Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِبَاذِ الثَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٣٧)
وقال الأصمعيّ: إذا اخْضَرَّ حَبُّه، واستدارَ فهو خَلَالٌ، فإذا عَظُمَ فهو
البُسْرُ، فإذا احْمَرَّتْ فهي شِقْحَةٌ، وبَسَطْتُ ذلك في الرَّوْضِ المَسْلُوف فيما له
اسْمَانِ إلى أُلُوف. انتهى من ((القاموس، وشرحه))(١).
وقد نظمت ذلك بقولي :
أَوَلُهَا طَلْعٌ فَإِنْ هُوَ انْعَقَدْ
لِثَمَرِ النَّخْلِ مَرَاتِبُ وَرَدْ
احْضَرَّ وَاسْتَدَارَ فَاسْمَهُ خُذَا
وَزْنَ سَحَابٍ كُلُّهَا تُقَالُ
عَظُمَ بُسْرْ ثُمَّ بَعْدُ أُخِذَا
مُوَكِّتْ مِثْلُ مُعَلِّمٍ جَلِي
فَثَعْدَةٌ فَخَالِعٌ خَالِعَةٌ
كَذَاكَ مَعْواً مِثْلَ فَلْسٍ صَحِبًا
وَبَعْدَهُ تَمْرٌ مُتَمِّمَاً يَجِي
اخْضَرَّ وَاسْتَدَارَ حَبُّهُ حَذَا
بُسْرٌ إِنِ احْمَرَّتْ بِشِقْحَةٍ تُسَمّ
و (شَرْحِهِ) الْحِلْيَةِ لِلْعَرُوسِ
فَقُلْ سَيَابٌ كَسَحَابٍ فَإِذَا
جَدَالٌ اوْ سَرَادٌ اوْ خَلَالُ
بَغْوٌ إِذَا كَبِرَ شَيْئاً وَإِذَا
مُخَظّمٌ مِثْلُ مُعَظّمٍ يَلِي
ثُمَّ يَلِي التُّذْنُوبُ ثُمَّ جُمْسَةٌ
إِذَا انْتَهَى النُّصْجُ يُسَمَّى رُطَبَا
مُنَاصِفُ إِنْ كُلُّهُ لَمْ يَنْضِجِ
وَذَكَرَ الأَصْمَعِيْ أَنَّهُ إِذَا
بِكَوْنِهِ الْخَلَالَ ثُمَّ إِنْ عَظُمْ
وَهَكَذَا ذَكَرَ فَي ((الْقَامُوسِ))
(وَالتَّمْرُ)))؛ يعني: أنه بَّ نهى عن الجمع بين النوعين في الانتباذ؛
المسارعة الإسكار، والاشتداد عند الخلط.
فقوله: ((أن النبيّ وَّ نَهَى أن يُخْلَط التمر والزبيب، والبُسر والتمر))، وفي
رواية: «نَهَى أن يُنبذ التمر والزبيب جميعاً، ونَهَى أن يُنبذ الرُّطَب والبُسر
جميعاً))، وفي رواية: ((لا تجمعوا بين الرُّطَب والبسر، وبين الزبيب والتمر
نَبِيذاً))، وفي رواية: ((مَن شَرِب النبيذ منكم فليشربه زبيباً فَرْداً، أو تمراً فرداً، أو
بُسراً فرداً))، وفي رواية: ((لا تَنْتَبِذُوا الزَّهْو والرُّطَب جميعاً)).
فهذه الأحاديث صريحة في النهي عن انتباذ الخليطين وشربهما، وهما
تمر وزبيب، أو تمر ورُطَب، أو تمر وبُسر، أو رطب وبسر، أو زهو وواحد
من هذه المذكورات، ونحو ذلك، ثم إن هذا النهي للتحريم، كما قال به بعض
(١) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٥١١/١.

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
المالكية، وهو الحقّ؛ لظواهر النصوص، فإنها وردت بصيغة النهي، والنهي
للتحريم عند جمهور العلماء إلا لصارف، ولا صارف له هنا، فتأمل بالإمعان،
ولا تكن أسير التقليد، وبالله تعالى التوفيق.
وأما قول أبي حنيفة وأبي يوسف في رواية عنه: لا كراهة فيه، ولا بأس
به؛ لأن ما حلّ مفرداً حلّ مخلوطاً، فقوله منابذةٌ لصاحب الشرع، فقد ثبتت
الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه، والقياس في مقابلة النصّ باطل،
ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٣٧/٥ و٥١٣٨ و٥١٣٩ و٥١٤٠] (١٩٨٦)،
و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٦٠١)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٧٠٣)،
و(الترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٨٧٦)، و(النسائيّ) في ((الأشربة)) (٢٩٠/٨)
و ((الكبرى)) (٢٠٦/٣ و٢٠٧ و١٨٤/٤)، و(ابن ماجه) في ((الأشربة)) (٣٣٩٥)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٧٠٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٩٦٧
و١٦٩٦٨ و١٦٩٦٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٤/٣ و٣٠٠ و٣٠٢ و٣١٧
و٣٦٣ و٣٦٩ و٣٨٩) وفي ((الأشربة)) (١٤٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٣٧٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٧٦٨ و١٨٧٢ و٢٢٣٨ و٢٣٢٥)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١١٠/٥ و١١٨ و١١٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى) (٨)
٣٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم شرب الخليطين:
قال النووي تَّثُ: مذهب الجمهور أن النهي في ذلك للتنزيه، وإنما يمتنع
إذا صار مسكراً، ولا تخفى علامته، وقال بعض المالكية: هو للتحريم.

