة التي تضمَّنها اللفظ اليسير، فلا يخرج منها شيء عن طالبه،
ومستنبِطه؛ لعذوبة لفظه، وجزالته، قاله النوويّ ◌َّتُهُ(٢).
(١) ((فيض القدير)) ٦/ ٤٦١ - ٤٦٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/١٣.

٧٠٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٥)
وقال في ((المشارق)): وقوله: ((أُعطي جوامع الكلم بخواتمه))، وعند
العذريّ: ((جوامع الكلم وخواتمه))، هما بمعنى جَمْع المعاني الكثيرة في
الألفاظ القليلة، والختم عليها بضمّها في تلك الكلمات، كما يُختم على ما في
الکتاب. انتھی(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((بجوامع الكلم)) قال ابن التين: جوامع الكلم:
القرآن؛ لأنه يقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، وكذلك يقع في
الأحاديث النبوية الكثير من ذلك، وقال الخطابيّ: معناه إيجاز الكلام في إشباع
المعاني، قال العينيّ: الإضافة في ((جوامع الكلم)) من إضافة الصفة إلى
الموصوف، وهي الكلمة الموجزة لفظاً المتَّسعة معنًى؛ يعني: يكون اللفظ
قليلاً، والمعنى كثيراً، وقالوا: فيه الحثّ على استخراج تلك المعاني، وتبيين
تلك الدقائق المودّعة فيها، وقال ابن شهاب - فيما ذكره الإسماعيليّ -: بلغني
أن جوامع الكلم أن الله تعالى يَجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في
الكتب قبله في الأمر الواحد، أو الأمرين، أو نحو ذلك. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: دخول القرآن في قوله: ((بُعثت بجوامع
الكلم)) لا شك فيه، وإنما النزاع: هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن؟
وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِ اَلْقِصَاصِ
حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
[النور: ٥٢] إلى غير ذلك، ومن
٥٢)
وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآِزُونَ
أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة: ((كلُّ عمل ليس عليه
أمرنا فهو ردّ»، وحديث: ((كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل))، متفق
عليهما، وحديث أبي هريرة: ((وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))، متّفقٌ
عليه أيضاً، وحديث المقدام: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه ... ))
الحديث، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم إلى غير ذلك، مما
يكثر بالتتبع، وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى
معرفة ذلك أن تَقِلَّ مخارج الحديث، وتتفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث
(١) ((مشارق الأنوار)) ٢٣٠/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٣٥/١٤.

٧٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
إذا كثرت قلّ أن تتفق ألفاظه؛ لِتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية
بالمعنى بحسب ما يظهر لأحدهم أنه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك
أنهم كانوا لا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا
يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى؛ لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو
أحفظ منه أنه لم يُوفّ بالمعنى. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب تَُّ في أول كتابه الممتع ((جامع العلوم
والحكم)): أما بعد: فإن الله ◌ُعَلَ بعث محمداً ◌َّ﴿ بجوامع الكلم، وخصّه ببدائع
الحِكَم، كما في ((الصحيحين))، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَّ قال:
(بُعِثت بجوامع الكلم))، قال الزهريّ: جوامع الكلم - فيما بلغنا - أن الله تعالى
يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد،
والأمرين، ونحو ذلك.
وأخرج الإمام أحمد تَخْتُ من حديث عمرو بن العاص ◌َُّه قال: خرج
علينا رسول الله ◌َ ﴿ يوماً، كالمودِّع، فقال: ((أنا محمد النبيّ الأميّ)) قال ذلك
ثلاث مرات، ((ولا نبيّ بعدي، أوتيت فواتح الكلم، وخواتمه، وجوامعه))،
وذكر الحديث(٢).
وأخرج أبو يعلى الموصليّ من حديث عمر بن الخطاب، عن النبيّ وَل
قال: ((إني أوتيت جوامع الكلم، وخواتمه، واختُصِر لي الكلام اختصاراً)).
وأخرج الدارقطنيّ كَُّهُ من حديث ابن عباس رضيًّا عن النبيّ وَّ قال:
((أعطيت جوامع الكلم، واختُصِر لي الحديث اختصاراً)(٣).
