Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) قلت(١): وظاهر قول أبي داود في العتيرة: إنها منسوخة: أنها لم تبق لها مشروعية على جهة الوجوب، ولا الجواز. قال القاضي أبو الفضل: وعامة أهل العلم على تركها للنهي عنها، إلا ابن سيرين فإنّه كان يذبح العتيرة في رجب، ولم يره منسوخاً؛ يعني: الجواز. وأما الوجوب فمتفق على تركه على ما حكاه المازريّ. فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ نسخ وجوب العتيرة يلزم منه نفي وجوب الأضحية؛ لأنَّ الحديث تضمّن أمرين: أحدهما: الأضحية - ولم يقل أحدٌ: إنها منسوخة -، والعتيرة وهي المنسوخة، ولا يلزم من نسخِها نسخُها . فالجواب: إنهما وإن كانا أمرين متغايرين، لكنهما قد اجتمعا في مفيد الوجوب، وهو: على الذي استدللتم بها على الوجوب؛ لأنَّه لمّا عَطَف العتيرة على الأضحية بالواو من غير إعادة ((على))، عَلِمْنا أن العتيرة دخلت مع الأضحية في معنى ((على)). وهو معنى واحدٌ، فإذا رُفع ذلك المعنى عن العتيرة ارتفع عن الأضحية؛ لضرورة الاتحاد. وهذا حكمُ حروف العطف المشَرِّكة في المعنى إذا عُطف بها المفردات. فإنك إذا قلت: قام زيد وعمرو؛ استحال أن يُرفع القيام عن عمرو، ويبقى لزيد، فلو أعاد العامل لصحَّ أن يُرفع حكم أحدهما ويثبت حكم الآخر؛ لأنَّه يكون من باب عَطْف الجُمل، ويجوز عطف الجُمل المختلفة بعضها على بعض. وقد أشبعنا القول في هذا في الأصول. وهو أصل حسن يجب الاعتناء به. وأما الاستدلال بقوله وَله: ((اذبح مكانها أخرى)) فقد عضدوه بما جاء في بعض طرق هذا الحديث، من قوله: ((أعد نسكاً))، وقوله: ((ضحِّ بها - يعني: الجذعة من المعز - ولا تجزي عن أحد بعدك))، ولا حجّة في شيء من ذلك واضحة؛ لأنَّ المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية لمن أراد أن يفعلها، أو من التزمها فأوقعها على غير الوجه المشروع غلطاً، أو جهلاً، فبيّن له النبيّ وَليه وَجْه تداركِ ما فرّط فيه. وهذا هو المعنيّ بقوله: ((لا تجزي)) أي: لا يحصل (١) القائل القرطبيّ. ٣٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي لك مقصود القربة، ولا الثواب. وهذا كما يقال في صلاة النفل: لا تجزي إلا بطهارة، وستر عورة؛ أي: لا تصح في نفسها؛ إذ لا يحصل مقصود القربة إلا بتمام شروطها. وهذا واضح جدّاً. وقد استَدَلَّ بعض من رأى الوجوب: بأن الأضحية من شريعة إبراهيم وَّ وقد أُمِرنا باتِّباعه؛ لقوله تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَمِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا تَرِد عليه أسئلة كثيرة، قد ذكرناها في الأصول، فلا حجة فيه؛ لأنَّا نقول بموجب ذلك، ونسألهم: هل كانت الأضحية واجبة في شرعه، أو سُنَّة؟ وليس هناك ما يدلّ على شيء من ذلك، فإن استدلوا بقصة الذبيح؛ فتلك قضية خاصة، أو منسوخة، ولا حجة في شيء منها، والله تعالى أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب هو ما عليه الجمهور، من استحباب الأضحيّة، استحباباً أكيداً، وأنها ليست بواجبة؛ لوضوح أدلّتها . قال أبو محمد بن حزم كَّتُهُ في كتابه ((المحلّى)): الأضحيّة سنّة حسنةٌ، وليست فرضاً، ومن تَرَكها غير راغب عنها، فلا حرج عليه في ذلك، ومن ضحّى عن امرأته، أو ولده، أو أمته، فحسنٌ، ومن لا فلا حرج في ذلك، ثم ذكر الأدلّة على هذا، وأقوال العلماء، وأدلّتهم، وناقشها على عادته، بما لا تراه في غير كتابه، فراجعه تستفد (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وقت الأضحيّة: ذهبت طائفة إلى أنه إذا مضى من نهار يوم العيد، قَدْر ما تَحِلّ فيه الصلاة، وقَدْر الصلاة والخطبتين تامّتين، في أخف ما يكون، فقد دخل وقت الذبح، ولا يُعتبر نفس الصلاة، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم، وهذا مذهب الشافعيّ، وابن المنذر. وذهبت طائفة إلى أن من شَرْط جواز التضحية، في حقّ أهل المصر، صلاةَ الإمام، وخطبَتَهُ، رُوي نحوُ هذا عن الحسن، والأوزاعيّ، ومالك، وأبي (١) ((المفهم)) ٣٤٨/٥ - ٣٥٢. (٢) ((المحلّى)) ٣٥٥/٧. ٣٢٣ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) حنيفة، وإسحاق، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لِمَا رَوَى جندبُ بن عبد الله البجليّ رَظُهُ أن النبيِ وَّ قال: ((من ذبح قبل أن يصلي، فليُعِد مكانها أخرى))، وعن البراء نظُه، قال: قال رسول الله وَلقوله: ((من صلى صلاتنا، ونَسَك نُسُكَنا، فقد أصاب النُّسك، ومن ذبح قبل أن يصلي، فليُعِد مكانها أخرى))، متفق عليه، وفي لفظ قال: ((إن أول نُسُكنا، في يومنا هذا الصلاةُ، ثم الذبح، فمن ذبح قبل الصلاة، فتلك شاة لحم قدّمها لأهله، ليس من النسك في شيء))، وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة. وذهب عطاء إلى أن وقتها إذا طلعت الشمس؛ لأنها عبادة، يتعلق آخرها بالوقت، فتعلّق أولها بالوقت، كالصيام. وقال أبو حنيفة: أول وقتها في حقهم، إذا طلع الفجر الثاني؛ لأنه من يوم النحر، فكان وقتها منه كسائر اليوم. قال ابن قدامة: والصحيح - إن شاء الله تعالى - أن وقتها، في الموضع