Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً، بِلا تَوْکیلٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٧٩)
الصفراء، ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء، وهي التي بعضها
أبيض، وبعضها أسود، ثم السوداء، قاله النوويّ تَخْتُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على مشروعية استحسان الأضحية صفةً
ولوناً، قال الماورديّ: إن اجتمع حسن الْمَنْظَر مع طيب الْمَخْبَر في اللحم فهو
أفضل، وإن انفردا فطيب المخبر أولى من حسن المنظر، وقال أكثر الشافعية:
أفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، ثم البلقاء، ثم السوداء. انتهى(٢).
٥ - (ومنها): بيان أنه يستحب أن يتولى الإنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا
يوكِل في ذبحها إلا لعذر، وحينئذ يستحب أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها
مسلماً جاز بلا خلاف، وإن استناب كتابيّاً كُره كراهية تنزيه، وأجزأه، ووقعت
التضحية عن الموكل، قال النوويّ: هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا
مالكاً في إحدى الروايتين عنه، فإنه لم يجوّزها، ويجوز أن يستنيب صبيّاً، أو
امرأة حائضاً، لكن يُكره توكيل الصبيّ، وفي كراهة توكيل الحائض وجهان،
قال أصحابنا: الحائض أولى بالاستنابة من الصبيّ، والصبيّ أولى من الكتابيّ،
قال أصحابنا: والأفضل لمن وكّل أن يوكّل مسلماً فقيهاً بباب الذبائح
والضحايا؛ لأنه أعرف بشروطها، وسننها، والله أعلم.
٦ - (ومنها): أن فيه إثباتَ التسمية على الضحية، وسائر الذبائح، وهذا
مجمع عليه، لكن هل هو شرط، أم مستحب؟ فيه خلاف، سبق إيضاحه في
((كتاب الصيد)).
٧ - (ومنها): استحباب التكبير مع التسمية، فيقول: ((باسم الله، والله
أکبر)».
٨ - (ومنها): استحباب وضع الرِّجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن،
واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب
الأيمن؛ ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها بيده
اليسار، قاله في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١٣.
(٣) ((الفتح)) ٥٦٨/١٢ رقم (٥٥٥٨).
(٢) ((الفتح)) ٥٥٤/١٢ رقم (٥٥٥٤).

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٨٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
قَتَّادَةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: ضَخَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنٍ، أَقْرَنَيْنٍ، قَالَ:
وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَرَأَيْتُهُ وَاضِعاً قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، قَالَ: وَسَمَّى، وَكَبَّرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: اِبْنَ
الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: ضَحَّى
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، بِمِثْلِهِ، قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسِ؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْبَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ أي: روى خالد بن الحارث هذا الحديث عن شعبة
بمثل ما رواه وكيع عنه.
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير شعبة،
والمقول له هو قتادة، وإنما قال له ذلك؛ ليتأكّد من ثبوت سماعه؛ لأن قتادة
معروف بالتدليس .
[فإن قلت]: كيف يسأله عن سماعه، وقد صرّح بقوله: ((سمعت أنساً؟)).

٣٨٣
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً، بِلَا تَوْكِيلٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٢)
[قلت]: لعلّ شعبة لم يسمع منه لفظة ((سمعت))، أو شكّ فيها، فاستثبت
منه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث عن شعبة هذه ساقها النسائيّ في ((سننه))،
فقال :
(٤٥٠٤) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، عن شعبة،
قال: أخبرني قتادة، قال: سمعت أنساً قال: ضَحّى رسول الله وَ الله بكبشين،
أملحين، أقرنين، يكبّر، ويسمّي، ولقد رأيته يذبحهما بيده واضعاً على
صفاحهما قدمه، قلت: أنت سمعته منه؟ قال: نعم. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٨٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَيَقُولُ:
(بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضاً قبل
باب.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ)؛ يعني: أن سعيد بن أبي عروبة روى هذا الحديث عن
قتادة بمثل ما رواه شعبة عنه.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) بنصب ((غيرَ)) على الاستثناء، كما قال في
(الخلاصة)» :
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٦٥/٣، و((المجتبى)) ٢٣٠/٧.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وَاسْتَثْنٍ نَاصِباً بِـ((غَيْرٍ)) مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنّى بِـ((إِلََّ)) نُسِبَا
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه لم أجد من ساقها على
لفظ المصنّف، وساقها أبو عوانة في ((مسنده)) بلفظ مخالف له، فقال:
(٧٧٩٣) - حدّثنا الصغانيّ، وأبو أمية، قالا: ثنا رَوْح بن عُبادة، قال:
ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله وَلقر كان يضحي
بكبشين، أقرنين، أملحين، يذبحهما بيده، ويطأهما على صفاحهما، ويكبِّر.
انتھی(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٨٣] (١٩٦٧) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ،
قَالَ: قَالَ حَيْوَةُ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، بَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ،
وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِّيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: ((بَا عَائِشَةُ هَلُمِّ الْمُدْيَةَ))، ثُمَّ
قَالَ: ((اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ))، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ،
ثُمَّ قَالَ: ((بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ))، ثُمَّ
ضَخَّی بِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) المروزيّ، أبو عليّ الْخَزّاز الضرير، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) وله (٧١) سنة (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) الحافظ المصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
٤ - (أَبُو صَخْرٍ) ابن أبي الْمُخارق حُميد بن زياد الْخَرّاط، صاحب الْعَبَاء
المدنيّ، سكن مصر، ويقال: هو حميد بن صخر أبو مَوْدود الخرّاط، وقيل: إنهما
اثنان، صدوقٌ يَهِم [٦] (ت١٨٩) (بخ م د ت عس ق) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٨/٥.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٦٢/٥.