قال: ورَوينا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشيّ، عن أبي بُردة،
عن أبي موسى الأشعريّ ◌َ به قال: قال رسول الله وَلهو: ((أعطيت فواتح
الكلم، وخواتمه، وجوامعه))، فقلنا: يا رسول الله علِّمنا مما علمك الله رَى،
قال: فعلَّمنا التشهد.
(١) ((الفتح)) ٢٤٨/١٣.
(٢) في سنده ابن لهيعة، وهو متكلّم فيه.
(٣) ((سنن الدارقطنيّ)) ١٤٤/٤ - ١٤٥، وفي سنده ضعف.

٧٠٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٥)
وفي ((صحيح مسلم) عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي موسى، عن أبيه،
عن جدّه، أن النبيّ وَّ ر سئل عن البتع والمزر، قال: وكان رسول الله وَل قد
أعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال: ((أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة)).
وروى هشام بن عمار في ((كتاب البعث)) بإسناده عن أبي سلّام الحبشيّ
قال: حُدِّثت أن النبيّ وَ ﴿ كان يقول: ((فضِّلت على مَن قبلي بستّ، ولا
فخر ... ))، فذكر منها جوامع الكلم، فقال: ((وأُعطيت جوامع الكلم، وكان
أهل الكتاب يجعلونها جزءاً بالليل إلى الصباح، فجمَعها لي ربي في آية واحدة:
[الحديد: ١](١) .
﴿َسَبَّعَ لَِّّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾
قال: فجوامع الكلم التي خُصَّ بها النبيّ ◌َّـ نوعان:
أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ
وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغْيِّ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، قال
الحسن: لم تترك هذه الآية خيراً إلا أمرت به، ولا شرّاً إلا نهت عنه.
والثاني: ما هو في كلامه وَّ، وهو منتشر موجود في السنن المأثورة
عنه وٌَّ، وقد جَمَع العلماء ﴿ه جموعاً من كلماته وَّ الجامعة، فصنّف
الحافظ أبو بكر ابن السنيّ كتاباً سمّاه: «الإيجاز وجوامع الكلم من السنن
المأثورة))، وجَمَع القاضي أبو عبد الله القُضَاعيّ من جوامع الكلم الوجيزة كتاباً
سمّاه: ((الشهاب في الحِكَم والآداب))، وصنّف على منواله قوم آخرون، فزادوا
على ما ذكره زيادة كثيرة، وأشار الخطابيّ في أول كتابه ((غريب الحديث)) إلى
يسير من الأحاديث الجامعة، وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح
مجلساً سمّاه: ((الأحاديث الكلية)) جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال: إن
مَدَار الدِّين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل
مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثاً، ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا
زكريا يحيى النوويّ رحمة الله عليه أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن
الصلاح، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثاً، وسَمّى كتابه بالأربعين،
واشتهرت هذه الأربعون التي جَمَعها، وكَثُر حِفْظها، ونفع الله بها ببركة نيّة
(١) هذا خبر مرسل.

٧١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
جامعها، وحُسْن قَصْده رحمه الله تعالى. انتهى كلام ابن رجب تَخْذُ(١).
وقوله: (فَقَالَ: ((أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ، أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ))؛ أي: صدّ عن
إقامتها .
[تنبيه]: كتب الحافظ ابن رجب على هذا الحديث بحثاً طويلاً مفيداً
جدّاً، ولكثرة فوائد، وغزارة عوائده أحببت إيراده هنا؛ لأن كتابي هذا ليس
موضوعاً على الاختصار، وإنما هو موضوع على التطويل، واستيفاء المسائل،
وغَرَضي من كتابته جَمْع ما وصل إليّ من الفوائد النفيسة، المتعلّقة بأحاديث
مسلم، فلا تسأم أيها الطالب المنهوم بالعلم، والمشغوف بالفهم إن أطلت
عليك البحث، وقد نبّهتك على هذا في أوائل الكتاب، والله تعالى يتولّى هُداي
وهُداك.