الذي يُصَلَّى فيه بعد الصلاة؛ لظاهر الخبر، والعمل بظاهره أولى، فأما غير أهل الأمصار والقرى، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة، والخطبة بعد الصلاة؛ لأنه لا صلاة في حقّهم تُعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها. قال ابن قدامة: فإن لم يصلِّ الإمام في المصر لم يَجُز الذبح، حتى تزول الشمس؛ لأنها حينئذ تسقط، فكأنه قد صَلَّى، وسواء ترك الصلاة عمداً، أو غير عمد؛ لعذر أو غيره. فأما الذبح في اليوم الثاني، فهو في أول النهار؛ لأن الصلاة فيه غير واجبة، ولأن الوقت قد دخل في اليوم الأول، وهذا من أثنائه، فلا تعتبر فيه صلاة ولا غيرها، وإن صلى الإمام في المصلَّى، واستخلف من صلى في المسجد، فمتى صَلَّوا في أحد الموضعين، جاز الذبح؛ لوجود الصلاة التي يَسقُط بها الفرض، عن سائر الناس، فإن ذبح بعد الصلاة قبل الخطبة، أجزا في ظاهر كلام أحمد؛ لأن النبيّ وَّ عَلَّق المنع على فعل الصلاة، فلا يتعلق بغيره، ولأن الخطبة غير واجبة، وهذا قول الثوري. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة تَعْاللّهُ باختصار، وتصرّف. وقال في ((الفتح)) - عند قوله: ((فلا يذبح، حتى ينصرف)) - ما نصّه: ٣٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي تمسَّك به الشافعية في أن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة؛ وإنما شرطوا فراغ الخطيب؛ لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة، في هذه العبادة، فيُعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزي بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية، سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا، ويستوي في ذلك أهل المصر والحاضر والبادي. ونقل الطحاويّ عن مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ: لا تجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك، والأوزاعيّ، لا الشافعيّ. قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لمّا رأى الشافعيّ، أن من لا صلاة عيد عليه، مخاطَب بالتضحية، حَمَل الصلاة . على وقتها. وقال أبو حنيفة، والليث: لا ذبح قبل الصلاة، ويجوز بعدها، ولو لم يذبح الإمام، وهو خاص بأهل المصر، فأما أهل القرى والبوادي، فيدخل وقت الأضحية في حقهم، إذا طلع الفجر الثاني. وقال مالك: يذبحون إذا نحر أقرب أئمة القرى إليهم، فإن نحروا قبلُ أجزأهم. وقال عطاء، وربيعة: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس. وقال أحمد، وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة، جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية، قويّ من حيث الدليل، وإن ضعّفه بعضهم، ومثله قول الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام، قبل خطبته، وفي أثنائها، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((حتى ينصرف))؛ أي: من الصلاة، كما في الروايات الأخر، وأصرح من ذلك: ما وقع عند أحمد، من طريق يزيد بن البراء، عن أبيه، رفعه: إنما الذبح بعد الصلاة، ووقع في حديث جندب، عند مسلم: ((من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى))، قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة، من حديث البراء؛ أي: حيث جاء فيه: ((من ذبح قبل الصلاة))، قال: لكن إن أجريناه على ظاهره، اقتضى أن لا تجزىء الأضحية، في حق من لم يصلّ العيد، فإن ذهب إليه أحد، فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر، في هذه الصورة، ويبقى ما عداها في محل البحث. وتُعقّب بأنه قد وقع في ((صحيح مسلم))، في رواية أخرى: ((قبل أن يصلي))، أو ((نصلي)) بالشك، قال النووي: الأُولى بالياء، والثانية بالنون، وهو ٣٢٥ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) شك من الراوي، فعلى هذا إذا كان بلفظ ((يصلي))، ساوى لفظ حديث البراء، في تعليق الحكم بفعل الصلاة. قال الحافظ: وقد وقع عند البخاريّ، في حديث جندب، في ((الذبائح)) بمثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب ((العمدة))، فإنه ساقه على لفظ مسلم، وهو ظاهر في اعتبار فعل الصلاة، فإن إطلاق لفظ الصلاة، وإرادة وقتها خلاف الظاهر، وأظهر من ذلك قوله: ((قبل أن نصلي))، بالنون، وكذا قوله: ((قبل أن ننصرف))، سواء قلنا من الصلاة، أم من الخطبة. وادّعَى بعض الشافعية أن معنى قوله وَله: ((من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى))؛ أي: بعد أن يتوجه من مكان هذا القول؛ لأنه خاطب بذلك من حضره، فكأنه قال: من ذبح قبل فعل هذا من الصلاة والخطبة، فليذبح أخرى؛ أي: لا يعتدّ بما ذبحه، ولا يخفى ما فيه. وأورد الطحاويّ ما أخرجه مسلم، من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ: ((أن النبيّ وَ لقوله صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال، فنحروا، وظنوا أن النبيّ وَّر، قد نحر فأمرهم أن يعيدوا))، قال: ورواه حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ: ((أن رجلاً ذبح قبل أن يصلي رسول الله (، فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة))، وصححه ابن حبان، ويشهد لذلك قوله في حديث البراء: ((إن أول ما نصنع، أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع، فننحر))، فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يُشترط التأخير إلى نحر الإمام، ويؤيده من طريق النظر، أن الإمام لو لم ينحر، لم يكن ذلك مسقطاً عن الناس مشروعية النحر، ولو أن الإمام نحر قبل أن يصلي، لم يجزئه نَحْره، فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء. وقال المهلّب: إنما كُره الذبح قبل الإمام؛ لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة. انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح - كما تقدّم تصحيحه عن ابن قُدامة تَخُّْ - أن وقتها، في الموضع الذي يُصَلَّى فيه العيدُ بعد (١) ((الفتح)) ٥٧٢/١٢ - ٥٧٤، كتاب ((الأضاحي)) رقم (٥٥٦١). ٣٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي الصلاة؛ لظاهر الخبر، فإن العمل بظاهر الخبر مهما أمكن هو الواجب، فأما غير أهل الأمصار والقرى، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة، والخطبة بعد الصلاة؛ إذا كانوا لا يُصلّون صلاة العيد، حيث كان مذهبهم عدم مشروعيّتها في حقّهم، فوجب الاعتبار بقدرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في آخر وقت الأضحيّة: ذهبت طائفة إلى أن آخره اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده، وهذا قول عمر، وعليّ، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس ﴿ه، قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد، من أصحاب رسول الله وَلّة، وفي رواية قال: خمسةٍ من أصحاب رسول الله وَلقتله ولم يذكر أنساً، وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة. واحتجَ هؤلاء بأن النبيّ وَّ، نهى عن ادّخار الأضاحي فوق ثلاث، ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه، فلم تجز التضحية فيه كالذي بعده، ولأنه قول من ذُكر من الصحابة، ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي، وقد روي عنه ما يوافق الأولين. وتُعقّب بأن النهي عن الادّخار فوق ثلاث؛ لا يستلزم النهي عن الذبح؛ لأن النهي إنما وَرَد لأجل أن يتصدّقوا باللحم على المحتاجين، وهذا لا يمنع الذبح، بل يقتضيه، ودعوى عدم مخالفة الصحابة للمذكورين غير صحيحة. قال أبو محمد بن حزم كَّتُهُ - بعد ذِكر احتجاجهم بما ذُكر من عدم المخالف لهؤلاء الصحابة - ما نصّه: قد ذكرنا قضايا عظيمة خالفوا فيها جماعة من الصحابة ظه، لا يُعرف لهم مخالف، فكيف، ولا يصحّ شيء مما ذكرنا، إلا عن أنس وحده على ما بيّنّا قبلُ؟، وإن كان هذا إجماعاً، فقد خالف عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهريّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار الإجماع، وأَفّ لكلّ إجماع يخرُج عنه هؤلاء، وقد روينا عن ابن عباس ما يدلّ على خلافه لهذا القول. انتهى كلام ابن حزم تَخْذّتُهُ(١). (١) ((المحلّى)) ٣٧٨/٧. ٣٢٧ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) وذهبت طائفة إلى أن آخره آخر أيام التشريق، وإليه ذهب الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن؛ لأنه روي عن جبير بن مطعم: أن النبي وَّر قال: ((أيام منى كلها مَنْحَرٌ))؛ ولأنها أيام تكبير وإفطار، فكانت محلاً للنحر كالأوَّلَين. وتُعقّب بأن الحديث إنما هو: ((ومنى كلها منحر))، ليس فيه ذكر الأيام، والتكبير أعم من الذبح، وكذلك الإفطار، بدليل أول يوم النحر، ويوم عرفة يوم تكبير، ولا يجوز الذبح فيه. وذهب ابن سيرين إلى أنه لا تجوز الأضحية إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة عيد، فلا تجوز إلا في يوم واحد، كأداء الفطرة يوم الفطر، وبه قال سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، في حقّ أهل الأمصار، وفي حقّ أهل منى كالقول الأول. وذهب أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار إلى أنه تجوز التضحية إلى هلال مُحَرَّم، وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: كان الرجل من المسلمين، يشتري أضحية، فيُسَمّنها، حتى يكون آخر ذي الحجة، فيضحي بها، رواه الإمام أحمد، بإسناده، وقال: هذا الحديث عجيب، وقال: أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، ورُوي عن عليّ رَظُه، من جواز التضحية إلى هلال محرّم هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فقد أخرجه ابن حزم في ((المحلّى)) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسليمان بن يسار، قالا جميعاً: بلغنا أن رسول الله وَلهم قال: ((الأضحى إلى هلال المحرّم لمن أراد أن يستأني بذلك))، قال ابن حزم: هذا من أحسن المراسيل، وأصحّها، فيلزم الحنفيين، والمالكيين القول به، وإلا فقد تناقضوا. انتهى. قال الجامع: وهذا المرسل يعضده ما أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريق أحمد بن حنبل، عن عباد بن العوّام، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، وهو