٣٨٥
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً، بِلَا تَوْكِيلٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٣)
٥ - (يَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ) هو: يزيد بن عبد الله بن قُسيط بن أسامة الليثيّ
المدنيّ، نُسب لجدّه، أبو عبد الله الأعرج، ثقةٌ [٤] (ت١٢٢) وله تسعون سنة
(ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٠/ ١٣٠١.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
مشهور [٣] (ت٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصدّيق، أم المؤمنين ﴿ّا أفقه النساء مطلقاً،
وأفضل أزواج النبيّ وَلّ إلا خديجة، ففيها خلاف مشهور، ماتت سنة (٥٧)
على الصحيح (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالمدنيين من أبي صخر،
والباقون مصريّون، سوى شيخه، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﴿يا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
ـا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَمَرَ بِكَبْشٍ)؛ أي:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ـ
بإحضار كبش (أَقْرَنَ)؛ أي: له قرنان حَسَنان، (يَطَّأُ فِي سَوَادٍ)؛ يعني: أنه أسود
القوائم، (وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ)؛ يعني: أن ما يلي الأرض منه إذا بَرَك أسود،
(وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ)؛ يعني: أن حَدَقته سوداء؛ لأن إنسان العين فيها، وبه ينظر
فإذا هي اسودّت نظر في سواد، قال كُثَيِّ، وذَكَر المرأة [من الوافر]:
وَعَنْ نَجْلَاءَ تَدْمَعُ فِي بَيَاضٍ إِذَا دَمَعَتْ وَتَنْظُرُ فِي سَوَادٍ
قال ابن ◌ُتيبة: قوله: تدمع في بياض، يريد أن دموعها تسيل على خدّ
أبيض، وأن نظرها من حدقة سوداء، وأنا أحسبه لم يُرِد في الكبش الحدقة
وحدها، ولكنه أراد العين والوجه، يقول: نظره من وجه أسود. انتهى (١).
وقال في ((اللسان)): ((ويبرك في سواد)) يريد أن ما يلي الأرض منه إذا
(١) ((غريب الحديث)) لابن قتيبة ٤٥٩/١.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
برك أسود، والمعنى أنه أسود القوائم، والمرابض، والمحاجر. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، وينظر في
سواد، ويبرك في سواد))؛ أي: أمر بأن يُنتخب له كبش على هذه الشِّيّة، ففيه ما
يدلّ على أن المضحي ينبغي له أن يختار الأفضل نوعاً، وأكمل خَلْقاً،
والأحسن شِيّة، فالأقرن: الطويل القرن، وهو أفضل، ولا خلاف في جواز
الأجم، واختُلِف في المكسورة القرن، فالجمهور على الجواز، وقد روى أبو
داود عن عليّ ◌َظُه: أن النبيّ وَّ نَهَى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن، وكرهه
مالك إن كان يَدْمَى؛ لأنَّه مرض، وأجازه إن لم يَدْم، ومعنى: ((يطأ في سواد))؛
أي: أسود القوائم، ((ويبرك في سواد))؛ أي: في بطنه سواد، ((وينظر في
سواد))؛ أي: ما حول عينيه أسود. انتهى(٢).
(فَأَّتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُتي بذلك الكبش الموصوف بما ذُكر،
(لِيُضَحِّيَ بِهِ)؛ أي: ليذبحه أضحيةً، (فَقَالَ) وَ (لَهَا)؛ أي: لعائشة ﴿ّا («يَا
عَائِشَةُ هَلُمِّ)؛ أي: أحضري، وهي بفتح الهاء، وضمّ اللام، فعلُ أَمْر اختُلف
فيها، قال الفيّوميّ تَُّهُ: هَلُمَّ كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال:
تَعَالَ، قال الخليل: أصله لُمَّ، من الضمّ، والجمع، ومنه: لمّ الله شعثَهُ، وكأن
المنادي أراد لُمَّ نفسَك إلينا، و((هَا)) للتّنبيه، وحُذفت الألف؛ تخفيفاً؛ لكثرة
الاستعمال، وجُعِلا اسماً واحداً، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنقلت
حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعِلا كلمةً واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز
يُنادُون بها بلفظ واحد للمذكَّر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله
تعالى: ﴿وَلْقَائِلِنَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تَلْحقها
الضمائرُ، وتُطَابَقُ، فيقال: هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها
فعلاً، فيُلحقونها الضمائرَ، كما يُلحقونها قُمْ، وقُوما، وقُوموا، وقُمن، وقال
أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قَيْس بَعْدُ، وإلحاق
الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمّ
إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: أَقْبِلْ، ومتعديةً، نحو: ﴿هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ﴾
(١) ((لسان العرب)) ٢٣١/٣.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٠/٥ - ٣٦١.

٣٨٧
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً، بِلَا تَوْكِيلِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٣)
[الأنعام: ١٥٠]؛ أي: أحضروهم. انتهى كلام الفيّوميّ تَّتُهُ(١)، وما في الحديث
هنا من المتعدّي، حيث نصب ((المدية)).
(الْمُدْيَةَ)) بالنصب على المفعوليّة لـ((هَلُمّي))، قال النوويّ: ((هلمّي
المدية))؛ أي: هاتيها، وهي بضمّ الميم، وكسرها، وفتحها، وهي السكّين.
(٢)
انتھی
.
وقال الفيّومي: ((المدية)): بضمّ الميم، وسكون الدال المهملة، وتخفيف
الياء: الشَّفْرة، والجمع مُدَى، ومُدْياتٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، وغُرفات بالسكون،
والفتح، وبنو قشير تقول: مِدْيةٌ بكسر الميم، والجمع مِدَى بالكسر، مثلُ سِدْرةٍ
وسِدَرٍ. انتهى(٣).
وقال المجد تَخْذَتُهُ: ((الْمُدية)) مثلّثةً: الشَّفْرة، جمعه مِدَى، ومُدَى.
(٤)
.