قال ◌َّلهُ: هذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات
المغطية للعقل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه العلة المقتضية لتحريم
المسكرات، وكان أول ما حُرّمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لَمّا صلى
بعض المهاجرين، وقرأ في صلاته، فخلط في قراءته، فنزل قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى حَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء:
٤٣]، وكان منادي رسول الله وَ﴿ ينادي: لا يقرب الصلاة سكران(٢)، ثم
إن الله حرّمها على الإطلاق بقوله: ﴿إِنََّا الْخَّرُ وَاَلْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ فِ اٌلْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اَللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة:
٩٠ - ٩١]، فذَكَر علة تحريم الخمر والميسر وهو القمار، وهو أن الشيطان
يوقع بينهم العداوة والبغضاء، فإن من سَكِرَ اختلّ عقله، فربما تسلّط على
أذى الناس في أنفسهم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتل، وهي أم الخبائث،
فمن شربها قتل النفس، وزنى، وربما كَفَر، وقد رُوي هذا المعنى عن عثمان
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٤/١ - ٥.
(٢) رواه أحمد ٥٣/١، وأبو داود (٣٦٧٠)، والترمذيّ (٣٠٤٩)، والنسائيّ ٢٨٦/٨ -
٢٨٧، وصححه ابن المدينيّ والترمذيّ.

٧١١
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٥)
وغيره، وروي مرفوعاً أيضاً(١).
ومن قامر فربما قُهِر، وأُخذ ماله قهراً، فلم يبق له شيء، فيشتد حقده
على من أَخذ ماله، وكل ما أدى إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حراماً،
وأخبر أن الشيطان يصدُّكم بالخمر والميسر عن ذكر الله، وعن الصلاة، فإن
السكران يزول عقله، أو يختلّ، فلا يستطيع أن يذكر الله، ولا أن يصلي،
ولهذا قالت طائفة من السلف: إن شارب الخمر تمرّ عليه ساعة لا يَعرف فيها
ربه، والله ◌ُعَلَ إنما خلقهم ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه، ويطيعوه، فما أدى إلى
الامتناع من ذلك، وحال بين العبد وبين معرفة ربه وذكره ومناجاته كان محرَّماً،
وهو السكر، وهذا بخلاف النوم، فإن الله تعالى جبل العباد عليه، واضطرهم
إليه، ولا قوام لأبدانهم إلا به؛ إذ هو راحة لهم من السعي والنصب، فهو من
أعظم أَنْعُم الله على عباده، فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى
ذكر الله ومناجاته ودعائه، كان نومه عوناً له على الصلاة والذكر، ولهذا قال
بعض الصحابة: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
وكذلك المَيْسر يصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، فإن صاحبه يعكف بقلبه
عليه، ويشتغل به عن جميع مصالحه ومهماته، حتى لا يكاد يذكرها؛ لاستغراقه
فيه، ولهذا قال عليّ لمّا مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج: ما هذه التماثيل التي
أنتم لها عاكفون؟(٢)، فشبّهم بالعاكفين على التماثيل، وجاء في الحديث: ((إن
مدمن الخمر كعابد الوثن))(٣)، فإنه يتعلق قلبه به فلا يكاد يمكنه أن يَدَعها كما
لا يدع عابد الوثن عبادته، وهذا كله مضادّ لِمَا خلق الله العباد لأجله من تفريغ
قلوبهم لمعرفته ومحبته وخشيته وذِكره ومناجاته ودعائه والابتهال إليه، فما حال
بين العبد وبين ذلك، ولم يكن بالعبد اليه ضرورة، بل كان ضرراً محضاً عليه
كان محرّماً، وقد روي عن عليّ أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج: ما لهذا
(١) رواه النسائيّ ٣١٥/٨ موقوفاً على عثمان، ورواه ابن حبّان في ((صحيحه)) (٥٣٢٤)
عنه مرفوعاً .
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧٣٨/٨، والبيهقيّ ٢١٢/١٠، وفي إسناده انقطاع.
(٣) رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان.

٧١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
خُلقتم. ومن هنا يُعلم أن المَيْسر محرّم سواء كان بِعِوَض، أو بغير عوض، وأن
الشطرنج كالثَّرد، أو شرّ منه؛ لأنها تشغل أصحابها عن ذكر الله، وعن الصلاة
أكثر من النرد.
والمقصود أن النبيّ وَ﴿ قال: ((كل مسكر حرام، وكل ما أسكر عن
الصلاة فهو حرام)).
وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبيّ وَّ ر، فأخرجا في ((الصحيحين))
عن ابن عمر، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام))، ولفظ
مسلم: ((وكل مسكر حرام))، وأخرج أيضاً من حديث عائشة رضيها أن النبيّ وَل
سئل عن البتع، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام))، وقد صحح هذا الحديث
أحمد، ويحيى بن معين، واحتجا به، ونقل ابن عبد البرّ إجماع أهل العلم
بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يُرْوَى عن النبيّ بَّر في تحريم المسكر.
وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين مِنْ طَعْنه فيه، فلا يَثبت
ذلك عنه.
وأخرج مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ وَّر قال: ((كل
مسكر حرام».
وإلى هذا القول ذهب جمهور من علماء المسلمين من الصحابة
والتابعين، ومَنْ بَعْدَهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك، والشافعيّ،
والليث، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وغيرهم، وهو
مما أَجمع على القول به أهل المدينة كلهم.
وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة، وقالوا: إن الخمر إنما هو
خمر العنب خاصّةً، وما عداها فإنما يَحْرُم منه القَدْر الذي يُسكر، ولا يحرم ما
دونه، وما زال علماء الأمصار يُنكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك
مجتهدين مغفوراً لهم، وفيهم خَلْق من أئمة العلم والدّين، قال ابن المبارك: ما
وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحَّ إلا عن إبراهيم؛ يعني: النخعيّ، ولذلك
أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصحّ، وقد صنّف ((كتاب الأشربة))، ولم
يذكر فيه شيئاً من الرخصة، وصنّف كتاباً في المسح على الخفين، وذكر فيه عن
بعض السلف إنكاره، فقيل له: كيف لم تجعل في ((كتاب الأشربة)) الرخصة كما

٧١٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٥)
جعلت في المسح؟ فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح.
ومما يدلّ على أن كل مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل في المدينة
بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة، ولم يكن بها خمر العنب،
فلو لم تكن آية تحريم الخمر شاملة لِمَا عندهم لَمَا كان فيها بيان لِمَا سألوا
عنه، ولكان محمل السبب خارجاً من عموم الكلام، وهو ممتنع، ولمّا نزل
تحريم الخمر أنّ أقواماً أهرقوا ما عندهم من الأشربة، فدلّ على أنهم فَهِموا أنه
من الخمر المأمور باجتنابه.
وفي ((صحيح البخاري)) عن أنس قال: حُرِّمت علينا الخمر حين حُرِّمت
وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر، وعنه أنه قال:
إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، وسهيل ابن بيضاء، خليط بسر وتمر، إذ
حرمت الخمر، فقذفتها، وأنا ساقيهم، وأصغرهم، وإنا لنعدّها حينئذ الخمر.
وفي ((الصحيحين)) عنه قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي
تسمّونه الفضیخ.
وفي ((صحيح مسلم)) عنه قال: لقد أنزل الله الآية التي حَرَّم فيها الخمر،
وما بالمدينة شراب يُشرب إلا من تمر.
وفي ((صحيح البخاريّ)) عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإن
بالمدينة يومئذ لخمسةَ أشربة، ما منها شراب العنب.
وفي ((الصحيحين)) عن الشعبيّ عن ابن عمر قال: قام عمر رظُه على
المنبر، فقال: أما بعدُ: نزل تحريم الخمر، وهي من خمس: العنب، والتمر،
والعسل، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خامر العقل، وخرّجه الإمام أحمد،
وأبو داود، والترمذيّ، من حديث الشعبيّ عن النعمان بن بشير، عن النبيّ وَّر،
وذكر الترمذيّ أن قول من قال عن الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر أصحّ،
وكذا قال ابن المدينيّ، وروى أبو إسحاق عن أبي هريرة، قال: قال عمر: ما
خَمّرته فعَتَّقته فهو خمر، وأَنّا كانت لنا الخمر خمر العنب.
وفي مسند الإمام أحمد، عن المختار بن فُلْفُل قال: سألت أنس بن
مالك عن الشرب في الأوعية، قال: نَهَى رسول الله وَّر عن المزفت، فقال:
(كل مسكر حرام))، قلت له: صدقت، فالشربة والشربتان على طعامنا؟ قال:

٧١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
المسكر قليله وكثيره حرام، وقال: الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة،
والشعير، والذرة، فما خَمّرت من ذلك، فهو الخمر، أخرجه أحمد، عن عبد الله بن
إدريس، سمعت المختار يقول، فذكره، وهذا إسناد على شرط مسلم.
