Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٥٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلاً لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ - حديث رقم (٤٩٥٨ - ٤٩٥٩)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في الحديث
الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دخلتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها
(م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ،
له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧٦/٩٠.
و((شُعبة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية روح عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة رَّتُ في ((مسنده))،
فقال :
(٧٥٢٧) - حدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا رَوْح بن عُبادة، عن شعبة، عن
عاصم الأحول، قال: سمعت الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله وَالآتى:
(نَهَى إذا أطال الرجل الغيبة أن يطرق أهله ليلاً)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ
جَعْفَر - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ((نَهَى
رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَطَالَ الرَّجُلُ أَلْغَيْبَةَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ طُرُوقً)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل بابين، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى
البحث فيه مستوفى قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٥١٢/٤.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٦٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وهم المذكورون قبل حدیث.
قال الحافظ أبو عوانة تَكَّثُ في ((مسنده)) بعد إخراج الحديث من رواية
شعبة، عن عاصم ما نصّه: عند روح عن شعبة الحديثين جميعاً، عن سيّار،
وعاصم. انتھی.
يعني: أن روح بن عبادة روى الحديث عن شعبة بالإسنادين: إسناده عن
سيّار، عن الشعبيّ، عن جابر، وإسناده عن عاصم، عن الشعبيّ، عن جابر
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٦١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ◌ِ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً،
يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ (١))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة
حافظ فقيه عابد إمام حجة، وربما دلّس، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ١/١.
٣ - (مُحَارِبُ) بن دثار السَّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمام زاهدٌ [٤]
(١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٩/٤٠.
والباقيان ذُكرا في الباب.
قوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً) مؤكّد لمعنى
((يطرُق)) لأن الطروق يكون بالليل، فتنبّه.
(١) وفي نسخة: ((أو يطلب عثراتهم)).

٦٣
(٥٦) - بَابُ كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلاَّ لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ - حديث رقم (٤٩٦٢)
وقوله: (يَتَخَوَّنُهُمْ) قال النوويّ دَخُّْهُ: معناه: يظنّ خيانتهم، ويكشف
أستارهم، ويكشف هل خانوا أم لا؟.
قال: ومعنى هذه الروايات كلها أنه يُكره لمن طال سفره أن يُقدِم على
امرأته ليلاً بغتةً، فأما من كان سفره قريباً تتوقع امرأته إتيانه ليلاً فلا بأس، كما
قال في إحدى هذه الروايات: ((إذا أطال الرجل الغيبة))، وإذا كان في قَفْل
عظيم، أو عَسْكَرٍ ونحوهم، واشتهر قدومهم ووصولهم، وعَلِمت امرأته وأهله
أنه قادم معهم، وأنهم الآن داخلون فلا بأس بقدومه متى شاء؛ لزوال المعنى
الذي نُهي بسببه، فإن المراد أن يتأهبوا، وقد حصل ذلك، ولم يَقدَم بغتة،
ويؤيد ما ذكرناه ما جاء في الحديث الآخر: ((أمهلوا حتى ندخل ليلاً - أي:
عشاءً - كي تمتشط الشَّعِثَة، وتَسْتَحِدّ الْمُغِيبة))، فهذا صريح فيما قلناه، وهو
مفروض في أنهم أرادوا الدخول في أوائل النهار بغتةً، فأمرهم بالصبر إلى آخر
النهار؛ ليبلغ قدومهم إلى المدينة، وتتأهب النساء، وغيرهنّ، والله أعلم.
انتھی(١).
وقوله: (أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ) ((أو)) للشكّ من الراوي، ووقع في بعض
النسخ: ((عَثْرتهم)) بفتح، فسكون؛ أي: زلَّتهم، يقال: عَثَرَ الرجل في ثوبه
يَعْثُرُ، والدابة أيضاً، من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب عِثَاراً بالكسر،
والعَثْرَةُ: المرة، ويقال للزلة: عَثْرَةٌ؛ لأنها سقوط في الإثم، وفرّق بينهما في
((مختصر العين))، فقال: عَثَرَ الرجل عُثُوراً، وعَثَرَ الفرس عِثَاراً، وعَثَرَ عليه
عَثْراً، من باب قتل، وعُثُوراً: اطّلع عليه، وأَعْثَرَهُ غيره: أعلمه به.
(٢)
انتھی(٢) .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٦٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي هَذَا فِي الْحَدِيثِ،
أَمْ لَا؟، يَعْنِي: أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ، أَوْ بَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ).
(١) ((شرح النوويّ)) ٧١/١٣ - ٧٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٩٣/٢.

٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في
((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٨٨.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ)؛ يعني: ابن مهديّ، (قَالَ سُفْيَانُ) الثوريّ (لَا
أَدْرِي هَذَا فِي الْحَدِيثِ، أَمْ لَا؟، يَعْنِي: أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ) أشار
به إلى أن قوله: ((يتخوّنهم ... إلخ)) مما شكّ فيه سفيان، هل هو من جملة
الحديث المرفوع، أم لا؟، والظاهر أنه ليس من الحديث، وإلى هذا أشار
المصنّف برواية شُعبة التالية، حيث روى الحديث عن محارب، كما روى
سفيان، إلا أنه خالفه في الزيادة، فدلّ على أنها ليست منه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٦٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ،
عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَ بِكَرَاهَةٍ (١) الطَّرُوقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ
عَثَرَاتِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو المثنّى
البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
والباقون ذُكروا في الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) وفي نسخة: ((بكراهية)).