انتھی
وقال المرتضى في ((شرحه)): والمدية مثلثة، قال الجوهريّ: بالضم:
الشفرة، وقد يُكسَر، وفي ((المحكم)): قوم يقولون مِدية بالكسر، وآخرون
بالضم، والفتحُ لغة ثالثة، عن ابن الأعرابيّ، قال الفارسيّ: قال أبو إسحاق:
سُمِّيت؛ لأن انقضاء المدى يكون بها، قال: ولا يعجبني، جَمْعه: مِدَّى،
ومُدَى، بالكسر، والضم، وهو مطّرد عند سيبويه؛ لدخول كل واحدة منهما
على الأخرى، وقال الجوهريّ: الجمع مِدياتٌ، ومُدَى. انتهى(٥).
(ثُمَّ قَالَ) ◌ِ ((اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ))) - بالشين المعجمة، والحاء المهملة
المفتوحة، وبالذال المعجمة - من باب نفع؛ أي: حَدِّديها، وهذا موافق
للحديث السابق في الأمر بإحسان الْقِتْلة، والذبح، وإحداد الشفرة، قاله
النووي
س (٦)
.
وقال القرطبيّ كََّثُ: و((الشحذ)»: الحذُّ، ومنه قوله [من المتقارب]:
فَيَا حَجَرِ الشَّحْذِ حَتَّى مَتَى تَسُنُّ الْحَدِيدَ وَلَا تَقْطِع
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢ - ٦٤٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٧.
(٥) (تاج العروس)) ٨٥٩٤/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١٣.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص١٢١٢.
(٦) ((شرح النوويّ)) ١٢١/١٣.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
وفيه الأمر بحدِّ آلة الذبح، كما قال في الحديث الآخر: ((إذا ذبحتم
فأحسنوا الذِّبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته))، رواه مسلم، وهو من
باب الرِّفق بالبهيمة بالإجهاز عليها، وتَرْك التعذيب، فلو ذبح بسكين كالَّةٍ، أو
بشيء له حدٍّ، وإن لم يكن مجهزاً بل مُعذِّباً فقد أساء، لكنه إن أصاب سُنَّة
الذبح؛ لم تحرم الذبيحة، وبئسما صنع، إلا إذا لم يجد إلا تلك الآلة.
(١)
انتهى(١) .
(فَفَعَلَتْ) عائشة ◌َّا ما أمرها به النبيّ وَطِّ من شحذ تلك المدية، (ثُمَّ
أَخَذَهَا)؛ أي: أخذ ◌َِّ تلك المدية (وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ)؛ أي: ألقاه على
جنبه؛ ليتمكّن من ذبحه (ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ) وَّ عند ذبحه ((بِاسْمِ اللهِ) أذبحه،
(اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ))، ثُمَّ ضَخَّى بِهِ) قال
النوويّ تَخَّثهُ: هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: فأضجعه، وأخذ في
ذبحه قائلاً: باسم الله، اللهم تقبّل من محمد، وآل محمد، وأمته، مُضَحّياً به،
ولفظة (ثُمّ)) هنا متأوّلة على ما ذكرته بلا شك. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّها هذا من أفراد المصنّف تَظُّهُ.
(المسألة الثانية) في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠٨٣/٣] (١٩٦٧)، و(أبو داود) في ((الضحايا))
(٢٧٩٢)، و(ابن ماجه) في ((الضحايا)) (١٠٤٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/
٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩١٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥/
٦٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار) (١٧٦/٤)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٢٦٧/٩ و٢٧٢ و٢٨٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إضجاع الغنم في الذبح، وأنها لا تُذبح
قائمةً، ولا باركةً، بل مُضْجَعَة؛ لأنه أرفق بها، قال النوويّ كَّتُهُ: وبهذا
(١) ((المفهم)) ٣٦١/٥ - ٣٦٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٣.

٣٨٩
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً، بِلَا تَوْكِيلِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٣)
جاءت الأحاديث، وأجمع المسلمون عليه، واتفق العلماء، وعمل المسلمين
على أن إضجاعها يكون على جانبها الأيسر؛ لأنه أسهل على الذابح في أخذ
السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان استحباب قول الْمُضَحِّي حال الذبح مع التسمية
والتكبير: ((اللهم تقبّل مني))، قال النوويّ: قال أصحابنا: ويستحب معه:
((اللهم منك، وإليك، تقبّل مني))، فهذا مستحب عندنا، وعند الحسن،
وجماعة، وكرهه أبو حنيفة، وكره مالك: ((اللهم منك، وإليك))، وقال: هي
(٢)
بدعة. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((اللهم تقبَّل من محمدٍ ... إلخ)) هذا دليلٌ
للجمهور على جواز قول المضخِّي: اللهم تقبّل مني، وَرَدُّ على أبي حنيفة؛
حيث كره أن يقول شيئاً من ذلك، وكذلك عند الذبح، وقد استحسنه بعض
أصحابنا، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وكره مالك قولهم: اللهم منك، وإليك، وقال:
هذه بدعة، وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا، والحسن. قلت: وقد رَوَى أبو
داود من حديث جابر بن عبد الله ظًا قال: ذبح النبيّ وٍَّ ﴿ يوم الذبح كبشين،
أقرنين، موجئين، أملحين، فلمّا وجّههما قال: ((﴿إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَظَرَ
الشَّوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ... ﴾، وقرأ إلى قوله: ﴿وَأَنْ أَوَّلُ الْلِمِينَ﴾ [الأنعام:
١٦٣]، اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، باسم الله، والله أكبر))(٣)، ثم ذبح،
فهذا الحديث حجَّة للحسن، وابن حبيب، وأما مالك: فلعل هذا الحديث لم
يبلغه، أو لم يصحّ عنده، أو رأى: أن العمل يُخالفه، وعلى هذا يدلّ قوله: إنَّه
بدعة. انتهى(٤).
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ بهذا من جوّز تضحية الرجل عنه، وعن أهل
(١) (شرح النوويّ)) ١٢٢/١٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٣.