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((الخمر من
هاتين الشجرتين: النخلةِ، والعنبة))، وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر.
وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره، كما خرّجه أبو داود،
وابن ماجه، والترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر، عن النبيّ وَ لّ قال: ((ما أسكر
كثيره فقليله حرام)). وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، من حديث
عائشة ◌َّا، عن النبيّ وَ ير قال: ((كل مسكر حرام، وما أسكر الفَرَقُ فملء
الكفّ منه حرام»، وفي رواية: ((الْحَسْوَة منه حرام))، وقد احتجّ به أحمد،
وذهب إليه، وسئل عمن قال: إنه لا يصحّ، فقال: هذا رجل مُغْلٍ؛ يعني: أنه
قد غلا في مقالته.
وقد أخرج النسائيّ هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص،
وعبد الله بن عمرو، عن النبيّ وَّ﴾، وقد رُوي عن النبيّ ◌َّ من وجوه كثيرة
يطول ذكرها .
ورَوَى ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، حدّثني أبو وهيب الجيشانيّ،
عن وَفْد أهل اليمن، أنهم قَدِمُوا على النبيّ وََّ، فسألوه عن أشربة تكون
باليمن، فسَمَّوا له الْبِتْع من العسل، والْمِزْر من الشعير، قال النبيّ وَلّ: ((هل
تَسكرون منها؟))، قالوا: إن أكثرنا منها أسكرنا، قال: ((فحرام قليله ما أسكر
كثيره))، أخرجه القاضي إسماعيل(١).
تحتجّ بقول النبيّ بَّ: ((كل مسكر حرام)» على
وقد كانت الصحابة
تحريم جميع أنواع المُسكِرات، ما كان موجوداً منها على عهد النبيّ وَّ، وما
حَدَث بعده، كما سئل ابن عباس عن الباذِق(٢)، فقال: ((سَبَق محمدٍ وَل
(١) في سنده ضعف. فيه أبو وهب الجيشانيّ، قال ابن القطان: مجهول الحال.
(٢) ((الباذق)) بكسر الذال، وفتحها: ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخة، فصار
شديداً. انتهى. (القاموس)) ص٨٨ - ٨٩.

٧١٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٥)
الباذِق، فما أسكر فهو حرام))، أخرجه البخاريّ، يشير إلى أنه إن كان مسكراً
فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة.
(واعلم): أن المسكر المزيل للعقل نوعان:
[أحدهما]: ما كان فيه لذّة وطرب، فهذا هو الخمر المحرّم شُربه، وفي
((المسند))(١) عن طلق الحنفيّ أنه كان جالساً عند النبيّ وَلهو، فقال رجل: يا
رسول الله ما ترى في شراب نصنعه بأرضنا، من ثمارنا، فقال ◌َله: ((مَن سائلٌ
عن المسكر؟ فلا تشربه، ولا تُسقه أخاك المسلم، فوالذي نفسي بيده، أو
بالذي يُحلف به لا يشربه رجل ابتغاء لذّة مسكرة، فيسقيه الله الخمر يوم
القيامة)) .
قالت طائفة من العلماء: وسواء كان هذا المسكر جامداً، أو مائعاً،
وسواء كان مطعوماً، أو مشروباً، وسواء كان من حَبّ، أو تمر، أو لبن، أو
غير ذلك، وأدخَلوا في ذلك الحشيشة التي تُعمل من ورق العنب وغيرها، مما
يؤكل لأجل لذته، وسكره.
وفي ((سنن أبي داود)) من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت:
(نَھَى رسول الله وَّر عن كل مسكر، ومُفَتِّر))(٢)، والمفتر هو المخدِّر للجسد،
وإن لم ينته إلى حدّ الإسکار.
[والثاني]: ما يزيل العقل، ويسكره، ولا لذّة فيه، ولا طَرَب، كالبنج
ونحوه، فقال أصحابنا - يعني: الحنبليّة - إنْ تناوله لحاجة التداوي، وكان
الغالب منه السلامة جاز.
وقد رُوي عن عروة بن الزبير لَمّا وقعت الأَكَلة في رجله، وأرادوا
قطعها، قال له الأطباء: نسقيك دواءاً حتى يغيب عقلك، ولا تُحسّ بألم
القطع، فأبى، وقال: ما ظننت أن خَلْقاً يشرب شراباً يزول منه عقله، حتى لا
(١) قال الهيثميّ: رجاله ثقات.