الأنصاريّ، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل، قال: ((كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحيّة، فيُسمّنها، ويذبحها في آخر ذي الحجة)). ٣٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي فهذا أثر صحيح، وقد علّقه البخاريّ في ((صحيحه)) بصيغة الجزم، وأبو أمامة، من كبار التابعين، وله رؤية، قد أخبر بأن ذلك كان فعل المسلمين، فصحّ الاحتجاج بالمرسل المذكور؛ لاعتضاده، عند من لا يحتجّ به إلا إذا اعتَضَدَ. والحاصل أن الحقّ جواز التضحية إلى آخر ذي الحجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في زمن ذبح الأضحية: ذهبت طائفة إلى أنه النهار، دون الليل، قال ابن قدامة: نصَّ عليه أحمد، في رواية الأثرم، وهو قول مالك، وروي عن عطاء ما يدل عليه. قال: وحكي عن أحمد رواية أخرى، أن الذبح يجوز ليلاً، وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقول الشافعيّ، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأصحابه؛ لأن الليل زمن یصح فيه الرمي، فأشبه النهار. ووجه الأول قولُ الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ﴾ الآية [الحج: ٢٨]، وروي عن النبيّ رَّ، أنه نهى عن الذبح بالليل، ولأنه ليلُ يوم يجوز الذبح فيه، فأشبه ليلة يوم النحر، ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحمّ في الغالب، فلا يفرَّق طَرِيّاً، فيفوت بعض المقصود، ولهذا قالوا: يُكره الذبح فيه، فعلى هذا إن ذبح ليلاً لم يجزئه عن الواجب، وإن كان تطوعاً، فذَبَحها كانت شاة لحم، ولم تكن أضحية، فإن فرّقها حصلت القربة بتفريقها دون ذبحها. انتهى كلام ابن قُدامة ◌َُّ بتصرّف(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الذبح ليلاً هو الأرجح؛ لأنه ليس هناك نصّ يمنع من ذلك؛ والآية ليس فيها التعرّض للنهي عن ذلك أصلاً، وما ذكروه من الحديث غير ثابت، فقد أخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير))، وفيه سليمان بن سلمة الْخَبَائريّ، وهو متروك، كما قاله (١) («المغني)) ٣٨٤/١٣ - ٣٨٧. ٣٢٩ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٦) الحافظ أبو بكر الهيثميّ(١)، بل كذّبه بعضهم، كما قال الذهبيّ(٢)، فتنبه. وقد حقّق المسألة أبو محمد بن حزم، مرجّحاً الجواز إلى هلال محرّم، ليلاً ونهاراً، فراجعه تستفد(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا فات وقت الذبح: ذهبت طائفة إلى أنه إذا فات وقت الذبح، ذَبَحَ الواجبَ قضاءً، وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته، وهو مخيَّر في التطوع، فإن فرّق لحمها كانت القربة بذلك، دون الذبح؛ لأنها شاة لحم، وليست أضحية، وبهذا قال الشافعيّ، وأحمد. وقال أبو حنيفة: يسلمها إلى الفقراء، ولا يذبحها، فإن ذبحها فرّق لحمها، وعليه أرش ما نَقَصَها الذبح؛ لأن الذبح قد سقط بفوات وقته. واحتجّ الأولون بأن الذبح أحد مقصودَي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته، كتفرقة اللحم، وذلك أنه لو ذبحها في الأيام، ثم خرجت قبل تفريقها فرّقها بعد ذلك، ويفارق الوقوف، والرمي، ولأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي هو الذي قاله الأولون؛ لأن ذمّته مشغولة بوجوبها، فلا تبرأ إلا بذبحها مهما أمكن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: إذا وجبت الأضحية بإيجابه لها، فَضَلَّت، أو سُرِقت بغير تفريط منه، فلا ضمان عليه؛ لأنها أمانة في يده، فإن عادت إليه ذبحها، سواء كان في زمن الذبح، أو فيما بعده. ذكره ابن قُدامة تَخْذِفُ(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد)) ٢٣/٤. (٢) ((ميزان الاعتدال)) للذهبيّ ٢٠٩/٢ - ٢١٠. (٣) راجع: ((المحلّى)) ٣٧٧/٧ - ٣٧٩. (٤) ((المغني)) ٣٨٧/١٣ - ٣٨٨. ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٧] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبٍ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إِلَى غَنَم، قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحِّ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو الأَخْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْم) الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقرٌ، صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدمً في ((الإيمان)) ١١٥/٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، كسابقه، وهو (٣٦١) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْتُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَا: عَلَى اسْمِ اللهِ، كَحَدِيثٍ أَبِي الأَخْوَصِ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا قريباً، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((أبو عوانة)) هو: وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ المكيّ. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) ضمير التثنية لأبي عوانة، وابن ٣٣١ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٥٩) عيينة؛ أي: رويا هذا الحديث عن الأسود بن قيس عن جندب بن سفيان [تنبيه]: رواية أبي عوانة عن الأسود بن قيس ساقها البخاريّ تَظْلَتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥١٨١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان البجليّ، قال: ضَحّينا مع رسول الله ﴿﴿ أَضْحِيّةً ذات يوم، فإذا أُناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة، فلمّا انصرف رآهم النبيّ وَّ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة، فقال: ((من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا، فليذبح على اسم الله)). انتهى(١). وأما رواية ابن عيينة، عن الأسود، فقد ساقها أبو عوانة تَخّْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٨٣٠) - حدثنا يونس بن عبد الأعلى وسعدان بن نصر قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، سمع جندب بن سفيان، يقول: شَهِدتُ الأضحى مع رسول الله وَه، فَعَلِم أن ناساً ذبحوا قبل الصلاة، فقال: ((من كان ذبح منكم قبل الصلاة فَلْيُعِدْ، ومن لا فليذبح على اسم الله)). انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٥٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ، سَمِعَ جُنْدَباً الْبَجَلِيَّ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ صَلَّى يَوْمَ أَضْخَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والذي قبله. وقوله: (يَوْمَ أَضْخَّى، ثُمَّ خَطَبَ) قال النوويّ تَخْتُهُ: ((أضحَى)) مصروف؛ أي: في لغة قيس على أنه مذكّر، ولا يُصرف في لغة بني تميم؛ لأنه عندهم مؤنّثٌ، كما تقدّم بيانه قريباً . (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٠٩٥/٥. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٧٢/٥. ٣٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي وفي هذا أن الخطبة للعيد بعد الصلاة، وهو إجماعٌ الناس اليومَ، وقد سبق بيانه واضحاً في ((كتاب الإيمان))، ثم في ((كتاب الصلاة))(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل بابين، ولله الحمد والمنّة وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّفُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٦٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر غُندر، عن شعبة هذه ساقها الرويانيّ تَخْشُ في ((مسنده))، فقال: (٩٥٨) - نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندب بن عبد الله البجليّ أنه شَهِد النبيّ وَّر صلى، ثم خطب، فقال: ((من ذبح قبل أن يصلي فليُعِد مكانها أخرى - وربما قال -: فليعد أخرى، ومن لا فليذبح باسم الله)). انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٥٠٦١] (١٩٦١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: ضَخَّى خَالِي أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((تِلْكَ شَاةُ لَحْم))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ، فَقَالَ: ((ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصِّلُحُ لِغَيْرِكَ))، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ ضَخَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ))). (١) ((شرح النوويّ)) ١١٢/١٣. (٢) ((مسند الرويانيّ)) ١٤١/٢. ٣٣٣ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٦١) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان الواسطي، المزني مولاهم، ثقة ثبت، [٨] (ت١٨٢) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨. ٢ - (مُطَرِّفُ) بن طَرِيف، أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٦] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٧٢. ٣ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشعبيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب، تقدّم أيضاً قريباً. وشيخه ذُكر في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ شيخه، فواسطيّ. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ) وَظُهُ أنه (قَالَ: ضَحَّى خَالِي أَبُو بُرْدَةَ) اسمه هانیء بن نِیَار، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هُبيرة، الصحابيّ الْبَلَويّ، حليف الأنصار، وشَهِد العقبةَ، وبَذْراً، والمشاهد، ومات سنة (٤١) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ((الحدود)) ٤٤٥٢/١٠. وقال في ((الفتح)): أبو بردة بن نيار - بكسر النون، وتخفيف الياء المثناة من تحت، وآخره راء - واسمه هانئ، واسم جده عمرو بن عبيد، وهو بَلَوِيّ، من حُلفاء الأنصار، وقد قيل: إن اسمه الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هُبيرة، والأول هو الأصح، وأخرج ابن منده من طريق جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن البراء قال: كان اسم خالي قليلاً، فسمّاه النبيّ وَّ كثيراً، وقال: یا کثیر إنما نَسَكْنا بعد صلاتنا، ثم ذكر حديث الباب بطوله، وجابر ضعيف، وأبو بردة ممن شَهِد العقبة، وبدراً، والمشاهد، وعاش إلى سنة اثنتين، وقيل: خمس وأربعين. انتهى (١). (قَبْلَ الصَّلَاةِ)؛ أي: قبل صلاة العيد، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ) بعد أن ذكر (١) ((الفتح)) ٥٥٨/١٢. ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي له عذره، ففي الرواية التالية: فقال: ((يا رسول الله إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه، وإني عجّلت نسيكتي لأُطعم أهلي، وجيراني، وأهل داري)). ((تِلْكَ)؛ أي: الشاة التي ذبحتها قبل الصلاة (شَاةٌ لَحْم)))؛ أي: شاة يُراد لحمها للأكل، لا شاة نُسُك يُتقرّب بها إلى الله تعالى، وقالَّ النوويّ كَّتُهُ: معناه؛ أي: ليست أضحيّةً، ولا ثواب فيها، بل هي لحم لك تنتفع به، كما في الرواية الأخرى: ((إنما هو لحم قدّمته لأهلك)). [تنبيه]: قد استُشكلت الإضافة في قوله: ((شاة لحم))، وذلك أن الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية، فالمعنوية إما مقدّرة بـ((من))، كخاتم حديد، أو باللام، كغلام زيد، أو بـ((في))، كضُرب اليوم، معناه ضُرب في اليوم، وأما اللفظية فهي صفةٌ مضافةٌ إلى معمولها، كضارب زيد، وحسن الوجه، ولا يصح شيء من الأقسام الخمسة في ((شاة لحم))، قال الفاكهيّ: والذي يظهر لي أن أبا بردة لَمّا اعتَقَد أن شاته شاة أضحية، أوقع في الجواب قوله: ((شاة لحم)) موقع قوله: شاةٌ غيرُ أضحية. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للاستشكال المذكور، فإن الإضافة هنا بمعنى اللام، فيكون المعنى أنها شاة مذبوحة للاستفادة من لحمها، لا لإقامة السنّة بالتضحية بها، وذلك أن القاعدة النحويّة، أن كلّ ما لا يصلح أن تكون إضافته بمعنى ((من))، أو ((في))، فإنها تكون بمعنى اللام، قال ابن مالك كَّهُ في ((خلاصته)): لَمْ يَصْلُحِ الَّ ذَاكَ وَاللََّمَ خُذَا وَالثَّانِيَ اجْرُرْ وَانْوِ (مِنْ)) أَوْ ((فِي)) إِذَا أَوْ أَعْطِهِ التَّعْرِيفَ بِالَّذِي تَلَا(٢) لِمَا سِوَى ذَيْنِكَ وَاخْصُصَ اوَّلَا والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) أبو بُردة (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً) وفي رواية البخاريّ: ((إن عندي داجناً جَذَعةً من المعز))، والداجن التي تألف البيوت، وتستأنس، وليس (١) ((الفتح)) ٥٥٨/١٢. (٢) راجع: ((شرح الألفية)) لابن عَقِيل، مع حاشية الخضريّ ٤/٣/٢. ٣٣٥ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٦١) لها سنّ معين، ولَمّا صار هذا الاسم عَلَماً على ما يألف البيوت اضمَحَلّ الوصف عنه، فاستوى فيه المذكر والمؤنث(١). و((الجذعة)) : - بفتح الجيم، والذال المعجمة -، قال ابن الأثير تَّتُهُ: أصل الْجَذَع من أسنان الدوابّ، وهو ما كان منها شابّاً فَتِيّاً، فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمّت له سنة، وقيل: أقلّ منها، ومنهم من يخالف بعض هذا في التقدير. انتهى(٢). وقال الفيّوميّ ◌َُّهُ: ((الجَذَعَة)) - بفتحتين - أُنثى الْجَذَع، جَمْعها جَذَعات، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبَات، والْجَذَع - بفتحتين أيضاً: ما قَبْل الثنيّ، والجمع جِذَاع، مثلُ جبل وجبال، وجُذْعان، بضمّ الجيم، وكسرها، وأَجْذَعَ ولدُ الشاة في السنة الثانية، وأجذع ولد البقرة، والحافر في الثالثة، وأجذع الإبل في الخامسة، فهو جذَّّعٌ. وقال ابن الأعرابي: الإجذاع وقتٌ، وليس بسنّ، فالعناق تُجذع لسنة، وربّما أجذعت قبل تمامها للخِصْب، فَتَسْمُنُ، فُيُسرع إجذاعها، فهي جذعة، ومن الضأن إذا كان من شابّين يُجذع لسّة أشهر إلى سبعة، وإذا كان من هرمين أجذع من ثمانية إلى عشرة. انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): اختَلَف القائلون بإجزاء الجذع من الضأن، وهم الجمهور، في سِنِّه على آراء: [أحدها]: أنه ما أكمل سنة، ودخل في الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل اللغة. [ثانيها]: نصف سنة، وهو قول الحنفية، والحنابلة. [ثالثها]: سبعة أشهر، وحكاه صاحب ((الهداية)) من الحنفية، عن الزعفراني. [رابعها]: ستة، أو سبعة، حكاه الترمذيّ عن وكيع. (١) ((الفتح)) ٥٥٨/١٢. (٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص١٤٣. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٤. ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي [خامسها]: التفرقة بين ما تولّد بين شابّين، فيكون له نصف سنة، أو بين هَرِمین، فيكون ابن ثمانية. [سادسها]: ابن عشر. [سابعها]: لا يجزي حتى يكون عظيماً، حكاه ابن العربيّ، وقال: إنه مذهب باطل، كذا قال، وقد قال صاحب ((الهداية)): إنه إذا كانت عظيمة، بحيث لو اختلطت بالثنيات، اشتبهت على الناظر من بعيد، أجزأت. وقال العبادي من الشافعية: لو أجذع قبل السنة؛ أي: سقطت أسنانه، أجزأ كما لو تمّت السنة قبل أن يُجذِع، ويكون ذلك كالبلوغ، إمّا بالسن، وإما بالاحتلام، وهكذا قال البغوي: الجذع ما استكمل السنة، أو أجذع قبلها. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن القول الأول هو الأرجح؛ لشهرته عند أهل اللغة؛ لأن الشارع إنما يأمر بما هو متعارف عند أهل اللغة؛ إلا أن يكون هناك دليل يصرفه إلى غيره، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (مِنَ الْمَعْزِ) بيان لـ((جذعة))، وهو بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وتُفتح، قال الفيّوميّ: المعز: اسم جنس، لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، الواحدة شاةٌ، وهي مؤنّثة، وتُفتح العين، وتُسكّن، وجمْع الساكن: أَمْعُزِّ، ومَعِيزٌ، مثلُ عَبْد، وأَعْبُدٍ، وعَبِيدٍ، والمِعْزَى أَلِفِها للإلحاق، لا للتأنيث، ولهذا يُنَوّن في النكرة، ويُصغّرُ على مُعَيْزٍ، ولو كانت للتأنيث لم تُحذَف، والذَّكَر ماعزٌ، والأنثى ماعزة. انتهى(٢). (فَقَالَ) النبيّ ◌َِّ ((ضَحِّ بِهَا)؛ أي: بتلك الجذعة، (وَلَا تَصْلُحُ) بضمّ اللام، وفتحها، وماضيه كنصر، ونفع، وكرُم، (لِغَيْرِك)))؛ يعني: أنها خصوصيّة لك، لا تعمّ غيرك، (ثُمَّ قَالَ) وَلِِّ ((مَنْ ضَخَّى)؛ أي: ذبح أضحيته (قَبْلَ الصَّلَاةِ)؛ أي: قبل صلاة العيد، (فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ)؛ أي: لِنَفْع نفسه، لا ليُقيم به السُّنَّة، (وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ)؛ أي: عبادته، (وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ)))؛ أي: طريقتهم، وهي التضحية في وقتها، وهو ما قبل صلاة العيد. (١) ((الفتح)) ٥٦٣/١٢، كتاب ((الأضاحي)) رقم (٥٥٥٦). (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٥. ٣٣٧ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٦١) وقال في ((الفتح)): قوله: ((ثم قال: من ذبح قبل الصلاة))؛ أي: صلاة العيد، ((فإنما يذبح لنفسه))؛ أي: وليس أضحية، ((ومن ذبح بعد الصلاة، فقد تمّ نسكه))؛ أي: عبادته، ((وأصاب سُنَّة المسلمين))؛ أي: طريقتهم. قال: هكذا وقع في هذه الرواية أن هذا الكلام وقع بعد قصة أبي بردة بن نيار، والذي في معظم الروايات، كما سيأتي قريباً من رواية زُبيد، عن الشعبيّ أن هذا الكلام من النبيّ وَّ وقع في الخطبة بعد الصلاة، وأن خطاب أبي بردة بما وقع له كان قبل ذلك، وهو المعتمد، ولفظه: سمعت النبيّ ◌َ ﴿ يخطب، فقال: ((إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع، فننحر، فمن فَعَل هذا فقد أصاب سُنَّتنا))، فقال أبو بردة: ((يا رسول الله، ذبحت قبل أن أصلي))، وفي رواية منصور، عن الشعبيّ، عن البراء، قال: خطبنا رسول الله وَل يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: ((من صلى صلاتنا، ونَسَك نُسُكنا، فقد أصاب النُّسُك، ومن نَسَك قبل الصلاة، فإنه لا نُسُك له))، فقال أبو بردة ... فذكر الحديث. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١ / ٥٠٦١ و٥٠٦٢ و٥٠٦٣ و٥٠٦٤ و٥٠٦٥ و٥٠٦٦ و٥٠٦٧ و٥٠٦٨ و٥٠٦٩ و٥٠٧٠] (١٩٦١)، و(البخاريّ) في ((العيدين)) (٩٥١ و٩٥٥ و٩٦٥ و٩٨٣) و((الأضاحي)) (٥٥٤٥ و٥٥٥٦ و٥٥٥٧ و٥٥٦٠) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٧٣)، و(أبو داود) في ((الضحايا)) (٢٨٠٠)، و(الترمذيّ) في ((الأضاحي)) (١٥٠٨)، و(النسائيّ) في ((العيد)) (١٨٢ و١٨٤ و١٩٠) و((الضحايا)) (٢٢٣/٧) و((الكبرى)) (٥٥٤/١ و٦٠/٣)، و(الشافعيّ) في (سننه)) ٥٨٨)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٧٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٢٨١ و٢٨٧ و٢٩٧ و٣٠٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٠/٢)، و(ابن خزيمة) (١) ((الفتح)) ٥٦٣/١٢، كتاب ((الأضاحي)) رقم (٥٥٥٦). ٣٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي في (صحيحه)) (١٤٢٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٠٦ و٥٩٠٧ و٥٩٠٨ و٥٩١٠ و٥٩١١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٩٤/٢٢)، و(أبو يعلى) في (مسنده)) (٢٢٥/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٣/٥ - ٧٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٧٢/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٠٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٩/٩ و٢٧٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١١١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم ذبح الأضحية قبل الإمام، وهو عدم الجواز، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء فيه في المسائل المذكورة في شرح حديث جندب بن أول الباب. سفيان ٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على وجوب الأضحية، على من التزم الأضحية، فأفسد ما يُضحِّي به، وردّه الطحاوي بأنه لو كان كذلك، لتعرّض إلى قيمة الأُولى ليلزم بمثلها، فلما لم يَعتبر ذلك دلّ على أن الأمر بالإعادة، كان على جهة الندب، وفيه بيانُ ما يجزي في الأضحية، لا على وجوب الإعادة. ٣ - (ومنها): أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبيّ وَّر، وأنه قد يَخُصّ بعض أمته بحكم، ويمنع غيره منه، ولو كان بغير عذر. ٤ - (ومنها): أن خطاب الشارع للواحد يعمّ جميع المكلفين، حتى يَظهر دليل الخصوصية؛ لأن السياق يُشعر بأن