Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابٍ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَمْ - حديث رقم (٤٩١٧) جماعة، أو سريّة، أو طائفة غازية (تَغْزُو) أعاد الضمير هنا مؤنثاً، مفرداً نظراً للفظ ((غازية)). (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله تعالى، (فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ) أعاد الضمير هنا مذكّراً جمعاً؛ نظراً لمعنى ((غازية))؛ لأنها بمعنى ((جماعة))، أو طائفة، أو سريّة، كما سبق آنفاً. (إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُقَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ) بكسر الخاء المعجمة، (وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ)) قال النوويّ رَّتُ ما حاصله: إِنَّ الصواب في معنى الحديث أن الغُزاةَ إذا سَلِموا، أو غَنِموا يكون أجرهم أقلّ من أجر من لم يَسلَم، أو سَلِمَ، ولم يَغْنَم، وأن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم، فقد تعجّلوا ثلُثي أجرهم المترتّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة، كقوله: ((منا من مات، ولم يأكل من أجره شيئاً، ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يَهدبها))؛ أي: يجتنيها، فهذا الذي ذكرناه هو الصواب، وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريحٌ صحيحٌ يُخالف هذا، فتعيّن حَمْله على ما ذَكَرنا. وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالاً فاسدةً، منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح، ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة، كما لم ينقص ثواب أهل بدر، وهم أفضل المجاهدين، وهي أفضل غنيمة، قال: وزعم بعض هؤلاء أن أبا هانئ حُميد بن هانئ راويه مجهول، ورجحوا الحديث السابق في أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، فرجحوه على هذا الحديث؛ لشهرته، وشهرة رجاله، ولأنه في (الصحيحين))، وهذا في مسلم خاصّةً، وهذا القول باطل من أوجه، فإنه لا تعارض بينه وبين هذا الحديث المذكور، فإن الذي في الحديث السابق رجوعه بما نال من أجر وغنيمة، ولم يقل: إن الغنيمة تنقص الأجر أم لا، ولا قال: أجره كأجر من لم يغنم، فهو مطلق، وهذا مقيَّد، فوجب حَمْله عليه. وأما قولهم: أبو هانئ مجهول، فغلٌ فاحشٌ، بل هو ثقة مشهورٌ، رَوَى عنه الليث بن سعد، وحيوة، وابن وهب، وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في (صحيحه)). ٥٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وأما قولهم: إنه ليس في ((الصحيحين))، فليس لازماً في صحة الحديث كونه في ((الصحيحين))، ولا في أحدهما . وأما قولهم في غنيمة بدر، فليس في غنيمة بدر نصّ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قَدْر أجرهم، وقد غَنِموا فقط، وكونهم مغفوراً لهم، مرضيّاً عنهم، ومن أهل الجنة، لا يلزم ألا تكون وراء هذا مرتبة أخرى، هي أفضل منه، مع أنه شديد الفضل، عظيم القدر. ومن الأقوال الباطلة ما حكاه القاضي عن بعضهم أنه قال: لعل الذي تعجل ثلثي أجره إنما هو في غنيمة أُخذت على غير وجهها، وهذا غلطٌ فاحشٌ؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر. وزعم بعضهم أن المراد: أن التي أخفقت يكون لها أجر بالأسف على ما فاتها من الغنيمة، فيضاعف ثوابها، كما يضاعف لمن أصيب في ماله وأهله، وهذا القول فاسدٌ مباينٌ لصريح الحديث. وزعم بعضهم أن الحديث محمول على من خرج بنيّة الغزو والغنيمة معاً، فنَقَص ثوابه، وهذا أيضاً ضعيف، والصواب ما قدمناه. انتهى كلام النوويّ كَذَتْهُ(١). وقال بعضهم ما حاصله: استشكله بعض العلماء بأن الغنيمة نعمة من الله تعالى أُحلّت لهذه الأمة، فكيف ينتقص بها أجر الجهاد؟ ولو كانت منقصة للأجر لَمَا تناولها الصحابة والتابعون الذين كانوا يطمعون في زيادة الأجر أكثر مما يطمعون في التمتّع بالغنائم، ولو كانت الغنيمة ينقص بها الأجر لَمَا فَضَل أصحاب بدر على أصحاب أُحُد. ثم قال: والحقّ أنه لا إشكال في حديث الباب؛ لأن الأجر على قدر المشقّة والمصيبة، ولا شكّ أن من لم يَسلم، أو لم يغنم مصيبته أكثر ممن سَلِم، وغنم، فكان ثوابه أعظم، وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) عن بعض المتأخّرين حكمةً لطيفةً بالغةً، وذلك أن الله أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات: دنيويتان، وأخروية، فالدنيويتان: السلامة، والغنيمة، والأخروية: دخول الجنة، (١) ((شرح النوويّ)) ٥٢/١٣ - ٥٣. ٥٨٣ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابٍ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَمْ - حديث رقم (٤٩١٧) فإذا رجع سالِماً غانِماً، فقد حصل له ثلثا ما أعدّ الله له، وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوّضتك عنه ثواباً، وأما الثواب المختصّ بالجهاد فهو حاصل للفريقين معاً، قال: وغاية ما فيه عَدّ ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجراً بطريق المجاز، والله أعلم. (١) انتھی(١). وهذا توجيه وجيهٌ، لا يَدَع مجالاً للإشكال، وأما ما ذكروا من حلّ الغنيمة لهذه الأمة، والتمدّح بها، وتناول السلف لها برغبة، فإن ذلك لا إشكال فيه؛ لأن الحرمان من الغنيمة مصيبة يؤجر عليها الغازي، وكذلك حال كلّ مصيبة، ولكن لا يجوز أن يتمنّى الرجل مصيبةً لزيادة الأجر، وإنما أُمر بأن يسأل الله تعالى العافية، ثم إن الغنيمة مصالح عظيمة، من كونها قوّة للمسلمين، فلا مانع من أن يفتقر لها بعض النقص في الأجر. وكذلك الاستدلال بفضيلة أهل بدر على أهل أُحُد استدلال في محلّه؛ إذ مفاد حديث الباب أن أهل بدر لو لم يغنموا شيئاً كان أجرهم أكثر مما حصل لهم بعد الغنيمة، فالتقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، فأفضلَ اللهُ وَلَ أهل بدر على مَنْ بعدهم بحيث يفضل الغانم منهم على غير الغانم بعدهم، فإن ذلك فضله يؤتيه من يشاء والله تعالى أعلم. (٢) انتھی مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو المصنّف رَخَذَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((الفتح)) ١٠/٦. (٢) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٤٤٣/٣ - ٤٤٤. ٥٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩١٧/٤٤ و٤٩١٨] (١٩٠٦)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٤٩٧)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (١٧/٦) و((الكبرى)) (١٣/٣)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٩/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٩٠/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٨٧/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٩/٩) و((شُعَب الإيمان)) (٢١/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ثواب السريّة التي تغزو، ولا تغنَم، وذلك أنه يعطى لها أجرها كاملاً، من غير أن يَنقص شيئاً . ٢ - (ومنها): من غزا، وغنم له ثلث الأجر، وتكون الغنيمة مقابلة بثلثي الأجر. ٣ - (ومنها): أن فيه رفعاً لهمة المجاهد عن أن يَخْطُر في باله حصول شيء من الغنيمة، حيث إنه ينقص به أجره الأخرويّ، وأهمّ ما عند العاقل آخرته، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا (٨) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ ١٧) [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال ◌َ: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍ﴾ الآية [النحل: ٩٦]، وقال ◌َلَ: ﴿قُلْ مَنَحُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٨] ( .. ) - حَدَّثَنِ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِيٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ، وَتَسْلَمُ، إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُنَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ، وَتُصَابُ، إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزیل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م ت س) تقدّم في ((الصيام)) ٢٥٣٥/٨. ٥٨٥ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابٍ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَمْ - حديث رقم (٤٩١٨) ٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢. ٣ - (نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ) الْكَلاعيّ - بفتح الكاف واللام الخفيفة - أبو يزيد المصريّ، يقال: إنه مولى شُرَحْبيل بن حَسَنَةَ، ثقةٌ عابدٌ [٧]. رَوَى عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، وهشام بن عروة، وعُقيل، ويونس بن يزيد، وجعفر بن ربيعة، وحَيْوة بن شُريح، وأبي هانئ، والحارث بن سعيد، وخالد بن یزید، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن وهب، وبقية، وسعيد بن كثير بن عُفير، وسعيد بن أبي مريم، وأبو صالح كاتب الليث، ومحمد بن عبد الأعلى القراطيسيّ، وغيرهم. قال أحمد بن صالح المصريّ: كان من ثقات الناس، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن يونس: كان ثبتاً في الحديث، لا يُختلف فيه، وقال العجليّ: مصريّ ثقة، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الصغانيّ: ثنا ابن أبي مريم، ثنا نافع بن يزيد، وكان من خيار أمة محمد دَله . وقال ابن يونس، وابن حبان: تُوُفّي سنة ثمان وستين ومائة. أخرج له البخاري في التعاليق ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٩٠٦)، وحديث (٢٦٥٣): ((كتب الله مقادير الخلائق ... )) الحديث. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (تُخْفِقُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإخفاق: أي تَخِيب، يقال: أخفق الصائد: إذا خاب، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل له(١). وقوله: (وَتُصَابُ)؛ أي: بالقتل، أو إصابة الجرح؛ أي: فلم ترجع بالسلامة، وتمام شرح الحديث سبق في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((المفهم)) ٧٤٩/٣ - ٧٥٠. ٥٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (٤٥) - (بَابُ قَوْلِهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الأَعْمَالِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٩] (١٩٠٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْتَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يُقدّمان عليه في ((الموطأ)) أحداً، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدّم في ((الطهارة) ١٧ / ٦١٧. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍٍ) الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدّم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧/ ١٧٠٧. ٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل بن عبد العُزَّى العدويّ، أبو حفص المدنيّ، ثاني الخلفاء الراشدين، استشهد في آخر سنة (٢٣) ودفن في أول سنة ٥٨٧ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِن ◌َّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) (٢٤) وهو ابن (٦٣) سنة، وصَلَّى عليه صهيب ﴿هَا، ودُفِن في الحجرة النبوية (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٩/٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلَثُ، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وفيه ثلاثة من التابعين المدنيين روى بعضهم عن بعض: يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقّاص، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه أن صحابيّه أحد فقهاء الصحابة ﴿ه، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأول من سُمِّيَ بأمير المؤمنين، ذو مناقب جمّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﴿به، وفي رواية البخاريّ السّند كلّه متّصل بالتحديث، والإخبار، والسماع، ونصّه: ((حدّثنا الحميديّ عبد الله بن الزبير، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيميّ، أنه سمع علقمة بن وقّاص الليثيّ، يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﴿ على المنبر قال: سمعت رسول الله وَله ... )) الحديث. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ) جمع عَمَل، مصدر قولك: عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلاً، والتركيب يدلّ على فَعَل يَفْعل، والفرق بينه وبين الفعل كما قال الصغاني: أن الفعل أعمّ من العمل؛ لأنَّ الفعل إحداث شيء من العمل وغيره، والفعل بالكسر: الاسم، وجمعه فِعال، وأفعالٌ، وبالفتح: مصدر قولك: فعلت الشيءَ أفعله فَعْلاً وفعالاً، أفاده في (العمدة))(١). وفي ((القاموس)) و((شرحه)): العمل محرَّكة: الْمِهْنة، والفعل، جَمْعه أعمال، وزعم بعض أئمة اللغة والأصول: أن العمل أخصّ من الفعل؛ لأنه الفعل بنوع مشقة، قالوا: ولذا لا يُنسب إلى الله تعالى، وقال الراغب: العمل (١) ((عمدة القاري)) ١/ ٥٣. ٥٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة كل فعل يصدر من الحيوان بقصده، فهو أخصّ من الفعل؛ لأن الفعل قد يُنسب إلى الحيوانات التي يقع منها فِعل بقصد، وقد يُنسب إلى الجمادات، والعمل قلّما ينسب إلى ذلك، ولم يُستعمل في الحيوانات إلا في قولهم: الإبل والبقر العوامل، وقيل: العمل حركة البدن بكلّه أو بعضه، وربما أطلق على حركة النفس، فهو إحداث أمر، قولاً كان أو فعلاً بالجارحة، أو