٦٥
٣٣ - كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ، وَمَا يُؤْكَّلُ مِنَ الْحَيَوَانِ
٣٣ - (كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِح،
وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ)
مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في الكلام على الصيد:
قال الفيّومِيّ رَّتُهُ: صاد الرجلُ الطيرَ يَصِيده صَيْداً، فالطير مَصِيدٌ، والرجل
صائدٌ، وصَيّادٌ. قال ابن الأعرابيّ: يقال: صَاد يَصَادُ، وباتَ يَبَاتُ، وعافَ
يَعَافُ، وخالَ الغيثَ يَخَالُهُ، لغةٌ في يَفْعِلُ بالكسر في الكلّ، وسُمّي ما يُصاد:
صَيْداً، إمّا فَعْلٌ بمعنى مفعول، وإما تسميةٌ بالمصدر، والجمع: صُيُود، واصطاده
مثلُ صاده، والمَصِيدة وزانُ كَرِيمة، والْمِصْيَدَة بكسر الميم، وسكون الصاد،
والْمِصْيَدُ بحذف الهاء أيضاً: آلة الصيد، والجمع: مصايد بغير همز. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ومن إطلاق الصيد على الْمَصِيد قول
الشاعر [من بحر الكامل]:
وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطَالُ
صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ
وفي ((حاشية)) ابن عابدين على ((الدرّ المختار)): الصيد مصدر صاده: إذا
أخذه، فهو صائد، وذاك مَصِيدٌ، ويُسمّى المصِيد صيداً، فيُجمع على صُيُود،
وهو كلّ ممتنع، متوحّشٍ طبعاً، لا يُمكن أخذه إلا بحيلة. انتهى. ((مُغرب)).
فخرج بـ((الممتنع)) مثل الدجاج والبطّ؛ إذ المراد منه أن يكون له قوائم،
أو جناحان، يملك عليهما، ويقدر على الفرار من جهتهما .
وبـ((المتوحّش)) مثل الْحَمَام؛ إذ معناه أن لا يألف الناس ليلاً، ونهاراً.
وبـ((طبعاً)) ما يتوحّش من الأهليّات، فإنها لا تحلّ بالاصطياد، وتحِلّ
بذكاة الضرورة، ودخل متوحّشٌ يألف، كالظبي، لا يمكن أخذه إلا بحيلة؛
أي: فإنه وإن كان مما يألف بعد الأخذ، إلا أنه صيد قبله، يحلّ بالاصطياد،

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
ودخل فيه ما لا يُؤكل لحمه. انتهى كلام ابن عابدين تَّتُهُ ببعض اختصار.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخَّلهُ: الأصل في جواز الصيد على الجملة
الكتاب، والسنّة، وإجماع الأمّة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ
لَّ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكِِّينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]؛ أي:
وصيد ما علّمتم، وقوله تعالى: ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾
الآية [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ, مَتَعًا لَّكُمْ
وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وأما السنّة فالأحاديث الآتية الصحيحة، وأما الإجماع فإنه قد أجمع أهل
العلم على إباحة الاصطياد، والأكل من الصيد.
والصيد ذكاة في المتوحّش طبعاً، غير المقدور عليه، المأكول نوعه،
والنظر فيه في الصائد، والْمَصِيد، والآلة التي يُصاد بها، ولكلّ منها شروط
يأتي بيانها أثناء النظر في الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى. انتهى كلام
القرطبيّ ببعض تصرّف(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب في الاصطياد
كلّها فيها إباحة الاصطياد، وقد أجمع المسلمون عليه، وتظاهرت عليه دلائل
الكتاب، والسنّة، والإجماع. قال القاضي عياض: هو مباح لمن اصطاد
للاكتساب، والحاجة، والانتفاع به بالأكل، وثمنه. قال: واختلفوا فيمن
اصطاد للّهو، ولكن قَصَد تذكيته، والانتفاع به، فكرهه مالكٌ، وأجازه الليث،
وابن عبد الحكم، قال: فإنْ فَعَله بغير نيّة التذكية، فهو حرام؛ لأنه فساد في
الأرض، وإتلاف نفس عَبَثاً. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في الكلام على الذبائح:
((الذبائح)): جمع ذبيحة، من ((الذبح)) - بفتح، فسكون - وهو قطع الحلقوم
من باطنٍ عند النَّصِيل، وهو موضع الذبح من الحلق، قال الفيّوميّ نَذْتُ:
ذبحت الحيوان ذَبْحاً، فهو ذبيحٌ، ومذبوحٌ، والذبيحة: ما يُذبح، وجَمْعها
ذبائح، مثلُ كريمة وكرائم، وأصل الذبح: الشَّقُّ، والذُّبْحُ وزانُ حِمْل: ما يُهيّأ
(١) ((المفهم)) ٢٠٤/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٥/١٣.

