Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ (٤٧) - بَابُ ذَمِّ مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ - حديث رقم (٤٩٢٣) كان كذلك أشبه المنافقين، وإن لم يكن كافراً، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقال النوويّ تَظُله: هذا الذي قاله ابن المبارك مُحْتَمِل، وقد قال غيره: إنه عامّ، والمراد: أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإنّ ترك الجهاد أحدُ شُعب النفاق، وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فِعلها لا يتوجه عليه من الذمّ ما يتوجه على من مات، ولم ينوها، وقد اختَلَف أصحابنا فيمن تمكّن من الصلاة في أول وقتها، فأخّرها بنيّة أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها، أو أخّر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى، فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا؟ والأصح عندهم أنه يأثم في الحج دون الصلاة؛ لأن مدة الصلاة قريبة فلا تُنسب إلى تفريط بالتأخير، بخلاف الحجّ، وقيل: يأثم فيهما، وقيل: لا يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَّتُهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عدم الإثم فيهما هو الظاهر؛ لأنه موسّع عليه في ذلك شرعاً؛ إذ الراجح أن الحجّ على التراخي، وكذلك وقت الصلاة موسّع، والله تعالى أعلم. وقال الصنعانيّ دَّثُهُ: فيه دليل على وجوب العزم على الجهاد، وألحقوا به فعلَ كلِّ واجب، قالوا: فإن كان من الواجبات المطلقة، كالجهاد وجب العزم على فعله عند إمكانه، وإن كان من الواجبات المؤقتة وجب العزم على فِعله عند دخول وقته، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الأصول، وفي المسألة خلاف معروف. قال: ولا يخفى أن المراد من الحديث هنا: أن من لم يغز بالفعل، ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على خَصْلة من خصال النفاق، فقوله: ((ولم يحدّث نفسه)) لا يدل على العزم الذي معناه: عَقْد النية على الفعل، بل معناه هنا: لم يخطر بباله أن یغزو، ولا حدّث به نفسه، ولو ساعة من عمره، ولو حدّثها به، أو خطر الخروج للغزو بباله حيناً من الأحيان خرج من الاتّصاف بخصلة من خصال النفاق، وهو نظير قوله وَله: ((ثم صلّى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه))؛ (١) ((المفهم)) ٣/ ٧٥٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٦/١٣. ٦٦٢ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أي: لم يخطر بباله شيء من الأمور، وحديث النفس غير العزم وعقد النية. ودلّ على أن من حدّث نفسه بفعل طاعة، ثم مات قبل فِعلها أنه لا يتوجه عليه عقوبةُ من لم يحدّث نفسه بها أصلاً. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا من أفراد المصنّف تحدثه . ـة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٢٣/٤٧] (١٩١٠)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٠٢)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٨/٦) و((الكبرى)) (٤٣٠٥)، و(أحمد) في (مسنده)) (٣٧٤/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٨٨/٢ - ٨٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٩٢/٤)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٤٨) - (بَابُ ثَوَابٍ مَنْ حَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ، أَوْ عُذْرٌ آخَرُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٢٤] (١٩١١) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً، مَا سِرْتُمْ مَسِيراً، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِياً، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريباً. (١) ((سبل السلام)) ٤١/٤. ٦٦٣ (٤٨) - بَابُ ثَوَابٍ مَنْ حَبَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ، أَوْ عُذْرٌ آخَرُ - حديث رقم (٤٩٢٤) ٤ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدّم في (الإيمان)) ١١٧/٤. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام ظًا، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، ظُه من المكثرين السبعة، روى وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر (١٥٤٠) حديثاً . شرح الحديث: رَّهِ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّ فِي غَزَاةٍ) - بفتح الغين (عَنْ جَابِرٍ) المعجمة -: اسم من الْغَزو، يقال: غزاه غَزْواً: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم، قاله المجد دَّهُ(١). (فَقَّالَ) وَ ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً) اسم ((إنّ)) مؤخّراً، ولذا دخلت عليه اللام، (مَا) نافية، (سِرْتُمْ) بكسر السين، من باب باع، (مَسِيراً) بفتح، فكسر: مصدر ميميّ لسار؛ أي: سيراً، (وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِياً) قال الفيّومِيّ ◌َّتُهُ: وَدَى الشيءُ: إذا سال، ومنه اشتقاق الوادي: وهو كلُّ منفرِج بين جبال، أو آكام يكون منفَذاً للسَّيل، والجمع أودية. انتهى(٢). (إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ)؛ أي: في الأجر والصواب، وقوله: (حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ))) جملة مستأنَفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدّر، تقديره هنا: كيف يكونون معنا، ولم يشاركونا الغزو؟