Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢١) ((القدر))، والنسائيّ بواسطة أحمد بن عاصم البلخيّ، ومحمد بن إسحاق الصنعانيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق، وقال ابن عديّ: سمعت ابن حماد يقول: قال السعديّ: سعيد بن عُفير فيه غير لون من الْبِدَع، وكان مخلطاً غير ثقة، قال أبو أحمد بن عديّ: وهذا الذي قاله السعديّ لا معنى له، ولا أسمع أحداً، ولا بلغني عن أحد في سعيد بن كثير بن عُفير كلام، وهو عند الناس صدوقٌ ثقةٌ، ولا أعرف سعيد بن عفير غير المصريّ ولم يُنسب المصريّ إلی بدع، ولا إلی گذِب، وروی له حدیثین من رواية ابنه عبيد الله عنه، ثم قال: ولعل البلاء من عبيد الله؛ لأن سعيد بن عفير مستقيم الحديث، وقال ابن يونس: كان سعيد من أعلم الناس بالأنساب، والأخبار الماضية، وأيام العرب، مآثرها، ووقائعها، والمناقب، والمثالب، كان في ذلك كله شيئاً عجيباً، وكان أديباً فصيح اللسان، حسن البيان، لا تُمَلّ مجالسته، ولا ينزف علمه، وله أخبار مشهورة، تركتها لشهرتها، وكان غير ظِنّين في جميع ذلك، وُلد سنة (١٤٦) وتُؤُفّي سنة ست وعشرين ومائتين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقةٌ، لا بأس به، وقال النسائيّ: سعيد بن عُفير صالح، وابن أبي مريم أحبّ إلي منه، وقال الحاكم: يقال إن مصر لم تُخرج أجمع للعلوم منه. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((القدر))، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٧٩)، وحديث (٢٤٠٣): ((ائذن له، وبشّره بالجنّة ... )) الحديث. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: عن عليّ ◌َّهُ أنه (قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ)؛ أي: ناقة مسنّة (مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَعْطَانِي شَارِفاً مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ) فيه ٥٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة أن الخمس كان مشروعاً حينئذ. (فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وََّ) من الابتناء، وهو الدخول بالزوجة، وكذلك البناء، وقد ذكرنا أن أصل ذلك أن الرجل كان إذا أراد تزوُّج امرأة بنى عليها قبة؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله. (وَاعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغاً مِنْ بَنِي قَيْتُقَاعَ) - بفتح القافين، وضمّ النون، وفتحها، وكسرها، منصرفاً، وغير منصرف، قال الكرمانيّ -: هم قبيلة من اليهود، وقال الصاغانيّ: هم حيّ من اليهود، وقال العينيّ: هو مركّب من قَيْن الذي هو الحدّاد، وقاع اسم أُظُم من آطام المدينة. انتهى(١). (يَرْتَحِلُ مَعِي، فَتَأْتِي بِإِذْخِرٍ) - بكسر الهمزة -: حشيشةٌ طيبة الرائحة، يُسَقَّف بها البيوت فوق الخشب، وهمزته زائدة، وقد مر في (كتاب الحجّ))(٢). (أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ) جمع صوّاغ، وهو الذي يصوغ الذهب والفضّة، وهو للمبالغة. وقال النوويّ تَّقُ: قوله: ((أن أبيعه من الصّاغين)) هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، وفي بعض الأبواب من البخاريّ: ((من الصواغين))، ففيه دليل لصحة استعمال الفقهاء في قولهم: بعت منه ثوباً، وزوجت منه، ووهبت منه جارية، وشِبه ذلك، والفصيح حَذْف ((مِنْ))، فإن الفعل متعدّ بنفسه، ولكن استعمال ((من)) في هذا صحيح، وقد كثُر ذلك في كلام العرب، وقد جمعت من ذلك نظائر كثيرة في ((تهذيب اللغات))، في حرف الميم مع النون، وتكون ((مِنْ)) زائدة، على مذهب الأخفش، ومَنْ وافقه في زيادتها في الواجب. انتهى كلام النوويّ تَُّهُ في ((شرحه))(٣). (فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةٍ عُرْسِي) هو: طعام الزِّفَاف، وقيل: اسم لكل طعام، والعِرس بالكسر امرأة الرجل، وبالضم طعام الوليمة، ويجوز هنا أن يكون بضمّ العين، فتكون الإضافة للبيان؛ أي: وليمة هي الْعُرْس، ويجوز أن يكون بالكسر، فتكون الإضافة بمعنى اللام؛ أي: وليمة لعِرْسي؛ أي: لزوجتي، والله تعالى أعلم. (١) ((عمدة القاري)) ١٨/١٥. (٣) (شرح النوويّ)) ١٤٦/١٣. (٢) ((عمدة القاري) ١٨/١٥. ٥٢٣ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانٍ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢١) (فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعاً) بالفتح في اللغة: كلّ ما يُنتفع به، كالطعام، والبزّ، وأثاث البيت، وأصل المتاع: ما يُتبلّغ به من الزاد، وهو اسم مِنْ مَتَّعته بالتثقيل: إذا أعطيته ذلك، والجمع أمتعةٌ، قاله الفيّوميّ (١). والمراد هنا ما بيّنه بقوله: (مِنَ الأَقْتَابِ) بالفتح: جمع قَتَب بفتحتين، وهو الإكاف، أو الإكاف الصغير على قدر سنام البعير(٢)، وقال القرطبيّ: الأقتاب: جمع قَتَب، وهو أداة الرَّحْل(٣). (وَالْغَرَائِرِ) بالغين المعجمة، وبالراء المكرّرة: ظرف التِّبْن ونحوه، وهو جمع غِرَارة، قال الجوهريّ: أظنه مُعَرَّباً. انتهى (٤). (وَالْحِبَالِ) بالكسر: جمع حَبْل، وهو معروف، وقوله: (وَشَارِفَايَ مُنَاخَانٍ) مبتدأ وخبره، والجملة في محلّ نصب على الحال، وقوله: ((مناخان))؛ أي: مبروكان . وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((وشارفاي مناخان)) هكذا في معظم النسخ: ((مناخان))، وفي بعضها: ((مناختان)) بزيادة التاء، وكذلك اختُلِف فيه نُسخ البخاريّ، وهما صحيحان، فأَنّث باعتبار المعنى، وذَكَّر باعتبار اللفظ. (٥) انتهى(٥) . ويُروَى: ((مناختان)) فالتذكير باعتبار لفظ شارف، والتأنيث