Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) كسر، وهكذا الحكم اليوم في أواني الخمر، وجميع ظروفه، سواء الفخّار، والزجاج، والنحاس، والحديد، والخشب، والجلود، فكلها تطهر بالغسل، ولا يجوز كسرها. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَظُّهُ: وفيه كسر أواني الخمر، وعليه تُخَرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها؛ لِمَا داخلها من الخمر، ولِعُسْر غسلها، وفي الأخرى: إذا طُبخ فيها الماء، وغُسلت جاز استعمالها، وعلى هذا فإذا كانت الأواني مضرَّاة بالخمر، لا يُنتفع بها لشيء من الأشياء؛ بل تُكسر على كل حال، ولذلك شدَّد مالك في الزِّقاق، فإنَّ تَعَلَّق الرائحة بها عَسِير الانفكاك، بل (٢) لا تنفك. انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب الكسر محلّ نظر، فإنه الآ ما أوجب عليهم، وما أمرهم به، ولكنهم فعلوه بأنفسهم، وقد تقدّم أنهم لمّا أمر النبيّ ◌َ﴿ في القدور التي طبخوا بها لحم الغنيمة قبل القسمة بكسرها، قالوا له: ((أوْ نغسلها؟))، فقال: ((أوْ ذلك))، فأجاز غسلها، وهذه المسألة نظيرها، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): بيان أن الشراب الذي أهريق، بسبب تحريم الخمر، هو ما كان من البسر والتمر، وغير ذلك. ١٠ - (ومنها): أن أحاديث الباب من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يُسكر، سواء كان من العنب، أو من نقيع الزبيب، أو التمر، أو العسل، أو غيرهما، وأما دعوى بعضهم: أن الخمر حقيقة في ماء العنب، مَجاز في غيره، فإن سُلِّم في اللغة، لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك. انتهى. وأما من حيث الشرع، فالخمر حقيقة في الجميع؛ لثبوت حديث: ((كُلُّ مسكر خمر))، فمن زعم بأنه جَمَع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ، لزم أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه. (١) (شرح النوويّ)) ١٥١/١٣. (٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٦/ ١٥٠. ٥٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ١١ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن شرب الخمر كان مباحاً، لا إلى نهاية، ثم حُرّمت، وقيل: كان المباح الشرب، لا السكر المزيل للعقل، وحكاه أبو نصر ابن القشيريّ في ((تفسيره)) عن القفّال، ونازعه فيه، وبالغ النوويّ في ((شرحه)) هنا، فقال: ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده: إن السكر لم يزل محرماً باطل، لا أصل له، وقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ اُلْضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، فإن مقتضاه وجود السكر، حتى يصل إلى الحدّ المذكور، ونهوا عن الصلاة في تلك الحالة، لا في غيرها، فدل على أن ذلك كان واقعاً، ويؤيده قصّة حمزة، والشارِفَين كما بُيّن في الحديث الماضي، وعلى هذا، فهل كانت مباحة بالأصل، أو بالشرع، ثم نُسخت؟ فيه قولان للعلماء: والراجح الأول. ١٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المتَّخَذ من غير العنب، يسمى خمراً. ١٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن السَّكَر المتخذ من غير العنب، يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل من المتخذ من العنب، إذا أسكر كثيره؛ لأن الصحابة ﴿ فَهِموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم ما يُتخذ للسكر من جميع الأنواع، ولم يستفصلوا، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وخالف في ذلك الحنفية، ومن قال بقولهم من الكوفيين، فقالوا: يحرم المتخذ من العنب، قليلاً كان أو كثيراً، إلا إذا طُبخ على تفصيل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فإنه يَحِلُّ، وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر، المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره، وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيره، فيلزم ذلك من فرّق في الحكم بين المتخذ من العنب وبين المتخذ من غيرها، فقال في المتخذ من العنب: يحرم القليل منه والكثير، إلا إذا طُبخ كما سيأتي بيانه، وفي المتخذ من غيرها: لا يحرم منه إلا القدر الذي يُسْكِر، وما دونه لا يحرم، ففرّقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم، مع اتحاد العلة فيهما، فإن كلّ ما قدِّر في المتخذ من العنب يقدَّر في المتخذ من غيرها . قال القرطبي خَلَهُ: وهذا من أرفع أنواع القياس لمساواة الفرع فيه ٥٤٣ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) للأصل في جميع أوصافه، مع موافقته فيه؛ لظواهر النصوص الصحيحة، والله أعلم. قال الشافعيّ تَخْتُ: قال لي بعض الناس: الخمر حرام، والسكر من كل شراب حرام، ولا يحرم المسكر منه حتى يُسكر، ولا يحدّ شاربها. فقلت: كيف خالفت ما جاء به عن النبيّ ◌َّ، ثم عن عمر، ثم عن عليّ، ولم يقل أحد من الصحابة خلافه؟ قال: وروينا عن عمر، قلت: في سنده مجهول عنده فلا حجة فيه، قال البيهقيّ: أشار إلى رواية سعيد بن ذي لعوة أنه شرب من سطيحة لعمر، فسكر فجلده عمر، قال: إنما شربت من سطيحتك، قال أضربك على السكر، وسعيد قال البخاري وغيره: لا يُعرف. قال: وقال بعضهم: سعيد بن ذي حدان، وهو غلط، ثم ذكر البيهقيّ الأحاديث التي جاءت في كسر النبيذ بالماء. منها: حديث همام بن الحارث، عن عمر، أنه كان في سفر، فأُتي بنبيذ، فشرب منه، فقَطَب، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عُرام - بضم المهملة، وتخفيف الراء - أي: شِدَّة، ثم دعا بماء، فصبه عليه، ثم شرب، وسنده قويّ، وهو أصح شيء وَرَدَ في ذلك، وليس نصّاً في إنه بلغ حدّ الإسكار، فلو كان بلغ حدّ الإسكار، لم يكن صبّ الماء عليه مزيلاً لتحريمه. وقد اعترف الطحاويّ بذلك، فقال: لو كان بلغ التحريم لكان لا يحلّ، ولو ذهبت شدته بصب الماء، فثبت أنه قبل أن يصب عليه الماء كان غير حرام . قال الحافظ: وإذا لم يبلغ حد الإسكار فلا خلاف في إباحة شرب قليله وكثيره، فدل على أن تقطيبه لأمر غير الإسكار، قال البيهقيّ: حَمْلُ هذه الأشربة على أنهم خَشُوا أن تتغير، فتشتد، فجوّزوا صب الماء فيها؛ ليمتنع الاشتداد أَولى من حَمْلِها على أنها كانت بلغت حد الإسكار، فكان صب الماء عليها لذلك؛ لأن مزجها بالماء لا يمنع إسكارها إذا كانت قد بلغت حد الإسكار. ويَحْتَمِل أن يكون سبب صب الماء كون ذلك الشراب، كان حَمْضَ، ٥٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ولهذا قَطّب عمر لمّا شربه، فقد قال نافع: والله ما قطب عمر وجهه لأجل الإسکار حین ذاقه، ولكنه كان تخلل. وعن عتبة بن فرقد قال: كان النبيذ الذي شربه عمر قد تخلل، وهذا الثاني أخرجه النسائيّ بسند صحيح. وروى الأثرم عن الأوزاعيّ، وعن العمريّ، أن عمر إنما كسره بالماء؛ لشدة حلاوته . قال الحافظ: ويمكن الحمل على حالتين: هذه لمّا لم يقطب حين ذاقه، وأما عندما قطب فكان لحموضته. واحتجّ الطحاوي لمذهبهم أيضاً بما أخرجه من طريق النخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، في قوله: ((كل مسكر حرام))، قال: هي الشربة التي تُسكر. وتُعُقّب بأنه ضعيف؛ لأنه تفرد به حجاج بن أرطاة، عن حماد بن أبي سليمان، عن النخعيّ، وحجاج ضعيف، وهو مدلّس أيضاً. قال البيهقي: ذُكر هذا لعبد الله بن المبارك، فقال: هذا باطل، ورَوَى بسند له صحيحٍ، عن النخعيّ، قال: إذا سَكِر من شراب لم يحل أن يعود فيه أبداً، وهذا أيضًاً عند النسائيّ بسند صحيح، ثم رَوَى النسائيّ عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة فيه من وجه صحيح، إلا عن النخعيّ من قوله. وأخرج النسائيّ في ((الكبرى))، والأثرم من طريق خالد بن سعد، عن أبي مسعود، قال: عطش النبيّ وَلجر، وهو يطوف، فأتي بنبيذ من السقاية، فقطّب، فقيل: أحرام هو؟ قال: ((لا، عليّ بذَنوب من ماء زمزم، فصبَّ عليه، وشرب))، قال الأثرم: احتجّ به الكوفيون لمذهبهم، ولا حجة فيه؛ لأنهم متفقون على أن النبيذ إذا اشتدّ بغير طبخ، لا يحلّ شربه، فإن زعموا أن الذي شربه النبيّ وَّ كان من هذا القبيل، فقد نسبوا إليه أنه شرب المُسْكِر، ومعاذ الله من ذلك، وإن زعموا أنه قطّب من حموضته، لم يكن لهم فيه حجة؛ لأن النقيع ما لم يشتدّ، فكثيره وقليله حلال بالاتفاق. قال الحافظ: وقد ضعّف حديث أبي مسعود المذكور: النسائيّ، وأحمد، وعبد الرحمن بن مهديّ، وغيرهم؛ لتفرّد يحيى بن يمان برفعه، وهو ضعيف، ٥٤٥ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (١)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الرابعة): في بيان تحريم الخمر، وبيان ما هي الخمر؟: قال النوويّ نَّلُهُ: وفي هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة، وأنها كلها تسمى خمراً، وسواء في ذلك الفَضِيخ، ونبيذ التمر، والرُّطَب، والْبُسْر، والزبيب، والشعير، والذّرة، والعَسَل، وغيرها، وكلها محرّمة، وتسمى خمراً. هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجماهير من السلف والخلف . . وقال قوم من أهل البصرة: إنما يحرم عصير العنب، ونقيع الزبيب النيء، فأما المطبوخ منهما، والنيء والمطبوخ مما سواهما، فحلال ما لم يشرب، ويَسْگر. وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب، قال، فسُلافة العنب(٢) يحرم قليلها وكثيرها، إلا أن يُطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع التمر، والزبيب، فقال: يَحِلّ مطبوخهما، وإن مسته النار شيئاً قليلاً من غير اعتبار لحد، كما اعتُبر في سُلافة العنب، قال: والنيء منه حرام، قال: ولكنه لا يُحدّ شاربه، هذا كله ما لم يُسكِر، فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين. واحتجّ الجمهور بالقرآن، والسُّنَّة، أما القرآن فهو أن الله تعالى نبّه على أن علة تحريم الخمر كونها تصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع المسكرات، فوجب طرد الحكم في الجميع. [فإن قيل]: إنما يحصل هذا المعنى في الإسكار، وذلك مجمَع على تحريمه . [قلنا]: قد أجمعوا على تحريم عصير العنب، وإن لم يُسْكِر، وقد علَّل الله وَلّ تحريمه كما سبق، فإذا كان ما سواه في معناه وجب طرد الحكم في الجميع، ويكون التحريم للجنس المسكر، وعلَّل بما يحصل من الجنس في (١) ((الفتح)) ٦٠٣/١٢ - ٦٠٦، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٢). (٢) السُّلافة كثُمامة: الخمر. اهـ. ((ق)). ٥٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة العادة، قال المازريّ: هذا الاستدلال آكد من كل ما