، فأجابهم بأن المرض مَنَعهم من مشاركتكم، فكان لهم الأجر مثلكم؛ لنّتهم الصالحة. وفي حديث أنس ◌َُّه عند البخاريّ: ((إلا وَهُمْ معنا فيه، حَبَسهم العذر))، قال في ((الفتح)): وفي رواية الإسماعيليّ: ((إلا وهم معكم فيه بالنية))، ولابن حبان، وأبي عوانة، من حديث جابر: ((إلا شَرِكوكم في الأجر)) بدل قوله: ((إلا كانوا معكم))، والمراد بالعذر: ما هو أعمّ من المرض، وعدم (١) ((القاموس المحيط)) ص ٩٤٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٥٤/٢. ٦٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة القدرة على السفر، قال: وقد رواه مسلم من حديث جابر رضي الله بلفظ: ((حبسهم المرض))، وكأنه محمول على الأغلب. وفي رواية أبي داود: ((لقد تركتم بالمدينة أقواماً، ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وَهُمْ معكم فيه)»، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا، وهم بالمدينة؟ قال: ((حَبَسهم العُذر)). قال المهلَّب: يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ الآية [النساء: ٩٥]، فإنه فاضَل بين المجاهدين والقاعدين، ثم استثنى أولي الضرر من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين، وفيه: أن المرء يبلغ بنّته أجر العامل إذا مَنَعه العذر عن العمل. انتهى(١). وقال النوويّ تَّثُهُ: في هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات، فعَرَض له عذر مَنَعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك، وتمنى كونه مع الغُزاة ونحوهم كَثُر ثوابه، والله أعلم. انتهى(٢). وقال ابن الملقّن تَّقُ: هذا الحديث دالّ على أن من حبسه العذر من أعمال البرّ مع نيّته فيها: أنه يُكتب له أجر العامل بها، كما قال ◌َّ فيمن غلبه النوم عن صلاة الليل: إنه يكتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقةً عليه. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ظه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٢٤/٤٨ و٤٩٢٥] (١٩١١)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٦٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٠/٣ و٣٤١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٧١٤)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (١٥٢/٢)، و(عبد بن (١) ((الفتح)) ١٠٧/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٣٩). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٣/ ٥٧. (٣) ((التوضيح شرح الجامع الصحيح)) ١٧/ ٤٧٢. ٦٦٥ (٤٨) - بَابُ ثَوَابٍ مَنْ حَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ، أَوْ عُذْرٌ آخَرُ - حديث رقم (٤٩٢٥) حُميد) في ((مسنده)) (٣٢٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤/٩)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٢٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((إِلَا شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم أيضاً قريباً . ٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ١٧/٤. ٥ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً. ٦ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٧ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم قريباً. و((الأعمش)) ذُكر قبله. وقوله: ((إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ))) بكسر الراء، يقال: شَرِكته في الأمر أشرَكه، من باب تَعِبَ، شَرِكاً، وشَرِكَةً، وزانُ كَلِم، وکَلِمة، بفتح الأول، وكسر الثاني: إذا صِرت له شريكاً(١). وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم: أبو معاوية، ووكيعٌ، وعيسى بن يونس رووا هذا الحديث عن الأعمش بسنده الماضي. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش ساقها سعيد بن منصور ◌َّتُهُ في ((سننه))، فقال: (١) ((المصباح المنير)) ٣١١/١. ٦٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (٢٣١٠) - حدّثنا سعيد، قال: نا أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: خرج رسول الله وَ﴿ في سفر، قال: ((إن بالمدينة لَرجالاً، ما سرنا مسيراً، وقطعنا وادياً، إلا كانوا معنا فيه، حبسهم المرض)). (١) انتھی(١). وأما رواية وكيع، عن الأعمش، فقد ساقها الإمام أحمد تَّتُ في «مسنده))، فقال: (١٤٢٤٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا وكيعٍ، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لقد خَلَّفتم بالمدينة رجالاً، ما قطعتم وادياً، ولا سلكتم طريقاً، إلا شَرِكوكم في الأجر، حبسهم المرض)). (٢) انتھی(٢). وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٩) - (بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال: [٤٩٢٦] (١٩١٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِن ◌َّهِ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيّْهًّا رَسُولُ اللهِ وَيهِ يَوْماً، فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتَّ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَتَامَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ نَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكُ عَلَى الأَسِرَّةِ»، يَشُُك أَيَّهُمَا قَالَ، (١) ((سنن سعيد بن منصور)) ٢/ ١٥٢. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣/ ٣٠٠. ٦٦٧ (٤٩) - بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٢٦) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَلُكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أَمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ))، كَمَا قَالَ فِي الأُولَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهَ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ))، فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ (١) مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَخَّرِ، فَهَلَكَتْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجة [٤] (ت٢٣٢) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو (٣٥٢) من رباعيّات الكتاب، وفيه أنس رضي ◌ُه، تقدّم الكلام فيه قبل بابين. شرح الحديث : (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَام) - بفتح الحاء المهملة، والراء - (بِنْتِ مِلْحَانَ) - بكسر الميم، وسكون اللام - بن خالد بن زيد بن حرام الأنصاريّة، خالة أنس، صحابيّة مشهورة، ماتت في خلافة عثمان ظـ وتقدّمت ترجمتها في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٠٢/٤٩. وفي رواية للبخاريّ: ((كان رسول الله وَ له إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام ... ))، قال في (الفتح)): قوله: ((إذا ذهب إلى قُباء)) لم يذكر أحد من رواة ((الموطأ)) هذه الزيادة إلا ابن وهب، قال الدار قطنيّ: وتابع إسماعيلَ عليها عتيقُ بن يعقوب عن مالك. انتهى(٢). قال: وقوله: ((أم حرام)) بفتح المهملتين، وهي خالة أنس، وكان يقال لها: الرُّمَيصاء، ولأم سُليم: الغُميصاء، بالغين المعجمة، والباقي مثله، قال (١) وفي نسخة: ((زمان)). (٢) ((الفتح)) ٢٣٩/١٤. ٦٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة القاضي عياض: وقيل: بالعكس(١)، وقال ابن عبد البرّ: الغميصاء والرميصاء هي أم سُليم. قال الحافظ: ويَرُدّه ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عطاء بن يسار، عن الرُّميصاء، أخت أم سليم، فذكر نحو حديث الباب. ولأبي عوانة من طريق الدَّراورديّ عن أبي طُوالة، عن أنس: أن النبيّ وَّ وضع رأسه في بيت بنت ملحان إحدى خالات أنس. ومعنى الرَّمَص، والْغَمَص متقارب، وهو اجتماع القذى في مؤخّر العين، وفي هُدُبها، وقيل: استرخاؤها، وانكسار الجفن. انتهى. [تنبيه]: اختُلِف في هذا الحديث، عن أنس، فمنهم من جعله من مسنده، ومنهم جعله من مسند أم حرام، والتحقيق أن أوّله من مسند أنس، وقصة المنام من مسند أم حرام، فإن أنساً إنما حَمَل قصة المنام عنها، وقد وقع في أثناء هذه الرواية: ((قالت: فقلت: يا رسول الله ما يضحكك؟)). (فَتُطْعِمُهُ) بضمّ أوله، من الإطعام، (وَكَانَتْ أُمّ حَرَام تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) هذا ظاهره أنها كانت حينئذ زوج عبادة، وفيَّ الرواية التالية: ((فتزوّجها عُبادة بن الصامت بعدُ، فغزا في البحر))، ويُجمع بأن المراد بقوله هنا: ((وكانت تحت عبادة ... إلخ)) الإخبار عما آل إليه الحالُ بعد ذلك، وهو الذي اعتمده النوويّ، وغيره، تبعاً للقاضي عياض. قال الحافظ تَخْلَتُهُ: لكن وقع في ترجمة أم حرام من ((طبقات ابن سعد)) أنها كانت تحت عبادة، فولدت له محمداً، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد الأنصاريّ النجاريّ، فولدت له قيساً، وعبد الله، وعمرُو بن قيس هذا اتَّفَق أهل المغازي أنه استُشْهد بأُحد، وكذا ذكر ابن إسحاق أن ابنه قيس بن عمرو بن قيس استُشهد بأحد، فلو كان الأمر كما وقع عند ابن سعد لكان محمد صحابيّاً؛ لكونه وُلد لعبادة قبل أن يفارق أم حرام، ثم اتَّصَلت بمن ولدت له قيساً، فاستُشهد بأحد، فيكون محمد أكبر من قيس بن عمرو، إلا أن يقال: إن (١) ((مشارق الأنوار)) ٢٧٧/١. ٦٦٩ (٤٩) - بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٢٦) عبادة سَمَّى ابنه محمداً في الجاهلية، كما سُمي بهذا الاسم غيرُ واحد، ومات محمد قبل إسلام الأنصار، فلهذا لم يذكروه في الصحابة. قال: ويعكُر عليه أنهم لم يَعُدّوا محمد بن عبادة فيمن سُمّي بهذا الاسم قبل الإسلام. ويمكن الجواب(١)، وعلى هذا فيكون عبادة تزوجها أوّلاً، ثم فارقها، فتزوجت عمرو بن قيس، ثم استُشهد، فرجعت إلى عبادة. قال: والذي يظهر لي أن الأمر بعكس ما وقع في ((الطبقات))، وأن عمرو بن قيس تزوجها أوَّلاً، فوَلَدت له، ثم استُشهد هو وولده قيس منها، وتزوجت بعده بعبادة. انتهى(٢). (فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ،وَلِ يَوْماً، فَأَطْعَمَتْهُ) قال الحافظ: لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ. انتهى. (ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) - بفتح المثناة، وسكون الفاء، وكسر اللام - أي: تُفَتِّش