(٢) ضعفّه بعضهم بضعف شهر بن حوشب، والصحيح من أقوال العلماء أن شهراً ليس
ضعيفاً، بل ثقة، وأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، وقد حقّقت هذا الموضع
في ((شرح المقدّمة)) عند ذكر ترجمة شَهْر، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٧١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
يَعرف ربه، ورُوي عنه أنه قال: لا أشرب شيئاً يحول بيني وبين ذِكر ربي ◌َّ،
وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي، فقال أكثر أصحابنا، كالقاضي، وابن
عَقيل، وصاحب ((المغني)): إنه محرّم؛ لأنه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة،
فحَرُم كشرب المسكر، وروى حَنَّش الرحبيّ، وفيه ضعف، عن عكرمة، عن
ابن عباس، مرفوعاً: ((من شَرِب شراباً يَذهب بعقله، فقد أتى باباً من أبواب
الكبائر))(١).
وقالت طائفة منهم ابن عقيل في ((فنونه)): لا يحرم ذلك؛ لأنه لا لذّة فيه،
والخمر إنما حُرّمت لِمَا فيها من الشدّة المطربة، ولا إطراب في البنج ونحوه،
ولا شدّة، فعلى قول الأكثرين لو تناول ذلك لغير حاجة، وسكر به، فطلّق،
فحُكم طلاقه حُكم طلاق السكران، قاله أكثر أصحابنا، كابن حامد،
والقاضي، وأصحاب الشافعيّ، وقالت الحنفية: لا يقع طلاقه، وعلّلوا بأنه
ليس فيه لذة، وهذا يدلّ على أنهم لم يحرّموه.
وقالت الشافعية: هو محرَّم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان، وظاهر
كلام أحمد أنه لا يقع طلاقه، بخلاف السكران، وتأوله القاضي، وقال: إنما
قال ذلك إلزاماً للحنفية، لا اعتقاداً له، وسياق كلامه مُحْتَمِل لذلك.
وأما الحدّ فإنما يجب بتناول ما فيه شدّة وطرب من المسكرات؛ لأنه هو
الذي تدعو النفوس إليه، فجعل الحدّ زاجراً عنه، فأما ما فيه سكر بغير طرب،
ولا لذّة فليس فيه سوى التعزير؛ لأنه ليس في النفوس داع إليه، حتى يحتاج
إلى حدّ مقدَّر زاجر عنه، فهو كأكل الميتة، ولحم الخنزير، وشرب الدم.
وأكثر العلماء الذين يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حدّ من شرب
ما يُسكر كثيره، وإن اعتقد حلّه متأولاً، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، خلافاً
لأبي ثور، فإنه قال: لا يُحَدّ؛ لتأوله، فهو كالناكح بلا وليّ، وفي حدّ الناكح
بلا وليّ خلاف أيضاً، ولكن الصحيح أنه لا يحدّ، وقد فُرِّق بينه وبين شرب
النبيذ متأولاً بأن شرب النبيذ المختلف فيه داع إلى شرب الخمر المجمع على
تحريمه، بخلاف النكاح بغير وليّ، فإنه مُغْنٍ عن الزنا المجمع على تحريمه،
(١) رواه أبو يعلى، والبزار، والطبرانيّ، وإسناده ضعيف؛ لِضَعْف حنش الرحبيّ.

٧١٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٦)
وموجب للاستعفاف عنه، والمنصوص عن أحمد أنه إنما حَدَّ شارب النبيذ
متأولاً أن تأويله ضعيف، لا يدرأ عنه الحدّ به، فإنه قال في رواية للأثرم: يُحَدّ
من شرب النبيذ متأولاً، ولو رُفع إلى الإمام من طلق البتة، ثم راجعها متأولاً
أن طلاق البتة واحدة، والإمام يرى أنها ثلاث، لا يفرَّق بينهما، وقال: هذا
غير ذاك، وأمْرُهُ بَيِّن في كتاب الله، وسُنَّة نبيّه وَّةٍ، ونزل تحريم الخمر،
وشرابهم الفضيخ، وقال النبيّ وَّ: ((كل مسكر خمر))، فهذا بَيِّن، وطلاق البتة
إنما هو شيء اختلَفَ الناس فيه. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ◌َُّهُ(١)، وهو
مع طوله بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كََّفُ أوّل الكتاب قال:
[٥٢٠٦] (٢٠٠٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ - يَعْنِي:
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ مِنْ
جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ - فَسَأَلَ النَِّيَّ نَّهِ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ، مِنَ
الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْدَاً لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ
يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ((عَرَقُ
أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبدُ العَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهنيّ
مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كُتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت ٦
أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦]
(ت١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٨٥/١٢.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
(١) ((جامع العلوم والحكم) ٤٢٠/١ - ٤٢٤.