(٣) رواه أبو داود برقم (٢٧٩٥)، وهو حديث ضعيف في سنده أبو عيّاش، قال في
((التقريب)): مقبول، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس.
(٤) ((المفهم)) ٣٦٤/٥.

٣٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
بيته، واشتراكهم معه في الثواب، قال النوويّ: وهو مذهبنا، ومذهب
الجمهور، وكرهه الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وزعم الطحاويّ أن هذا
الحديث منسوخ، أو مخصوص، وغَلَّطه العلماء في ذلك، فإن النسخ،
والتخصيص لا يثبتان بمجرد الدعوى. انتهى(١).
وقال القرطبيّ: فيه من الفقه ما يدلّ على جواز تشريك الرجل أهل بيته
في أضحيته، وأن ذلك يجزىء عنهم، وكافة علماء الأمصار على جواز ذلك،
مع استحباب مالك أن يكون لكل واحدٍ من أهل البيت أضحية واحدة، وكان
أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ يكرهون ذلك، وقال الطحاويّ: لا يجزئ،
وزعم: أن الحديث في ذلك من فِعْل النبيّ وَلقر منسوخ، أو مخصوص، وممن
قال بالمنع: عبد الله بن المبارك.
قال القرطبيّ: وهذه المسألة فيها نظر، وذلك: أن الأصل أن كل واحد
مخاطب بأضحية، وهذا متّفَقٌّ عليه، فكيف يسقط عنهم بفعل أحدهم؟! وقوله:
((اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد)) ليس نصّاً في إجزاء ذلك عن أهل بيته، بل
هو دعاء لمن ضخَّى بالقبول، ويدلُّ عليه قوله: ((ومن أمة محمد))، وقد اتَّفق
الكل على أن أضحية النبيّ وَّ لا تجزىء عن أمته، ولو سُلُّم ذلك لكان يلزم
عليه أن تجزىء أضحية النبيّ وَّ ر عن آل النبيّ وَلقر حيث كانوا، وإن لم يكونوا
في بيته، ثم يلزم عليه ألا يدخل أزواجه فيهم؛ فإنَّهم ليسوا آلاً له على الحقيقة
اللغوية، وقد تقدَّم القول على آل النبيّ وَّ في الزكاة، والذي يظهر لي: أن
الحجَّة للجمهور على ذلك: ما رُوي أن النبيّ وَل﴿ ضحَّى عن نسائه ببقرة،
وروي: بالبقر. وأيضاً فلم يُرْوَ أن النبيّ ◌َّ أمر كل واحدة من نسائه بأضحية،
ولو كان ذلك؛ لنُقل، لتكرار سِنِيِّ الضحايا عليهن معه، ولكثرتهن، فالعادة
تقتضي أن ذلك لو كان لنُقل كما نُقل غير ذلك من جزئيات أحوالهن، فدلَّ
ذلك على أنَّه كان يكتفي بما يضحِّي عنه وعنهن، والله تعالى أعلم.
وقد روى الترمذيّ عن عطاء بن يسار، قال: سألت أبا أيوب الأنصاريّ:
كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله وَله؟ فقال: كان الرجل يضحّي بالشاة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٣.

٣٩١
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً، بِلَا تَوْكِيلٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٣)
عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون حتى تباهى الناس فيها كما ترى، قال:
هذا حديث حسن صحيح. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قول الجمهور أن أضحية
الرجل الواحدة تجزي عنه وعن أهل بيته هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، فقد كان
هذا هو المعمول به في عهده وَ*، إلى أن تباهى الناس بعده، كما قال
جابر ظه، وأنه لم يُنقل عن أهل بيته وَّ أنهم ضحّوا غير ضحاياه وَله،
وكذلك أصحابه، وقد أجاد القرطبيّ كَُّ في آخر كلامه حيث قرّر ذلك،
واستدلّ له، وإن كان أول كلامه فيه نظر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال القاضي عياض ◌َُّهُ: وضبطٌ من يصحُّ أن يُدخله الرجل في
الأضحية عندنا بثلاث صفات:
أحدها: أن يكونوا من قرابته، وحُكم الزوجين، وأمِّ الولد حُكمهم عند
مالك والكافة. وأباه الشافعي في أم الولد، وقال: لا أجيز لها، ولا
للمكاتَب، والمدبّر، والعبد أن يضخُّوا.
والثاني: أن يكونوا في نفقته، وجبت عليه، أو تطوّع بها .
والثالث: أن يكونوا في بيته، ومساكنته غير نائين عنه، فإن انخرم شيء
من هذه الشروط لم يصح اشتراكهم في ضحیّته.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الشروط تحتاج إلى أدلة، فليُتأمل، والله
تعالى أعلم.
قال: ولا يجوز عند جميعهم شركة جماعة في ضحية يشترونها،
ويذبحونها عن أنفسهم، أو في هدي إذا كانوا أكثر من سبعة، واختلفوا فيما
دونها. فمذهب الليث، ومالك: أن الشركة لا تجوز بوجهٍ فيها؛ كانت بدنة،
أو بقرة، أو شاة، أَهْدُوا أو ضخُوا. وذهب جمهور العلماء من الحجازيين،
والكوفيين، والشاميين: إلى جواز اشتراك السبعة فما دون ذلك في البقرة،
والبَدَنة، في الهدي والضحيَّة، ولا تجزئ شاة إلا عن واحد.
(١) ((المفهم)) ٣٦٤/٥ - ٣٦٥.

٣٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الجمهور هو الأظهر، والله تعالى
أعلم.
قال القرطبيّ: وقد حصل من مجموع حديث عائشة، وأنس، وجابر .