ما فيه من القمل، فتُخرجه (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَِ)، وفي الرواية التالية: ((أتانا النبيّ وَ ﴿ يوماً، فقال عندنا))، وفي رواية للبخاريّ: ((فنام قريباً مني))، وفي رواية له: ((فاتكأ))، وفي له: ((أن النبيّ وَِّ قال يوماً في بيتها))، وفي رواية لأحمد، وابن سعد: ((بينا رسول الله ﴿ ﴿ قائلاً في بيتي))، وفي رواية لأحمد: ((فنام عندها، أو قال)) بالشك. (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) وَ (وَهُوَ يَضْحَك) بفتح أوله، من باب تَعِبَ، جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، (قَالَتْ) أم حرام (فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ؟) بضمّ أوله، من الإضحاك؛ أي: أيُّ شيءٍ يَحْملك على الضحك؟ (يَا رَسُولَ اللهِ)، وفي الرواية التالية: ((فقلت: ما يُضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي))، وفي رواية للبخاريّ: ((لِمَ تضحك؟))، ولأحمد: (مِمّ تضحك؟))، وفي رواية عطاء بن يسار، عن الرُّميصاء: ((ثم استيقظ، وهو يضحك، وكانت تغسل رأسها، فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسي؟ قال: لا))، أخرجه أبو داود، (١) هكذا لم يذكر الجواب في ((الفتح))، والظاهر أن الجواب أن يقال: إن عدم ذكرهم له لا يستلزم عدم وجوده، والله تعالى أعلم. (٢) ((الفتح)) ١٤/ ٢٤١. ٦٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ولم يَسُق المتن، بل أحال به على رواية حماد بن زيد، وقال: يزيد وينقص، وقد أخرجه عبد الرزاق من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود، فقال: عن عطاء بن يسار، أن امرأةً حدثته، وساق المتن، ولفظه يدلّ على أنه في قصة أخرى غير قصة أم حرام، فالله أعلم، قاله في ((الفتح))(١). (قَالَ) بَّهِ ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أظهر الله تعالى لي صُورهم، وأحوالهم حال كونهم راكبي البحر، ﴿وَلَهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. (غُزَاةً) بضمّ الغين المعجمة: جَمْع غاز؛ أي: حال كونهم غازين (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله ◌ُعَلَ، وفي الرواية الآتية: ((أُرِيتُ قوماً من أمتي))، وفي رواية للبخاريّ: ((فقال: عَجِبت من قوم من أمتي))، وهذا يُشعر بأن ضحكه وَلّ كان إعجاباً بهم، وفرحاً لِمَا رأى لهم من المنزلة الرفيعة، (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ)، وفي رواية الليث الآتية: (يركبون هذا البحر الأخضر))، وفي رواية: (يركبون ظهر البحر))، وفي رواية للبخاريّ: (يركبون البحر))، وفي رواية له: ((يركبون البحر الأخضر في سبيل الله)). و((الثَّبَجُ)): بفتح المثلثة، والموحدة، ثم جيم: ظَهْر الشيء، هكذا فسَّره جماعة، وقال الخطابيّ: متن البحر وظَهْره، وقال الأصمعيّ: ثبج كل شيء: وسطه، وقال أبو عليّ في ((أماليه)): قيل: ظَهْره، وقيل: مُعْظمه، وقيل: هَوْله، وقال أبو زيد في ((نوادره)): ضُرِب تَبَجُ الرجلِ بالسيف؛ أي: وسطه، وقيل: ما بين كتفيه، والراجح أن المراد هنا: ظَهْره، كما وقع التصريح به في الطريق المشار إليها آنفاً، والمراد: أنهم يركبون السُّفُن التي تجري على ظهره، ولمّا كان جري السفن غالباً إنما يكون في وسطه قيل: المراد وسطه، والا فلا اختصاص لوسطه بالركوب. وأما قوله: ((الأخضر))، فقال الكرمانيّ(٢): هي صفة لازمة للبحر، لا مُخَصِّصة. انتهى. ويَحْتَمِل أن تكون مُخَصِّصةً؛ لأن البحر يُطلق على الملح والعذب، فجاء (١) ((الفتح)) ٢٤٢/١٤، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٨٢). (٢) ((شرح البخاريّ)) للكرمانيّ ١٠٣/١٢. ٦٧١ (٤٩) - بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٢٦) لفظ الأخضر لتخصيص الملح بالمراد، قال: والماء في الأصل لا لون له، وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء، وسائر مقابلاته إليه. وقال غيره: إن الذي يقابله السماء، وقد أطلقوا عليها الخضراء؛ الحديث: ((ما أَظَلَّت الخضراءُ، ولا أقلّت الغبراء)»، والعرب تُطلق الأخضر على كل لون ليس بأبيض، ولا أحمر، قال الشاعر [من الرمل]: وَأَنَا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي أَخْضَرَ الْجِلْدَةِ مِنْ نَسْلِ الْعَرَبْ يعني: أنه ليس بأحمر كالعجم، والأحمر يُطلقونه على كل من ليس بعربيّ، ومنه: ((بُعثت إلى الأسود والأحمر)). (مُلُوكاً) بالنصب على الحال، ووقع في رواية أبي ذرّ عند البخاريّ، وكذا عند النسائيّ: ((ملوك)) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم ملوك، والجملة حال، وقوله: (عَلَى الأَسِرَّةِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونهم قاعدين على الأسرّة، و((الأسرّةُ)) بفتح، فكسر، فتشديد راء: جَمْع سرير؛ كالأَعِزّة: جمع عزيز، والأذلّة: جمع ذليل. (أَوْ) قال (مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ»، يَشُُُ أَيَّهُمَا قَالَ) لم يذكر عند مسلم الشاكّ، وقد ذُكر عند البخاريّ أنه إسحاق بن عبد الله الراوي عن أنس أي: شكّ في لفظ أنس، هل قال: ((ملوكاً على الأسرّة))، أو قال: ((مثل الملوك على الأسرّة)). قال في ((الفتح)): قوله: ((أو قال: مثل الملوك على