٦٠٣
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٣٧)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله بعض المالكيّة هو الظاهر؛ لأن
النصّ ورد بصيغة النهي، والنهي للتحريم، ما لم يصرفه صارف، ولم يذكروا
هنا صارفاً، وأيضاً ما قاله النوويّ يخالف نصّ الشافعيّ تَظُّهُ الآتي بالتحريم،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتدّ، مع نبيذ التمر الذي لم
يشتدّ عند الشرب، هل يمتنع، أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ فقال
الجمهور: لا فرق، وقال الليث: لا بأس بذلك عند الشرب. ونقل ابن التين
عن الداوديّ: أن سبب النهي أن النبيذ يكون حُلْواً، فإذا أُضيف إليه الآخر
أسرعت إليه الشدّة، وهذه صورة أخرى، كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما
ثم أضيف إليه الآخر، لا ما إذا نُبذا معاً.
واختلف في الخليطين من الأشربة غير النبيذ، فحكى ابن التين عن بعض
الفقهاء أنه كَرِه أن يخلط للمريض شرابين، وردّه بأنهما لا يُسرع إليهما الإسكار
اجتماعاً وانفراداً.
وتُعُقّب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أن العلة الإسراف كما تقدم،
لكن يقيّد كلام هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرد كافياً في دواء ذلك
المرض، وإلا فلا مانع حينئذ من التركيب.
وقال ابن العربي: ثبت تحريم الخمر؛ لِمَا يَحْدُث عنها من السكر،
وجواز النبيذ الحلو الذي لا يَحدُث عنه سكر، وثبت النهي عن الانتباذ في
الأوعية، ثم نُسخ، وعن الخليطين، فاختلف العلماء، فقال أحمد، وإسحاق،
وأكثر الشافعية بالتحريم، ولو لم يُسكر، وقال الكوفيون: بالحِلّ، قال: واتفق
علماؤنا على الكراهة، لكن اختلفوا هل هو للتحريم، أو للتنزيه؟ واختُلِف في
علة المنع، فقيل: لأن أحدهما يشدّ الآخر، وقيل: لأن الإسكار يُسرع إليهما،
قال: ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين؛ لأن اللبن لا يُنبذ، لكن قال
ابن عبد الحكم: لا يجوز خلط شرابَيْ سكر، كالورد والجلاب، وهو ضعيف.
قال: واختلفوا في الخليطين لأجل التخليل، ثم قال: ويتحصل لنا أربع صور:
أن يكون الخليطان منصوصين، فهو حرام، أو منصوص ومسكوت عنه، فإن
كان كل منهما لو انفرد أسكر فهو حرام، قياساً على المنصوص، أو مسكوت

