Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَ ◌ّهِ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) ذلك في ردّ إفادة الحصر، بل يقوّيه، ويُشعر بأن مُفاد الصيغتين عندهم واحد، وإلا لَمَا استعملوا هذه موضع هذه. وأوضح من هذا حديث: ((إنما الماء من الماء)»، فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى كحديث: ((إذا التقى الختانان)). قال ابن عطية: ((إنما)) لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد، حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه، فجعل وروده للحصر مجازاً يحتاج إلى قرينة، وكلام غيره على العكس من ذلك، وأن الأصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص، كقوله تعالى: ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلا فلله دم صفات أخرى كالعلم والقدرة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله وصله صفات أخرى كالبشارة إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي فيما يقال: السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقاً. (١) انتھی . وقال العراقيّ: إذا تقرر أنها للحصر، فتارة تقتضي الحصر المطلق، وهو الأغلب الأكثر، وتارة تقتضي حصراً مخصوصاً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا لَلَّوَّةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن، ونَفْي قدرته على ما طلبوا من الآيات، وأراد بالآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من باب تغليب الغالب على النادر، وكذا قوله في الحديث: ((إنما أنا بشر)) أراد بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، وبالنسبة إلى جواز النسيان عليه، قال ابن دقيق العيد: ويُفهم ذلك بالقرائن والسياق. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة العاشرة): قال الحافظ العراقيّ تَّلهُ: المراد بالأعمال هنا: أعمال الجوارح كلها حتى تدخل في ذلك الأقوال، فإنها من عمل اللسان، وهو من الجوارح، قال ابن دقيق العيد تَخْذَثُهُ: ورأيت بعض المتأخرين من أهل (١) ((الفتح)) ١٩/١. (٢) ((طرح التثريب)) ٦/٢. ٦٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الخلاف خَصَّصَ الأعمال بما لا يكون قولاً، وأخرجَ الأقوال من ذلك، قال: وفي هذا عندي بُعْد، ولا تردّد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضاً. (١) انتھی(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويتناول الحديث أيضاً التروك؛ لأنها أفعال، قال الشيخ إبراهيم الكرديّ: الترك إذا أريد به كفّ النفس، فهو فعل اختياريّ، وكل فعل اختياريّ يختلف باختلاف النيات، وقد صحّ: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة)) إلى قوله: ((وإن تركها من أجلي، فاكتبوها له حسنةً))، ومفهومه أنه إذا لم يتركها من أجل الله لا تُكتب له حسنة، وهو كذلك كما قاله الغزالي وغيره، ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة ... )). قال الصنعانيّ: بل قد نقل الشيخ نفسه أنه قد قيل: إذا تركها لخوف المسلمين كان آثماً . قال الشيخ: ((ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، فنقول: الكفّ إن كان تركاً للشر الله فهو خير، وإن كان تركاً للخير بلا عذر شرعيّ فهو شرّ، والعمل قد أُطلق على الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة: ٧ -٨]، ويوضّحه أن الكف قد أُطلق عليه أنه صدقة، كما في حديث أبي ذرّ رْ ◌ُته : (كُفّ شرّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك)»، أخرجه ابن أبي الدنيا(٢). وفي حديث معاذ عند الديلميّ: ((أفضل الصدقة حفظ اللسان)). (١) ((طرح التثريب)) ٢/ ٧. (٢) بل هو في ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى الأشعريّ قال: قال النبيّ وَّ: ((على كل مسلم صدقةٌ))، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فيعمل بيديه، فينفع نفسه، ويتصدق))، قالوا: فإن لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: ((فيُعِين ذا الحاجة الملهوفَ))، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليأمر بالخير، أو قال بالمعروف))، قال: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليُمْسك عن الشرّ، فإنه له صدقة)). اللهمّ إلا أن يريد اللفظ الذي ذكره، فليُتأمّل. ٦٠٣ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَِّ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) والأصل الحقيقة، ولا صارف، ولا سيما وقد ورد: ((كل معروف صدقة))، وتَرْك الأذى والشرّ من المعروف، ولا شبهة، والصدقة من أفضل الأعمال، فالكفّ عن الأذى والشر من أفضل الأعمال، فالتروك من الأعمال، وهو المطلوب. انتهى. ونقله العلامة الصنعانيّ في ((العدة حاشية العمدة))، وناقشه فيه بما تركته لعدم جدواه، والله تعالى أعلم. (المسألة الحادية عشرة): ((النية)) - بتشديد الياء - على المشهور، وحُكي التخفيف أيضاً كما تقدّم، وقد ورد بلفظ الإفراد فيه، وفي العمل أيضاً، وقد ورد بلفظ الجمع أيضاً، وكلها صحاح. واختُلِف في حقيقة النية: فقيل: هي الطلب، وقيل: الجِدُّ في الطلب، ومنه قول ابن مسعود: ومن ينو الدنيا تُعجزُه؛ أي: من يَجِدّ في طلبها، وقيل: القصد للشيء بالقلب، وقيل: عزيمة القلب، وقيل: هي من النَّوى، بمعنى البُعْد، فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه، فجُعلت النية وسيلة إلى بلوغه، قاله العراقيّ كَذُ(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية عشرة): قال الحافظ زين الدين ابن رجب تَخْتُهُ في كتابه النافع ((جامع العلوم والحكم)) ما نصه: فائدة مهمة : (واعلم): أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فُرِّقَ بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره، والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين : أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرّد والتنظيف، ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم. (١) ((طرح التثريب)) ٢/ ٧. ٦٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له أم لله وغيره؟. وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهذه هي التي توجد في كلام السلف المتقدمين، وقد صنّف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنَّفاً سمّاه ((كتاب الإخلاص والنية))، وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبيّ وَّ تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارِب لذلك، وقد جاء ذكرها كثيراً في كتاب الله رَ بغير لفظ النية أيضاً من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرّق من فرّق بين النية، وبين الإرادة والقصد ونحوهما؛ لظنّهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء. فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص بذلك، كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك، وقد ذكرنا أن النية في كلام النبيّ ◌َّ وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالباً، فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولهذا يعبَّر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيراً كما في قوله تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا﴾ [هود: ١٥]، وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ اُلْأَخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ، فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نَّرِيدٌ﴾ [الإسراء: ١٨]، وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنًا﴾ الآية [الكهف: ٢٨]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٨]، وقوله: ﴿َوَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَبُوَأْ فِىَ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ ذَّكَوْمٍ [الروم: ٣٩]. (٣٩) تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ وقد يُعَبَّر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَبْشِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِ اٌلْأَ (®﴾ [الليل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَآءُ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ ٦٠٥ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿لَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ الآية [النساء: ١١٤]، فنفى الخير عن كثير مما يتناجى الناس به، إلا في الأمر بالمعروف، وخصّ من أفراده الصدقة، والإصلاح بين الناس بعموم نفعهما، فدلّ ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله فخصّه بمن فَعَله ابتغاء مرضات الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة، والإصلاح بين الناس وغيرهما خيراً، وإن لم يبتغ به وجه الله لِمَا يترتب على ذلك من النفع المتعدّي، فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإنْ قَصَد به وجه الله، وابتغاء مرضاته كان خيراً له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيراً له، ولا ثواب له عليه، وهذا بخلاف من صلى، وصام، وذكر الله يقصد بذلك عَرَض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك. وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدّاً، ونحن نذكر بعضه: كما خَرَّج الإمامُ أحمد، والنسائيّ، من حديث عبادة بن الصامت رضيِعنْه، عن النبيّ ◌َطير أنه قال: ((من غزا في سبيل الله، ولم ينو إلا عقالاً، فله ما نوى))، وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ظه، عن النبيّ وَلّ قال: ((إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الْفُرُش، ورُبَّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيّته)). وأخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ؤها، عن النبيّ وَّ قال: (يُحشر الناس على نياتهم))، ومن حديث أبي هريرة نظر ته، عن النبيّ وَّ قال: ((إنما يُبعث الناس على نياتهم))، وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر ◌ًا، عن النبيّ وَّ﴿ قال: ((إنما يُبعث المُقتَتِلون على نيّاتهم))، وفي ((صحيح مسلم)) عن أم سلمة ◌ِّا، عن النبيّ ◌َّهِ قال: ((يعوذ عائذ بالبيت، فَيُبْعَث إليه بَعْثٌ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بهم))، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: ((يُخسف به معهم، ولكنه يُبعث يوم القيامة على نيّته)). وفيه أيضاً عن عائشة ﴿ّا، عن النبيّ ◌َّ معنى هذا الحديث، وقال فيه: (يهلكون مَهلكاً واحداً، ويَصْدِرون مصادر شتى، ويَبعثهم الله على نيّاتهم)). ٦٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وأخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت نظرُه، عن النبيّ وَ لّ قال: ((من كانت هَمّه الدنيا فرّق الله شمله - وفي لفظ: أمره - وجعل فَقْره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)). هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ أحمد: ((من كانت همّه الآخرة، ومن كانت نيّته الدنيا))، وخرَّجه ابن أبي الدنيا، وعنده: ((من كانت نيته الآخرة، ومن كانت نيته الدنيا)). وفي ((الصحيحين)) عن سعد بن أبي وقاص ظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((إنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أُثِبْت