الأسرّة)) يشكّ إسحاق؛ يعني: راويه عن أنس، ووقع في رواية الليث، وحماد قبلُ: ((كالملوك على الأسرّة)) من غير شكّ، وفي رواية أبي طُوالة: ((مثل الملوك على الأسرّة)) بغير شك أيضاً، ولأحمد من طريقه: ((مَثَلُهم كَمَثَل الملوك على الأسرّة))، وهذا الشك من إسحاق، وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة يُشعر بأنه كان يحافظ على تأدية الحديث بلفظه، ولا يتوسع في تأديته بالمعنى، كما توسّع غيره، كما وقع لهم في هذا الحديث في عِدَة مواضع تظهر مما رأيته، وتراه. قال ابن عبد البرّ: أراد - والله أعلم - أنه رأى الغُزاة في البحر من أمته ملوكاً على الأسرّة في الجنة، ورؤياه وحي، وقد قال الله تعالى في صفة أهل ٦٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الجنة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وقال: ﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكُِّونَ﴾. [يس: ٥٦]، والأرائك: السُّرُرُ فِي الْحِجَال. وقال القاضي عياض: هذا مُحْتَمِلٌ، ويَحْتَمِل أيضاً أن يكون خبراً عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم، وقوام أمرهم، وكثرة عَدَدهم، وجودة عُدَدهم، فكأنهم الملوك على الأسرّة. قال الحافظ: وفي هذا الاحتمال بُعْدٌ، والأول أظهر، لكن الإتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدلّ على أنه رأى ما يَؤُول إليه أمرهم، لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة، أو موقع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أثيبوا به على جهادهم مِثْل ملوك الدنيا على أسرّتهم، والتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا بُعْد فيما قاله عياض نَّتُهُ، وهو أن يكون إخباراً عن حالهم في الغزو، فأيُّ بُعْد في هذا؟، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ) أمّ حرام ◌َِّا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ)؛ أي: من هؤلاء الذين رأيتَهم غُزاة في البحر، ووصفتَ أحوالهم، (فَدَعَا) وَّـ (لَهَا)، وفي رواية أبي طوالة عند البخاريّ: ((فقال: اللهم اجعلها منهم))، ووقع في رواية حماد بن زيد: ((فقال: أنتِ منهم))، وفي روايته عند مسلم التالية: ((فإنك منهم))، وفي رواية عُمير بن الأسود: ((فقلت: يا رسول الله أنا منهم؟ قال: أنت منهم)). والجمع بين هذه الروايات أنه وَ ال* دعا لها، فأجيب، فأخبرها جازماً بذلك، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ وَضَعَ) وَلَِّ (رَأْسَهُ، فَنَامَ) وفي رواية الليث عند البخاريّ: ((ثم قام ثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، فأجابها مثلها))، وفي رواية حماد بن زيد عنده: ((فقال ذلك مرتين، أو ثلاثةً))، وكذا في رواية أبي طوالة عند أبي عوانة، من طريق الدّرَاوَرْديّ عنه، وله من طريق إسماعيل بن جعفر عنه: ((ففعل مثل ذلك مرتين أخريين))، قال الحافظ: وكل ذلك شاذ، والمحفوظ من طريق أنس ما اتفقت عليه روايات الجمهور أن ذلك كان مرتين، مرّةً بعد مرة، وأنه قال ٦٧٣ (٤٩) - بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٢٦) لها في الأُولى: ((أنت منهم))، وفي الثانية: (لست منهم))، ويؤيده ما في رواية عُمير بن الأسود، حيث قال في الأولى: ((يغزون هذا البحر))، وفي الثانية: ((يغزون مدينة قيصر)). انتهى. (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَلُك) جملة حاليّة، كما تقدّم. (قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الهِ)، كَمَا قَالَ فِي الأُولَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهَ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ))) زاد في رواية الدّراوَرْديّ عن أبي طُوالة: ((ولست من الآخِرِين))، وفي رواية عُمير بن الأسود في الثانية: ((فقلت: يا رسول الله أنا منهم؟ قال: لا)). قال الحافظ: وظاهر قوله: ((فقال مثلها)) أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضاً، ولكن رواية عُمير بن الأسود تدلّ على أن الثانية إنما غزت في البرّ؛ لقوله: ((يغزون مدينة قيصر))، وقد حَكَى ابن التين أن الثانية وردت في غُزاة البرّ، وأقرّه، وعلى هذا يُحتاج إلى حَمْل المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان، لا خصوص ركوب البحر. ويَحْتَمِل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها، وعلى تقدير أن يكون المراد ما حَكَى ابن التين، فتكون الأولية مع كونها في البرّ مقيَّدة بقصد مدينة قيصر، وإلا فقد غَزَوْا قبل ذلك في البرّ مراراً. وقال القرطبيّ: الأُولى: في أول من غزا البحر من الصحابة، والثانية: في أول من غزا البحر من التابعين. قال الحافظ: بل كان في كل منهما من الفريقين، لكن معظم الأُولى من الصحابة، والثانية بالعكس. وقال عياض، والقرطبيّ: في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأُولى، وأن في كل نومة عُرضت طائفة من الغُزاة، وأما قول أمّ حرام: ((ادع الله أن يجعلني منهم)) في الثانية، فلظنها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة، فسألت ثانياً؛ ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكّت في إجابة دعاء النبيّ وَّ لها في المرة الأولى، وفي جزمه