٦٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
عنهما، وكل منهما لو انفرد لم يسكر جاز، قال: وهنا مرتبة رابعة، وهي ما لو
خلط شيئين، وأضاف إليهما دواء يمنع الإسكار، فيجوز في المسكوت عنه،
ويُكره في المنصوص، وما نقله عن أكثر الشافعية، وُجد نصّ الشافعي بما
يوافقه، فقال: ثبت نهيُّ النبيّ ◌َّ عن الخليطين، فلا يجوز بحال، وعن مالك
قال: أدركت على ذلك أهل العلم ببلدنا .
وقال الخطابي: ذهب إلى تحريم الخليطين، وإن لم يكن الشراب منهما
مُسكِراً جماعة، عملاً بظاهر الحديث، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق،
وظاهر مذهب الشافعي، وقالوا: من شرب الخليطين أثم من جهة واحدة، فإن
كان بعد الشدّة أثم من جهتين، وخَصَّ الليث النهي بما إذا نُبذا معاً. انتهى.
وجرى ابن حزم على عادته في الجمود، فخصّ النهي عن الخليطين
بخلط واحد من خمسة أشياء، وهي التمر، والرطب، والزهو، والبسر،
والزبيب، في أحدها، أو في غيرها، فأما لو خلط واحد من غيرها في واحد
من غيرها، لم يمتنع كاللبن والعسل مثلاً، ويَرِدُ عليه ما أخرجه أحمد في
((الأشربة) من طريق المختار بن فُلفُل، عن أنس به، قال: ((نهى رسول الله وَيه
أن يُجمع بين شيئين نبيذاً، مما يبغي أحدهما على صاحبه)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن حزم تَّتُهُ هو
الظاهر، والحديث الذي ذكره عن أحمد، لا ينافيه؛ لأنه ظاهر في النبيذ،
فيُحْمَل على الأشياء المنصوص عليها، وأما خلط نحو اللبن والعسل، فلا
يشمله، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبي كَثْثُهُ: النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم، وهو قول
جمهور فقهاء الأمصار، وعن مالك: يُكره فقط، وشذَّ من قال: لا بأس به؛
لأن كلّاً منهما يَحِلّ منفرداً فلا يُكره مجتمعاً، قال: وهذه مخالفة للنص،
وقياس مع وجود الفارق، فهو فاسد من وجهين، ثم هو منتقض بجواز كل
واحدة من الأختين منفردة، وتحريمهما مجتمعين، قال: وأعجب من ذلك
تأويل من قال منهم: إن النهي إنما هو من باب السَّرَف بجمع إدامين، قال:
وهذا تبديل، لا تأويل، ويشهد ببطلانه الأحاديث الصحيحة، قال: وتسمية

٦٠٥
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ التَّعْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيَّنِ - حديث رقم (٥١٣٧)
الشراب إداماً قول من ذَهِلَ عن الشرع واللغة والعادة، وتعامى، وكيف ینھی
عن الجمع بين إدامين، وقد جُمعا على مائدة رسول الله وَليت؟
قال: واختلف القائلون بمنع الخلط في تعليل ذلك وعدمه، فالذي يليق
بمذهب أهل الظاهر النهي عن الخلط على كلّ شيئين يؤثّر كلّ واحد منهما في
الآخر إسراع الشدّة إذا خُلطا، وهذا هو الذي يُفهم من الأحاديث الواردة في
هذا الباب، فإنها مصرّحة بالنهي عن الخلط للانتباذ والشرب، وقد أبعد بعض
أصحابنا، فمنع الخلط، وإن لم يكن كذلك، حتى منع خلطهما للتخليل، وهذا
إنما يليق بمن لم يُعلّل النهي عن الخليطين بعلّة، ويلزم منه أن يجري النهي
على خلط العسل واللبن، وشراب الورد والبنفسج، والعسل والخلّ، وغير
ذلك، والصواب ما ذهب إليه مالك، والجمهور، وبالله تعالى التوفيق. انتهى
كلام القرطبيّ كَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم لك أن ابن العربي حكى القول
بتعميم منع الخلط عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال: إنه حَمَل
النهي عن الخليطين من الأشربة على عمومه، وضعّفه، وهو أحقّ بالتضعيف.
والحاصل أن الخلط الوارد في الأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا
الباب وغيرها محرّم، وأن شرب الخليطين حرام، وأما ما عدا ذلك من
الأصناف فيجوز خلطه؛ كاللبن والعسل، ونحو ذلك؛ لعدم النهي عنه، ولفقدان
العلّة التي من أجلها نهى الشارع عن الخليطين، فتأمل بالإمعان، والله الهادي
إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قد اعترض العينيّ على عادته المستمرّة في نصر مذهبه بأحاديث
ضعيفة في مقابلة الأحاديث الصحيحة المتّفق عليها المخالفة لمذهبه، وذلك لمّا
قال النوويّ: إن قول أبي حنيفة: لا بأس بالخليطين؛ لأن ما حلّ مفرداً حلّ
مخلوطاً: أكد عليه الجمهور، وقالوا: هذه منابذة لصاحب الشرع، فقد ثبتت
الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه. انتهى كلام النوويّ.
فقال العينيّ ردّاً على هذا: هذه جرأة على إمام أجلّ من ذلك، وأبو
(١) (المفهم)) ٢٥٨/٥ - ٢٥٩.