عليها، حتى اللقمة تجعلها في فيِّ امرأتك))، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر قال: ((لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حِسبة له))؛ يعني: لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله رَق، وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود به قال: لا يَنفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة، وعن يحيى بن أبي كثير قال: تعلّموا النية، فإنها أبلغ من العمل، وعن زيد الشامي، قال: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب. وعنه أيضاً أنه قال: انْو في كل شيء تريد الخيرَ حتى خروجك إلى الكناسة، وعن داود الطائيّ قال: رأيت الخير كله إنما يجمعه حُسن النية، وكفاك بها خيراً، وإن لم تَنْصَب، قال داود: والبِرُّ همَّةُ التقيّ، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردّته يوماً نيّته إلى أصله، وعن سفيان الثوريّ قال: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ، وعن يوسف بن أسباط قال: تخليص النية من فسادها أشدّ على العاملين من طول الاجتهاد، وقيل لنافع بن حبيب: ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال: ففكر هنيهةً، ثم قال: امض، وعن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية، وعن بعض السلف قال: من سَرّه أن يَكْمُل له عمله فليُحْسِن نيته، فإن الله رَّ يأجر العبد إذا أحسن نيته حتى باللقمة، وعن ابن المبارك قال: رُبّ عمل صغير تُعظّمه النية، ورُبَّ عملٍ كبير تصغِّره النية، وقال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى الله، والنية الحسنة، والإصابة. ٦٠٧ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) وقال الفضيل بن عياض: إنما يريد اللهُ وَمَ منك نيّتك وإرادتك، وعن يوسف بن أسباط قال: إيثار الله رَبَّك أفضل من القتل في سبيل الله، خَرَّجَ ذلك كله ابنُ أبي الدنيا في ((كتاب الإخلاص والنية))، وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر قال: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله رَق، والورع عما حرّم الله رَ، وصِدْق النية فيما عند الله. وبهذا يُعلم ما رَوَى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث: حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، وحديث: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ))، وحديث: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن))، فإن الدِّين كله يرجع إلى فعل المأمورات، وترك المحظورات، والتوقّي عن الشبهات، وهذا كله تضمّنه حديث النعمان بن بشير رضيًّا، وإنما يتمّ ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السُّنّة، وهذا هو الذي تضمّنه حديث عائشة ثنا: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)). والثاني: أن يكون العمل في باطنه يُقصد به وجه الله رمل، كما تضمّنه حديث عمر رظته: ((الأعمال بالنيات))، وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَلَاً﴾ الآية [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً وصواباً، قال: والخالص إذا كان لله رم، والصواب إذا كان على السنة. وقد دل هذا الذي قال الفضيل على قوله رَّ: ﴿فَ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّهِ أَحَدَأْ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال بعض العارفين: إنما تفاضلوا بالإرادات، ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة. قال الحافظ ابن رجب دَخَّتُهُ : ((فصل)) : وأما النية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، وهو تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارة حِمْيَةً، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركاً للشهوات لله رحمك، فيحتاج في الصيام إلى نية، ليتميّز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه، وكذلك ٦٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة العبادات، كالصلاة، والصيام، منها فرض، ومنها نفل، والفرض يتنوع أنواعاً، فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات في كل يوم وليلة، والصيام الواجب تارةً يكون صيام رمضان، وتارة يكون صيام كفارة، أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية، وكذلك الصدقة تكون نفلاً، وتكون فرضاً، والفرض منه زكاة، ومنه كفارة، ولا يتميز ذلك إلا بالنية، فيدخل ذلك في عموم قوله وقلت: ((وإنما لكل امرئ ما نوى». وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن منهم من لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن لم يستحضر تسميته في الحال، وهي رواية عن الإمام أحمد، ويُبنى على هذا القول أن من فاتته صلاة من يوم وليلة، ونسي عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة. وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية معيّنة أيضاً، بل يجزئ نية الصيام مطلقاً؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر، وهو رواية عن الإمام أحمد، وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعيّنه بنفسه، فهو كرةّ الودائع، وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك، وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنيّة الصدقة المُطْلَقة، كالحج، وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدّق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته، وقد رُوي أن النبيّ ◌َّ سمع رجلا يلبّي بالحج عن رجل، فقال له: ((أحَجَجْتَ عن نفسك؟)) قال: لا. قال: هذه عن نفسك، ثم حُجّ عن الرجل))، قال: وقد تُكُلِّم في صحة هذا الحديث، ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره، وأخذ بذلك الشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وغيرهما في أن حَجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقاً، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره، ولم يحجّ عن نفسه وقع عن نفسه، وكذلك لو حج عن نذر، أو نفلاً، ولم يكن حج حجة الإسلام، فإنها تنقلب عنها، وقد ثبت عن النبيّ وَّ و أنه أمر الصحابة ﴿ه في حجة الوداع بعدما دخلوا معه، وطافوا وسعوا، أن يفسخوا حجهم، ويجعلوه عمرة، وكان منهم القارن، والمفرد، وإنما كان طوافهم عند قدومهم طواف القدوم، وليس بفرض، وقد أمرهم أن ٦٠٩ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) يجعلوه طواف عمرة، وهو فرض، وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحجّ، وعَمِل به، وهو مُشْكِل على أصله، فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء، كمالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وقد يفرّق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب، كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة، فينقلب الطواف فيه تَبَعاً لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام تبعاً الانقلاب الإحرام من أصله، ووقوعه عن فرضه، بخلاف ما إذا طاف للزيارة لنّة الوداع، أو التطوع، فإن هذا لا يُجزيه إلا أن ينوي به الفرض، ولم ينقلب فرضاً تبعاً لانقلاب إحرامه، والله أعلم. ومما يدخل في هذا الباب أن رجلاً في عهد النبيّ وَّ كان قد وضع صدقته عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده، فعَلِم بذلك أبوه، فخاصمه إلى النبيّ وَلّه، فقال: ما إياك أردت، فقال النبيّ وَل للمتصدق: (لك ما نويت))، وقال للآخذ: ((لك ما أخذت)). خرَّجه البخاريّ، وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث، وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه، فإن الرجل إنما مُنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيراً، وكان غنياً في نفس الأمر أجزأته على الصحيح؛ لأنه إنما دَفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَلعُ على حقيقته. وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة، أم هي شرط من شروط الصلاة، كإزالة النجاسة وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر الشروط، ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء، ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبيّ ◌َّ ه: أن الوضوء يكفّر الذنوب والخطايا، وأن من توضأ كما أُمر كان كفارة لذنوبه، وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتّب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من النية ٦١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة لا يكفِّر شيئاً من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأموراً به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يَرِد في شيء من بقية شرائط الصلاة، كإزالة النجاسة، وستر العورة، ما وَرَد في الوضوء من الثواب، ولو شَرَك بين نية الوضوء، وبين قصد التبرّد، أو إزالة النجاسة، أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعيّ، وهذا قول أكثر أصحاب أحمد؛ لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه، ولهذا لو قَصَد مع رَفْع الحدث تعليم الوضوء لم يضره ذلك، وقد كان النبيّ وَل﴿ يقصد أحياناً بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحجّ كما قال: ((خذوا عني مناسككم)). قال ابن رجب: ومما تدخل فيه النية من أبواب العلم: مسائل الأيمان، فَلَغْو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب البتة، كقوله: لا والله، وبلى والله، في أثناء الكلام قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، وكذلك يُرجَع في الأيمان إلى نية الحالف، وما قَصَد بيمينه، فإن حلف بطلاق، أو عَتَاق، ثم اذَّعَى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يُدَيَّن فيما بينه وبين الله ◌َ، وهل يُقْبَل منه في ظاهر الحكم؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، وقد رُوي عن عمر أنه رُفِع إليه رجل قالت له امرأته: شَبِّهْني، قال: كأنك ظَبْيَة، كأنك حَمَامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خَليَّة طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها، فهي امرأتك، خَرَّجه أبو عبيد، وقال: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تُطلق من عقالها، ويُحَلّ عنها، فهي خَليَّة من العِقال، وهي طالق لأنها قد انطلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر الطلاق لنيّته، قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يُشبه لفظ الطلاق، والعَتَاق، وهو ينوي غيره، أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله رب، وفي الحكم على تأويل عمر رضيڅبه. ويروى عن السُّمَيط السَّدُوسيّ، قال: خطبتُ امرأةً، فقالوا: لا نُزَوِّجك حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني طلقتها ثلاثاً، فزوَّجوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليس قد طلقتها ثلاثاً؟ فقلت: كان عندي فلانة، فطلقتها، وفلانة فطلقتها، فأما هذه فلم أطلقها، فأتيت شقيق بن ثور، وهو يريد الخروج إلى عثمان وافداً، فقلت له: سَلْ أمير المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله، فذكر ذلك لعثمان، فجعلها له، فقال: بنيّته، خرَّجه أبو عبيد في كتاب الطلاق، ٦١١ (٤٥) - بَابُ قَوْلِوَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنََّّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) وحَكَى إجماع العلماء على مثل ذلك، وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: حديث السميط تعرفه؟ قال: نعم السدوسيّ، وإنما جعل نيته بذلك، وقال: فإن كان الحالف ظالماً ونوى خلاف ما حلَّفه عليه غريمه لم تنفعه نيته. وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَلو قال: ((يمينك على ما يُصدِّقك عليه صاحبك))، وفي رواية له: ((اليمين على نية المستحلِف))، وهو محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك. وقد خرّج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث سُوَيد بن حَنْظَلَة قال: خرجنا نريد رسول الله وَلّ، ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدوّ له، فتحرّج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فخَلّى سبيله، وأتينا النبيّ وَّ، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فقال: ((صدقت، المسلم أخو المسلم)). وكذلك قد تدخل النية في الطلاق والعتاق، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق، أو العتاق، فلا بد له من النية، وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب، أو سؤال الطلاق، ونحوه أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين العلماء، وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن، كما لو نواه، أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور، ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة، كالبتة، ونحوها، فهل يقع به الثلاثة، أو واحدة؟ فيه قولان مشهوران، فظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دون الثلاث وقع به ما نواه، وحكي عنه رواية أخرى: أنه يلزمه الثلاث أيضاً، ولو رأى امرأة يظنها امرأته، فطلقها، ثم بانت أجنبية طُلِّقت امرأته؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته، نَصَّ على ذلك أحمد، وحُكي عنه رواية أخرى: أنها لا تَظْلُق، وهو قول الشافعيّ، ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة فظنها أجنبية، فطلقها فبانت امرأته، فهل تطلق؟ فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعيّ وغيره أنها لا تطلق، ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عن الخروج، ثم رأى امرأة قد خرجتِ فظنّها المَنهية، فقال لها: فلانةُ خرجتِ أنت طالق، فقد اختلف العلماء فيها، فقال الحسن: تطلق المنهية؛ لأنها التي نواها، وقال إبراهيم: يطلقان، وقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما، ٦١٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقال أحمد: إنها تطلق المنهية رواية واحدةً؛ لأنه نوى طلاقها، وهل تطلق المواجهة؟ على روايتين عنه، فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق، هل تطلق في الحكم فقط أم في الباطن أيضاً؟ على طريقتين لهم. وقد استُدِلّ بقوله وَ ل ◌َى: ((الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، على أن العقود التي يُقصد بها في الباطن التوصل إلى الحرام غير صحيحة، كعقود البيوع التي يُقصد بها معنى الربا ونحوها، كما هو مذهب مالك وأحمد، وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوى به الربا لا البيع، ((وإنما لكل امرئ ما نوى)). ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدّاً، وفيما ذكرنا كفاية، وقد تقدم عن الشافعيّ أنه قال في هذا الحديث: إنه يدخل في سبعين باباً من الفقه، والله أعلم. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب كَّثُ في ((جامع العلوم والحكم))(١)، وهو بحثٌ نفيس مفيدٌ جدّاً. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة عشرة): قال الإمام ابن دقيق العيد وَّلُهُ: قوله: ((إنما الأعمال بالنيات)): لا بُدّ فيه من حذف المضاف، واختلف الفقهاء في تقديره: فالذين اشترطوا النية قدّروه: صحة الأعمال بالنيات، أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدّروه كمال الأعمال بالنيات، أو ما يقاربها، وقد رُجِّحَ الأولُ بأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحَمْل عليه أولى؛ لأن ما كان أَلزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ، فكان الحَمْل عليه أولى، وكذلك قد يقدّرونه: إنما اعتبار الأعمال بالنيات، وقد قرَّب ذلك بعضهم بنظائر من الْمُثُل، كقولهم: إنما المُلْكُ بالرجال؛ أي: قوامه ووجوده، وإنما الرجال بالمال، وإنما المال بالرعية، وإنما الرعية بالعدل، كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. انتهى كلام ابن دقيق العيد تخذتُهُ(٢). وكتب العلامة الصنعانيّ تَُّ عند قوله: لا بُدّ من حذف مضاف، ما نصه: أقول: لِمَا أنه معلوم وجود صورة العمل من دون نية، فلا بد من التقدير؛ لِتوقّف الصدق على المقدَّر، ولذا قيل: إنه من المُجْمَل؛ لتردده بين (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٣/١. (٢) ((إحكام الأحكام)) ١/ ٧٢ - ٧٥ بنسخة الحاشية. ٦١٣ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) المحتمِلات، والجمهور على خلافه؛ لِسَبْق المقصود إلى الفهم عُرفاً، فتقدَّر الصحة؛ أي: لا صحة للأعمال إلا بالنيات، ورُجِّح بأنه الأقرب إلى نفي الذات عن الأعمال؛ لأن ما لا يصح كالعدم. قال الصنعاني: إنما لاحظوا الأقرب إلى نفي الذات؛ لأن الكلام ظاهر في نفيها، والحَرْف موضوع لذلك، إذ قولك: لا رجل في الدار يُراد به نفي الذات؛ أي: نفي صفة