يُسْتَدلّ به في هذه المسألة. قال: ولنا في الاستدلال طريق آخر، وهو أن نقول: إذا شرب سُلافة العنب عند اعتصارها، وهي حُلْوة لم تُسكر فهي حلال بالإجماع، وإن اشتدت، وأسكرت حرمت بالإجماع، فإن تخللت من غير تخليل آدميّ حلت، فنظرنا إلى مستبدل هذه الأحكام، وتجددها عند تجدد الصفات، وتبدلها، فأشعرنا ذلك بارتباط هذه الأحكام بهذه الصفة، وقام ذلك مقام التصريح بذلك بالنطق، فوجب جعل الجميع سواء في الحكم، وأن الإسكار هو علة التحريم، هذه إحدى الطريقتين في الاستدلال لمذهب الجمهور. والثانية الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي ذكرها مسلم وغيره، كقوله وله : ((كلُّ مسكر حرام))، وقوله: ((نَهَى عن كلّ مسكر))، وحديث: ((كلُّ مسكر خمر))، وحديث ابن عمر ﴿ها الذي ذَكَره مسلم هنا في آخر ((كتاب الأشربة)): أن رسول الله وٌَّ قال: ((كلُّ مسكر خمر، وكل مسكر حرام))، وفي رواية له: ((كلّ مسكر خمر، وكل خمر حرام»، وحديث النهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَذَتُهُ(١). وقال الإمام البخاريّ كَّهُ: ((باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب)). ثم أخرج بسنده، عن ابن عمر ﴿ًا قال: خطب عمر على منبر رسول الله وَ﴾، فقال: ((إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل ... )) الحديث. قال في ((الفتح)): هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنه خبر صحابيّ شهد التنزيل أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية (١) (شرح النوويّ)) ١٤٨/١٢ - ١٤٩. ٥٤٧ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخرها [المائدة: ٩٠]، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصّاً بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس المذكور في الباب، فإنه يدلّ على أن الصحابة فَهِموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر، عن النبيّ وَله صريحاً، فأخرج أصحاب ((السنن)) الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين، عن الشعبيّ، أن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذَّرَةِ (١)، وإني أنهاكم عن كل مسكر))، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه أن النعمان خطب الناس بالكوفة، ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبيّ، عن النعمان، بلفظ: ((إن من العنب خمراً، وأن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البُرّ خمراً، وإن من الشعير خمراً))، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب ((السنن))، والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل. ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: ((الخمر من العنب، والتمر، والعسل)). ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: ((الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة))، أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه، بلفظ: ((حُرِّمت الخمر يوم حُرِّمت، وهي ... ))، فذكرها، وزاد الذرة. وأخرج الخلعيّ في ((فوائده)) من طريق خلاد بن السائب عن أبيه، رَفَعه مثل الرواية الثانية، لكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق ذلك ما عند البخاريّ في ((التفسير)) من حديث ابن عمر ها: ((نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسةً أشربة، ما فيها شراب العنب)). وقوله: ((والخمر ما خامر العقل))؛ أي: غَطّاه، أو خالطه فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه، والعقلُ هو آلة التمييز، فلذلك حُرِّم ما غطّاه، أو غَيَّره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده ليقوموا بحقوقه، قال (١) ((الذُّرَة)) بضم المعجمة، وتخفيف الراء: من الحبوب معروفة. ٥٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة الكرمانيّ: هذا تعريف بحَسَب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل، من عصير العنب خاصّة، كذا قال، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعيّ، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر العقل، على أن عند أهل اللغة اختلافاً في ذلك. ولو سُلِّم أن الخمر في اللغة يختص بالمتَّخَذ من العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمراً، والحقيقة الشرعية مقدَّمة على اللغوية. وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة له: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة))، قال البيهقيّ: ليس المراد الحصر فيهما؛ لأنه ثبت أن الخمر تُتَّخذ من غيرهما في حديث عمر، وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعاً لا تختص بالمتخذ من العنب. قال الحافظ: وجعل الطحاويّ هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة في أن الخمر من شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه أن الخمر تُنَّخذ من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: ((لقد حُرّمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء))، وحديث أنس يعني حديث الباب باختلاف ألفاظه: منها: ((إن الخمر حُرِّمت، وشرابهم الفضيخ))، وفي لفظ له: ((وإنّا نَعُدّها يومئذ خمراً))، وفي