باعتبار معناه(٦) . (إِلَى جَنْبٍ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَجَمَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ)؛ أي: من الأقتاب، والغرائر، والحبال. وقال النوويّ: قوله: ((وجمعت حين جمعت ما جمعت ... إلخ)) هكذا في بعض نُسخ بلادنا، ونقله القاضي عن أكثر نُسخهم، وسقطت لفظة: ((وجمعت)) التي عقب قوله: ((رجل من الأنصار)) من أكثر نسخ بلادنا، ووقع في بعض النسخ: ((حتى جمعت)) مكان: ((حين جمعت)). انتهى (٧). (١) ((المصباح المنير)) ٢ / ٥٦٢. (٣) ((المفهم)) ٢٤٧/٥. (٥) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٣. (٧) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٢٧. (٤) ((عمدة القاري)) ١٨/١٥. (٦) ((عمدة القاري)) ١٨/١٥. ٥٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وقال القرطبيّ كَخَُّ: قوله: ((وجمعتُ حتَّى جمعتُ ما جمعت)) هكذا رواه الطبريّ، والعذريّ، وابن ماهان بـ((حتى)) التي هي للغاية، وقد رواه السِّجْزيّ، والسَّمرقندي: ((حين)) مكان ((حتى)) والأول أوضح، وقد سقط ((وجمعت)) الأوَّل في بعض النسخ، وبسقوطه وثبوت ((حتى)) يَحسُن الكلام، وقد ذكره الحميديّ في ((مختصره)) بلفظٍ أحسن من هذا، فقال: ((وأقبلت حين جمعت ما جمعت)). قال القرطبيّ: وهذا الحديث يدلُّ على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحاً، معمولاً به، معروفاً عندهم بحيث لا يُنكر، ولا يُغيّر، وأن النبيّ وَّهِ أقرَّ عليه، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فَنَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ [النحل: ٦٧] وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسْكِر؟ ظاهر هذا الحديث يدلّ عليه، فإنَّ ما صدر عن ـبّ للنبيّ ◌َ ﴿ من القول الجافي المخالف لِمَا يجب من احترام حمزة النبيّ وَّ﴾، وتوقيره، وتعزيره، يدلُّ: على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله ◌َ﴿ أنه ثَمِلَ، ثم إن النبيّ وَلّوْ لم يُنكر على حمزة، ولا عنَّفه لا في حال سكره، ولا بعد ذلك. فكان ذلك دليلاً على إباحة ما يُسكر عندهم، وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنَّهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة قطعاً؛ لأن الشرائع مصالح العباد قطعاً، لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يُذهبه ويشوشه، وما ذكروه واضح، ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبيّ ◌َ﴿ ترك الإنكار على حمزة في حال سكره؛ لكونه لا يعقل، وعلى إثر ذلك نزل تحريم الخمر، وأن حمزة لم يقصد بشربه السُّكر، لكنه أسرع فيه فغلبه، والله تعالى أعلم. ولم يقع في شيء من الصحيح أن النبيّ ( 9 ألزم حمزة غرامة الشارفين، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبّة في كتابه، وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش: فَغَرِمهما النبيّ بَّ عن حمزة، وهذه الرواية جارية على الأصول؛ إذ لا خلاف في أنَّ ما يُتْلِف السكران من الأموال لزمه غرمه، وعلى تقدير ألَّا تثبت هذه الزيادة؛ فعدم النقل لا يدلّ على عدم المنقول، ولو دلَّ على ذلك لأمكن أن يقال: إنما لم يحكم عليه النبيّ وَ﴿ بالغرامة؛ لأن عليّاً رُه لم يطلبها منه، ٥٢٥ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢١) أو لأن النبيّ وَّ تحمَّلها عنه كما قال في صدقة العباس، والله تعالى أعلم. وقد احتجّ بهذا الحديث من لا يلزم طلاق السكران؛ من جهة أن النبيّ وَ﴿ لم يؤاخذ حمزة بما صدر عنه من قوله له، وإليه ذهب الْمُزنيّ، والليث، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وتوقف فيها: أحمد بن حنبل، والجمهور من السَّلف وكافة الفقهاء على أن ذلك يلزمه؛ لأنَّ السكران بعد التحريم أدخل نفسه في السُّكر بمعصية الله تعالى فكان مختاراً لِمَا يكون منه فيه، ولم يكن حمزة كذلك، بل كان شُرْبُه مباحاً كما قدَّمناه، فصار ذلك بمثابة من سَكِر من شُرب اللَّبن، أو غيره من المباحات، فإنَّه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول، ويكون كالْمُغمى عليه، والله أعلم. انتهى(١). وقوله: (فَإِذَا شَارِفَايَ) بصيغة التثنية، ووقع عند النوويّ بلفظ: ((فإذا شارفي))، فقال النوويّ: هكذا هو في معظم النسخ: ((فإذا شارفي))، وفي بعضها: ((فاذا شارفاي))، وهذا هو الصواب، أو يقول: ((فإذا شارفتاي))، إلا أن يُقرأ: ((فإذا شارفِي)) بتخفيف الياء، على لفظ الإفراد، ويكون المراد جنس الشارف، فيدخل فيه الشارفان، والله أعلم. انتهى(٢). و((إذا)) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني شارفاي (قَدِ اجْتُبَّتْ) بالبناء للمفعول، افتُعِل من الْجَبّ، بفتح الجيم، وتشديد الباء الموحّدة، وهو القطع؛ أي: شُقّ عنها الجلد، وأخرج الشحم الذي فيها. (أَسْنِمَتُهُمَا) جمع سنام، وتقدّم معناه. (وَبُقِرَتْ) بالبناء للمفعول، من الْبَقْر، بالباء الموحدة، والقاف، وهو الشقّ. (خَوَاصِرُهُمَا) تقدّم معناه، (وَأُخِذَ) بالبناء للمفعول أيضاً، (مِنْ أَكْبَادِهِمَا) قال القرطبيّ كَُّهُ: وهذا إنما فَعَل ذلك بعد أن نحرهما على عادتهم، وعلى هذا يدلُّ الشِّعر المذكور بعد هذا، ويَحْتَمِل أن يكون فَعَل ذلك بها من غير نحر استعجالاً لإجابة الإغراء الذي أغرته به المغنية، لا سيما، وقد كانت الخمر (٣) أخذت منه. انتھی . (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٤٤/١٦ - ٢٥٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٣. (٣) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٤٣/١٦. ٥٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة (فَلَمْ أَمْلِْك عَيْنَيَّ)؛ أي: بكيت مغلوباً من شدّة ما شاهدته، كما قال: (حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا) قال النوويّ ◌َخْتُ: هذا البكاء، والحزن الذي أصابه سببه ما خافه من تقصيره في حق فاطمة رضيثنا، وجهازها، والاهتمام بأمرها، وتقصيره أيضاً بذلك في حقّ النبيّ وَّر، ولم يكن لمجرد الشارفين من حيث هما، من متاع الدنيا، بل لِمَا قدمناه، والله أعلم. انتهى(١). (قُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عبد المُطَِّبٍ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ) بفتح الشين المعجمة، وسكون الراء: جمع شارب، وهم الجماعة الشاربون. (مِنَ الأَنْصَارِ، غَنَّهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا: أَلَا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ) قال القرطبيّ تَخّْتُهُ: قولها: ((ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النِّواءِ»؛ الرواية الصحيحة المشهورة في هذا اللفظ: ((للشُّرُف)) باللام، وضم الراء، و((النواء)) بكسر النون، فالشُّرُف بضم الراء: جمع شارف على غير قياس، وذلك أن الشارف مؤنث؛ لأنَّه اسم للناقة الْمُسِّنة، وهو في أصله صفة لها، فكان حَقَّه أن يجمع على ((فواعل))، أو ((فُعَّل))؛ لأنَّهما مثالا جمع فاعل، إذا كان للمؤنث، لكنه لما كان مذكر اللفظ - أي: ليس فيه علامة تأنيث - حملوه على ((بازل)) الذي هو صفة للجمل المسنِّ، فجمعوه جَمْعَهُ، فقالوا: شُرُف، كما قالوا: بُزُل، واللام في (للشُّرُف)) لام الجرّ، وهي متعلقة بفعل محذوف دلَّ عليه الحال؛ أي: انْهَضْ للشُّرُف، أو: قُم لها، تُحرِّضُه على نحرها، ولذلك قام حمزة فنحرها . و((النواء)»: السمان، يقال: نَوَتِ الناقةُ، تنوي: إذا سَمِنت، فهي ناوية، وجمعها: نِوَاء، وهو أيضاً على غير قياس، كما تقدَّم، قال الخطابيّ: وقد رَوَى هذا اللفظ أبو جعفر الطبريّ: ((ذا الشَرَف النواء)» بـ((ذا)) التي بمعنى صاحب، وبفتح الراء والشين، قال: وفسّره بالبُعْد. قال القرطبيّ: وفي هذه الرواية ومعناها بُعْدٌ، والصواب: رواية الجماعة كما ذكرناه آنفاً. انتهى(٢) . (فَقَامَ حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ، فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، فَأَخَذَ مِنْ (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٣. (٢) ((المفهم)) ٢٤٦/٥ - ٢٤٧. ٥٢٧ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢١) أَكْبَادِهِمَا، قَالَ عَلِيٍّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ)؛ أي: ذهبت حتى دخلت عليه الَّ، ويجوز فيه الرفع، والنصب، ورجّح ابن مالك النصب، وعبّر بصيغة المضارعة مبالغة في استحضار صورة الحال، وإلا فكان الأصل أن يقول: حتى دخلت على النبيّ وَلَ(١). (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ) عليّ ◌َظُه (فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ بِهِ فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَا لَكَ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطَّ) قال القرطبيّ تَخْذُ: هذا كلام كثُر عندهم، حتى صار كالمثل، والكاف فيه نعت لـ((يوم)) محذوف، تقديره: ما رأيت يوماً مثل اليوم، يُهَوِّه لِمَا لقي فيه، ويَحْتَمِل أن يكون نعتاً لمصدر محذوف؛ أي: ما رأيت كرْباً مثل كرْب اليوم، أو ما شاكل ذلك، ويدلُّ على الأول ما أنشده ابن شبّة من الزيادة في شعر القَيْنة، فقال: وهنَّ مُعَقَّلاتٌ بالفِنَاء ألا يا حمز للشُّرفِ النِّواءِ وضَرِّجْهُنَّ حَمْزةُ بالدِّماءِ ضع السكين في اللَّبَّات مِنها قَدِيراً من طَبِيخِ أو شِواءِ وعَجِّل من أَطاِبها لِشَرْبٍ قال القرطبيّ: وعلى هذا فيكون فيه حجة على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديّاً، كالغاصب، والسارق، وهو قول جمهور العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وخالف في ذلك: إسحاق، وداود، وعكرمة، فقالوا: لا يؤكل، وهو قول شاذٍّ، وحجَّة الجمهور: أن الذكاة وقعت من المتعدِّي على شروطها الخاصة بها، وقيمة الذبيحة قد تعلَّقت بذمة المتعدِّي، فلا موجب للمنع، وقد وقع التفويت، وقد روى ابن وهب حديثاً يدلُّ على جواز الأكل، فليُبحث عنه، ويُكتب هنا. انتهى كلام القرطبيّ نَاتُ. قال الجامع عفا الله عنه: أشار بالحديث إلى ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في جنازة، فرأيت رسول الله وَّه، وهو على القبر يوصي الحافر: ((أَوْسِعْ من قِبَل رجليه، أَوْسِعْ من قبل رأسه))، فلما رجع استقبله داعي (١) ((الكوكب الوهاج)) ١٧/٢١. ٥٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة امرأةٍ، فجاء، وجيء بالطعام، فوَضَع يده، ثم وَضَع القوم، فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله * يلوك لقمة في فمه، ثم قال: ((أجد لحم شاة أُخذت بغير إذن أهلها))، فأرسلت المرأة، قالت: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع تُشتَرَى لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاةً، أن أرسل إليّ بها بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إليّ بها، فقال رسول الله وَليته : ((أطعميه الأسارى)). انتهى(١). والحديث صحيح، وهو نصّ في الموضوع، وهو أن ما ذُبح بغير إذن صاحبه يجوز أكله، فإنه وَ ◌ّ أمر بإطعامه الأسارى، وإنما تَرَكه هو تورّعاً، لا تحريماً، ولذلك