أن الأَولى في الأضحية نهاية الكمال في الخلق والصّفة، وهو متفق عليه، وأن
الوجاء ليس بنقص؛ لأنَّه وإن كان نقصان عضو، فإنَّه يصلح اللَّحم ويُطَيِّه، وقد
قلنا: إن الطيب في الأضحية: هو المقصود الأول، وأما العيوب الْمُنَقِّصة،
فقال القاضي: أجمعوا أنَّ العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء؛ من:
المَرَض، والعَجَف، والعَوَر، والعَرَج لا تجزئ بها الضحيَّة. وكذلك ما هو من
نوعها أشنع، كالعمى، وقطع الرِّجل. واختُلف فيما عدا ذلك. فذهب قومٌ:
إلى أنها تجزئ بكل عيب غير هذه الأربعة؛ إذ لم ينصَّ النبيّ وَّ على غيرها،
وهو موضع بيان، وبه قال بعض أئمتنا البغداديين، وذهب الجمهور إلى اعتبار
ما كان نقصاً وعيباً، ثم اختلفوا في أعيانها على ما ترتَّب في كتب الفقه.
قال الجامع عفا الله عنه: كون ما عدا الأربعة من العيوب غير مانع عن
التضحية هو الظاهر؛ لعدم دليل يؤيّده، والله تعالى أعلم.
قال: ولم يخرّج البخاريّ، ولا مسلم حديث عيوب الضحايا؛ لأنَّه مما
تفرَّد به عبيد بن فيروز، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث، وقد أدخله مالك في
((الموطأ)) لَمّا صحبه عنده العمل من المسلمين، ولاتفاقهم على قبوله.
قال القاضي عياض: حديث البراء الذي خرَّجه مالك عن عمرو بن
الحارث المصريّ عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب: أن رسول الله وَله
سُئل: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: ((أربع ... ))، وذكر الحديث.
وهذا الحديث صحيح، وانفراد الثقة به لا يضرُّه، وإنَّما لم يخرِّجه البخاريّ ولا
مسلم؛ لأنَّه ليس على ما شرطاه في كتابيهما، وقد خرَّجه النسائيّ، والترمذيّ،
وقال: حديث حسن، صحيح، غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز،
وكذلك خرَّج النسائيّ أيضاً حديث عليّ بن أبي طالب رُه من طرق قال فيه:
أمرنا رسول الله وَل﴿ أن نستشرف العين، والأذن، وألا نضحِّي بعوراء، ولا
مقابَلَة، ولا مُدابَرة، ولا شَرْقاء، ولا خَرْقاء، وفي أخرى: ولا بتراء. وفي
أخرى: ولا جدعاء، وصححه الترمذيّ.

٣٩٣
(٣) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً، بِلَا تَوْكِيلٍ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٣)
وقوله: أمَرَنا أن نستشرف العين والأذن؛ أي: نرفع نظرنا إلى ذلك،
ونختار السالم من عيوب ذينك، ثم فسَّر ذلك بقوله: ولا نضحِّي بعوراء، وبما
بعده .
و((المقابلة)) هي التي يقطع بعض أذنها، ويُترك مُعلَّقاً على وجهها،
و((المدابَرة)): أن يُترك معلّقاً إلى خلفها، و((الشرقاء)) هي: المشقوقة الأذن
طولاً، و((الخرقاء)): التي خُرق من غير شق. و((الجدعاء)): المقطوعة الأذن،
وظاهر عَظْف هذه العيوب على العوراء - وهي لا تجزئ باتفاق - أن لا
تجزئ الأضحية مع شيء من هذه العيوب، وهو أصل الظاهرية، لكن لمّا
كانت العوراء مقيَّدة بالبيِّن عَوَرُها، كما قال في حديث البراء؛ تحققنا أن
المنهيّ عنه من هذه العيوب ما تفاحش منها، ولا شكَّ أن ما أذهب الأُذن
من هذه الأمور، أو جلّها لا تجزئ به، وما لم يكن كذلك، فقال أصحابنا
في المقطوع بعض أذنها: إن زاد القطع على الثلث منع الإجزاء، وإن نقص
عنه أجزأت، واختُلف في الثلث، هل تجزئ أو لا؟ على قولين. وكذلك
القول في البتراء، والنظر في آحاد العيوب، وتفصيل الخلاف يستدعي تطويلاً
فلنقتصر على ما ذكرناه. انتهى كلام القرطبيّ كَخَّتُهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله
تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْذَلُهُ: فيه استحباب العدد في الأضاحي،
ما لم يقصد المباهاة، وأن المضخِّي يلي ذبح أضحيته بنفسه؛ لأنَّه هو
المخاطَب بذلك، ولأنه من باب التواضع، وكذلك الهدايا، فلو استناب مسلماً
جاز، واختُلف في الذميّ، فأجاز ذلك عطاء ابتداءً، وهو أحد قَوْلي مالك،
وقال في قول له آخر: لا يُجزئه، وعليه إعادة الأضحية، وكره ذلك جماعة من
السلف، وعامة أئمة الأمصار، إلا أنهم قالوا: يجزئه إذا فعل. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): استحباب وضع الرِّجل على جانب عنق الذبيحة، وهو
المعبّر عنه بالصِّفاح. وصفحة كل شيء: جانبه وصفحه أيضاً، وإنما يستحب
ذلك لئلا تضطرب الذبيحة فتَزِلَّ يدُ الذابح عند الذبح، وقد روي النهي عن
(١) ((المفهم)) ٣٦٥/٥ - ٣٦٧.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٢/٥.

٣٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
ذلك، والصحيح: ما ذُكر عن النبيّ وَّهِ من وضعه رجله على صفاحهما، قاله
القرطبيّ ◌َّتُهُ(١).