٦٧
٣٣ - كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيّوَانِ
للذَّبْح، والْمِذْبَحُ بالكسر: السكّين الذي يُذبح به، والْمَذْبَحُ بالفتح: الْحُلْقُوم.
انتھی(١).
وقال ابن منظور تَخْتُ: الذّبْحُ مصدر ذبحتُ الشاةَ، يقال: ذَبَحَه يَذْبَحُهُ
ذَبْحاً، فهو مذبوحٌ، وذَبِيحٌ، من قوم ذَبْحَى، وذَبَاحَى، وكذلك التیس، والكبش
من كِبَاش ذَبْحَى، وذَبَحَى. والذّبِيحَةُ: الشاة المذبوحة، وشاٌ ذَبِيحة، وذَبيحٌ،
من نِعَاج ذَبْحَى، وذَبَاحَى، وذَبَائح، وكذلك الناقة، قال الأزهريّ: الذَّبِيحة:
اسم لِمَا يُذبَح من الحيوان، وأُنّث لأنه ذُهب به مذهب الأسماء، لا مذهب
النعت، فإن قلت: شاة ذبيح، أو كبش ذبيح، أو نعجة ذبيحٌ لم تدخل فيه
الهاء؛ لأن فعيلاً إذا كان نعتاً في معنى مفعول يُذكّر، يقال: امرأةٌ قتيلٌ، وَكَفٍّ
خَضِيبٌ. وقال أيضاً: الذبيح: المذبوح، والأنثى ذبيحة، وإِنَّمّا جاءت بالهاء
لغلبة الاسم عليها. والذُّبح - بكسر، فسكون -: اسم ما أُعدّ للذبح، وهو
بمنزلة الذبيح، والمذبوح، كالطّحْن بمعنى المطحون، والْقِطْف بمعنى
[الصافات: ١٠٧]؛ أي:
المقطوف، قال الله تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ
بكبش يُذبح، وهو الكبش الذي فُدي به إسماعيل بن إبراهيم - صلى الله
عليهما، وعلى نبيّنا وسلّم -.
والذَّبْحُ أيضاً الشّقّ، وكلُّ ما شُقّ، فقد ذُبح، قال منظور بن مرثد الأسديّ
[من مشطور الرجز]:
يَا حَبَّذَا جَارِيَةٌ مِنْ عَكِّ تُعَقِّدُ الْمِرْطَ عَلَى مِدٌَ
شِبْهِ كَثِيبِ الرَّمْلِ غِيْرِ رَكٌ كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ
فَأُرَةُ مِسْكِ ذُبِحَتْ فِي سُكٌ
أي: فُتقت. ذكر هذا كلّه في ((لسان العرب))(٢).
[تنبيه]: إنما جمع الذبائح؛ لاختلاف أنواعها، من الإبل، والبقر،
والغنم، وغيرها، وإنما أفرد الصيد؛ لأنه في الأصل مصدر، كما سبق،
والمصدر يصدق بلفظه على القليل والكثير، والصيد بمعنى المصدر ذكاة في
الحيون المتوحّش، طبعاً، غير المقدور عليه المأكول نوعه، وأما الصيد بمعنى
(١) ((المصباح المنير)) ٢٠٦/١.
(٢) ((لسان العرب)) ٤٣٨/٢.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
المصيد، فهو الحيوان الذي يُقدر على ذكاته تارةً، ولا يُقدر عليها أخرى(١)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان بعض حكمة مشروعيّة الصيد والذبائح:
(اعلم): أن الله ◌َلَ أكرم الإنسان، وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلاً،
وسخّر له الكون، فكله قائم بخدمته، وإنجاز ما يهواه، ويُعينه على أداء ما
تُحمّله الأمانة، كما قال ◌َ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
الآية [البقرة: ٢٩]، وهذا النصّ ظاهر في أن ما على الأرض جميعاً مخلوق؛
لينتفع به الإنسان بصورة من صور الانتفاع، غير أن الانتفاع ينبغي أن يكون
على وجه جلب المنافع، وإقامة المصالح، لا على وجه يؤدّي إلى المفاسد
فرديّة كانت أو اجتماعيّة، خُلُقيّة كانت أو نفسيّة، دينيّة كانت أو دنيويّة، ومن
أجل ذلك شرع الله من الحلال والحرام، فأباح للإنسان ما ينفعه، وحرّم عليه
ما يضرّه، على وجه اقتضته حكمته البالغة التي ربما لا تصل إليها هذه العقول
القاصرة، فليس للإنسان إلا أن يستسلم لأوامر ربه ، وينتهي عن نواهيه،
سواء أدرك حكمتها أم لم يدركها؛ لأنه 3 أعلم بمصالح عباده، وهم
لا يعلمون، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمّ وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّ وَعَسَقَ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُرْ لَا
[البقرة: ٢١٦].
(٢١٦)
تَغْلَمُونَ
وإن الأكل والشرب من أعظم حاجات الإنسان التي لا يمكن أن يعيش
بدونها، وإن لحم الحيوان الطيّبة من أعظم المآكل التي عرفها الإنسان، فإنها
من ألذّ المأكولات طعماً، وأنفعها للصحة البشريّة، وأكثرها تقويةً للجسم،
وأوفرها وجوداً طبيعيّاً، لا يحتاج إلى غرس، أو زرع، وقد جُبل الإنسان على
استحسان طعمه، والانتفاع بملاذّه.
وقد ذكر صاحب ((التكملة)) عن الشيخ محمد قاسم النانوتويّ كَّتُهُ في
رسالة له أثناء ردّه على بعض الهنود الذين يُشَنِّعون على أكل اللحم، فقال:
إن الله جلّ خلق أعضاء كلّ حيوان وصوّرها بما يلائم فطرته في معيشته،
(١) راجع: شرح الشيخ الهرريّ ٣٠٢/٢٠.