أورده أبو داود محتجّاً به في ((باب في اجتناب الشبهات))، فتأمل، والله تعالى أعلم. (عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ، فَأَجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ، مَعَهُ شَرْبٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ لَهَ بِرِدَائِهِ، فَارْتَدَاهُ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في النُّسخ كلِّها: ((فارتداه))، وفيه جواز لباس الرداء، وترجم له البخاريّ باباً، وفيه أن الكبير إذا خرج من منزله تجمَّل بثيابه، ولا يقتصر على ما يكون عليه في خلوته في بيته، وهذا من المروءات، والآداب المحبوبة. (٢) انتھی(٢) . (ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، حَتَّى جَاءَ الْبَابَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنُوا لَهُ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ وَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ)؛ أي: جعل يلومه، يقال: ((طَفِقَ)) بكسر الفاء، وفتحها، حكاه القاضي وغيره، والمشهور الكسر، وبه جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْخًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]. (فَإِذَا حَمْزَةٌ(٣) مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ ثُمَّ صَغَّدَ النَّظَرَ) بفتح الصاد المهملة، وتشديد العين المهملة المفتوحة؛ أي: جَرّ النظر (إِلَى رُكْبَتَيْهِ) وَ (ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى سُرَِّّهِ) وَ (ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إِلَى (١) ((سنن أبي داود)) ٢٤٤/٣. (٣) وفي نسخة: ((وإذا حمزة)). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٣. ٥٢٩ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانٍ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٢) وَجْهِهِ) وَ ◌ِ (فَقَالَ حَمْزَةُ: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟)؛ أي: كعبيد، وغرضه أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته، وأنه أقرب إليه منهما. (فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ نَِّ أَنَّهُ ثَمِلٌ) بفتح الثاء المثلّثة، وكسر الميم؛ أي: سكران، (فَنَكَصَ)؛ أي: رجع (رَسُولُ اللهِ نِهِ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى) قال الأخفش: يعني رجع وراءه، ووَجْهه إليه، والنكوص: الرجوع إلى وراء، يقال: نَكَصَ يَنكُصُ، من باب نصر، فهو ناكص، قال ابن الأثير: القهقرى مصدر، ومنه قولهم: رجع القهقرى؛ أي: رجع الرجوعَ الذي يُعْرَف بهذا الأسم، وقال في ((العمدة)): فيكون القهقرى منصوباً على المصدرية من غير لفظه، كما في قعدت جلوساً، وقال الأزهريّ: القهقرى: الارتداد عما كان عليه، وقد قَهْقَر، وتقهقر، وقيل: إنه مشتق من القهر. انتهى (١). (وَخَرَجَ) بَّرِ عن مكان حمزة ◌َُّه (وَخَرَجْنَا مَعَهُ). قال في ((العمدة)): وقال الطبريّ: وفي حديث عليّ ظُه أن المسلمين كانوا يشربون الخمر، ويسمعون الغناء في أول الإسلام، حتى نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَتُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، وإنما حُرِّمت الخمر بعد غزوة أحد، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) المروزيّ، ثقةٌ [١١] (٢٦٢) (م) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ الملقّب بعبدان، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٢١) في شعبان (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. (١) ((عمدة القاري)) ١٨/١٥. ٥٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الإمام الشهير، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية ابن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيليّ هذه ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، بسند مسلم، فقال: (٢٩٢٥) - حدّثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهريّ قال: أخبرني عليّ بن الحسين، أن حسين بن عليّ بَّه أخبره أن عليّاً قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبيّ وَّ﴿ أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله وَ ليقول واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بإذخر، أردت أن أبيعه الصّاغين، وأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب، والغرائر، والحبال، وشارفاي مُناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، رجعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد اجتُبَّ أسنمتُهُما، وبُقِرت خواصرهما، وأُخذ من أكبادهما، فلم أملك عينيّ حين رأيت ذلك المنظر منهما، فقلت: من فعل هذا؟ فقالوا: فعل حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شَرْب من الأنصار، فانطلقت حتى أدخلَ على النبيّ ◌َّ، وعنده زيد بن حارثة، فعَرَف النبيّ وَّ في وجهي الذي لقيت، فقال النبيّ وَّر: ((ما لك؟)) فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم قطّ، عدا حمزة على ناقتيّ، فأجبّ أسنمتهما، وبَقَر خواصرهما، وها هو ذا في بيت، معه شَرْب، فدعا النبيّ وَّه بردائه، فارتدى، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن، فأذنوا لهم، فإذا هم شَرْب، فطَفِق رسول الله وَّ يلوم حمزة فيما فَعَل، فإذا حمزة قد ثَمِلَ، محمرّة عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله وَطلقة، ثم صَعّد النظر، فنظر إلى ركبته، ثم صعّد النظر، فنظر إلى سرّته، ثم صعّد النظر، فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فَعَرَف رسول الله وَِّ أنه قد ثَمِلَ، فَنَكَص رسول الله وَطّ على عقبيه القهقرى، وخرجنا معه. انتهى (١). (١) ((صحيح البخاريّ)) ١١٢٥/٣. ٥٣١ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال: [٥١٢٣] (١٩٨٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ بَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي بَيْتٍ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ، الْبُسْرُ، وَالتَّمْرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ، فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَهَرَقْتُهَا، فَقَالُوا، أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ - قَالَ: فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ - فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [المائدة: ٩٣]). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ) تقدّم قريباً. ٢ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ البصريّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير نظُه، تقدّم قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَظُهُ، كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو (٣٦٧) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالبصريين، وفيه ثابت لزم أنساً ظُله أربعين سنةً، وفيه أنس بن مالك ظُه الخادم الشهير، وأحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ◌َُّهَ أنه (قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ) وفي الرواية التالية: ((إني لقائم أسقيها أبا طلحة، وأبا أيّوب، ورجالاً من أصحاب رسول الله (َ﴿ في بيتنا))، وفي الرواية الثالثة: ((إني لقائم على الحيّ، على ٥٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة عُمومتي، أسقيهم من فضيخ لهم))، وفي الرواية الرابعة: «كنت قائماً على الحيّ أسقيهم))، وفي الرواية الخامسة: ((كنت أسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، ومعاذ بن جبل في رهط من الأنصار))، وفي الرواية السادسة: ((إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دُجانة، وسُهيل بن بيضاء من مزادة فيها خليط بُسْر وتمر))، وفي الرواية السابعة: ((كنت أسقي أبا عبيدة بن الجرّاح، وأبا طلحة، وأُبيّ بن كعب شراباً من فضيخ وتمر)). (يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ) ببناء الفعل للمفعول، والظرف متعلّق بـ(كنت))، أو بـ(ساقي))، وكذا قوله: (فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ) وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاري ﴿ه، تقدّمت ترجمته قريباً. (وَمَا شَرَابُهُمْ)؛ أي: شراب الصحابة الذين سقاهم أنس، وغيرهم (إِلَّا الْفَضِيخُ) - بفتح الفاء، وكسر الضاد المعجمة، آخره خاء معجمة - بوزن عظيم: شراب يُتّخذ من البُسر المفضوخ؛ أي: المكسور، ومراد أنس به أن الفضيخ هو محل الآية، فتناوُل الآية له أولى، وقوله: (الْبُسْرُ، وَالثَّمْرُ) بدل من الفضيخ، وقال النوويّ: قال إبراهيم الحربيّ: الْفَضِيخ أن يَفْضُخَ الْبُسْر، ويَصُبّ عليه الماءَ، ويَتركه حتى يَغْلِيَ، وقال أبو عُبيد: هو ما فُضِخ من الْبُسْر من غير أن يمسّه نار، فإن كان معه تمر فهو خليط. انتهى (١). وفي رواية للبخاريّ: ((من فضيخ زَهْوٍ وتمرٍ))، فقال في ((الفتح)): قوله: ((من فَضِيخِ زَهْوٍ، وتمر)) أما الفَضِيخ فهو بفاء، وضاد معجمتين، وزن عظيم: اسم للبسر إذا شُدِخ، ونُبِذ، وأما الزَّهْوُ فبفتح الزاي، وسكون الهاء، بعدها واو، وهو البُسر الذي يَحْمَرّ، أو يَصْفَرّ قبل أن يترطّب، وقد يُطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب، كما يُطلق على خليط البسر والتمر، وكما يُطلق على البسر وحده، وعلى التمر وحده، وسيأتي عند مسلم من طريق قتادة، عن أنس: ((أسقيهم من مَزادة، فيها خليط بسر وتمر))، وعند أحمد من طريق قتادة، عن أنس: ((وما خمرهم يومئذ إلا البسر والتمر مخلوطین))(٢) . (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/١٣. (٢) ((الفتح)) ٦٠٠/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٢). ٥٣٣ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) (فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي) لا يُعرف اسمه(١)، وفي رواية: ((فأتاهم آتٍ، فقال: إن الخمر حرّمت))، وفي رواية للبخاريّ: ((فجاءهم آت))، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ووقع في رواية حميد، عن أنس عند أحمد بعد قوله: ((أسقيهم)): ((حتى كاد الشراب يأخذ فيهم))، ولابن مردويه: ((حتى أسرعت فيهم))، ولابن أبي عاصم: ((حتى مالت رؤوسهم، فدخل داخل))، وفي رواية عند البخاريّ أيضاً: ((فأمر رسول الله (وَ ل ﴿ منادياً، فنادى))، وفي رواية عنده: ((إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: قد حُرِّمت الخمر)). قال في ((الفتح)): وهذا الرجل يَحْتَمِل أن يكون هو المنادي، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، سمع المنادي، فدخل إليهم، فأخبرهم. وقد أخرج ابن مردويه، من طريق بكر بن عبد الله، عن أنس: ((قال: لَمّا حُرِّمت الخمر، وحلف على أناس(٢) من أصحابي، وهي بين أيديهم، فضربتها برجلي، وقلت: نزل تحريم الخمر))، فَيَحْتَمِل أن يكون أنس خرج، فاستخبر الرجل، لكن أخرجه من وجه آخر أن الرجل قام على الباب، فذكر لهم تحريمها، ومن وجه آخر: «أتانا فلان من عند نبيّنا، فقال: قد حُرِّمت الخمر، قلنا: ما تقول؟ فقال: سمعته من النبيّ ◌َل﴿ الساعةَ، ومن عنده أتيتكم)). انتھی(٣). (فَقَالَ) أبو طلحة لأنس (اخْرُجْ) من البيت (فَانْظُرْ) وفي رواية: ((فقال أبو طلحة: اخرج، فانظر ما هذا الصوت؟))، (فَخَرَجْتُ، فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني (مُنَادٍ) هو منادي النبيّ ◌َّ أمره بذلك، (يُنَادِي: أَا) أداة استفتاح وتنبيه، (إِنَّ الْخَمْرَ) بكسر همزة ((إن)) لوقوعها في الابتداء، كما قال في (الخلاصة)) : فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْهِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ)) لِيَمِينٍ مُكْمِلَةْ (قَدْ حُرِّمَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: نزل تحريمها . (١) راجع: ((الفتح)) ١٢/ ٦٠٠، و((تنبيه المعلم)) ص ٣٤٠. (٢) محلّ تأمل، فليُحرّر. (٣) ((الفتح)) ٦٠٠/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٢). ٥٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة [تنبيه]: قال في ((الفتح)) في رواية عبد العزيز بن صهيب: ((أن رجلاً أخبرهم أن الخمر حُرِّمت، فقالوا: أَرِقْ يا أنس))، وفي رواية ثابت، عن أنس: ((أنهم سمعوا المنادي، فقال أبو طلحة: اخرج يا أنس، فانظر ما هذا الصوت؟))، وظاهرهما التعارض؛ لأن الأول يُشعر بأن المنادي بذلك شافههم، والثاني يُشعر بأن الذي نقل لهم ذلك غير أنس، فنقل ابن التين عن الداوديّ أنه قال: لا اختلاف بين الروايتين؛ لأن الآتي أخبر أنساً، وأنس أخبر القوم، وتعقبه ابن التين بأن نصّ الرواية الأولى أن الآتي أخبر القوم مشافهة بذلك. قال الحافظ: فيمكن الجمع بوجه آخر، وهو أن المنادي غير الذي أخبرهم، أو أن أنساً لمّا أخبرهم عن المنادي جاء المنادي أيضاً في أثره، فشافههم. انتهى(١)، وهو بحث حسنٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أنس (فَجَرَتْ) الخمر المصبوبة (فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ)؛ أي: طُرُقها، وهي بكسر السين، وفتح الكاف: جمع سِكّة، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وهي الزُّقاق، وهي أيضاً الطريق المصطفّة من النخل، والسّكّة أيضاً: حديدة منقوشة تُطبع فيها الدراهم والدنانير، أفاده الفيّوميّ(٢)، والمناسب هنا المعنى الأول. قال في ((الفتح)): وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزقة من كثرتها، قال القرطبيّ: تمسّك بهذه الزيادة بعدُ من قال: إن الخمر المتخذة من غير العنب ليست نجسةً؛ لأنه رَّهُ نَهَى عن التخلي في الطرق، فلو كانت نجسة ما أقرّهم على إراقتها في الطرقات، حتى تجري. والجواب أن القصد بالإراقة كان لإشاعة تحريمها، فإذا اشتهر ذلك كان أبلغ، فيُحْتَمَل أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار، ويَحْتَمِل أنها إنما أريقت في الطرق المنحدرة بحيث تنصب إلى الأسرية، والحشوش، أو الأودية، فتُستهلك فيها، ويؤيّده ما أخرجه ابن مردويه من حديث جابر بسند جيّد في قصة صبّ الخمر، قال: ((فانصبّت حتى (١) ((الفتح)) ٩٩/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٢٠). (٢) (المصباح المنير)) ١/ ٢٨٢. ٥٣٥ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانٍ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) استنقعت في بطن الوادي))، والتمسّك بعموم الأمر باجتنابها كافٍ في القول (١) بنجاستها. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بنجاسة الخمر محلّ نظر، سيأتي تحقيقه قريباً - إن شاء الله تعالى -. قال أنس: (فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا) أصله فَأَرِقْها، فالهاء زائدة، وقوله: (فَهَرَقْتُهَا) أصله أيضاً أرقتها، فأُبدلت الهمزة هاء، قال الفيّوميّ كَّتُ: رَاقَ الماءُ والدمُ وغيره رَيْقاً، من باب باع: انصبّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَرَاقَهُ صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعول مُرَاقٌ، وتبدل الهمزة هاء، فيقال: هَرَاقَهُ، والأصل هَرْيَقَهُ، وِزانُ دَخْرَجَهُ، ولهذا تُفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقه، كما تُفْتح الدالُ من يُدَخْرجه، وتُفتح من الفاعل، والمفعول أيضاً، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ فَهْلْ عِنْدَ رَسْمَ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلٍ والأمر: هَرِقْ ماءك، والأصل: هَرْبِقْ وزانُ دَخْرِج، وقد يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ ساكن الهاء؛ تشبيهاً له بأَسْطَاع يُسْطيع، كأن الهمزة زيدت عوضاً عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيّاً، ودعا بذَنُوب، فَأَهْرِقَ ساكن الهاء، وفي ((التهذيب)): من قال: أَهْرَقْتُ فهو خطأ في القياس، ومنهم من يجعل الهاء كأنها أصل، ويقول: هَرَقْتُهُ هَرْقاً، من باب نفع، وفي الحديث: ((إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ)) بالبناء للمفعول، والدماءَ نُصِب على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصل: تُهْرَاقُ دماؤها، لكن جُعلت الألف واللام بدلاً عن الإضافة، كقوله تعالى: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نكاحها. انتهى (٢). وهذا البحث بكامله قد تقدّم في ((كتاب الطهارة))، وإنما أعدته؛ لطول العهد به، فتنبَّه، وبالله تعالى التوفيق. ووقع في رواية بلفظ: ((فَأَرِقْها))، ورواية: ((فقالوا: أَرِق هذه القلال يا (١) ((الفتح)) ٦٠٢/١٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٤٨/١. ٥٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة أنس))، وهو محمول على أن المخاطِب له بذلك أبو طلحة، ورَضِي الباقون بذلك، فُنُسب الأمرُ بالإراقة إليهم جميعاً. ووقع في رواية بلفظ: ((أكفئها)) بكسر الفاء مهموزاً بمعنى: أَرِقْها، وأصل الإكفاء الإمالة. وفي رواية مالك، عن إسحاق الآتية: ((قال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرّة، فاكسرها، فقمت إلى مِهْرَاس لنا، فضربتها بأسفله، حتى انكسرت)». قال في ((الفتح)): وهذا لا ينافي الروايات الأخرى، بل يُجمع بأنه أراقها، وكَسَر أوانيها، أو أراق بعضاً، وكَسَر بعضاً. وقد ذكر ابن عبد البرّ إن إسحاق بن أبي طلحة تفرّد عن أنس بذكر الكسر، وأن ثابتاً، وعبد العزيز بن صهيب، وحميداً، وعَدّ جماعةً من الثقات رووا الحديث بتمامه، عن أنس، منهم من طوّله، ومنهم من اختصره، فلم يذكروا إلا إراقتها . والْمِهْراس بكسر الميم، وسكون الهاء، وآخره مهملة: إناءٌ يُتَّخَذ من صخر، ويُنقر، وقد يكون كبيراً كالحوض، وقد يكون صغيراً بحيث يتأتى الكسر به، وكأنه لم يحضره ما يكسر به غيره، أو كسر بآلة المهراس التي يُدَقّ بها فيه، كالهاوَنِ، فأَطْلق اسمه عليها مجازاً. ووقع في رواية حميد عن أنس، عند أحمد: ((فوالله ما قالوا: حتى ننظر، ونسأل))، وفي رواية عبد العزيز بن صهيب عند البخاريّ في ((التفسير)): ((فوالله ما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل)). انتهى(١). (فَقَالُوا)؛ أي: الناس الذين في بيت أبي طلحة، (أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ) ((أو)) هنا للشك من الراوي، ولا يُعرف اسم القائلين، ولا القائل، كما قاله في ((الفتح)). (قُتِلَ فُلَانٌ، قُتِلَ فُلَانٌ، وَهِيَ)؛ أي: الخمر (فِي بُطُونِهِمْ - قَالَ) القائل هو حمّاد بن زيد، ففي رواية الإسماعيليّ، قال حماد: فلا أدري هذا في الحديث؛ أي: عن أنس، أو قاله ثابت؛ أي: مرسلاً؛ يعني: قوله: ((فقال (١) ((الفتح)) ٦٠١/١٢، كتاب ((الأشربة)) رقم (٥٥٨٢). ٥٣٧ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانٍ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) بعض القوم)) إلى آخر الحديث، ووقع للبخاريّ في ((المظالم)) عن أنس بطوله، من طريق عفّان عن حماد، كما وقع عنده في ((التفسير))، فالله أعلم، وأخرجه ابن مردويه من طريق قتادة، عن أنس بطوله، وفيه الزيادة المذكورة، أفاده في ((الفتح))(١). (فَلَا أَدْرِي هُوَ)؛ أي: قوله: ((فقال بعض القوم ... إلخ)) (مِنْ حَدِيثٍ أَنَسِ - فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواً وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾﴾. وروى النسائيّ، والبيهقيّ من طريق ابن عباس، قال: ((نزل تحريم الخمر في ناس شربوا، فلما ثَمِلوا عَبَثُوا، فلما صَحوا جعل بعضهم يَرَى الأثر بوجه الآخر، فنزلت، فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان، وقد قُتل بأُحد، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ إلى آخرها. ورَوَى البزار من حديث جابر: أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود. وروى أصحاب ((السنن)) من طريق أبي ميسرة، عن عُمَر أنه قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في ((البقرة)): ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في النساء: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة: ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿ُنَهُونَ﴾، فقال عمر: انتهينا، انتهينا. وصححه عليّ ابن المدينيّ، والترمذيّ. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة نحوه، دون قصّة عمر، لكن قال عند نزول آية ((البقرة)): فقال الناس: ما حُرِّم علينا، فكانوا يشربون، حتى أَمّ رجل أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فنزلت الآية التي في ((النساء))، فكانوا يشربون، ولا يقرب الرجل الصلاة حتى يُفيق، ثم نزلت آية ((المائدة))، فقالوا: يا رسول الله ناسٌ قُتلوا في سبيل الله، وماتوا على فُرُشهم، وكانوا يشربونها؟، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ الآية، فقال النبيّ ◌َل: ((لو حُرِّم عليهم لتركوه، كما تركتموه)). (١) ((الفتح)) ٩٨/١٠، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٦٢٠). ٥٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة وفي ((مسند الطيالسيّ)) من حديث ابن عمر نحوه، وقال: ((في الآية الأولى: قيل: حُرِّمت الخمر، فقالوا: دعنا يا رسول الله ننتفع بها، وفي الثانية: فقيل: حُرِّمت الخمر، فقالوا: لا، إنا لا نشربها قُرب الصلاة، وقال في الثالثة: فقالوا: يا رسول الله حُرِّمت الخمر))، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((قال بعضهم: قُتِل فلان، قُتِل فلان، وهي في بطونهم)) هذا القول أصدره عن قائله إما غلبةُ خوف، وشفقة، وإما غفلةٌ عن المعنى، وبيان ذلك أن الخمر كانت مباحة لهم، كما قد صحَّ أنهم كانوا يشربونها، والنبيّ ◌َّ يُقرّهم عليها، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]، ومَنْ فَعَل ما أُبيحَ له حتى مات على فعله لم يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذٌّ، ولا أجر، ولا مدح؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة للشرع كما يُعرف في الأصول. وعلى هذا فما ينبغي أن يُتخوَّف، ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإمّا أن يكون ذلك القائل غَفَلَ عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشَفَقته على إخوانه المؤمنين توهّم مؤاخذةً، ومعاقبةً؛ لأجل شُرب الخمر المتقدِّم، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ، فرفع الله ذلك التوهُّم بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣]؛ أي: فيما شربوا، وهذا مثل قوله تعالى في نَهْر طالوت: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ، مِنِّيَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ أي: ومن لم يشربه، وأصل هذا اللفظ في الأكل، يُقال: طَعِمَ الطَّعام، وشَرِب الشراب، لكن قد تجوَّز في ذلك، وأحسن ما قيل في الآية: إن معنى قوله: ﴿طَعِمُوَا﴾: شربوا الخمر قبل تحريمها، ﴿إِذَا مَا أَتَّقَواْ﴾ شُرْبها بعده، ﴿وَءَامَنُواْ﴾ بتحريمها، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَةِ﴾: التي تَصدُّ عنها، ﴿ثُمَّ أَنَّقَواْ﴾ داوموا على اجتنابِها، ﴿وَءَامَنُواْ﴾: بالوعيد عليها، ﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ﴾ سوء التأويل في تحريمها، ﴿وَأَحْسَنُواْ﴾، في اجتنابها مراقبةً لله، وقيل: إنَّ تكرار الاتّقاء في مقابلة دواعي النفس، وتكرار الإيمان تذكير بتحريمها، وتشديد الوعيد فيها، و((الْجُناح)): الإثم، والمؤاخذة. انتهى كلام القرطبيّ تَخُّْهُ(١)، وهو بحث حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٧/ ٢. ٥٣٩ (١) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، ... إلخ - حديث رقم (٥١٢٣) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١٢٣/١ و٥١٢٤ و٥١٢٥ و٥١٢٦ و٥١٢٧ و٥١٢٨] (١٩٨٠)، و(البخاريّ) في ((المظالم)) (٢٤٦٤) و((التفسير)) (٤٦١٧ و٤٦٢٠) و ((الأشربة)) (٥٥٨٠ و٥٥٨٢ و٥٥٨٣ و٥٥٨٤ و٥٦٢٢) و((أخبار الآحاد)) (٧٢٥٣) و((الأدب المفرد)) (١٢٤١)، و(أبو داود) في ((الأشربة)) (٣٦٧٣)، و(النسائيّ) في ((الأشربة)) (٢٨٧/٨) و((الكبرى)) (٢٠٣/٣ و٤/ ١٨٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٨٤٦/٢ - ٨٤٧)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٨١/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢١٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٩٤/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٣/٣ و١٨٩ - ١٩٠ و٢٢٧) وفي (كتاب الأشربة)) (١٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٣٥٢ و ٥٣٦٢ و ٥٣٦٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٢/٥ و٩٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤/ ٢١٣)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١٠١/٦)، و(البغويّ) في ((مسنده الجعد)) (٣٣١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٦/٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٠٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب قبول خبر الواحد، والعمل به في النَّسخ وغيره، وأن هذا كان معمولاً به عندهم، معلوماً لهم، ألا ترى أنهم لم يتوقفوا عند إخبار المُخبِر، بل بادروا إلى إتلاف الخمر، والامتناع مما كان مباحاً لهم(١). ٣ - (ومنها): أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل به منزلة سماع قوله. ٤ - (ومنها): أن المحرَّم الأكل والشُّرب لا يُنتفع به، في شيء من الأشياء، لا من بيع، ولا من غيره. (١) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ١٤٩/١٦. ٥٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأشربة ٥ - (ومنها): بيان عدم مشروعية تخليل الخمر؛ لأنه لو جاز لَمَا أراقوها، قال النوويّ تَّثُ: وفي هذه الأحاديث أنها لا تطهر بالتخليل، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وجوّزه أبو حنيفة، وفيه أنه لا يجوز إمساكها، وقد اتّفق عليه الجمهور، انتهى (١)، وسيأتي مزيد لذلك في الباب التالي - إن شاء الله تعالی ۔۔ ٦ - (ومنها): أن ابن حزم تَخْلَثُ استدل به على طهارة الخمر؛ لأن كان أكثرهم یمشي حافياً، فما یصیب قدمه لا ینجس به. الصحابة وتعقّبه العينيّ، فقال: هذه جراءة عظيمة؛ لأن القرآن أخبر بنجاستها . انتھی(٢). قال الجامع عفا الله عنه: أقول: هذه هفوة عظيمة من العينيّ سامحه الله، فأين نصّ القرآن الكريم بنجاسة الخمر؟ إن لهو العجب العجاب، فإن أراد قوله تعالى - ومعلوم أنه لا يريد إلا إياه - ﴿إِنََّ الْخَتُ وَالَْيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾، فهذا لا يدلّ على النجاسة أصلاً، فضلاً عن كونه نصّاً، فإن الآية ذكرت أربعة أشياء: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، ثم قالت: ﴿رِجْسُ﴾ فهل العينيّ يقول إن الأربعة كلها نجسة؟ فهذا ما لا يقوله هو، ولا غيره، فأين النص الذي زعمه؟ والحاصل أن ما قاله ابن حزم تَّتُ قاله غيره من أهل العلم، كما سيأتي بيانه فلا جراءة منه، والله تعالى المستعان. ٧ - (ومنها): أنه يستحبّ لصغير السنّ خدمة الكبار، هذا إذا تساووا في الفضل، أو تقاربوا. ٨ - (ومنها): مشروعيّة كسر أواني الخمور، إذا كان فيه مصلحة، وإلا فيُجزي غسلها، قال النوويّ تَُّ: وهذا الكسر - يعني: المذكور في حديث الباب - محمول على أنهم ظنوا أنه يجب كسرها، وإتلافها، كما يجب إتلاف الخمر، وإن لم يكن في نفس الأمر هذا واجباً، فلما ظنوه كسروها، ولهذا لم يُنكر عليهم النبيّ وَِّ، وعَذَرهم؛ لعدم معرفتهم الحكم، وهو غسلها من غير (١) ((شرح النوويّ)) ١٥٠/١٣. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٢/١٣.