٦٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
حنيفة لم يكن قال ذلك برأيه، وإنما مستنده في ذلك أحاديث، ثم ذكر ثلاثة
أحاديث كلها ضعيفة:
(الأول): ما أخرجه أبو داود من طريق أبي بحر، ثنا عتّاب بن عبد العزيز
الْحِمّانيّ، حدّثتني صفية بنت عطية، قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس
على عائشة، فسألناها عن التمر والزبيب، فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر،
وقبضة من زبيب، فألقيه في إناء، فأمرسه، ثم أسقيه النبيّ ◌َليَ(١).
ولمّا اعترض عليه ابن حزم بأن في إسناده أبا بحر لا يُدرى من هو؟
أجاب العينيّ بأن ابن عديّ قال: أبو بحر مشهور معروف، وله أحاديث غرائب
عن شعبة وغيره من البصريين، وهو ممن يُكتب حديثه، وذكر عن كتاب السامي
قول يحيى بن سعيد: هو صدوقٌ صاحب حديث، وهو عبد الرحمن بن
عثمان بن أميّة بن عبد الرحمن بن أبي بكرة البكراويّ، وذكره ابن شاهين،
وابن حبّان في ((كتاب الثقات))، وقال البخاريّ: لم يستبن لي طرحه، وقال أبو
عمر، وأحمد بن صالح العجليّ: هو ثقة بصريّ. انتهى كلام العينيّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ردّ العينيّ على ابن حزم بكلام بعضهم
مما يدلّ على تقويته، وليس الأمر كما زعم، فإن الأكثرين على تضعيفه، قال
أحمد: طرح الناس حديثه، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن المدينيّ: ذهب
حديثه، وقال أبو داود: تركوا حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، يُكتب
حديثه، ولا يُحتجّ به، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس
بالقويّ عندهم، وقال ابن حبّان: يروي المقلوبات عن الأثبات، فلا يجوز
الاحتجاج به، هذا كله من ((تهذيب التهذيب))، وقال في ((التقريب)): ضعيف من
التاسعة، فتبيّن بهذا أن الرجل لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارِض ما رواه
حديثاً صحيحاً، فكيف بأحاديث اتفق عليها الشيخان، فهيهات هيهات.
وأما عتّاب بن عبد العزيز، فقال العينيّ: روى عنه يزيد بن هارون،
وأحمد بن سعيد الدارميّ، وآخرون، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، هذا ما
قاله العينيّ.
(١) ((سنن أبي داود)) ٣٣٣/٣.

٦٠٧
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتَاذِ الثَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٣٧)
وإذا رجعت إلى ترجمته لم تجد من وثّقه إلا أن ابن حبّان ذكره في
((الثقات))، ولذا قال عنه في ((التقريب)): مقبول من السابعة.
وأما صفيّة بنت عطيَّة، فهي مجهولة؛ لم يرو عنها إلا عتّاب بن
عبد العزيز، وهي جدّته، وقال عنها في ((التقريب)): لا تُعرف.
فتبيّن بهذا أن الحديث ضعيف، فكيف يعارِض العينيّ به ما اتّفق عليه
الشيخان، هيهات هيهات.
ثم ذكر حديثاً آخر أخرجه أبو داود بسنده عن امرأة من بني أسد، عن
عائشة ◌ّا: أن رسول الله ربَّ﴿ كان يُنبذ له زبيب، فيلقي فيه تمراً، وتمرٌ فيلقي
فیه الزبيب. انتهى.
وهذا كما ترى حديث ضعيف أيضاً؛ لأنه من رواية امرأة مجهولة، لا
تقوم بها الحجة، فكيف يعارض العينيّ بها ما في ((الصحيحين)) نصراً، وتعصّباً
لمذهبه؟ والله المستعان.
وأيضاً قال: أخرج محمد في ((كتاب الآثار)) (ص١٢٠) عن أبي حنيفة،
عن سليمان الشيبانيّ، عن ابن زياد أنه أفطر عند عبد الله بن عمر، فسقاه شراباً
له، فكأنه أخذ فيه، فلما أصبح، قال: ما هذا الشراب؟ ما كنت أهتدي إلى
منزلي، فقال عبد الله: ما زدناك على عجوة وزبيب. انتهى.
وهذا الإسناد يحتاج إلى بحث، فمن هو ابن زياد؟ وعلى تقدير صحّته،
فهو فِعل ابن عمر ﴿هَا موقوفاً عليه، فلا يُعارَض به ما صحّ عن النبيّ وَلّر.
وذكر صاحب ((التكملة))(١) حديثاً آخر أيضاً، فقال: أخرج محمد أيضاً
عن أبي حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يُنبذ له نبيذ الزبيب، فلم يكن
يستمرئه، فقال للجارية: اطرحي فيه تمرات. انتهى.
وهذا أيضاً لو صحّ فإنه فِعل ابن عمر، لا يعارَض به المرفوع، كما
أسلفناه، فتبيّن بهذا أن ما شغّب به العينيّ على من ردّ على مذهبه مجرّد
تعصّب، لا وزن له في التحقيق، فلا تغترّ بسكوت صاحب ((التكملة))، وغيره
(١) تكملة ((فتح الملهم)) ٦١٧/٣ - ٦١٨.