٦٩
٣٣ - كِتَابُ الصَّيْدِ وَالَّبَائِحِ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ
وأكله، وشربه، فالطيور التي لها مناقير معوجّة تأكل اللحم، والتي لها مناقير
مستقيمة ترعى الحشيش ونحوه، وكذلك الحيوانات التي ترعى العشب، ولا
تأكل اللحم لها أضراس مدوّرة، وليس لها أنياب إلا نادراً، كالبقر، والغنم،
والإبل، والفرس، وأما الحيوانات التي تأكل اللحم فإن أضراسها عريضة،
وليست مدوّرة، ولها أنياب حادّة، مثل جميع السباع.
وإذا رأينا الإنسان على هذا العيار فإن له أضراساً عريضةً، وأنياباً حادّة،
وهذا يدلّ على أن فطرته تقتضي أكل اللحم، دون الاقتصار على الخضروات
والمزروعات.
ونظراً إلى هذه الأمور الفطريّة للإنسان أباح الله ◌ُعَلَ لحم الحيوانات
الطيّبة، وحرّم عليه منها ما يضرّ الصحّة الجسميّة، أو الروحيّة، أو النفسيّة، أو
الخُلقيّة.
ثم الحيوانات الطيّبة إنما أبيح لحومها إذا وقعت تذكيتها بطريق مشروعٍ،
فإن الحيوانات التي تموت طبعاً، أو التي تموت بالخنق، أو الوقذ تحتبس
دماؤها في أعضائها، فتتنجّس أعضاؤها، فإن أكل لحمها أورث أمراضاً
جسميّةً، أو نفسيّةً، أو خلقيّة.
فهذا هو السرّ في مشروعيّة الذبح والنحر، وطُرُق الذكاة الأخرى، فإنها
تُنهر الدم من جسم الحيوان، وتفيضها إلى الخارج بما يجعل لحمها طاهراً من
أوساخها، فيطيب اللحم للآكل.
وإن أفضل هذه الطرق هو الذبح والنحر، فإن إنهار الدم فيهما أكمل،
وإزهاق الروح بهما أسهل، فأوجبت الشريعة في الأحوال الاختياريّة أن يكون
قتل الحيوان بهذا الطريق المشروع فقط، فاشتُرِط في الحيوانات الأليفة أن
تُذبح، أو تُنحر لقطع عروقها، وأما في الحيوانات الشاردة التي لا تقع تحت
اختيار الإنسان، فاكتَفَى الشرع بمجرّد إنهار الدم بآلة محدودة، سواء كان هذا
الإنهار عن طريق حلقومها، أو عن طريق غيرها من الأعضاء.
ثم إن إنهار الدم طريق لتطهير ظاهر الحيوان، وشَرَع الله تعالى مع ذلك
ما يُطهّر باطنه، وذلك ذِكْر اسم الله تعالى عليه من قبل الذابح، أو الصائد،
واشترط أن يكون مسلماً، أو كتابيّاً؛ لأنّ ذِكر غيرهما غير معتبر شرعاً، فلا

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
يفيد طهارة الحيوان في الباطن. انتهى ما ذكره صاحب ((التكملة))(١)، وهو
بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) - (بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْي)
[٤٩٦٤] (١٩٢٩) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ أَسْمَ اللهِ
عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ الهِ عَلَيْهِ فَكُلْ))، قُلْتُ: وَإِنْ
قَتَلْنَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا))، قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي
بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ، فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ، فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ
أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ (٢) فَلَا تَأْكُلُهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل باب.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قريباً.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ
فقيه، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) وهو (٥٠) أو نحوها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٥ - (هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ) بن قيس بن عمرو النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢]
(ت٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٨/٤٧.
٦ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِم) بن عبد الله بن سعد بن الْحَشْرِج الطائيّ، أبو طَرِيف
الصحابيّ الشهير، كان ممن ثبت على الإسلام في الرِّدّة، وحضر فتوح العراق،
وحروب عليّ رَظُه، ومات ◌َُّه سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنةً، وقيل: (٨٠)
(ع) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠١٠/١٥.
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٤٧٩/٣ - ٤٨٠.
(٢) وفي نسخة: ((بعرض)).

٧١
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٦٤)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالكوفیین، غیر شیخه،
فمروزيّ، ثم نيسابوريّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على
قول من يجعل منصوراً من صغار التابعين، وقد مرّ تحقيقه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) قال في ((الفتح)): هو الطائيّ، وأبوه حاتم هو
المشهور بالجود، وكان هَّو أيضاً جواداً، وكان إسلامه سنة الفتح، وثبت هو
وقومه على الإسلام، وشَهِد الفتوح بالعراق، ثم كان مع عليّ ◌ًَّا، وعاش إلى
سنة ثمان وستين. انتهى(١). (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ
الْمُعَلَّمَةَ) اسم مفعول من التعليم، والمراد بالمعلَّمة: التي إذا أغراها صاحبها
على الصيد طلبته، وإذا زجرها انزجرت، وإذا أخذت الصيد حبسته على
صاحبها، وهذا الثالث مختلف في اشتراطه، واختُلِف متى يُعْلَم ذلك منها؟
فقال البغويّ في ((التهذيب)): أقله ثلاث مرات، وعن أبي حنيفة، وأحمد:
يكفي مرتين، وقال الرافعيّ: لم يقدّره المُعْظَم؛ لاضطراب العُرف، واختلاف
طباع الجوارح، فصار المرجع إلى العُرف.
ووقع في رواية مُجالد، عن الشعبيّ، عن عديّ في هذا الحديث عند أبي
داود، والترمذيّ، أما الترمذيّ فلفظه: ((سألت رسول الله وَلقول عن صيد البازي،
فقال: ما أمسك عليك فَكُل))، وأما أبو داود فلفظه: ((ما عَلَّمت من كلب، أو
باز، ثم أرسلته، وذكرت اسم الله فَكُل، ما أمسك عليك، قلت: وإن قَتَل؟
قال: إذا قتل، ولم يأكل منه)).
قال الترمذيّ: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بصيد الباز،
والصقور بأساً. انتهى.
وفي معنى الباز: الصقر، والعُقاب، والباشق، والشاهين، وقد فَسَّر
مجاهد ﴿الْجَوَارِج﴾ في الآية بالكلاب، والطيور، وهو قول الجمهور، إلا ما
(١) ((الفتح)) ٤١٩/١٢، كتاب ((الذبائح والصيد)) رقم (٥٤٧٥).

البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
: من التفرقة بين صيد الكلب، والطير(١)،
رُوي عن ابن عمر، وابن عباس
والله تعالى أعلم.
(فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ)؛ أي: يأخذن الصيد لأجلي، (وَأَذْكُرُ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ،
فَقَالَ) وَ ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ))) قال عديّ
(قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟)؛ أي: أَآكله، وإن لم أُدرك حياته، فأذكَّه؟ (قَالَ) وَ ((وَإِنْ
قَتَلْنَ)؛ أي: يحلّ لك أكله، وإن قتلته الكلاب قبل أن تُدركه، (مَا) مصدريّة
ظرفيّة؛ أي: مدّة ما (لَمْ يَشْرَكْهَا) بفتح أوله، وثالثه، يقال: شَرِكته في الأمر
أشرَكه، من باب تَعِبَ شَرِكاً أو شَرِكَةً، وزان کَلِم، وکَلِمَة، بفتح الأول، وکسر
الثاني: إذا صرتَ له شَرِيكاً (٢). (كَلْبٌ لَيْسَ مَعَّهَا))) وفي رواية: ((إذا أرسلت
كلابك المعلمة، وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره، فخشيت أن يكون أخَذَه
معه، وقد قتله فلا تأكل))، في رواية: ((وإن خالطها كلاب مِن غيرها فلا
تأكل))، وزاد في رواية بعد قوله: ((مما أمسكن عليك، وإن قَتلن، إلا أن يأكل
الكلب، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه))، وفي رواية: ((قلت: فإن
أكل؟ قال: فلا تأكل، فإنه لم يمسك عليك، إنما أمسك على نفسه)).
قال عديّ ◌َُّله: (قُلْتُ لَهُ)؛ أي: للنبيّ وَّهِ (فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ)
- بكسر الميم، وسكون المهملة، وآخره معجمة - قال الخليل، وتبعه جماعة:
سهم لا رِيش له، ولا نَصْل، وقال ابن دريد، وتبعه ابن سِيدَهْ: سهم طويل له
أربع قُذَذْ رِقَاق، فإذا رُمي به اعتَرَض، وقال الخطابيّ: المعراض نَصْل عريض،
له ثِقَل ورَزَانة، وقيل: عُود رقيق الطرفين، غليظ الوسط، وهو المسمى
بالحذّافة، وقيل: خشبة ثقيلة، آخرها عصاً محدّد رأسها، وقد لا يُحَدَّد، وقَوَّى
هذا الأخير النوويّ تبعاً لعياض عياض، وقال القرطبيّ: إنه المشهور، وقال
ابن التين: المعراض: عصاً في طرفها حديدةٌ، يَرمي الصائد بها الصيد، فما
أصاب بحدّه فهو ذكيّ، فيؤكل، وما أصاب بغير حدّه فهو وَقِيذ(٣).
(١) ((الفتح)) ٤٢٠/١٢، كتاب ((الذبائح والصيد)) رقم (٥٤٧٥).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١١/١.
(٣) ((الفتح)) ٤١٩/١٢، كتاب ((الذبائح والصيد)) رقم (٥٤٧٥).

٧٣
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْيٍ - حديث رقم (٤٩٦٤)
وقال ابن قُدامة كَُّ في ((المغني)): المعراض عُود محدّد، وربما جُعل
في رأسه حديدة، قال أحمد: المعراض يشبه السهم، يُحذف به الصيد، فربما
أصاب الصيد بحدّه، فخرق، وقتل، فيباح، وربما أصاب بعَرْضه، فقتل بثقله،
فيكون موقوذاً، فلا يباح، وهذا قول عليّ، وعثمان، وعمّار، وابن عباس، وبه
قال النخعيّ، والحكم، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وإسحاق،
وأبو ثور.
وقال الأوزاعيّ، وأهل الشام: يباح ما قتله بحدّه وعَرْضه، وقال ابن
عمر: ما رُمي من الصيد بجلاهق، أو مِعراض، فهو من الموقوذة، وبه قال
الحسن.
واحتجّ ابن قدامة للجمهور بحديث عديّ بن حاتم ربه المذكور هنا،
فإنه ◌َ* قال: ((ما خَزَق فكل، وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل))، متفق
عليه، وهذا نصّ (١) يردّ على أهل الشام، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الشوكانيّ ◌َّتُهُ في ((تفسيره)): وأما البنادق المعروفة الآن،
وهي بنادق الحديد التي تجعل فيها البارود والرصاص، ويُرمى بها، فلم يتكلم
عليها أهل العلم؛ لتأخّر حدوثها، فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة
العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات،
ولم يتمكن الصائد من تذكيته حياً؟ والذي يظهر لي أنه حلال؛ لأنها تخرق
وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر، وقد قال وَالقر في
الحديث الصحيح السابق: ((إذا رميت بالمعراض فخزَق فكله))، فاعتبر الخزق
في تحليل الصيد. انتهى كلام الشوكانيّ تَُّ(٢).
وقال العلامة الصنعانيّ تَّتُهُ: وأما البنادق المعروفة الآن فإنها ترمي
بالرصاص، فيخرج، وقد صيرته نار البارود كالميل فيقتل بحدّه، لا بصدمه
فالظاهر حِلّ ما قتلته. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشوكانيّ والصنعانيّ - رحمهما الله تعالى -
(١) ((المغني)) لابن قدامة تَقْتُ ٢٦/١١.
(٣) ((سبل السلام)) ٤/ ٨٥.
(٢) (فتح القدير)) للشوكانيّ ٢٦٥/٢.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
من حلّ أكل ما قُتل بالبنادق المعروفة الآن، تحقيقٌ حسنٌ جدّاً لا يظهر لي
غيره، والله تعالى أعلم.
(الصَّيْدَ) منصوب على المفعوليّة، (فَأُصِيبُ؟) عطف على ((أرمي))، فهو
مرفوع (فَقَالَ) بَّرِ ((إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضٍ، فَخَزَقَ) - بفتح الخاء المعجمة،
والزاي، آخره قاف - أي: نَفَذَ، يقال: خَزَقه خَزْقاً، من باب ضرب: طعنه،
وخَزَق السهم القرطاس: نفذ منه، فهو خازقٌ، وجمعه خوازق(١). (فَكُلْهُ، وَإِنْ
أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ) وفي بعض النسخ: ((بعرض)) بحذف الضمير، وهو بفتح،
فسكون: خلاف الطول، (فَلَا تَأْكُلْهُ))) وفي الرواية الثالثة: ((وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ
فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والماب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١ / ٤٩٦٤ و ٤٩٦٥ و٤٩٦٦ و٤٩٦٧ و ٤٩٦٨
و٤٩٦٩ و٤٩٧٠ و٤٩٧١ و٤٩٧٢ و٤٩٧٣] (١٩٢٩)، و(البخاريّ) في
((الوضوء)) (١٧٥) و((البيوع)) (٢٠٥٤) و((الذبائح والصيد)) (٥٤٧٥ و٥٤٧٦
و٥٤٧٧ و٥٤٨٣ و٥٤٨٥ و٥٤٨٦ و٥٤٨٧) و((التوحيد)» (٧٣٩٧)، و(أبو داود)
في ((الضحایا)) (٢٨٢٤ و٢٨٤٧ و٢٨٤٨ و٢٨٤٩ و٢٨٥٠ و٢٨٥١ و٢٨٥٢
و٢٨٥٣ و٢٨٥٤)، و(الترمذيّ) في ((الصيد)) (١٤٦٥ و١٤٦٩ و١٤٧٠
و١٤٧١)، و(النسائيّ) في ((الصيد والذبائح)) (١٨٠/٧ و١٨١ و١٨٢ و١٨٣)
و((الكبرى)) (١٤٣/٣ و١٤٥ و١٤٦ و١٤٧)، و(ابن ماجه) في ((الذبائح))
(٣١٧٧) و((الصيد)) (٣٢٠٨ و٣٢١٢ و٣٢١٣ و٣٢١٤ و٣٢١٥)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٨٥٠٢ و٨٥٣١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٠٣٠)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩١٤ و٩١٥ و٩١٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٨/١.