بذلك. ٦٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة قال الحافظ: لا تنافي بين إجابة دعائه وَلَهُ وجَزْمه بأنها من الأولين، وبين سؤالها أن تكون من الآخرين؛ لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية، فجوّزت أنها تُدركها، فتغزو معهم، ويحصل لها أجر الفريقين، فأعلمَها وَلل أنها لا تُدرك زمان الغزوة الثانية، فكان كما قال ◌َله. (١) انتھی' . (فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْبَحْرَ فِي زَمَنٍ) وفي بعض النسخ: ((في زمان))، وهما لغتان، الأول مقصور من الثاني، قال الفيّوميّ تَخْتُ: الزمان: مُدّة قابلة للقسمة، ولهذا يُطلق على الوقت القليل والكثير، والجمع: أزمنةٌ، والزمن مقصور منه، والجمع: أزمانٌ، مثلُ سبب وأسباب، وقد يُجمع على أَزْمُنٍ. انتهى (٢). (مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان ﴿يَا، وفي رواية الليث عند البخاريّ: ((فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً أولَ ما ركب المسلمون البحر مع معاوية))، وفي رواية حماد: ((فتزوج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو))، وفي رواية أبي طوالة: ((فتزوجت عبادة، فركبت البحر مع بنت قَرَظة))(٣)، وكان ذلك في سنة ثمان وعشرين، وكان ذلك في خلافة عثمان ومعاويةُ يومئذ أمير الشام، وظاهر سياق الخبر يوهم أن ذلك كان في خلافته، وليس كذلك، وقد اغتَرّ بظاهره بعض الناس، فَوَهِم، فإن القصة إنما وردت في حقّ أول من يغزو في (١) ((الفتح)) ٢٤٤/١٤ - ٢٤٥، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٨٢). (٢) ((المصباح المنير)) ٢٥٦/١. (٣) قوله: ((فركبت البحر مع بنت قرظة)) بالقاف، والراء، والظاء المعجمة المفتوحات، واسمها فاختة - بالفاء وكسر الخاء المعجمة، وفتح التاء المثناة من فوق - وقيل: كنود امرأة معاوية بن أبي سفيان، كان معاوية أخذها معه لَمّا غزا قبرس في البحر سنة ثمان وعشرين، وكان معاوية أول من ركب البحر للغزاة في خلافة عثمان پته، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، صرّح بذلك خليفة بن خياط في ((تاريخه)) وغيره، وقد وَهِم من قال: إنها بنت قرظة بن كعب الأنصاريّ، وذكر البلاذري في ((تاريخه)) أن قرظة بن عبد عمرو مات كافراً، ولِبِنْته رؤية، وكذا لأخيها مسلم بن قرظة الذي قُتل يوم الجمل مع عائشة ﴿ّا، راجع: ((عمدة القاري)) ١٦٥/١٤. ٦٧٥ (٤٩) - بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٢٦) البحر، وكان عمر ظُله ينهى عن ركوب البحر، فلما وُلّ عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر، فَأَذِن له، ونقله أبو جعفر الطبريّ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، ويكفي في الردّ عليه التصريح في ((الصحيح)) بأن ذلك كان أوّل ما غزا المسلمون في البحر، ونَقَل أيضاً من طريق خالد بن معدان قال: أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان، وكان استأذن عمر فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أَذِن له، وقال: لا تنتخب أحداً، بل من اختار الغزو فيه طائعاً، فَأَعِنْه، ففعل، وقال خليفة بن خياط في ((تاريخه)) في حوادث سنة ثمان وعشرين: وفيها غزا معاوية البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قَرَظة، ومع عبادة بن الصامت امرأته أم حرام، وأرّخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جزم ابن أبي حاتم، وأرّخها يعقوب بن سفيان في المحرَّم سنة سبع وعشرين، قال: كانت فيه غزاة قبرس(١) الأولى. وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية غزا الروم في خلافة عثمان، فصالح أهل قبرس، وسَمَّى امرأته كَبْرة، بفتح الكاف، وسكون الموحدة، وقيل: فاختة بنت قرظة، وهما أختان، كان معاوية تزوجهما واحدةً بعد أخرى، ومن طريق ابن وهب، عن ابن لَهِيعة أن معاوية غزا بامرأته إلى قبرس، في خلافة عثمان، فصالَحَهم، ومن طريق أبي معشر المدنيّ أن ذلك كان في سنة ثلاث وثلاثين، فتحصّلنا على ثلاثة أقوال، والأول أصحّ، وكلها في خلافة عثمان أيضاً؛ لأنه قُتل في آخر سنة خمس وثلاثين. انتهى(٢). (فَصُرِعَتْ) على بناء المبنيّ للمفعول؛ أي: أُسقطت حين خرجت إلى البرّ من البحر، وفي رواية الليث: ((فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قُرِّبت إليها دابة لتركبها، فصُرعت، فماتت))، وفي رواية حماد بن زيد عند أحمد: ((فوقصتها بغلة لها شهباء، فوقعت، فماتت))، وفي رواية عند البخاريّ: ((فوقعت، فاندقت عنقها)). (عَنْ دَابَّتِهَا) ظاهره أنها سقطت عن ظهر الدابّة، ولا (١) بضمّ القاف، وسكون الموحّدة، وضمّ الراء، آخره سين مهملة: جزيرة عظيمة للروم، بها تُوفّيت أم حرام بنت مِلْحان ◌َّا، أفاده في ((القاموس)). (٢) ((الفتح)) ٢٤٥/١٤ - ٢٤٦، كتاب ((الاستئذان)) رقم (٦٢٨٢). ٦٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة يعارض هذا رواية: ((فقُرّبت إليها دابّتها، فصرعتها، فماتت)) الدالّة على أن صَرْعها قبل ركوبها؛ لأنه يُحمل على أن المعنى: فَقُرّبت إليها دابّتها لتركبها، فركبت، فصُرعت، كما هو صريح الرواية التالية بلفظ: ((فلما أن جاءت قُرّبت لها بغلةٌ، فركبتها، فصَرَعتها، فاندقّ عنقها)). ويَحْتَمِلُ أن يكون معنى ((فركبتها)): فشرعت في ركوبها، فسقطت، فماتت. والحاصل أن البغلة الشهباء قُرِّبت إليها لتركبها، فشَرَعت لتركب، فسقطت فاندقت عنقها، فماتت، والله تعالى أعلم. (حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ ، فَهَلَكَتْ) قال في ((الفتح)): ظاهر رواية الليث أن وَقْعَتها كانت بساحل الشام لَمّا خَرجت من البحر بعد رجوعهم من غَزاة قُبرس. لكن أخرج ابن أبي عاصم في ((كتاب الجهاد)) قصة أم حرام، وفيه: ((وعبادة نازل بساحل حمص))، قال هشام بن عمار: رأيت قبرها بساحل حمص، وجَزَم جماعة بأن قبرها بجزيرة قُبرس، فقال ابن حبان بعد أن أخرج الحديث من طريق الليث بن سعد بسنده: ((قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم، يقال لها: قُبرس، بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام)). وجزم ابن عبد البرّ بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قُبرس قُرِّبت إليها دابّتها، فصَرعتها . وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية صالَحهم بعد فَتْحها على سبعة آلاف دينار في كل سنة، فلما أرادوا الخروج منها قُرِّبت لأم حرام دابة لتركبها، فسقطت، فماتت، فقَبْرُها هناك، يستسقون به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة . قال الجامع عفا الله عنه: الاستسقاء عند القبر من البدع المحدثة، وليس لها أصل في الشرع، وهذا مما يُتأسّف له، حتى إن أهل العلم من الشرّاح - كالحافظ وغيره ــ لا يتعرّضون لإنكاره، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، هكذا موت السنّة، وظهور البدعة حين يسكت أهل العلم، ولا يتكلّمون ببيانه للناس، فلا حول، ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. ٦٧٧ (٤٩) - بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٢٦) قال(١): فعلى هذا فلعل مراد هشام بن عمار بقوله: ((رأيت قبرها بالساحل))؛ أي: ساحل جزيرة قُبرس، فكأنه توجه إلى قُبرس لمّا غزاها الرشيد في خلافته. ويُجمع بأنهم لمّا وصلوا إلى الجزيرة بادرت المقاتِلة، وتأخرت الضعفاء؛ كالنساء، فلما غلب المسلمون وصالَحوهم، طلعت أم حرام من السفينة، قاصدةً البلد؛ لتراها، وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويُحمل قول حماد بن زيد في روايته: ((فلما رجعت))، وقول أبي طُوالة: ((فلما قَفَلت))؛ أي: أرادت الرجوع، وكذا قول الليث في روايته: ((فلما انصرفوا من غزوهم قافلين))؛ أي: أرادوا الانصراف. قال الحافظ: ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله(٢)، وهو ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن امرأة حدّثته: قالت: ((نام رسول الله وَّر، ثم استيقظ، وهو يضحك، فقلت: تضحك مني يا رسول الله، قال: لا، ولكن من قوم من أمتي يخرجون غُزاة في البحر، مثلهم كمثل الملوك على الأسرة، ثم نام، ثم استيقظ، فقال مثل ذلك سواءً))، لكن قال: ((فيرجعون قليلة غنائمهم، مغفوراً لهم، قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها))، قال عطاء: ((فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم، فماتت بأرض الروم))، وهذا إسناد على شرط الصحيح. وقد أخرج أبو داود من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، فقال في روايته: ((عن عطاء بن يسار، عن الرُّميصاء، أخت أم سليم))، وأخرجه ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، فقال في روايته: ((عن أم حرام))، وكذا قال زهير بن عباد، عن زيد بن أسلم. (١) الكلام موصول لصاحب ((الفتح))، فتنبّه. (٢) قال الجامع عفا الله عنه: لم يأت الحافظ فيما يأتي تحقيقه بما يزول به الإشكال، بل زاد الطين بلّة، فقد أتى آخر تحقيقه بأن القصة لامرأتين، لا لامرأة واحدة، فلم يَزُل الإشكال بهذا، فتأمله بالإنصاف، والذي يظهر أن الإشكال في قصّة أم حرام قد زال بما ذُكر من الجَمع، ولله الحمد والمنّة. ٦٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قول من قال في حديث عطاء بن يسار هذا: (عن أم حرام)) وَهَمٌ، وإنما هي الرُّميصاء، وليست أم سليم، وإن كانت يقال لها أيضاً: الرميصاء كما ثبت حديث جابر ظه عند البخاريّ في ((المناقب))؛ لأن أم سليم لم تَمُت بأرض الروم، ولعلها أختها أم عبد الله بن ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيات، وقال: إنها أسلمت، وبايعت، ولم أقف على شيء من خَبَرها إلا ما ذكر ابن سعد، فيَحْتَمِل أن تكون هي صاحبة القصة التي ذكرها عطاء بن يسار، وتكون تأخرت حتى أدركها عطاء، وقصتها مغايرة لقصة أم حرام من أوجه: الأول: أن في حديث أم حرام أنه و چ﴿ لمّا نام كانت تفلي رأسه، وفي حديث الأخرى: أنها كانت تغسل رأسها، كما تقدّم ذِكره من رواية أبي داود. الثاني: ظاهر رواية أم حرام أن الفرقة الثانية تغزو في البرّ، وظاهر رواية الأخرى: أنها تغزو في البحر. الثالث: أن في رواية أم حرام أنها من أهل الفرقة الأولى، وفي رواية الأخرى أنها من أهل الفرقة الثانية. الرابع: أن في حديث أم حرام أن أمير الغزوة كان معاوية، وفي رواية الأخرى أن أميرها كان المنذر بن الزبير. الخامس: أن عطاء بن يسار ذكر أنها حدثته، وهو يَصْغُر عن إدراك أم حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين، بل وفي سنة ثلاث وثلاثين؛ لأن مولده على ما جَزم به عمرو بن عليّ وغيره كان في سنة تسع عشرة، وعلى هذا فقد تعددت القصة لأم حرام، ولأختها أم عبد الله، فلعل إحداهما دُفنت بساحل قُبرس، والأخرى بساحل حمص، ولم أر من حرّر ذلك - ولله الحمد على جزيل نعمه - انتهى. [تنبيه]: قال صاحب ((التكملة)): الغزوة الثانية التي أخبر بها النبيّ وَّ في هذا الحديث جمهورُ الشرّاح على أنها غزوة القسطنطينيّة الأولى، وذكر أكثر المؤرّخين أنها كانت في إمارة يزيد بن معاية، وشهدها جَمْع من الصحابة، منهم أبو أيوب الأنصاريّ، وابن عبّاس، وابن عمر، وابن الزبير ظه، بل ذكر ٦٧٩ (٤٩) - بَابُ فَضْلِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ - حديث رقم (٤٩٢٦) ابن كثير في ((تاريخه))(١) أن الحسين بن عليّ ◌ُّ كان معه في تلك الغزوة، فاستَدَلّ به المهلّب على منقبة يزيد بن معاوية؛ لأنه كان أميراً لأول جيش على مدينة قيصر، وقد أخبر رسول الله وَل عنهم أنهم مغفور لهم، وردّه كثير من العلماء بوجوه: الأول: أن الروايات مختلفة في تعيين أول جيش غزا القسطنطينيّة؛ لأن غزوها وقع في عهد معاوية ظبه عدّة مرّات، ولا شكّ أن يزيد بن معاوية كان أميراً في بعضها، ولا يلزم منه أن يكون أميراً لأول جيش، وقد ذكر العينيّ في ((العمدة))(٢) أن معاوية ربه سيّر جيشاً مع سفيان بن عوف إلى القسطنطينيّة، فأوغلوا في بلاد الروم، وكان في ذلك الجيش ابن عبّاس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاريّ. والثاني: الذي يظهر من بعض الروايات أن معاوية أرسل سفيان بن عوف، ثم أتبعه بابنه يزيد، وذكره التغري بردي في ((النجوم الزاهرة))(٣). قال: أما غزوة القسطنطينية ... فأرسل إليها معاوية جيشاً كثيفاً، وأمّر عليهم سفيان بن عوف، وأمر ابنه يزيد بالغَزَاة معهم، فتثاقل يزيد، واعتذر، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوٌ، ومرض شديدٌ، فأنشد یزید يقول: بِالْغَدْ قَذُونَةٍ مِنْ حُمَّى وَمِنْ مُومٍ مَا إِنْ أُبَالِي بِمَا لَاقَتْ جُمُوعُهُمُ بِدَيْرٍ مُزَّانَ عِنْدِي أُمُّ كُلْثُومٍ إِذا اتَّكَأْتُ عَلَى الأَنْمَاطِ مُرْتَفِقاً وأمّ كلثوم امرأته، فبلغ معاوية شِعْره، فأقسم عليه ليلحقنّ بسفيان بأرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار، ومعه جمع كبير، وكان في هذا الجيش ابن عبّاس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاريّ، وذكره ابن الأثير في ((الكامل)) (٤)، وابن خلدون في ((تاريخه))(٥) . وهذه الرواية إن صحّت تدلّ على أن أول من سار إلى القسطنطينيّة (١) راجع: ((البداية والنهاية)) ١٥١/٨. (٣) ((النجوم الزاهرة)) ١٣٤/١. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٦٤٩/٦. (٤) ((الكامل)) ١٨١/٣. (٥) ١٠/٣. ٦٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة سفيان بن عوف، ثم تبعه يزيد بن معاوية، فيقال: إن الأوليّة لم تثبت ليزيد، وإنما هي لسفيان بن عوف، ومن معه. والثالث: ما ذكره الحافظ في ((الفتح)) عن ابن التين، وابن الْمُنَيِّر أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاصّ؛ إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله وَالفر: ((مغفور لهم)) مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة، حتى لو ارتدّ واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتّفاقاً، فدلّ على أن المراد مغفور لمن وُجد شَرْط المغفرة فيه منهم. قال صاحب ((التكملة)): إن الروايات، وإن اختلفت في تعيين أول جيش غزا القسطنطينيّة، وفيها مجال الاحتمالات، ولكن معظمها تدلّ على أن أول جيش غزاها كان تحت إمارة يزيد، وهو مؤيّد بروايات في ((مسند أحمد))(١)، و((طبقات ابن سعد))(٢)، و((البداية والنهاية))(٣)، وكثير من التواريخ، ولكن أعدل الأقوال في دخول يزيد تحت هذه المغفرة ما ذكره الشيخ وليّ الله الدهلويّ تَخْذّثُ في ((شرح تراجم البخاريّ))(٤) وإليك نصّه: قوله: ((مغفور لهم)) تمسّك بعض الناس بهذا الحديث في نجاة يزيد؛ لأنه كان من جملة هذا الجيش الثاني، بل كان رأسهم ورئيسهم على ما يشهد به التواريخ، والصحيح أنه لا يثبت بهذا الحديث إلا كونه مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه على هذه الغزوة؛ لأن الجهاد من الكفّارات، وشأن الكفّارات إزالة آثار الذنوب السابقة عليها، لا الواقعة بعدها، نعم لو كان مع هذا الكلام أنه مغفور له إلى يوم القيامة يدلّ على نجاته، وإذ ليس فليس، بل أمره مفوّضٌ إلى الله تعالى فيما ارتكبه من القبائح بعد هذه الغزوة. وأما مَنْ طَعَن في حديث عُمير بن الأسود بسبب جهالته، فإنه أبعد النُّجْعة، وتوغّل في الأمر، فإن الحديث في ((صحيح البخاريّ))، وقد اتّفق على صحّته، لم يطعنه أحد من جهابذة المحدّثين، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنََّانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّ تَعْدِلُواْ﴾ الآية [المائدة: ٨]، ولقد صدق الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَا مَا (١) ((المسند)) ٤٢٣/٥. (٢) («الطبقات)) لابن سعد ٤٨٥/٣. (٣) ((البداية والنهاية)) لابن كثير ٥٩/٨. (٤) ص٣١.