٦٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
على ما قاله العينيّ، ورِضاهم به، فإنه مجرّد نَصْر مذهب، قاتل الله التعصّب،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٨] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي
رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الثَّمْرُ
وَالزَّبِيبُ جَمِيعاً، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعاً).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً .
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف دخلتُهُ، كسابقه، وهو (٣٧٢) من رباعيّات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٣٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ
ابْنِ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَقِّدُ بْنُ رَافِع - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعِ
- قَالَا: خَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: قَالٌ لِي عَطَاءُ: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (َلَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ،
وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذاً)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قريباً.
٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم أيضاً قريباً.

٦٠٩
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتَِاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٤٠ - ٥١٤١)
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم أيضاً قبل
ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (نَبِيذاً) منصوب على الحال؛ أي: حال كونه مطرحاً عليه الماء.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ مَوْلَى حَكِيم بْنِ حِزَامِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَّالتَّمْرُ
جَمِيعاً، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجيبيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكَّيِّ) تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: قوله: (مَوْلَى حَكِيم بْنِ حِزَام)؛ يعني: أن أبا الزبير المكيّ مولى
لحكيم بن حزام بن خُويلد بن أسد بن عبدً العزّى الأسديّ، ابن أخي خديجة،
أم المؤمنين ﴿ًا، الصحابيّ الشهير، أسلم يوم الفتح وتُوُفِّي سنة (٥٤) أو
بعدها، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٣٣٠/٥٨.
والباقون ذُكروا قبله .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّ تَخَّثُ، وهو (٣٧٣) من رباعيّات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُهُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤١] (١٩٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعِ، عَنِ
التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ نَهَى عَنِ التَّمْرِ وَالزَّبِيْبِ أَنْ
يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا، وَعَنِ الثَّمْرِ وَالْبُسْرِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا).

٦١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (التَّيْمِيُّ) سليمان بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، تقدّم قبل أربعة
أبواب.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطعة الْعبديّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ ﴿ثًا، تقدّم أيضاً قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد
الخدريّ ◌َلُبه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً، وشرح الحديث
واضح يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف نَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٤١/٥ و٥١٤٢ و٥١٤٣ و٥١٤٤ و٥١٤٥]
(١٩٨٧)، و(الترمذيّ) في ((الأشربة)) (١٩٣٨)، و(النسائيّ) في ((الأشربة)) (٨)
٢٨٩ و٢٩٠ و٢٩٣ و٢٩٤) و((الكبرى)) (٦٨٠٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/٣
و٩ و٣٤ و٩٠) وفي ((الأشربة)) (٥٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٧٨)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١١٧٦ - ١١٧٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
بَزِيدَ أَبُو مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ◌ِ أَنْ
نَخْلِطَ بَيْنَ الزَّبِيبِ(١) وَالتَّمْرِ، وَأَنْ نَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ).
(١) وفي نسخة: ((أن نخلط الزبيب)).

٦١١
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِبَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٤٣)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَسْلَمَةَ) الأزديّ، ثم الطاحيّ البصريّ القصير،
ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٦/٨٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه في الحديث
الماضي، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي:
ابْنَ مُفَضَّلِ - عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ) بن لاحق الرَّقَاشِيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
و((أبو مسلمة)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ)؛ يعني: أن بشر بن المفضّل روى هذا
الحديث عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد بالسند المذكور؛ أي: عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد ظُّه مثل ما حدّث به ابن عليّة، عن أبي مسلمة في الحديث
الماضي
[تنبيه]: رواية بشر بن مفضّل، عن أبي مسلمة هذه ساقها أبو عوانة تَُّهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٨٠٠٦) - حدّثنا يوسف القاضي، قال: ثنا مسدّد، قال: ثنا بشر بن
المفضَّل، قال: أنبأ سعيد بن يزيد أبو مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد

٦١٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
الخدريّ، قال: (نَهَى رسول الله وَ ل ◌َ أن يُخْلَط بين البسر والتمر، وبين الزبيب
(١)
والتمر)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
مُسْلِمِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:
قَالَ رَّسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيباً فَرْداً، أَوْ تَمْرَأَ فَرْداً، أَوْ
بُسْرَأَ فَرْداً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمِ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِّيُّ) عليّ بن داود، ويقال: ابن دُؤاد البصريّ، ثقةٌ
[٣] (ت١٠٨) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٠٢/١٥.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (مَنْ شَرِبَ الَّبِيذَ ... إلخ) النبيذ: ماءٌ أُلقي فيه تمر، أو زبيب، أو
نحوهما .
وقوله: (زَبِيباً فَرْداً ... إلخ)؛ أي: ليشربه حال كون الْمُلقَى في الماء زبيباً
منفرداً غير مخلوط بغيره من الحبوب، وفيه إشارة إلى أن شُرب الخليط من
الأنبذة غير جائز، وهو الذي عليه الجمهور، وخالف في ذلك الحنفيّة، وقد
علمت الردّ عليهم فيما أسلفته قريباً، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: ذُكر سبب نهي النبيّ وَّر عن الخليطين، فقد أخرج ابن أبي شيبة
في ((مصنَّفْه))، فقال:
(٢٤٠١٤) - حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الْبجرانيّ(٢)، قال:
قلت لعبد الله بن عمر: إنا بأرض ذات تمر وزبيب، هل يُخلط التمر والزبيب،
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١١١/٥ - ١١٢.
(٢) وقع في النسخة: ((الحراني))، والتصحيح من ((الكامل)) لابن عديّ ٧/ ٣٠١، قال
ابن معين، وابن عديّ: مجهول.