٧٥
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْيٍ - حديث رقم (٤٩٦٤)
٢٥٦ - ٢٥٧ و٢٥٨ و٣٧٧ و٣٧٩ و٣٨٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٩/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٨٨٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٥٤/١٧
و١٥٥ و١٥٦ و١٥٧ و١٦٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩١٩ و٩٢٠
و٩٢١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) ٧/٥ و٨ و٩ و١١ و١٢)، و(الدارقطنيّ) في
((سننه)) (٢٩٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٦/٩ و٢٣٨ و٢٣٩ و٢٤٢
و٢٤٣ و٢٤٤ و٢٤٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٧٦٨)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز الاصطياد، وأنه من الأمور المباحة، وليس من اللَّهو
واللعب.
٢ - (ومنها): جواز اقتناء الكلب للصيد.
٣ - (ومنها): جواز ما قتله الكلب من الصيد، إن لم يُدرَك حيّاً .
٤ - (ومنها): بيان وجوب التسمية عند إرسال الكلب إلى الصيد؛
لأمره # بذلك.
٥ - (ومنها): وجوب ذبح الصيد الذي أمسكه الكلب، إذا وُجد حيّاً، فلو
مات بعد أن تمكّن صاحبه من ذبحه، وتَرَكه لم يحلّ.
٦ - (ومنها): وجوب التسمية عند ذبحه، فلا تجزىء التسمية السابقة عند
الإرسال، وسيأتي مزيد بسط لذلك في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): اشتراط كون الكلب معلَّماً، فلو سمّى على كلب غير
معلّم، فَقَتَل الصيد لم يحلّ.
٨ - (ومنها): إباحة الاصطياد بالكلاب المعلَّمة، واستثنى أحمد،
وإسحاق الكلب الأسود، وقالا: لا يحل الصيد به؛ لأنه شيطان، ونُقل عن
الحسن، وإبراهيم، وقتادة نحو ذلك.
٩ - (ومنها): أن فيه فضلَ العلم، وأن للعالم من الفضيلة ما ليس
للجاهل؛ لأن الكلب إذا عُلّم يكون له فضيلة، على سائر الكلاب، فالإنسان
إذا كان له عِلم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيّما إذا عَمِل بما
عِلِمَ، وهذا كما رُوي عن عليّ بن أبي طالب ◌َُّه أنه قال: لكلّ شيءٍ قيمةٌ،

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
وقيمة المرء ما يُحسنه، ذكره أبو عبد الله القرطبيّ في ((تفسيره)) (١).
١٠ - (ومنها): جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المتقدمة، ولو لم
يُذبح؛ لقوله: ((إنّ أخذ الكلب ذكاة))، فلو قَتل الصيد بظفره، أو نابه حَلّ،
وكذا بثقله على أحد القولين للشافعيّ، وهو الراجح عندهم، وكذا لو لم يقتله
الكلب، لكن تركه، وبه رَمَقٌ، ولم يبق زمنٌ يُمْكِن صاحبه فيه لحاقُه وذبحه
فمات حَلّ؛ لعموم قوله: ((فإن أخذ الكلب ذكاءً))، وهذا في المعلّم. فلو وجده
حيّاً حياةً مستقرّةً، وأدرك ذكاته لم يحلّ إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الإمكان
حَرُم، سواءٌ كان عدم الذبح اختياراً، أو اضطراراً، كعدم حضور آلة الذبح،
فإن كان الكلب غير مُعَلَّم اشتُرِط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميتاً لم يحلّ.
١١ - (ومنها): أن شَرْط حلّ ما قتله الكلب المعلّم أن لا يشاركه فيه
كلب آخر في اصطياده، ومحلُّه ما إذا استرسل بنفسه، أو أرسله من ليس من
أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حَلّ، ثم يُنظر فإن
أرسلاهما معاً فهو لهما، وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله:
((فإنما سَمَّيت على كلبك، ولم تُسَمِّ على غيره))، فإنه يُفهم منه أن المرسِل لو
سمّى على الكلب لحلّ.
ووقع في رواية بيان عن الشعبيّ الآتية: ((وإن خالطها كلاب من غيرها
فلا تأكل))، فيؤخذ منه أنه لو وَجده حيّاً، وفيه حياة مستقرّة فذكّاه حلّ؛ لأن
الاعتماد في الإباحة على التذكية، لا على إمساك الكلب.
١٢ - (ومنها): أن من شَرْط الحلّ أيضاً أن لا يأكل الكلب من الصيد
الذي قتله، وإلا فلا يحلّ، ولو كان الكلب معلَّماً، وسيأتي تمام البحث في
ذلك في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
١٣ - (ومنها): إباحة الاصطياد للانتفاع بالصيد للأكل، والبيع، وكذا
اللهو، بشرط قَصْد التذكية والانتفاع، وكرهه مالك، وخالفه الجمهور، قال
الليث: لا أعلم حقّاً أشبه بباطل منه، فلو لم يقصد الانتفاع به حَرُم؛ لأنه من
الفساد في الأرض بإتلاف نفس عَبَثاً، وينقدح أن يقال: يباح، فإن لازَمَه وأكثر
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧٤/٦ ((تفسير سورة المائدة)).