٧١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيات المصنّف ثلثُ، وأنه مسلسل بالمدنیین، سوی شیخه،
فبغلانيّ، وأبي الزبير فمكيّ، وفيه جابرٌ ظُه من المكثرين السبعة، روى
(١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله ﴿هَا (أَنَّ رَجُلاً) قال صاحب ((التنبيه)): هو
دیلم، قاله ابن بشکوال، قال: قيل: اسمه فيروز، وابنه ديلم، له وفادة، نزل
مصر. انتهى(١).
وقال ابن عبد البرّ: دَيلَم الحميريّ الجيشانيّ، هو ديلم بن أبي ديلم،
ويقال: ديلم بن فيروز، ويقال: ديلم بن الهوشع، وهو من وَلَد حِمْير بن سبأ،
له صحبة، سكن مصر، ولم يُرْوَ عنه فيما أعلم غير حديث واحد في الأشربة،
رواه عنه المصريون، ورواه مرثد بن عبد الله اليزنيّ، وقد قيل: إن ديلم بن
الهوشع غير ديلم الحميريّ، وليس بشيء. انتهى(٢).
(قَدِمَ) بكسر الدال، من باب تَعِبَ، (مِنْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ -)؛
أي: مكان من جملة أماكن اليمن، قال في ((القاموس)): وجيشانُ: خِطّة
بالْفُسْطاط، ومِخْلافٌ باليمن، ولقبُ عَبْدانَ بن حَجْر بن ذي رُعَين، وإليه يُنسب
الجيشانيون، وأبو تميم الجيشانيّ تابعيّ من أهل اليمن. انتهى(٣).
(فَسَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ عَنْ شَرَابٍ)؛ أي: عن حُكمه، (يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ، مِنَ
الذُّرَةِ) بضمّ الذال، وتخفيف الراء، قال المجد: الذّرَةُ، كَثُبَةٍ: حَبّ معروفٌ،
أصلها ذُرَوٌ. انتهى (٤)، وقال الفيّوميّ: الذُّرة: حبّ معروفٌ، ولامها محذوفةٌ،
والأصل ذُرَوٌ، أو ذُريٌّ، فحُذفت اللام، وعُوّض عنها الهاء. انتهى(٥).
زاد في رواية النسائيّ قولَهُ: ((يقال له: الْمِزْر)).
(١) (تنبيه المعلم)) ص٣٤٤ - ٣٤٥.
(٢) ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) ١٣٧/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٢٥٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ٢٠٨/١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص٤٦٩.

٧١٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، ... إلخ - حديث رقم (٥٢٠٦)
(يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟))) قال القرطبيّ ◌َظّهُ:
الرواية التي لا يُعرَف غيرها هي بفتح الهمزة، وفتح الواو على جهة الاستفهام
عن صفة النبيذ المسؤول عنه، وهو حجة على من علّق التحريم على وجود
الإسكار بالشارب من غير اعتبار وصف المشروب، وهم الحنفيّة، وهذا نصٌّ
في أن المعتبَر شرعاً إنما هو المعنى الذي في الخمر الذي يعبّر عنه الفقهاء
بالشدّة المطربة، والمسكرة. انتهى(١).