٦١٣
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتَاذِ الثَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٤٥)
فننبذهما جميعاً؟، قال: لا، قلت: لم؟ قال: إن رجلاً سَكِر على عهد
رسول الله ◌َ، فأتي به النبيّ ◌َّز، وهو سكران، فضربه، ثم سأله عن شرابه،
قال: شربت نبيذاً، قال: ((أيُّ نبيذ؟)) قال: نبيذ تمر وزبيب، قال: قال
النبيّ وَلّ: ((لا تخلطوهما، فإن كل واحد منهما يكفي وحده)). انتهى(١).
وأخرج أبو يعلى في ((مسنده))، فقال:
(١٣٢٢) - حدّثنا زهير، حدّثنا عفّان، حدّثنا حماد بن سلمة، عن أبي
التّاح، عن أبي الوَدّاك، قال: اختلفت أنا وصاحب لي في الحنتم، فأتينا أبا
سعيد الخدريّ، فقلنا له: حدّثنا بشيء سمعته من رسول الله ◌َّ في الحنتم،
قال: لئن قلت ذاك لقد كنا أحياناً على عهد رسول الله صل* منا من يحضره
يسمع منه، ومنا من تشغله الضَّيعة، فيجيء، وقد قام رسول الله وَّ، فيقول:
ماذا قال؟ فنخبره ما قال رسول الله وَّه، وإنه أتي بشارب ذات يوم، فنُهز
بالأيدي، وخُفق بالنعال، فقال: يا رسول الله والله ما شربت خمراً، قال: ((فما
شربت؟)) قال: إنما أخذت تمرات وزبيبات، فجعلتهن في دباءة لي، فنهى
رسول الله ◌َ أن يُخلط بين التمر والزبيب، في الدباء، والمزفت. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمِ الْعَبْدِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ وَهُ
أَنْ نَخْلِطَ بُسْرَأَ بِتَمْرٍ، أَوْ زَّبِيباً بِتَمْرٍ، أَوْ زَبِيباً بِيُسْرٍ، وَقَالَ: ((مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ))،
فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيعٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن جعفر الصغانيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٩٢/٥.
(٢) ((مسند أبي يعلى)) ٢/ ٤٨٧. وهذا الإسناد رجاله رجال مسلم، وأبو الودّاك وثقه ابن
معين، وأخرج له مسلم.

٦١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
و((إسماعيل بن مسلم)) ذُكر قبله.
وقوله: (فَذَكَّرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيع) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير رَوح بن عبادة.
رواية روح بن عبادة، عن إسماعيل بن مسلم هذه ساقها أبو عوانة تَّتُهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٨٠٠٧) - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، والصغانيّ، ثنا رَوْح بن عبادة (١)،
ثنا إسماعيل بن مسلم العبديّ، ثنا أبو المتوكل الناجيّ، عن أبي سعيد
الخدريّ، قال: نَهَى رسول الله وَّهو أن نخلط بُسراً بتمر، أو زبيباً ببسر، وقال:
((من شربه منكم فليشرب كل واحد منه فرداً، تمراً فرداً، ويُسراً فرداً، أو زبيباً
فرداً)). انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٦] (١٩٨٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا
هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لهِ: ((لَا تَتْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعاً، وَلَا تَنْتَبِذُوا الزَّبِيبَ
وَالتَّمْرَ جَمِيعاً، وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ) ابن أبي عبد الله سنبر، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم
في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
(١) وقع في النسخة: ((حدثنا إبراهيم بن مرزوق، والصغاني، وروح بن عبادة، ثنا
إسماعيل ... إلخ)) بعطف روح على ما قبله، وهو غلط صريح؛ فإن روحاً ليس
شيخاً لأبي عوانة، وإنما هو شيخ شيخيه في هذا السند، فالصواب: ثنا روح بن
عبادة، ومما يبيّن هذا أنه وقع له في الصفحة التي قبل هذه ما نصّه: ((حدّثنا
الصغانيّ، قال: حدّثنا روح ابن عبادة إلخ))، فهذا يُبيّن كون ما قلناه صواباً،
فليُتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ١١٢/٥.