٦ - (ومنها): تعيُّن التسمية في الذبح؛ فإنَّه قال: ((باسم الله، والله أكبر))،
قال القرطبيّ: وقد اختلف في ذلك، فقال أبو ثور: التسمية متعيّنة كالتكبير في
الصلاة، وكافة العلماء على استحباب ذلك، فلو قال ذكراً آخر فيه اسم من
أسماء الله، وأراد به التسمية جاز، وكذلك لو قال: الله أكبر - فقط - أو: لا
إله إلا الله، قاله ابن حبيب، فلو لم يُرِد التسمية لم تُجزئ عن التسمية، ولا
تؤكل، قاله الشافعيّ، ومحمد بن الحسن. وكره كافة العلماء من أصحابنا،
وغيرهم الصلاة على النبيّ 18 عند التسمية في الذبح، أو ذِكره، وقالوا: لا
يُذكر هنا إلا الله وحده، وأجاز الشافعيّ الصلاة على النبيّ ◌َّ عند الذبح.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: القول بكراهة الصلاة على النبيّ وَّ عند الذبح
فيه نظر؛ لأنه لم يَرِدْ نصّ يَمنع عنه، إلا أن يقال: إنه لم يُنقل عنه وَّ، فلا
ينبغي لذلك، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤) - (بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ،
وَسَائِرَ الْعِظَامِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٥٠٨٤] (١٩٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ
رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَداً، وَلَيْسَتْ مَعَنَاً مُدَّى،
قَالَ وَلَهُ: ((أَعْجِّلْ، أَوْ أَرْنِي (٢)، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ،
وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ))، قَالَ: وَأَصَبْنَا
(١) ((المفهم)) ٣٦٢/٥.
(٢) وفي نسخة: ((أو أرن ما أنهر)).

٣٩٥
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السَّنَّ، وَالظَّفرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
نَّهْبَ إِبِلِ، وَغَنَم، فَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْم، فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِّ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَّكُمْ(١) مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ
هَكَذَا))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم قبل حديث.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٤ - (أَبُوهُ) سعيد بن مسروق الثوريّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٦) أو بعدها (ع)
تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧٣٨/١٩.
٥ - (عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيج) الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو رفاعة
المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٤٤٣/٤٤.
٦ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ
الشهير، أول مشاهده أَحُد، ثم الخندق، مات سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: بعد ذلك
(ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه رواية الابن عن أبيه، والراوي عن
جدّه، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأنه
ويحيى بصريّان، وسفيان وأباه كوفيّان والباقيان مدنيّان.
شرح الحديث:
(عَنْ سُفْيَانَ) الثوريّ (حَدَّثَنِي أَبِي) سعيد بن مسروق الثوريّ.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): مدار هذا الحديث في ((الصحيحين)) على
(٢)
سعيد بن مسروق. انتهى .
(عَنْ عَبَايَةَ) - بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف
(١) وفي نسخة: ((فإذا ندّ عليكم منها شيء).
(٢) ((الفتح)) ٤٥٩/١٢ رقم (٥٤٩٨).

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
تحتانيّة - (ابْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج) قال في ((الفتح)):
كذا قال أكثر أصحاب سعيد بن مسروقً عنه، وقال أبو الأحوص: عن سعيد،
عن عباية، عن أبيه، عن جدّه، وليس لرفاعة بن رافع ذِكر في كُتُب الأقدمين
ممن صنَّف في الرجال(١)، وإنما ذكروا ولده عباية بن رفاعة، نَعَم ذَكَرِه ابن
حبان في ثقات التابعين، وقال: إنه يكنى أبا خَديج.
وتابع أبا الأحوص على زيادته في الإسناد حسان بن إبراهيم الكرمانيّ،
عن سعيد بن مسروق، أخرجه البيهقيّ من طريقه، وهكذا رواه ليث بن أبي
سُليم، عن أبي سليم، عن عباية، عن أبيه، عن جدّه، قاله الدارقطنيّ في
((العلل))، قال: وكذا قال مبارك بن سعيد الثوريّ، عن أبيه، وتُعُقّب بأن
الطبرانيّ أخرجه من طريق مبارك، فلم يقل في الإسناد: عن أبيه، فلعله اختُلِف
على المبارك فيه، فإن الدارقطنيّ لا يتكلم في هذا الفنّ جِزَافاً، ورواية ليث بن
أبي سليم عند الطبرانيّ، وقد أغفل الدارقطنيّ ذِكر طريق حسان بن إبراهيم.
قال الجيانيّ: رَوَى البخاري حديث رافع من طريق أبي الأحوص، فقال:
عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رافع، عن أبيه، عن جدّه، هكذا عند أكثر
الرواة، وسقط قوله: ((عن أبيه)) في رواية أبي علي بن السكن عند الفربريّ،
وحده، وأظنه من إصلاح ابن السكن، فإن ابن أبي شيبة أخرجه عن أبي
الأحوص بإثبات قوله: ((عن أبيه))، ثم قال أبو بكر: لم يقل أحد في هذا
السند: ((عن أبيه)) غير أبي الأحوص. انتهى، وقد عرفت آنفاً ذِكر من تابع أبا
الأحوص على ذلك.
ثم نقل الجيانيّ عن عبد الغنيّ بن سعيد حافظ مصر أنه قال: خرّج
البخاري هذا الحديث عن مسدّد، عن أبي الأحوص، على الصواب - يعني:
بإسقاط ((عن أبيه)) -، قال: وهو أصل يَعْمَل به مَن بعد البخاريّ إذا وقع في
الحديث خطأ لا يُعَوَّل عليه، قال: وإنما يحسن هذا في النقص دون الزيادة،
(١) انتقد بعضهم على الحافظ هذا الكلام، فقال ما ملخّصه: بل ترجمه ابن سعد في
(الطبقات)) ٢٥٧/٥، وخليفة بن خيّاط في ((طبقاته)) ٢٥٠، وابن أبي حاتم في
((الجرح والتعديل)). انتهى.