(قَالَ) الرجل (نَعَمْ)؛ أي: هو مسكرٌ (قَالَ رَسُولُ اللهِنَّه: ((كُلُّ مُسْكِر
حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ وَى عَهْداً)؛ أي: وعيداً جعله على نفسه وَلَ حسبما سبق
في عِلْمِه، (لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ) بفتح حرف المضارعة، وضمّها،
كما سبق بيانه غير مرّة، (مِنْ طِيئَةِ الْخَبَال))) بفتح الخاء المعجمة. (قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ((عَرَقُ) بفتحتين، (أَهْلِ النَّارِ، أَوْ) للشكّ من
الراوي؛ أي: أو قال (عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ))) ((العُصارة)) - بضم العين المهملة: ما
سال عن العَصْر، ومنه قيل: اعتصرت مال فلان: إذا استخرجته منه. قاله في
(المصباح)). قال القرطبيّ كَّثُهُ: وفي حديث آخر: ((صديد أهل النار))، وسُمّي
ذلك بطينة الخبال؛ لأنها تَخْبُل عقل شاربها، وتُفسد حاله، مأخوذ من الْخَبَل
في العقل، قال: وهذا الوعيد، وإن كان معلّقاً على مُطْلَق الشرب، فقد قيّده
في الحديث الآخر منها، فقال كَّقُ: ((من شرب الخمر في الدنيا، فمات، وهو
يُدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة))، وأما من تاب منها، فلم يدخل في
هذا الوعيد إذا حَسُنَت توبته. انتهى كلام القرطبيّ كَّهُ(٢).
[تنبيه]: حديث جابر ظُله هذا مختصر هنا، وقد ساقه أبو عوانة في
((مسنده)) مطوّلاً، فقال:
(٧٩٥٣) - حدّثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ، قال: ثنا محرز بن
عون، أو ابن سلمة، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن
أبي الزبير، عن جابر ◌َّه قال: قَدِمَ نفر من جَيشان، من أهل اليمن، فقالوا:
(١) ((المفهم)) ٢٦٨/٥.
(٢) ((المفهم)) ٢٦٩/٥.

٧٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
يا رسول الله سمعنا بذكرك، فأحببنا أن نأتيك، فنسمع منك، فقال النبيّ ◌َمثير:
((أسلِمُوا تَسْلَموا))، قال: فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله مُرنا، وانْهَنا، فإنا نرى
أن الإسلام قد نهانا عن أشياء كنا نأتيها، وأمَرَنا بأشياء لم نكن نقربها، قال:
فأمَرهم النبيّ ◌َّ، ونهاهم، ثم خرجوا حتى جاؤا رحالهم، وقد خَلَّفوا فيها
رجلاً، فقالوا: اذهب، فضَعْ من إسلامك على يد رسول الله وَ﴿ مثل الذي
وَضَعْنا، وسَلْه عن شرابنا، فإنا نَسِينا أن نسأله، وقد كان من أهم الأمر عندنا،
فجاء ذلك الفتى، فأسلم، فقال: يا رسول الله، إن النفر الذين جاؤك،
وأسلموا على يديك، قد أمروني أن أسألك عن شراب يشربونه بأرضهم من
الذرة، يقال له: الْمِزْر، وأرضهم أرض باردة، وهم يعملون لأنفسهم، وليس
لهم من يمتهن الأعمال دونهم، وإذا شربوه قَوُوْا به على العمل، قال: ((أو
مسكر هو؟)) قال: اللهم نعم، قال النبيّ ◌َّ: ((كل مسكر حرام))، قال:
فأفزعهم ذلك، فخرجوا بأجمعهم حتى جاؤا رسول الله (وَلقر، فقالوا: يا
رسول الله، إن أرضنا أرض باردة، وإنا نعمل لأنفسنا، وليس لنا من يمتهن
دون أنفسنا، وإنما شراب نشربه بأرضنا من الذرة، يقال له: الْمِزْر، وإذا
شربناه، فأُعِنًا على البرد، وقَوِينا على العمل، فقال: ((أمسكر هو؟)) قالوا:
نعم، فقال النبيّ وَّ: ((كلُّ مسكر حرام، إن على الله عهداً لمن يشرب مسكراً
أن يسقيه من طينة الْخَبَال))، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال:
((عَرَقُ أهل النار - أو عصارة أهل النار)). انتهى(١).
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف ◌َّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢٠٦/٧] (٢٠٠٢)، و(النسائيّ) في ((الأشربة))
(٣٢٧/٨) و((الكبرى)) (٢٣٨/٣ و١٨٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦١/٣)
و(البزّار) في («مسنده)) (٢٩٢٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٦٠)،
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١٠٢/٥ - ١٠٣.