لفظ له: ((إن الخمر يوم حُرِّمت البُسر والتمر))، قال: فلما اختلف الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتدّ، وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحله كافر دلّ على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عملوا به لكفَّروا مستحلّ نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب. انتهى. ولا يلزم من كونهم لم يكفّروا مستحلّ نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمراً، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حُكمَ المسكر من نبيذ التمر حُكمُ قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية. والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بِحَمْل حديث أبي هريرة على ٥٤٩ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) الغالب؛ أي: أكثر ما يتُخذ الخمر من العنب والتمر، ويُحْمَل حديث عمر، ومن وافقه، على إرادة استيعاب ذِكر ما عُهد حينئذ أنه يُتخذ منه الخمر. وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يُطلق على ما لا يُتخذ من العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يُتخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلّة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم. وقد قال الراغب في ((مفردات القرآن)): سُمّي الخمر؛ لكونه خامراً للعقل؛ أي: ساتراً له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتَّخَذ من العنب خاصّةً، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجّح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمراً حقيقةً، وكذا قال أبو نصر ابن القشيريّ في ((تفسيره)): سُمّيت الخمر خمراً؛ لسترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، منهم أبو حنيفة الدِّينَوَرِيُّ، وأبو نصر الجوهريّ، ونُقِل عن ابن الأعرابيّ قال: سُمِّيت الخمر؛ لأنها تُرِكَت حتى اختَمَرت، واختمارها تغيّر رائحتها، وقيل: سُمّيت بذلك؛ لمخامرتها العقل. نعم جزم ابن سِيدَهْ في ((المحكم)) بأن الخمر حقيقةً إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يُسَمَّى خمراً مجازاً. وقال صاحب (الفائق)) في حديث: ((إياكم والغبيراء، فإنها خمر العالَم)): هي نبيذ الحبشة، متخذة من الذّرة، سُمِّيت الغبيراء؛ لِمَا فيها من الْغَبَرة، وقوله: ((خمر العالم))؛ أي: هي مثل خمر العالم، لا فرق بينها وبينها . قال الحافظ: وليس تأويله هذا بأولى من تأويل من قال: أراد أنها معظم خمر العالم. وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصِر من ماء العنب إذا اشتَدّ، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكل مُسْكِر؛ لقوله وَلّ: ((كل مسكر خمر))، وقوله: ((الخمر من هاتين الشجرتين))، ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر. ٥٥٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعيّ، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظنيّ، قال: وإنما سُمّي الخمر خمراً؛ لتخمّره، لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصّاً فيه، كما في ((النجم))، فإنه مشتق من الظهور، ثم هو خاصّ بالثريا. انتهى. والجواب عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمراً، وقال الخطابيّ: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة ﴿ الذين سَمّوا غير المتخذ من العنب خمراً عربٌ فصحاءُ، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحاً لَمَا أطلقوه. وقال ابن عبد البرّ: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، قال: فدل على أن الخمر هو ما يُعتصر، لا ما يُنتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر، وقال أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: كلُّ مسكر خمر، وحُكمه حُكم ما اتَّخِذ من العنب. ومن الحجة لهم: أن القرآن لمَّا نزل بتحريم الخمر فَهِم الصحابة، وهم أهل اللسان أن كل شيء يسمى خمراً يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر، والرطب، ولم يخصّوا ذلك بالمتخذ من العنب. وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمراً من الشرع، كان حقيقةً شرعيةً، وهي مقدَّمة على الحقيقة اللغوية. وعن الثانية: ما تقدَّم من أن اختلاف مشترٍكَين في الحكم في الغِلَظ، لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلاً، فإنه يصدق على من وطىء أجنبية، وعلى من وطىء امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطىء مَحْرَماً له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل الثلاثة. وأيضاً فالأحكام الفرعية لا يُشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حراماً، بل يُحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظنيّ تحريمه، وكذا تسميته خمراً، والله أعلم. وعن الثالثة: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، ٥٥١ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) وكيف يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة ﴿: الخمر ما خامر العقل؟ كأن مستنده ما ادّعاه من اتّفاق أهل اللغة، فيُحمَل قولُ عمر على المجاز، لكن اختَلَف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمراً، فقال أبو بكر ابن الأنباريّ: سُمِّيت الخمر خمراً؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء؛ أي: خالطه، وقيل: لأنها تخمّر العقل؛ أي: تستره، ومنه حديث: ((خَمِّروا آنيتكم))، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية، وقيل: سُمِّيت خمراً؛ لأنها تُخَمَّر حتى تُدرِك، كما يقال: خَمَّرت العجينَ، فتخمَّر؛ أي: تركته حتى أدرك، ومنه خَمَّرت الرأي أيَ: تركته حتى ظهر، وتحرّر، وقيل: سُمِّيت خمراً؛ لأنها تُغَطَّى حتى تَغْلِي، ومنه حديث المختار بن فلفل: قلت لأنس: الخمر من العنب، أو من غيرها؟ قال: ما خمَّرت من ذلك فهو الخمر، أخرجه ابن أبي شيبة، بسند صحيح، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر: الأوجُهُ كلها موجودة في الخمرة؛ لأنها تُرِكت حتى أَدْرَكَتْ، وسَكَنَتْ، فإذا شُربت خالطت العقل، حتى تغلب عليه، وتغطيه. وقال القرطبيّ: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها، وكثرتها تُبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لمّا نزل تحريم الخمر فَهِموا من الأمر باجتناب الخمر تحريمَ كل مسكر، ولم يفرّقوا بين ما يُتخذ من العنب، وبين ما يُتَّخذ من غيره، بل سوَّوْا بينهما، وحَرّموا كل ما يُسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يُشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبِلُغَتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردّد لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم لِمَا كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلَمّا لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فَهِموا التحريم نصّاً، فصار القائل بالتفريق سالكاً غير ٥٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر ظله بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحقّ على لسانه، وقلبه، وسَمِعَهُ الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمراً لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثم ذكرها . قال: وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسَّك بها المخالف فلا يصح منها شيء، على ما قال عبد الله بن المبارك، وأحمد، وغيرهم. وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمول على نقيع الزبيب، أو التمر، من قبل أن يدخل حدّ الإسكار؛ جمعاً بين الأحاديث. قال الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبيّ ◌َ ﴿ كما سيأتي في ((باب نقيع التمر))(١). ولا فرق في الحلّ بينه وبين عصير العنب أول ما يُعصر، وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه أو لا؟ وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم أن اسم الخمر خاصّ بما يُتَّخذ من العنب، مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم، وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعيّ: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقةٌ فيما يُتخذ من العنب، مجازٌ في غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزنيّ، وابن أبي هريرة، وأكثر الأصحاب أن الجميع يسمى خمراً حقيقةً، قال: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان: أبو الطيب، والرويانيّ، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعيّ للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر، إلا في كلام الرافعيّ، ولم يتعقبه النوويّ في ((الروضة))، لكن كلامه في ((شرح مسلم)) يوافقه، وفي ((تهذيب الأسماء)) يخالفه. وقد نقل ابن المنذر عن الشافعيّ ما يوافق ما نقلوا عن المزنيّ، فقال: (١) أراد به قول البخاريّ كثلثُ: ((باب نقيع التمر ما لم يُسكر))، ثم ساق بسنده عن سهل بن سعد الساعديّ أن أبا أسيد الساعدي دعا النبيّ وَّو لعرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ، وهي العروس، فقالت: هل تدرون ما أنقعت لرسول الله وَل﴾؟ أنقعت له تمرات من الليل، في تَوْر. انتهى. ٥٥٣ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانٍ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) قال: إن الخمر من العنب، ومن غير العنب: عمرُ، وعليّ، وسعيد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين: سعيد بن المسيِّب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جُبير، وآخرون، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحديث. ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المُتَّخَذ من العنب حقيقةً يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، وقد أجاب بهذا ابن عبد البرّ، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعيّ دون اللغويّ، والله أعلم. قال الحافظ: وقد قدمت في ((باب نزول تحريم الخمر، وهو من البُسر)) إلزامَ من قال بقول أهل الكوفة: إن الخمر حقيقةٌ في ماء العنب، مجازٌّ في غيره، أنه يلزمهم أن يُجَوِّزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة﴿ه لمّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يُطلق عليه لفظ الخمر حقيقةً ومجازاً، وإذا لم يُجَوِّزوا ذلك صحّ أن الكل خمر حقيقةٌ، ولا انفكاك عن ذلك، وعلى تقدير إرخاء الْعِنَان والتسليم أن الخمر حقيقةٌ في ماء العنب خاصّةً، فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية فالكل خمر حقيقةً؛ لحديث: ((كلُّ مسكر خمر))، فكلّ ما اشتَدّ كان خمراً، وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم، وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ بطوله(١). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ تَُّ فيما ساقه من البحث الطويل ببيان أقوال أهل العلم، وأدلّتهم، وتحقيق ما هو الحقّ في المسألة بأدلّته. وخلاصة القول أنه قد تبيّن بهذا أن المذهب الحقّ، والقول الواجب الاتّباع هو ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الخمر بأنواعها، وأنها كلّ ما خامر العقل، وأسكر، من أيّ نوع انُّخذ، فلا فرق بين التمر، والزبيب، والعسل، والذّرَة، والشعير، والحنطة، وغير ذلك من أنواع الحبوب والثمار التي يُتخذ (١) ((الفتح)) ٦١٣/١٢ - ٦١٩، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٨). ٥٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة منها النبيذ، فأيّ نوع منها بلغ حدّ الإسكار، صار خمراً، وتناولته النصوص الصحيحة الصريحة في تخريم الخمر، فمن قال: إنه لا يسمّى خمراً إلا إذا كان من النوع الفلانيّ، فقوله مردود، غير مقبول؛ لمخالفته صحيح المنقول، وصريح المعقول، فتمسَّكْ بالحقّ الناصع، والطريق الواسع، وإياك وبُنيّات الطريق، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالجملة فالنصوص صريحة في تسمية كلّ ما أسكر خمراً، والخمر محرّم بنصّ كتاب الله، وبإجماع الأمة جملةً، وليس بعد العيان بيان، ولا بعد المشاهدة برهان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَأَلُوا أَنَسَ بْنَ مَالِكِ عَنِ الْفَضِيخِ، فَقَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيحِكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ، وَرِجَالاً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ فِي بَيْتِنَا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ: يَا أَنَسُ أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا، وَلَا سَأَلُوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّا البغداديّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب. ٣ - (عبدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. و((أنس بن مالك)) رضُبه ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ◌َلُهُ، كسابقه، ولاحقيه، وهو (٣٦٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ) - بفتح الفاء، وكسر الضاد المعجمة، وفي آخره خاء معجمة - وهو شراب يُتّخذ من البُسر وحده، من غير أن تمسَّه ٥٥٥ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٤) النار، واشتقاقه من الفَضْخ، وهو الكسر، وقال إبراهيم الحربيّ: الفضيخ أن يُكْسَر البسر، ويُصَبّ عليه الماء، ويُترَك حتى يَغْلِي، وقال أبو عبيد: هو ما فُضِخ من البسر، من غير أن تمسه نار، فإن كان تمراً فهو خليط، قاله في ((العمدة)) (١) . (إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْفِيهَا أَبَا طَلْحَةَ) تقدّمت ترجمة أبي طلحة بظُه في الحديث الماضي. وقوله: (وَأَبَا أَيُّوبَ) هو الأنصاريّ: خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة ﴿م، شَهِد بدراً، ونزل النبيّ وَّ حين قَدِم المدينة عليه، ومات غازياً بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١١٣/٤. وقوله: (وَرِجَالاً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّه) وفي رواية للبخاريّ: ((كنت أسقي أبا عبيدة، وأبا طلحة، وأبيّ بن كعب))، فقال في ((الفتح)): قوله: ((كنت أسقي أبا عبيدة)): هو ابن الجرّاح، وأبا طلحة: هو زيد بن سهل، زوج أم سليم، أم أنس، وأُبيّ بن كعب كذا اقتصر في هذه الرواية على هؤلاء الثلاثة، فأما أبو طلحة فلكون القصّة كانت في منزله، كما قال في رواية مسلم هذه: ((في بيتنا))، وفي رواية للبخاريّ: ((كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة))، وأما أبو عبيدة فلأن النبيّ ◌َ ﴿ آخى بينه وبين أبي طلحة، كما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس، وأما أبيّ بن كعب فكان كبير الأنصار، وعالمهم. ووقع في رواية عند البخاريّ: ((إني لقائم أسقي أبا طلحة، وفلاناً، وفلاناً))، كذا وقع بالإبهام، وسَمَّى في رواية مسلم منهم أبا أيوب، وفي رواية عن أنس: ((إني كنت لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء))، وسمَّى في رواية فيهم معاذ بن جبل، وكلها في مسلم. وفي رواية: «كنت أسقي أبا عبيدة، وأَبَيّ بن كعب، وسهيل بن بيضاء، ونفراً من الصحابة عند أبي طلحة)). ووقع عند عبد الرزاق: أن القوم كانوا أحد عشر رجلاً، وقد حصل من الروايات التي ذُكرت تسمية سبعة منهم، وأبهمهم في رواية سليمان التيمي (١) ((عمدة القاري)) ٢١٠/١٨. ٥٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة التالية، ولفظها: ((إني لقائم على الحيّ، على عُمومتي أسقيهم))، وأطلق عليهم عمومته؛ لأنهم كانوا أسنّ منه، ولأن أكثرهم من الأنصار. قال الحافظ تَخْذَلُهُ: ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في ((تفسيره)) من طريق عيسى بن طهمان، عن أنس أن أبا بكر وعمر كانا فيهم، وهو منْكَر، مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطاً . وقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) في ترجمة شعبة من حديث عائشة، قالت: حَرَّم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية، ولا إسلام، ويَحْتَمِل إن كان محفوظاً أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم، ولم يشربا معهم، قال: ثم وجدت عند البزار من وجه آخر عن أنس، قال: ((كنت ساقي القوم، وكان في القوم رجل يقال له: أبو بكر، فلما شرب قال: تحيي بالسلامة أم بكر ..... الأبيات، فدخل علينا رجل من المسلمين، فقال: قد نزل تحريم الخمر ... )) الحديث، وأبو بكر هذا يقال له: ابن شغوب، فظنّ بعضهم أنه أبو بكر الصدّيق، وليس كذلك، لكن قرينة ذِكر عمر تدلّ على عدم الغلط في وصف الصدّيق، فحصلنا تسمية عشرة، قال: وقد قدّمت في غزوة بدر من ((المغازي)) ترجمة أبي بكر بن شغوب المذكور، وفي (كتاب مكة)) للفاكهي من طريق مرسل ما يشيد ذلك. انتهى كلام الحافظ رَّتُهُ(١)، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي بَيْتِنَا) هو بمعنى قوله في الأخرى: ((في بيت أبي طلحة)). وقوله: (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف هذا الرجل. وقوله: (فَقَالَ: يَا أَنَسُ ... إلخ) القائل هو أبو طلحة «پته. وقوله: (أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ) أمرٌ من الإراقة، وهو الصبّ، و((القلال)) بالكسر: جمع قُلّة بالضمّ، مثلُ بُرْمة وبِرَام، وربما قيل: قُلَلٌ، مثل غُرْفة وغُرَف وهو: إناء للعرب، كالجرّة الكبيرة، شِبْهُ الْحُبّ، قال الأزهريّ: ورأيت القُلَّةَ من قلال هَجَر، والأَحساء، تَسَع ملء مَزَادة، والمزادة شطر الراوية، كأنها سُمِّيت قُلَّةً؛ لأن الرجل القويّ يُقِلُّهَا؛ أي: يَحْمِلُها، وكلّ شيء حملته فقد (١) ((الفتح)) ٥٩٩/١٢ - ٦٠٠. (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٥) ٥٥٧ أَقْلَلْتَهُ، وأَقْلَلْتُهُ عن الأرض رفعته بالألف أيضاً، ومن باب قَتَل لغةٌ. انتهى (١). وقوله: (فَمَا رَاجَعُوهَا، وَلَا سَأَلُوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ) فيه العمل بخبر الرجل الواحد، وأن هذا كان معروفاً عندهم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ، عَلَى عُمُومَتِي، أَسْقِيهِمْ مِنْ فَضِيخِ لَهُمْ، وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنّاً، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: أَكْفَأْهَا يَا أَنَسُ، فَكَفَأْتُهَا، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: مَا هُوَ؟ قَالَ: بُسْرٌ وَرُطَبٌّ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ قَالَّ ذَلِكَ أَيْضاً). [تنبيه]: قال أبو عليّ الجيّانيّ نَُّ في ((التقييد)): وقع في بعض النُّسخ: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: نا ابن عُليّة، وهو وَهَمٌ، والصواب: يحيى بن أيوب، وكان أيضاً في أصل أبي العلاء بن ماهان في هذا الإسناد: ابن عيينة بدل ابن عُليّة، وهو وَهَمٌ، والصواب: ابن عليّة، قال عبد الغنيّ: كان في أصل أبي العلاء: ابن عُيينة، عن عبد العزيز، قال: وهو خطأ، ليس عند ابن عيينة عن عبد العزيز بن صُهيب شيء. انتهى (٢). ورجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: ابن طَرَخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف، كسابقيه، ولاحقه، وهو (٣٦٩) من رباعيّات الكتاب. (١) ((المصباح المنير)) ٥١٤/٢. (٢) (تقييد المهمل)) ٨٩٣/٣. ٥٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وقوله: (إِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى الْحَيِّ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة: القبيلة من العرب، والجمع أحياء، قاله الفيّوميّ(١). وقال المرتضى في ((التاج))(٢): والحيُّ: البطن من بطون العرب، جَمْعه أحياء، قال الأزهريّ: الحيّ يقع على بني أب كَثُروا، أو قَلُّوا، وعلى شَعْب يجمع القبائل، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]: قَاتَلَ اللهُ قَيْسَ عَيْلَانَ حَيّاً مَا لَهُمْ دَونَ عُذْرَةٍ مِنْ حِجَابٍ وقوله: (عَلَى عُمُومَتِي) بدل من الجارّ والمجرور قبله، و((العمومة)) بالضمّ - كما في ((القاموس)) - يكون مصدراً، ويكون جمع عمّ، والثاني هو المراد هنا، وتقدّم أنه إنما سمّاهم عُمومته؛ لأنهم كانوا أسنّ منهم، ولأن أكثرهم من الأنصار، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَسْقِيهِمْ) يَحْتَمِل أن يكون بفتح الهمزة، مضارع سقى ثلاثيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّها، مضارع أسقى رباعيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ الآية [الجنّ: ١٦]. وقوله: (مِنْ فَضِيخَ لَهُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((من فَضِيخِ زَهْو وتمر)): أما الفَضِيخ: فهو - بفاء وضاد، معجمتين، وِزان عظيم -: اسم للبُسْر إذا شُدِخَ، ونُبِذ، وأما الزَّهْوُ - فبفتح الزاي، وسكون الهاء، بعدها واو -: وهو البُسر الذي يَحمَرّ، أو يَصْفَرُّ قبل أن يترطب، وقد يُطلق الفضيخ على خليط البُسر والرُّطب، كما يُطلق على خليط البسر والتمر، كما في الرواية التالية، وكما يُطلق على البسر وحده، وعلى التمر وحده، كما في رواية عند البخاريّ، وعند أحمد من طريق قتادة، عن أنس: ((وما خَمْرُهم يومئذ إلا البسر والتمر، مخلوطين))، ووقع عند مسلم من طريق قتادة، عن أنس: ((أسقيهم من مزادة فيها خليط بُسر وتمر)). وقوله: (فَجَاءَ رَجُلٌ) تقدّم أنه لا يُعرف اسمه. وقوله: (فَقَالُوا: الْفَأْهَا يَا أَنَسُ) بوصل الهمزة، من كفأ، من باب نفع؛ (١) ((المصباح المنير)) ١٦٠/١. (٢) (تاج العروس)) ٨٣٦٠/١. ٥٥٩ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٥) أي: اقْلِبْ وعاءها، ويقال: أكفأ بالهمز أيضاً، قال في ((القاموس)): كفأه، کمنعه: صرفه، وکبه، وقلبه، کأكفأه، واكتفاه. انتهى. وقوله: (قُلْتُ لأَنَسٍ) القائل هو سليمان التيميّ. وقوله: (مَا هُوَ ؟) وفي رواية البخاريّ: ((ما شرابهم)). وقوله: (قَالَ: بُسْرٌ وَرُطَبٌ)؛ أي: قال أنس: كان شرابهم مخلوطاً من بُسْر وتمر، و((الْبُسْر)) - بضم، فسكون - قال ابن فارس: البسر من كلّ شيء: الْغَضّ، ونباتٌ بُسْرٌ؛ أي: طَرِيّ. انتهى من ((المصباح)). وقال في ((القاموس)): البُسر: التمر قبل إرطابه، والبُسْرة واحدتها، وتُضمّ السين. انتهى. وقوله: (فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ) ابن مالك الأنصاريّ، ثقة من الطبقة الرابعة، من رجال المصنّف، وأبي داود في ((المراسيل))، والنسائيّ. وقوله: (كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ) بنصب ((خمرهم)) خبراً لـ((كان))، واسمها ضمير يعود إلى الفضيخ، وأنّثها نظراً لكونها خمراً. وهذا الذي قاله أبو بكر قد ثبت تحديث أنس به، كما أشار إليه بقوله: (قَالَ سُلَيْمَانُ) التيميّ، وهو موصول بالسند الماضي، (وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ) يَحْتَمِل أن يكون قتادة، أو بكر بن عبد الله المزنيّ، كما قال الحافظ. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َّهُ (أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ أَيْضاً)؛ أي: حدّث بما قاله ولده أبو بكر. وفي الرواية التالية عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدّثني بعض من كان معي، أنه سمع أنساً يقول: ((كان خمرَهم يومئذ)»، فيَحْتَمِل أن يكون أنس حدّث بها حينئذ، فلم يسمعه سليمان، أو حدّث بها في مجلس آخر، فحفظها عنه الرجل الذي حدّث بها سليمان. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في ((الفتح))))، لكن يُبعد الاحتمال الثاني قوله هنا في الرواية التالية: ((فحدّثني بعض من كان معي ... إلخ))، فالاحتمال الأول هو الأقرب، والله تعالى أعلم. قال الحافظ: وهذا المبهم يَحْتَمِل أن يكون هو قتادة، فقد أخرجه مسلم أيضاً من طريقه، عن أنس، بلفظ: ((وقال أنس بن مالك: لقد حُرِّمت الخمر، وكانت عامّة خمورهم يومئذ خليط الْبُسر والتمر)). ويَحْتَمِل أن يكون هو بكر بن عبد الله المزنيّ، فقد أخرج البخاريّ من ٥٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة طريق سعيد بن عُبيد الله، عن بكر بن عبد الله المزنيّ، أن أنس بن مالك حدّثهم ((أن الخمر حُرّمت، والخمر يومئذ البسر والتمر)). وأخرجه الإسماعيلي من طريق رَوْح بن عُبادة، عن سعيد بن عبيد الله بهذا السند مطولاً، ولفظه: ((عن أنس: نزل تحريم الخمر، فدخلت على أناس من أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، فقلت: انطلقوا فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذ البسر والتمر))، وهذا الفعل من أنس به كأنه بعد أن خرج، فسمع النداء بتحريم الخمر، فرجع فأخبرهم. ووقع عند ابن أبي عاصم، من وجه آخر، عن أنس: ((فأراقوا الشراب، وتوضأ بعض، واغتسل بعض، وأصابوا من طيب أم سليم، وأتوا النبيّ وَّل، فإذا هو يقرأ: ﴿إِنََّا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ الآية)). وهذا من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يُسكر، سواء كان من العنب، أو من نقيع الزبيب، أو التمر، أو العسل، أو غيرها، وأما دعوى بعضهم أن الخمر حقيقةٌ في ماء العنب، مجازٌ في غيره، فإن سُلِّم في اللغة لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والكوفيون لا يقولون بذلك، وأما من حيث الشرع فالخمر حقيقة في الجميع؛ لثبوت حديث: ((كلُّ مسكر خمر))، فمن زعم أنه جَمَع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ لزمه أن يجيزه، وهذا ما لا انفكاك لهم عنه، أفاده في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَفُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنْتُ قَائِماً عَلَى الْحَيِّ أَسْقِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَأَنَسٌ شَاهِدٌ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ ذَالَكَ، وَقَالَ ابْنُ عبد الأَعْلَىَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعِي، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَساً يَقُولُ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ). (١) ((الفتح)) ٦٠٢/١٢، كتاب ((الأشربة)).