٣٩٧
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلُّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٨٤)
فيحذف الخطأ، قال الجيّانيّ: وإنما تكلم عبد الغني على ما وقع في رواية ابن
السكن ظنّاً منه أنه من عمل البخاريّ، وليس كذلك؛ لِمَا بيّنا أن الأكثر رووه
عن البخاريّ بإثبات قوله: ((عن أبيه)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن رواية أبي الأحوص بزيادة
((عن أبيه)) غير محفوظة؛ لمخالفته الحفاظ الذين رووه عن سعيد بن مسروق،
بدونها، فقد رواه عن سعيد سبعة من الحفاظ، وهم: ولده سفيان الثوريّ عند
البخاريّ (٢٥٠٧ و٥٥٠٦ و٥٥٠٩)، ومسلم (١٩٦٨) وغيرهما، وولده الآخر
عمر بن سعيد عند مسلم (١٩٦٨) وغيره، وأبو عوانة عند البخاريّ (٢٤٨٨
و ٣٠٧٥ و٥٤٩٨)، وشعبة بن الحجاج عند البخاريّ (٥٥٠٣)، ومسلم (١٩٦٨)
وغيرهما، وعمر بن عُبيد الطنافسيّ عند البخاريّ (٥٥٤٤)، وإسماعيل بن مسلم
العبديّ عند مسلم (١٦٦٨)، وزائدة بن قدامة عند مسلم (١٩٦٨) وغيره (٢).
والحاصل أن الرواية المحفوظة هي رواية هؤلاء الجماعة عن سعيد بن
مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خَديج، كما هي رواية المصنف
هنا، والله تعالى أعلم.
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَداً) هكذا بالجزم في روايات مسلم
في الباب، ولعله عَرَف ذلك بخبر من صدّقه، أو بالقرائن، وفي رواية البخاريّ
من طريق أبي عوانة: ((إنا لنرجو، أو نخاف)) بالشك من الراوي، قال في
(الفتح)): وفي التعبير بالرجاء إشارة إلى حرصهم على لقاء العدو؛ لِمَا يرجونه
من فضل الشهادة، أو الغنيمة، وبالخوف إشارة إلى أنهم لا يحبون أن يَهْجُم
عليهم العدو بغتة.
وفي رواية يزيد بن هارون عن الثوريّ عند أبي نعيم في «المستخرج على
مسلم)): ((إنا نلقى العدو غداً، وإنا نرجو))، كذا بحذف متعلق الرجاء، ولعل
(٣)
مراده الغنيمة. انتهى
.
(١) ((الفتح)) ٤٥٩/١٢ - ٤٦٠، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).
(٢) انظر: ما كتبه د.بشار عواد، وشعيب الأرنؤوط على ((التقريب)) ٤٠٢/١ - ٤٠٣.
(٣) ((الفتح)) ٤٦٥/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
والحديث مختصر، وقد ساقه البخاريّ مطوّلاً من طريق أبي عوانة، عن
سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن جدّه رافع بن خديج،
قال: كنا مع النبيّ وَّر بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلاً وغنماً،
وكان النبيّ ◌َّ﴿ في أخريات الناس، فعجَّلوا، فنصبوا القدور، فدفع إليهم
النبيّ ◌َ﴿، فأمر بالقدور فأُكفئت، ثم قَسَم، فعَدَل عشرة من الغنم ببعير، فَنَدَّ
منها بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه، فأعياهم، فأهوى إليه رجل
بسهم، فحبسه الله، فقال النبيّ وَّر: ((إن لهذه البهائم أوابد، كأوابد الوحش،
فما نَدَّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا))، قال: وقال جدّي: إنا لنرجو، أو نخاف
أن نلقى العدو غداً، وليس معنا مُدَى أفنذبح بالقصب؟، فقال: ((ما أنهر الدم،
وذُكِر اسم الله عليه فَكُلْ، ليس السنَّ والظفرَ، وسأخبركم عنه، أما السنّ
فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة)).
(وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدَّى) - بضم أوله، مخففاً، مقصوراً - جمع مدية - بسكون
الدال، بعدها تحتانية -: وهي السكّين، سُمّيت بذلك؛ لأنها تقطع مَدَى
الحيوان؛ أي: عمره، والرابط بين قوله: ((نلقى العدوّ))، وقوله: ((وليست معنا
مدى))، يَحْتَمِل أن يكون مراده أنهم إذا لَقُوا العدو، صاروا بصدد أن يَغْنَمُوا
منهم ما يذبحونه، ويَحْتَمِل أن يكون مراده أنهم يحتاجون، إلى ذبح ما يأكلونه؛
ليتقووا به على العدو، إذا لقوه، ويؤيده ما يأتي من قسمة الغنم، والإبل بينهم،
فكان معهم ما يذبحونه، وكرهوا أن يذبحوا بسيوفهم؛ لئلا يضر ذلك بحدها،
والحاجة ماسة له، فسأل عن الذي يُجزئ في الذبح، غير السكين والسيف،
وهذا وجه الحصر في المدية والقصب ونحوه، مع إمكان ما في معنى المدية،
وهو السيف.
وقد وقع في حديث غير هذا: ((إنكم لاقو العدوّ غداً، والفطر أقوى
لكم))، فندبهم إلى الفطر ليتقووا، قاله في ((الفتح)) (١).
وقال في رواية إسماعيل بن مسلم الآتية: ((فنُذّي بالليط))، وفي رواية
للبخاريّ: ((أفنذبح بالقصب؟)).
(١) ((الفتح)) ٤٦٤/١٢، كتاب ((الذبائح)) رقم (٥٤٩٨).

٣٩٩
(٤) - بَابُ جَوَازِ الذَّبْحِ بِكُلّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ، ... إلخ- حديث رقم (٥٠٨٤)
قال أبو العباس القرطبيّ كَخَّلهُ: ((الليط)): قِطَع القصب، والشَّظير: قطعة
العصا، والظُرَر: قطعة الحجر، ويُجمع على ظِرّان، ويقال عليها: المروة
أيضاً، وكذلك رواه أبو داود في هذا الحديث: ((أفنذكّي بالمروة؟)) مكان
اللَّيط، والشّظاظ: فِلْقة العود، فهذه كلّها إذا قُطع بها الودجان، والحلقوم
جازت الذبيحة، غير أنه لا يُذبح بها إلا عند عدم الشِّفَار، وما يتنزّل منزلتها؛
لِمَا ثبت من الأمر بحدّ الأشفار، وتحسين الذبح، والنهي عن تعذيب الحيوان،
وقد نبّه مالك على هذا لَمّا ترجم على الذكاة بالشِّكَاظ: ((ما يجوز من الذكاة
على الضرورة)).