٦١٥
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ التَّعْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٤٦)
٣ - (أَبُوهُ) أبو قتادة الأنصاريّ الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن
رِبْعيّ بن بُلْدُمة السَّلَميّ المدنيّ الصحابيّ الشهير، شهد أَحُداً، وما بعدها، ولم
يصحّ شهوده بدراً، ومات سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن
أبيه .
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(لَا تَتْتَبِذُوا) من الانتباذ، وللنسائيّ: ((لا تنبذوا)) ثلاثيّاً، وهو من باب ضرب،
قال المجد: النَّبْذُ: طرحك الشيء أمامك، أو وراءك، أو عامّ، والفعل
كضرب، قال: والنَّبيذ: الْملْقَى، وما نُبذ من عصير، ونحوه، وقد نبذه،
وأنبذه، وانتبذه، ونَبّذه. انتهى(١). (الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعاً) ((الزَّهْو)) - بفتح
الزاي، وضمّها لغتان مشهورتان، قال الجوهريّ: أهل الحجاز يضمّون، وهو
البسر الملوّن الذي بدا فيه حمرة، أو صفرة، وطاب. كذا قال النوويّ. وقال
الفيّوميّ: زَها النخلُ يزهو زَهْواً، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة،
والصفرة في ثمره. وقال أبو حاتم: وإنما يُسَمّى زَهْواً: إذا خَلَصَ لونُ البسرة
في الحمرة، أو الصفرة، ومنهم من يقول: زها النخلُ: إذا نبت ثمره، وأزهى:
إذا احمرّ، أو اصفرّ. انتهى.
وخلاصة القول أنه يُستفاد مما سبق أن الزهو فيه ثلاث لغات: الزّهو
بفتح، فسكون، كالدلو، والزُّهو بضم، فسكون، كالقفل، والزهُوّ بضم، فتشديد
واو، كالغُلُوّ. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و((الرُّطَبُ)) تقدّم ضبطه، ومعناه قريباً.
(وَلَا تَتْتَبِذُوا الزَّبِيبَ وَالثَّمْرَ جَمِيعاً) تقدّم الكلام في ((الزبيب))، و((التمر))
(١) ((القاموس المحيط)) ص١٢٥٥ - ١٢٥٦.

٦١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
(وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ))) بكسر الحاء المهملة، وفتح الدال
المخفّفة؛ أي: وحده منفرداً عن خَلْط صِنْف آخَر به، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ◌َ ته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٤٦/٥ و٥١٤٧ و٥١٤٨ و٥١٤٩ و٥١٥٠]
(١٩٨٨)، و(البخاريّ) في ((الأشربة)) (٥٦٠٢)، و(أبو داود) في ((الأشربة))
(٣٧٠٤)، و(النسائيّ) في ((الأشربة)) (٢٨٩/٨ و٢٩١ و٢٩٢)، و(ابن ماجه) في
((الأشربة)) (٣٣٩٧) و((الكبرى)) (٢٠٨/٣ و٢٠٩ و١٨٤/٤ و١٣٣/٥)،
و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٧٣/١)، و(أحمد) في ((مسند)) (٢٩٥/٥ و٣٠٧
و٣٠٩ و٣١٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) ()، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١١٣/٥
و١١٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
الْعَبْدِيُّ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أبو الصلت الصوّاف البصريّ، تقدّم
في الباب الماضي.
و((يحيى بن أبي كثير)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها
أبو بكر بن أبي شيبة دَّثُ في ((مسنده))، فقال:

٦١٧
(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتَِاذِ الثَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٤٨)
(٢٤٠١٦) - حدّثنا أبو بكر (١)، قال: حدّثنا محمد بن بشر العبديّ، عن
حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن
أبيه، أن رسول الله وَ الله قال: ((لا تنتبذوا التمر والزبيب جميعاً، ولا تنتبذوا
الزَّهْو والرُّطَب، وانتبذوا كل واحد منهما على حِدَةٍ)). انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا
عَلِيٌّ - وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَِّ: قَالَ: (لَا تَْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعاً، وَلَا تَنْتَبِذُوا الرُّطَبَ
وَالزَّبِيبَ جَمِيعاً، وَلَكِنِ انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ))، وَزَعَمَ بَحْيَى أَنَّهُ لَفِيَ
عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، فَحَدَّثَّهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ ◌ِ بِمِثْلِ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقةٌ
[٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤١٧/٧٩.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائِيّ البصريّ، ثقةٌ كان له عن يحيى بن أبي
كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء،
من كبار [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤١٧/٧٩.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
والباقيان ذُكرا قبله، و((يحيى)) هو: ابن أبي كثير.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله.
(١) هو: ابن أبي شيبة، وهو من قول تلميذه.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٩٢/٥.