٧٧
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٦٤)
منه كُرِه؛ لأنه قد يَشغله عن بعض الواجبات، وكثير من المندوبات.
وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عباس ﴿ّ رفعه: ((مَن سَكَن البادية جفا،
ومن اتبع الصيد غَفَل))، وله شاهد عن أبي هريرة عند الترمذيّ أيضاً، وآخر عند
الدارقطنيّ في ((الأفراد))، من حديث البراء بن عازب ﴿ًا، وقال: تفرّد به
شريك.
١٤ - (ومنها): جواز اقتناء الكلب المعلّم للصيد، وقد تقدّم البحث فيه
مستوفَى في شرح حديث: ((من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية ... )) الحديث.
١٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز بيع كلب الصيد؛ للإضافة في
قوله: ((كلبك)).
وأجاب من منع بأنها إضافة اختصاص، وقد تقدّم البحث في هذا
مستوفّى في شرح حديث: ((شرّ الكسب مهر البغيّ، وثمن الكلب ... ))
الحدیث.
١٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على طهارة سؤر كلب الصيد دون غيره من
الكلاب؛ للإذن في الأكل من الموضع الذي أكل منه، ولم يذكر الغسل، ولو
كان واجباً لبّنه؛ لأنه وقت الحاجة إلى البيان.
وقال بعض العلماء: يُعْفَى عن مَعَضّ الكلب، ولو كان نَجِساً؛ لهذا
الحدیث.
وأجاب من قال بنجاسته: بأن وجوب الغسل كان قد اشتَهَرَ عندهم،
وعُلِم، فاستَغْنَى عن ذكره.
قال الحافظ: وفيه نظرٌ، وقد يتقوى القول بالعفو؛ لأنه بشدة الجري
يَجِفّ ريقه، فيؤمَن معه ما يخشى من إصابة لعابه موضع العضّ.
١٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((كُلْ ما أمسك عليك)) بأنه لو أرسل
كلبه على صيد، فاصطاد غيره حلّ؛ للعموم الذي في قوله: ((ما أمسك))، وهذا
قول الجمهور، وقال مالك: لا يحلّ، وهو رواية البويطيّ عن الشافعيّ.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول أرجح؛ لظهور حجته، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط إرسال الكلب:

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
قال العلامة ابن قدامة تَظْثُ ما حاصله: يُشتَرط أن يُرسل الجارحةَ على
الصيد، فإن استرسَلَت بنفسها، فقتلت لم يُبَح، وبهذا قال ربيعة، ومالكٌ،
والشافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال عطاءٌ، والأوزاعيّ:
يؤكل صيده إذا أخرجه للصيد. وقال إسحاق: إذا سمّى عند انفلاته أُبيح
صيده. وروَى بإسناده عن ابن عمر ﴿مَا أنه سُئل عن الكلاب، تَنفَلِتُ من
مَرَابضها، فتصيد الصيد؟ قال: اذكر اسم الله، وكلْ. قال إسحاق: فهذا الذي
أختار إن لم يتعمّد هو إرساله من غير ذكر اسم الله عليه. قال الخلّال: هذا
على معنى قول أبي عبد الله.
واحتجّ الأولون بقول النبيّ وَّهِ: ((إذا أرسلت كلبك، وسمّيتَ، فكل))،
ولأن إرسال الجارحة جُعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتُبرت التسمية معه. وإن
استرسل بنفسه، فسمّى صاحبه، وزجره، فزاد في عَذْوه أبيح صيده؛ وهذا قول
أحمد، وأبي حنيفة؛ لأن زَجْره أثّر في عَدْوه، فصار كما لو أرسله، وذلك لأن
فِعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره، فالاعتبار بفعل الإنسان، بدليل ما لو
صال الكلب على إنسان، فأغراه إنسان، فالضمان على من أغراه. وقال
الشافعيّ: لا يُباح، وعن مالك كالمذهبين. وإن أرسله بغير تسمية، ثم سمّى
وزجره، فزاد عَدْوه، فظاهر كلام أحمد أنه يُباح؛ لأنه انزجر بتسميته وزَجْره،
فأشبه التي قبلها. وقال القاضي: لا يُباح صيده؛ لأن الحكم يُعلّق بالإرسال
الأول، بخلاف ما إذا استرسل بنفسه، فإنه لا يتعلّق به حظر، ولا إباحة.
انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في اشتراط كون الكلب وغيره
مُعَلَّماً :
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَظْلَثُ: تعليم الكلب وغيره مما يُصاد به هو تأديبه
على الصيد، بحيث يأتمر إذا أُمر، وينزجر إذا زُجر، ولا يُختلف في هذين
الشرطين في الكلاب، وما في معناها من سباع الوحوش، واختلف فيما يُصاد
به من الطير، فالمشهور أن ذلك مشترَط فيها. وذكر ابن حبيب أنه لا يُشترط أن
تنزجر إذا زُجرت، فإنه لا يتأتّى ذلك فيها غالباً، فيكفي أنه إذا أُمرت أطاعت.
قال: والوجود يشهد للجمهور، بل الذي لا ينزجر نادرٌ فيها، وقد شرَط