استقرار الذات في الدار، وكأنهم يتسامحون في العبارة، قال الحلبي: ولأن اللفظ دلّ على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي الصفات بالتََّع، فلما مَنَعَ الدليل دلالته على نفي الذات ثبت أن دلالته على نفي الصفات مستمرة، فحيث ولا بدّ من مقدَّر يتوجه النفي إليه، فما هو في حكم العدم(١)، والشارح - يعني: ابن دقيق العيد - ذكر مرجِّحاً آخر وهو أن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، يريد أن الأفعال الصحيحة أكثر وجوداً من الأفعال الكاملة، فيتوجه النفي إلى ملازم الحقيقة، فكان نفي الملازَم - بالفتح - وهو ملاقٍ للأول؛ إذ نفي الملازَم كنفي الملازِم. وقوله: لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال، وهو مُلَاقٍ لقول أهل الأصول؛ لِسَبْق المقصود إلى الفهم. قال الصنعانيّ: وهنا مرجِّح أوضح، وهو أن خطابات الشارع محمولة على تعريفه، وتعليمه للمكلفين التكاليف الصحيحة؛ إذ هي المطلوبة منهم، ولذا حُملت الخطابات المطلقة في مثل ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] على النكاح الصحيح؛ لأنه مطلوب الشارع، لا الفساد فلا يكون محلِّلاً، فكذلك يكون مطلوب الشارع تعريف العباد صحيح التكاليف التي يسقط الطلب بها، وتستحق به الإثابة، وأما الكمال فهو مطلوب ندباً، لا وجوباً وإلا لزم أن لا يجزئ إلا الكامل من الأفعال، لا الصحيح، على أني أقول(٢): ههنا مانع من تقدير الكمال، وهو أنه سيق الحديث لبيان الأعمال التي يثاب عليها (١) هكذا النسخة، والظاهر أن فيه سقطاً، والأصل: فما هو في حكم العدم أولى، والله تعالى أعلم. (٢) القائل هو الصنعاني تَظّلهُ. ٦١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة العباد، فلو قدّر الكمال لزم أن لا يثاب العباد، فلو قدّر الكمال على الأفعال الصحيحة حتى تتصف بالكمال وهو باطل(١)، ثم الكمال يتفاوت بتفاوت رُتَب العاملين، فصلاة نبيّنا ﴿ أكمل الصلوات، ثم تختلف رتبته على اختلاف طبقات الأتقياء، فأيُّ كمالٍ المقدَّرُ؟ فالقول بتقديره كالإحالة على مجهول، مع أن الكمال ليس بملازم لجميع الأفعال، والحديث عام لجميعها، بخلاف الصحة، فهي شيء واحد ملازم لكل ما يُسقط التكليف، وهي ترتب الآثار، فعرفت أن تقدير الكمال غير صحيح هنا، ولا مُلجئ إليه، إلا الدليل الناهض(٢) كما نهض على تقديره في حديث: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد))، إن ثبت، وذلك أنه ثبت: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة)) الحديث عند أحمد، زُته. والشيخين من حديث أبي هريرة وقول الشارح المحقق - يعني: ابن دقيق العيد -: إن من لم يشترط النية يُقَدِّر الكمال، فيه بحث؛ لأنا لا نعلم قائلاً يقول: إنها لا تشترط النية في شيء من الأعمال حتى يقدّر في جميعها الكمال، إنما وقع الخلاف في مسائل، وفروع من العبادات، وإلا فالكل يتفقون على شرطيتها في مواضع من المسائل مع أن من لم يشترطها في بعض المواضع لا يقدّر الكمال فيها، وحينئذ لا يتم له تقدير الكمال هنا؛ لأن هذا الحديث عام لكل عمل كما عرفت، ومن الأعمال ما هي شرط في صحته عنده فلا يتم هذا الإطلاق، إلا أن يثبت أن قائلاً يقول: لا تشترط النية في عمل من الأعمال، ولا أظنه يوجد من يقول هذا، إلا أن يكون مراده: أن مِنْ لازِم كل عمل النية، وأن شرطيتها لغو؛ لأنها أمر لا بد منه، كما قال بعض المتأخرين: إنه لو كلِّف بعمل بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، على أن هذا لا يتم به حَمْل الحديث على الكمال، بل (١) هكذا نسخة: ((العدّة))، وفيها ركاكة، ولعل الصواب إسقاط «فلو قُدّر الكمال)) الثاني، فيكون التركيب هكذا: ((فلو قُدّر الكمال لزم أن لا يُثاب العباد على الأفعال الصحيحة ... إلخ)). (٢) هكذا النسخة، ولعل الصواب: ((ولا يوجد دليل ناهض ... إلخ)). ٦١٥ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِن ◌َّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) يقول: الحديث أتى لطلب أن يكون باعث النية ابتغاء رضا الله تعالى، ولا تقدّر صحة، ولا كمال، فالكلام صادق عنده؛ لأنه لا يوجد عمل إلا بنية. انتهى كلام الصنعانيّ تَخُّهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الرابعة عشرة): قال الحافظ تَخْتُ: الأعمال تقتضي عاملين، والتقدير: الأعمال الصادرة من المكلفين، وعلى هذا هل تَخْرُج أعمال الكفار؟ الظاهر: الإخراج؛ لأن المراد بالأعمال: أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطباً معاقَباً على تركها، ولا يَرِد العتق، والصدقة؛ لأنهما بدليل آخر. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة عشرة): قال الحافظ أيضاً: الظاهر أن الألف واللام في النيات معاقِبَة للضمير، والتقدير: الأعمال بنياتها، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلاً صلاةً، أو غيرها، ومن كونها فرضاً أو نفلاً، ظهراً مثلاً، أو عصراً، مقصورةً، أو غير مقصورة، وهل يُحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعيّن، كالمسافر مثلاً ليس له أن يَقْصُر إلا بنيّة القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين؛ لأن ذلك هو مقتضى القصر، والله أعلم. انتهى، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة عشرة): قال العراقيّ تَخْلَهُ: وذكر بعض المتأخرين من الحنفية، وهو قاضي القضاة شمس الدين السروجيّ أن التقدير - يعني: تقدير إنما الأعمال بالنيات - ثوابها، لا صحتها؛ لأنه الذي يَطَّرِد، فإن كثيراً من الأعمال يوجد، ويُعتبر شرعاً بدونها، ولأن إضمار الثواب متفق على إرادته، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان ما ذهبنا إليه أقلّ إضماراً، فهو أولى، ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممتنع، ولأن العامل في قوله: ((بالنية)) مقدَّر بإجماع النحاة، ولا يجوز أن يتعلق بالأعمال؛ لأنها رَفْعٌ بالابتداء، فيبقى بلا خبر فلا يجوز، فالمقدَّر إما مُجْزِئة أو صحيحة، أو مُثيبة، فمثيبة أولى بالتقدير لوجهين: (١) ((العدة حاشية العمدة)) ١/ ٧٢ - ٧٤. (٢) ((الفتح)) ١٩/١. ٦١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أحدهما: أن عدم النية لا يُبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة، والإجزاء يُبطل، فلا يَبْطُل بالشك. الثاني: أن قوله: ((لكل امرئ ما نوى)) يدل على الثواب والأجر؛ لأن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. انتهى. قال العراقيّ: وفيه نظر من وجوه: أحدها: أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة، أو الكمال، أو الثواب؛ إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما المراد: حقيقة العمل الشرعيّ، فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار، وأيضاً فلا بد من إضمار شيء يتعلق به الجارّ والمجرور، فلا حاجة لإضمار مضاف؛ لأن تقليل الإضمار أولى، فيكون التقدير: إنما الأعمال، وجودها بالنية، ويكون المراد: الأعمال الشرعية. والثاني: أن قوله: إن تقدير الثواب أقلّ إضماراً؛ لكونه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فلا نسلّم أن فيه تقليل الإضمار؛ لأن المحذوف واحد، ولا يلزم من تقدير الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب، ووجوب الإعادة، وغير ذلك، فلا نحتاج إلى أن نقدّر إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء مثلاً بالنية، بل المقدّر واحد، وإن ترتّب على ذلك الواحد شيء آخر، فلا يلزم تقديره. والثالث: أن قوله: إن تقدير الصحة يؤدي إلى نَسْخ الكتاب بخبر الواحد، فإن أراد به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكون النية لم تذكر في الكتاب، فهذا ليس بنسخ، وأيضاً فالثواب مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلْذِينَ﴾ الآية [البينة: ٥]، فهذا هو القصد والنية، ولو سُلِّم أن فيه نسخَ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول. والرابع: أن قوله: إن تقدير الصحة يُبطل العمل، ولا يَبْطُل بالشك، ليس بجيد، بل إذا تيقّنا شغل الذمة بوجوب العمل لم نُسقطه بالشك، ولا تبرأ الذمة إلا بيقين، فحمْله على الصحة أَولى؛ لتيقّن البراءة به. والخامس: أن قوله: إن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه، والأحسن في التقدير أن لا يقدّر حذف مضاف، فإنه لا حاجة إليه، ولكن يقدّر ٦١٧ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) شيء يتعلق به الجارّ والمجرور، فإنه لا بدّ من تقديره كما تقدم، إنما الأعمال وجودها بالنية، ونفي الحقيقة أولى، والمراد نفي العمل الشرعي، وإن وُجد صورة الفعل في الظاهر فليس بشرعيّ عند عدم النية. انتهى(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة عشرة): قال العراقيّ تَخُّْ: يَحْتَمِل أن يكون معنى: ((إنما الأعمال بالنيات)) من لم ينو الشيء لم يحصل له، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: من نوى شيئاً لم يحصل له غيره. قال ابن دقيق العيد نَّثُهُ: وبينهما فَرْق، وإلى هذا يشير قوله: ((فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). انتهى. وهذا يؤدي إلى أن التشريك في النية مُفسد لها، وقد ورد لكل من الاحتمالين ما يؤكده، فمما يؤكد هذا الاحتمال: ما رواه النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّ، فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟، فقال رسول الله وَله: ((لا شيء له ... )) الحديث، وفيه: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابْتُغِي به وجهه)). ويدلّ للاحتمال الأول: ما رواه النسائيّ أيضاً من حديث عبادة بن الصامت وظُبه قال: قال رسول الله وَله: ((من غزا في سبيل الله، ولم ينو إلا عِقالاً، فله ما نوى))، فإتيانه بصيغة الحصر يقتضي أنه إذا نوى مع العقال شيئاً آخر كان له ما نواه، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب عندي، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة عشرة): قوله وَله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)): قال العلامة الصنعانيّ تَخْذَلُهُ: اختَلَف الناظرون، هل هذه الجملة مؤكدة لِمَا قبلها أم لا؟ والذي يظهر أنها مستأنفة؛ لأنه بَيَّنَ في الأُولى أن صحة الأعمال بالنيات، وهو حكم للأعمال صريح، ثم بَيَّنَ في هذه الجملة ما يخص العاملين، وقول الشارح - يعني: ابن دقيق العيد - يقتضي أن من نوى شيئاً حَصَل له؛ أي: (١) ((طرح التثريب)) ٨/٢. ٦١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة سواء عَمِلَه، أو مَنَعَه عنه مانع يُعذر شرعاً معه بعدم عمله، وهذا صحيح موافق للأحاديث الكثيرة الواردة بثبوت الأجر لمن نوى خيراً ولم يعمله، كحديث: ((رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل بعلمه في ماله، وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل العمل الذي يعمل، فهما في الأجر سواء)»، إلا أنه قد خرج بدليل آخر من هذه القاعدة عدّة مسائل: فمنها: ذِكر الله كالتسبيح، فإنه لا يحتاج إلى نية؛ لأنه يتميّز بنفسه، وإنما يحتاج إلى القيد، ومنها: الألفاظ الصريحة من المعاملات في الطلاق، والنكاح، ونحوها، ومنها: إذا وقع في الماء الكثير ثوب متنجس، فإنه يَظْهُر، ومنها: من حج أو اعتمر عن غيره، ولم يكن قد أدَّى ذلك عن نفسه، فإنه ينقلب له مع أنه نواه عن غيره، ومنها: إذا أحرم بالحج في غير أشهره، فإنه ينقلب عمرة، وغير ذلك مما يعرفه من تتبّع فروع الكليات. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): قال القرطبيّ: فيه - أي: في قوله: ((إنما لكل امرئ ... )) إلخ -: تحقيق الاشتراط النية والإخلاص في الأعمال، فجنح إلى أنها مؤكدة، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأُولى؛ لأن الأُولى نبّهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. وقال ابن دقيق العيد: الجملة الثانية تقتضي أن مَنْ نوى شيئاً يحصل له - يعني: إذا عمله بشرائطه، أو حال دون عمله له ما يُعذر به شرعاً بعدم عمله - وكل ما لم ينوه لم يحصل له، ومراده بقوله: لم ينوه؛ أي: لا خصوصاً ولا عموماً، أما إذا لم ينو شيئاً مخصوصاً لكانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يُحصى، وقد يحصل غير المنويّ لِمُدْرَك آخر، كمن دخل المسجد، فصلى الفرض، أو الراتبة قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها؛ لأن القصد بالتحية شَغْل البُقْعة، وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة، فإنه لا يحصل له غُسل الجمعة على الراجح؛ لأن غُسل الجمعة يُنظر (١) ((العدة حاشية العمدة)) ٧٦/١. ٦١٩ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) فيه إلى التعبد، لا إلى محض التنظيف، فلا بد فيه من القصد إليه، بخلاف تحية المسجد، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يظهر لي فرق بين هاتين المسألتين: تحية المسجد، وغسل الجمعة، حيث جعلوا الأُولى مما لا يُنظر فيه جهة التعبد، والثانية جعلوها مما يُنظر فيه جهة التعبد، وقد قال ◌َلو: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))، كما قال: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل))، وما ثَمَّ نص يُفَرِّق بينهما، فالظاهر أنهما عبادتان يُحتاج فيهما إلى النية، فلا يحصل كل منهما إلا إذا نواه، والله أعلم. وقال النووي: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنويّ، كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط، حتى يعيّنها ظهراً مثلاً، أو عصراً، ولا يخفى أن محله إذا لم تنحصر الفائتة. وقال ابن السمعاني في ((أماليه)): أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القُربة، كالأكل إذا نوى به القوّة على الطاعة، وقال غيره: أفادت أن النيابة لا تدخل في النية، فإن ذلك هو الأصل فلا يَرِد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره، فإنها على خلاف الأصل. وقال ابن عبد السلام: الجملة الأُولى لبيان ما يُعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها، وأفاد أن النية إنما تُشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وُضع له، كالأذكار، والأدعية، والتلاوة؛ لأنها لا تَتَرَدَّدُ بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، أما ما حدث فيه عُرف كالتسبيح للتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثواباً، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يُحَصِّل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغِيبة، بل هو خير من السكوت مطلقاً؛ أي: المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي وقفة هنا: وذلك أن ما ذَكَرَه، من الأذكار ونحوه، داخل في عموم الأعمال، فبأيّ دليل خرج عنها، حتى نقول: إنه لا يحتاج إلى النية؟ بل الظاهر أنه لا بد فيه من النية؛ ليثاب عليه، وأما ٦٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة قول الغزالي حركة اللسان إلخ، فالظاهر أن المراد به الذّكر مع عدم حضور القلب، لا مع عدم النية، فلا يلزم من عدم حضور القلب عدم النية فتأمل. قال الحافظ: ويؤيده - أي: قول الغزاليّ - قوله وَلير: ((في بُضع أحدكم صدقة ... ))، ثم قال في الجواب عن قولهم: أيأتي أحدنا شهوته، ويؤجر؟: ((أرأيت لو وضعها في الحرام))؟. وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح؛ لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده. وخُصَّ من عموم الحديث ما يُقصد حصوله في الجملة، فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه، كتحية المسجد كما تقدم. قال الجامع: قد علمتَ ما فيه فيما تقدم. قال: وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة، فإن عدتها تنقضي؛ لأن المقصود حصول براءة الرحم، وقد وُجد، ومن ثمَّ لم يَحْتج المتروك إلى نية. ونازع الكرمانيّ في إطلاق الشيخ محيي الدين، كون المتروك لا يحتاج إلى نية بأن الترك فعل، وهو كفّ النفس، وبأن التروك إذا أريدَ بها تحصيل الثواب بامتثال أمْر الشارع فلا بد فيها من قَصْد الترك. وتُعقب بأن قوله: ((الترك فعل)) مختلف فيه، ومن حقّ المستدلّ على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه، وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المَوْرد؛ لأن المبحوث فيه: هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العقاب بتركها؟ والذي أورده: هل يحصل الثواب بدونها؟ والتفاوت بين المقامين ظاهر. والتحقيق أن الترك المجرّد لا ثواب فيه، وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلاً ليس كمن خطرت، فكفّ نفسه عنها خوفاً من الله تعالى، فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه، لا الترك المجرد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الكرمانيّ: إذا قلنا: إن تقديم الخبر على المبتدإ يفيد القصر، ففي قوله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) نوعان من الحصر: قصرُ المسنَد