قوله لأبي بردة: ((ضَحِّ به)) - أي: بالجذع ـ لو كان يفهم منه تخصيصه بذلك، لَمَا احتاج إلى أن يقول له: ((ولن تجزي عن أحد بعدك». ويَحْتَمِل أن تكون فائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في الحكم المذكور، لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ، وهو قويّ. ٥ - (ومنها): أن من ذبح قبل الصلاة لم يجزئه، ولزمه البدل، قال ابن قُدامة كَّتُهُ: وهذا محمول على الأضحية الواجبة بنذر، أو تعيين، فإن كانت غير واجبة بواحد من الأمرين، فهي شاة لحم، ولا بدل عليه، إلا أن يشاء؛ لأنه قصد التطوع، فأفسده، فلم يجب عليه بدله، كما لو خرج بصدقة تطوع، ٣٣٩ (١) - بَابُ وَقْتِهَا - حديث رقم (٥٠٦١) فدفعها إلى غير مستحقها، والحديث يُحمل على أحد أمرين: إما على الندب، وإما على التخصيص بمن وجبت عليه، بدليل ما ذكرنا، فأما الشاة المذبوحة فهي شاة لحم، كما وصفها النبيّ وَّر، ومعناه: يصنع بها ما شاء، كشاةٍ ذبحها للحمها، لا لغير ذلك، فإن هذه إن كانت واجبة، فقد لزمه إبدالها، وذَبْح ما يقوم مقامها، فخرجت هذه عن كونها واجبة، كالهدي الواجب، إذا عَطِب دون محله، وإن كان تطوعاً، فقد أخرجها بذبحه إياها قبل محلها عن القربة، فبقيت مجرد شاة لحم. ويَحْتَمِل أن يكون حكمها حكم الأضحية، كالهدي إذا عَطِب، لا يخرج عن حكم الهدي على رواية، ويكون معنى قوله: ((شاة لحم))؛ أي: في فضلها، وثوابها خاصة، دون ما يصنع بها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول عندي هو الأظهر، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: ((اذبح مكانها أخرى))، وفي لفظ: ((أَعِد نسكاً))، وفي لفظ: ((ضَحِّ بها))، وغير ذلك من الألفاظ المصرحة بالأمر بالأضحية، على وجوب الأضحية، قال القرطبي في ((المفهم)): ولا حجة في شيء من ذلك، وإنما المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية، لمن أراد أن يفعلها، أو من أوقعها على غير الوجه المشروع خطأً، أو جهلاً، فبَيَّن له وجه تدارك ما فرّط منه، وهذا معنى قوله: ((لا تجزي عن أحد بعدك))؛ أي: لا يحصل له مقصود القربة، ولا الثواب، كما يقال في صلاة النفل: لا تجزي إلا بطهارة، وستر عورة، قال: وقد استدل بعضهم للوجوب بأن الأضحية من شريعة إبراهيم الخليل ◌ُلِّ*، وقد أُمرنا باتباعه، ولا حجة فيه؛ لأنا نقول بموجبه، ويُلزمهم الدليل على أنها كانت في شريعة إبراهيم واجبة، ولا سبيل إلى علم ذلك، ولا دلالة في قصة الذبيح للخصوصية التي فيها، والله أعلم. ٧ - (ومنها): أنَّ فيه أن الإمام يُعلّم الناس في خطبة العيد أحكام النحر. ٨ - (ومنها): أن فيه جواز الاكتفاء في الأضحية بالشاة الواحدة، عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور، وعن أبي حنيفة، والثوريّ: يكره، وقال الخطابيّ: لا يجوز أن يضحى بشاة واحدة عن اثنين، وادَّعَى نسخ ما دلّ ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأضاحي عليه حديث عائشة ها: ((ضَحّى رسول الله وَ ﴿ عن نسائه بالبقر))، رواه البخاريّ، وتُعقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. ٩ - (ومنها): أن فيه أن العمل وإن وافق نية حسنة، لم يصحّ إلا إذا وقع على وفق الشرع. ١٠ - (ومنها): أن فيه جوازَ أكل اللحم يوم العيد، من غير لحم الأضحية؛ لقوله: ((إنما هو لحم قدّمه لأهله)). ١١ - (ومنها): أن فيه كرم الربّمل؛ لكونه شرع لعبيده الأضحية، مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار، ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، ثم من تصدق أثيب، وإلا لم يأثم. ١٢ - (ومنها): أن فيه تخصيصَ أبي بردة بإجزاء الجذَع من المعز في الأضحية، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر به: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك)). قال البيهقيّ: إن كانت هذه الزيادة محفوظة، كان هذا رخصة لعقبة، كما رخص لأبي بردة. قال الحافظ: وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم فأيُّهما تَقَدَّم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صَدَرَ لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نُسِخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحاً، وقد انفصل ابن التين، وتبعه القرطبيّ، عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون الْعَتُّود، كان كبير السنّ، بحيث يجزيء، لكنه قال ذلك، بناءً على أن الزيادة التي في آخره، لم تقع له، ولا يتم مراده مع وجودها، مع مصادمته لقول أهل اللغة في العتود. وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين، فضعّف الزيادة، وليس بجيد، فإنها خارجة من مخرج الصحيح، فإنها عند البيهقي، من طريق عبد الله البوشنجي، أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه، وسائر فنون العلم، رواها عن يحيى بن بكير، عن الليث، بالسند الذي ساقه البخاريّ، ولكني رأيت الحديث في ((المتفق للجوزقي))، من طريق عبيد بن عبد الواحد، ومن طريق أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، كلاهما عن يحيى بن