٧٩
(١) - بَابُ الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَالرَّمْىٍ - حديث رقم (٤٩٦٤)
الشافعيّ، وجمهور من العلماء في التعليم أن يُمسك على صاحبه، ولا يأكل
منه شيئاً، ولم يشترطه مالكٌ في المشهور عنه. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: اخْتُلِفَ مَتَى يُعْلَمُ تَعَلُّم الكلاب، فَقَالَ
الْبَغَوِيُّ فِي ((التَّهْذِيب)): أَقَلْه ثَلَاث مَرَّات، وَعَن أَبِي حَنِيفَة، وَأَحْمَدْ: يَكْفِي
مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: لَمْ يُقَدِّرُهُ الْمُعْظَم لاضْطِرَابِ الْعُرْف، وَاخْتِلَاف ◌ِطِبَاعِ
الْجَوَارِحِ، فَصَارَ الْمَرْجِعِ إِلَى الْعُرْف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُجَالِد عَنِ الشَّعْبِيّ، عَن
عَدِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، عِنْد أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيّ، أَمَّا التِّرْمِذِيّ، فَلَفْظه:
((سَأَلْتِ رَسُول اللهِوَّهِ عَنِ صَيْد الْبَازِي، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ))، وَأَمَّا
أَبُو دَاوُدَ، فَلَفْظُه: ((مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْب، أَوْ بَازٍ، ثُمَّ أَرْسَلْته، وَذَكَرْت اسْم الله،
فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك))، قُلْت: وَإِنْ قَتَلَ؟، قَالَ: ((إِذَا قَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلِ مِنْهُ))، قَالَ
التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَلِ عَلَى هَذَا عِنْد أَهْلِ الْعِلْمِ، لا يَرَوْنَ بِصَيْدِ الْبَاز، وَالصُّقُور
بأُساً. انتهى.
وقال ابن قُدامة كَُّ ما حاصله: لا خلاف في اعتبار كون الجارحِ
معلّماً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ
فَكُلُواْ ◌ِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤]، ولحديث عديّ بن حاتم، وأبي ثعلبة
الخشنيّ ◌ُّ: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم ... )) الحديث. قال: ويُعتبر في تعليمه
ثلاثة شروط: إذا أرسله استَرْسَل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل،
ويتكرّر هذا منه مرّةً أخرى، حتى يصير معلّماً في حُكم العرف، وأقلّ ذلك
ثلاث. قاله القاضي. وهو قول أبي يوسف، ومحمد، ولم يُقدّر أصحاب
الشافعيّ عدد المرّات؛ لأن التقدير بالتوقيف، ولا توقيف في هذا، بل قدّره بما
يصير به في العرف معلّماً. وحُكي عن أبي حنيفة أنه إذا تكرّر مرّتين، صار
معلّماً؛ لأن التكرار يحصل بمرّتين. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطّاب:
يحصل ذلك بمرّة، ولا يُعتبر التكرار؛ لأنه تعلّم صنعة، فلا يُعتبر فيه التكرار،
كسائر الصنائع.
وحجة القول الأول أن تَرْكه للأكل يَحْتَمِل أن يكون لشِبَع، ويَحْتَمِل أنه
(١) ((المفهم)) ٢٠٥/٥.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيد والذبائح ... إلخ
تعلّم، فلا يتميّز ذلك إلا بالتكرار، وما اعتُبر فيه التكرار اعتُبر ثلاثاً، كالمسح
في الاستجمار، وعدد الأقراء، والغسلات في الوضوء، ونحوها، ويفارق
الصنائع، فإنها لا يتمكّن من فعلها إلا من تعلّمها، فإذا فعلها عُلم أنه قد
تعلّمها، وعرفها، وتركُ الأكلِ ممكن الوجود من المتعلّم وغيره، ويوجد من
الصنفين جميعاً، فلا يتميّز به أحدهما من الآخر حتى يتكرّر. انتهى كلام ابن
قُدامة ◌َّتُهُ بتصرّف(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول عندي أقرب؛ لوضوح
حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إلحاق غير الكلب به في
جواز الصید به:
قال ابن قُدامة تَظْتُ أيضاً: وكلّ ما يقبل التعليم، ويُمكن الاصطياد به من
سباع البهائم، كالفهد، أو جوارح الطير، فحُكمه حكم الكلب في إباحة صيده.
قال ابن عبّاس ﴿هَ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ الآية: هي
الكلاب المعلّمة، وكلّ طير تعلّم الصيد، والفُهود، والصقور، وأشباهها .
وبمعنى هذا قال طاوس، ويحيى بن أبي كثير، والحسن، ومالكٌ، والثوريّ،
وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعيّ، وأبو ثور. وحُكِي عن ابن عُمر،
ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ
الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾ [المائدة: ٤]؛ يعني: كَلَّبتم من الكلاب.
واحتجّ الأولون بما رُوي عن عديّ بن حاتم ظُه، قال: سألت
رسول الله يل عن صيد البازي؟ فقال: ((إذا أمسك عليك، فكل))(٢)، ولأنه
جارحٌ يُصاد به عادةً، ويَقبل التعليمَ، فأشبه الكلب، فأما الآية فإن الجوارح
الكواسب، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِلنََّارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]؛ أي: كسبتم، وفلان
جارحة أهله؛ أي: كاسبهم، ﴿مُكَلِّينَ﴾ من التكليب، وهو الإغراء. انتهى كلام
ابن قدامة تَخَّلهُ.
(١) ((المغني)) لابن قدامة كَذَثُ ٢٦٢/١٣.
(٢) سيأتي قريباً أنه ضعيف؛ لتفرّد مجالد بن سعيد به، وهو ضعيف.