ومعنى هذا السؤال أنهم لَمّا كانوا عازمين على قتال العدوّ، صانوا ما
عندهم من السيوف، والأسنّة، وغير ذلك عن استعمالها في الذبح؛ لأن ذلك
ربّما يفسد الآلة، أو يَعِيبها، أو ينقُص قطعها، ولم تكن لهم سكاكين صغار
مُعدّة للذبح، فسألوا هل يجوز لهم الذبح بغير محدّد السلاح؟ فأجابهم النبيّ وَلّ
بما يقتضي الجواز، وقد دخل في هذا العموم أن كلّ آلة تقطع ذبحاً، أو نحراً،
فالذكاة بها مبيحة للذبيحة، والحديد الْمُجْهِز أولى؛ لِمَا تقدّم، ولا يُستثنى من
الآلات شيء إلا السنّ، والظفر على ما يأتي. انتهى كلام القرطبيّ(١).
(قَالَ وَِّ: ((أَعْجِلْ، أَوْ أَرْنِي) وفي بعض النسخ: ((أو أرن))، قال
النوويّ كَّتُهُ: أمّا ((أَعْجِلْ)) فهو بكسر الجيم، وأما ((أَرِنْ)) فبفتح الهمزة، وكسر
الراء، وإسكان النون، ورُوي بإسكان الراء، وكسر النون، ورُوي ((أَرْني)»
بإسكان الراء، وزيادة ياء، وكذا وقع هنا في أكثر النسخ، قال الخطابيّ:
صوابه: ((أَرْنِ)) على وزن أَعْجِلْ، وهو بمعناه، وهو من النشاط والخِفّة؛ أي:
أعجِل ذبحها؛ لئلا تموت خَنْقاً، قال: وقد يكون ((أَرِنْ)) على وزن أَطِعْ؛ أي:
أهلِكها ذبحاً، من أران القومُ: اذا هلكت مواشيهم، قال: ويكون أَرْنٍ على
وزن أَعْط بمعنى أَدِمِ الْحَزّ، ولا تَفْتُر، من قولهم: رَنَوْتُ: إذا أدمت النظر،
وفي ((الصحيح)): ((أَزَّنٍ)): بمعنى أَعْجِلْ، وأن هذا شكّ من الراوي، هل قال:
((أَرْنٍ))، أو قال: ((أَعْجِلْ)).
(١) ((المفهم)) ٣٦٧/٥ - ٣٦٨.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي
قال القاضي عياض: وقد رَدّ بعضهم على الخطابيّ قوله: إنه من أران
القومُ: إذا هلكت مواشيهم؛ لأن هذا لا يتعدى، والمذكور في الحديث متعدّ
على ما فسّره، ورَدّ عليه أيضاً قوله: إنه أَأُرِنْ؛ إذ لا تجتمع همزتان إحداهما
ساكنة في كلمة واحدة، وإنما يقال في هذا: أيرن بالياء.
قال القاضي: وقال بعضهم: معنى أَرْنِي بالياء: سيلان الدم، وقال بعض
أهل اللغة: صواب اللفظة بالهمزة، والمشهور بلا همز، والله أعلم. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَّثُهُ: هذا الحرف وقع في كتاب البخاريّ، ومسلم، وأبي
داود، واختَلَف الرواة في تقييده على أربعة أوجه:
[الأول]: قيّده النسفيّ، وبعض رواه البخاريّ: ((أَرِنْ)) بكسر الراء،
وسكون النون، مثل أَقِمْ.
[الثاني]: قيّده الأصيليّ: ((أَرِنِي)) بكسر النون، بعدها ياء المتكلّم.
[الثالث]: قيّده بعض رُواة مسلم كذلك، إلا أنه سكّن الراء.
[الرابع]: قيّده في كتاب أبي داود بسكون الراء، ونون مطلقة، هذه
التقييدات المنقولة. قال الخطابيّ: وطالما استثبتُّ فيه الرواة، وسألت عنه أهل
العلم، فلم أجد عند أحد منهم ما يُقطع بصحّته.
قال القرطبيّ: قال بعض علمائنا في الوجه الأول: هو بمعنى قد أنشط،
وأسرع، فهو بمعنى أَعْجِل، فكأنه يشير إلى أنه شكٌّ وقع من أحد الرواة في أيّ
اللفظين قال رسول الله له .
قال القرطبيّ: وهذه غفلة؛ إذ لو كان من الأرَن الذي بمعنى النشاط،
لَلَزم أن يكون مفتوح الراء؛ لأن ماضيه أَرِنَ، ومضارعه يأرَنُ، قال الفرّاء:
الأَرَنُ النشاط، يقال: أَرِنَ البعيرُ بالكسر يأُرَنُ بالفتحِ أَرَناً: إذا مَرِح مَرَحاً، فهو
آرنٌ؛ أي: نشيطٌ، وقياس الأمر من هذا أن تُجتلَبَ له همزة الوصل مكسورة،
وتفتح الراء، فيقال: اثْرَنْ، مثل («ائذن))، من أَذِنَ یأذَنُ، ولم يُروَ كذلك.
وأما تقييد الأصيليّ، فقال بعضهم: يكون بمعنى أَرِني سيلان الدم. قال
القرطبيّ: وعلى هذا فيبعُد أن تكون ((أو)) للشكّ، بل للجمع بمعنى الواو على
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٣ - ١٢٣.