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
[تنبيه]: من غريب ما رأيت ما كتبه بعض محققي (١) ((صحيح مسلم)) معلّقاً
على رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، قال: وكأن هذا وهمٌّ ممن روى
عن يحيى، أو اضطرب فيه يحيى بن أبي كثير، والصواب رواية الجمع الكثير
عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، وهي المختارة عن
البخاريّ. انتھی کلامه.
وهذا منه بحث غريب ما سبق أحد من النقّاد فيما علمت، أراد به الطعن
على مسلم حيث أخرجه مع علّته، فيما ظنّه، والصواب عدم إخراجها، وتركها
كما تركها البخاريّ للعلة المذكورة، والغريب قوله: ((رواية الجمع الكثير عن
يحيى ... إلخ)) من هم الجمع الكثير الذين رووه عن يحيى؟ فقد أخرجه مسلم
من رواية هشام الدستوائيّ، وهي التي شاركه فيها البخاريّ، ومن رواية حجاج
الصّاف، وهما اللذان اقتصرا على رواية يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة، ثم
أخرجه من رواية علي بن المبارك، وحسين المعلّم، وأبان بن يزيد العطّار كلهم
عن يحيى بن أبي كثير بالطريقين: طريق أبي سلمة، عن أبي قتادة، وطريق
عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وزاد أبو عوانة في ((مسنده)) رواية معمر، عن
يحيى بالطريقين أيضاً، فاتّفق الأربعة على أن يحيى روى الحديث بالطريقين،
هكذا رواه مسلم وغيره مفصّلاً محقّقاً، ثم طعن هذا الزاعم على مسلم، وغيره
بمخالفة الجمع الكثير، فأين هؤلاء المخالفون للأربعة؟، وقد سبق لهذا الزاعم
غير مرّة مثل هذه الجرأة في الطعن على مسلم نبّهت على بعضها في محلّها،
فلينتبه لها، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَزَعَمَ يَحْيَى ... إلخ) هو ابن أبي كثير، و((زعم)) هنا للقول
المحقّق؛ يعني: أن يحيى بن أبي كثير قال: لقيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةً بعدما
حدّثني أبو سلمة، فَحَدَّثني عبد الله عَنْ أَبِيهِ أبي قتادة عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ بِمِثْلِ ما
حدّثني عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن.
ولفظ أبي عوانة: ((قال: فسألت عن ذلك عبد الله بن أبي قتادة، فأخبرني
(١) هو: فضيلة الشيخ مسلم بن محمود عثمان الأثريّ، على ما كُتب في غلاف النسخة.

(٥) - بَابُ كَرَاهَةِ انْتِيَاذِ التَّعْرِ وَالَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ - حديث رقم (٥١٤٩ - ٥١٥٠)
٦١٩
أنه سمع ذاك من أبيه)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَيْنِ الإِسْنَادَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
((الرُّطَبَ وَالزَّهْوَ، وَالتَّمْرَ وَالَّبِيبَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ) ابن ذكوان الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦]
(ت ٢٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها
البيهقيّ ◌َظَّتُ في ((الكبرى))، فقال:
(١٧٢٣٤) - وأخبرنا أبو عليّ الحسين بن محمد الروذباريّ، أنبأ
إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن محمد، ثنا رَوْح بن عُبادة، ثنا حسين
المعلِّم، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي قتادة،
أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((لا تنتبذوا الرُّطَب والزهو جميعاً، والتمر والزبيب
جميعاً، وانبذوا كل واحدة منهما على حَدَتِهِ)).
قال يحيى: فسألت عن ذلك عبد الله بن أبي قتادة، فأخبرني بذلك عن
(٢)
أبيه. انتهى(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥٠] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَهِ نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ،
وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: ((انْتِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ).
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١١٣/٥.
(٢) ((سنن البيهقيّ الكبرى)) ٣٠٧/٨.

٦٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة
وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمِثْلٍ
هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم) بن عبد الله الصفّار، أبو عثمان الباهليّ البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٢ - (أَبَانُ الْعَطَّارُ) ابن يزيد، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفراد [٧] مات في
حدود (١٦٠) (خ م « ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١.
والباقون كلّهم ذُكروا قبله.
وقوله: (وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ ... إلخ) معطوف على قوله:
((حدّثني عبد الله بن أبي قتادة ... إلخ))، فهو من مقول يحيى بن أبي كثير،
فتنبه .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٥١٥١] (١٩٨٩) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ
- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَنِ الَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَالْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، وَقَالَ: ((يُنْبَذُ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و((أبو كثير)) هو: يزيد بن
عبد الرحمن بن أُذينة الغبريّ السُّحَيْميّ اليماميّ الآتي في السند التالي، وقد
تقدّم أيضاً .
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَغْذُ، وفيه أبو كريب محمد بن العلاء أحد
التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
أبو هريرة تظله رأس المكثرين السبعة.
وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.