القلب، لكن الأسبق للفهم اختصاصه بالجارحة، وخصّه البعض بما لا يكون قولاً، ونوقش بأن تخصيص الفعل به أولى من حيث استعمالهما متقابلين، فيقال: الأقوال، والأفعال، وقيل: القول لا يسمى عملاً عُرْفاً، ولذا يُعطف عليه، فمن حلف لا يعمل، فقال، لم يحنث، وقيل: التحقيق: إنه لا يدخل في العمل، والفعل إلا مجازاً. انتهى(١). (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، وسنبيّن اختلاف ألفاظه في المسائل إن شاء الله تعالى، و((النية)): مصدر نَوَى ينوي، قال الجوهري: نويت نيَّة ونَوَاةً؛ أي: عَزَمت، وانتويت مثله، وهي بالتشديد على المشهور، وحُكِي تخفيفها. وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: نَوَيتُهُ أنويه: قصدته، والاسم: النيّة، والتخفيف لغة حكاها الأزهريّ، وكأنه حُذِفت اللام، وعُوِّض عنها الهاء على اللغة، كما قيل فِي ثُبَةٍ، وظُبَةٍ. وفي ((المُحْكَم)): النّة مثقّلةً، والتخفيف عن اللِّحيانيّ وحده، وهو على الحذف، ثم خُصِّصت النية في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور، والنية: الأمر، والوجه الذي تنويه. انتهى (٢). واختلفوا في تفسيرها: فقيل: هو القصد إلى الفعل، وقال الخطابيّ: هو قصدك الشيء بقلبك، وتحري الطلب منك له، وقال التيميّ: هنا وِجْهة القلب، وقال البيضاويّ: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض، من جلب نفع، أو دفع ضر، حالاً أو مآلاً، وقال النوويّ: النية: القصد، وهي عزيمة القلب، وقال الكرمانيّ: ليس هو عزيمة القلب، لِمَا قال المتكلمون: (١) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٤/٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٣١/٢ - ٦٣٢. ٥٨٩ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) القصد إلى الفعل، هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه، ويقبل الشدّة والضعف بخلاف القصد، ففرّقوا بينهما من جهتين، فلا يصح تفسيره به . قال صاحب ((العمدة)): قلت: العزم هو إرادة الفعل، والقطع عليه، والمراد من النية هنا هو هذا المعنى، فلذلك فسّر النوويّ القصد الذي هو النية بالعزم، فافهم. على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسيّ قد جعل في ((أربعينه)) النية، والإرادة، والقصد، والعزم بمعنَى، ثم قال: وكذا أزمعت على الشيء، وعمدت إليه، وتُطلق الإرادة على الله تعالى، ولا يُطلق عليه غيرها . (١) انتھی(١). قال في ((الفتح)): قال الكرمانيّ: هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، واختُلِف في وجه إفادته، فقيل: لأن ((الأعمال)) جمعٌ مُحَلَّى بالألف واللام، مفيدٌ للاستغراق، وهو مستلزم للقصر؛ لأن معناه كلّ عمل بنيّة، فلا عمل إلا بنيّة، وقيل: لأن ((إنما)) للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو العرف، أو تفيده بالحقيقة، أو المجاز؟ ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعاً حقيقيّاً، بل نقله البلقينيّ عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير، كالآمديّ، وعلى العكس من ذلك أهل العربية. واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لَمَا حَسُن: إنما قام زيد، في جواب هل قام عمرو؟. وأجيب بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب: ما قام إلا زيد، وهي للحصر اتفاقاً . وقيل: لو كانت للحصر لاستوى: إنما قام زيد، مع: ما قام إلا زيد، ولا تردّد في أن الثاني أقوى من الأول. وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوّة نفي الحصر، فقد يكون أحد اللفظين (١) ((عمدة القاري)) ٢٦/١. ٥٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع، كَسَوْف والسين، وقد وقع استعمال ((إنما)) موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوَنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وكقوله: ﴿وَمَا تُجُزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ٣٩) [الصافات: ٣٩]، وقوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقوله: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] ومن شواهده قول الأعشى: ولسْتَ بالأكْثَرِ منْهُمْ حَصّى وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلكَائِرٍ يعني: ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى. انتهى(١). وسيأتي هذا البحث مستوفّى في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. والمراد بالأعمال: الأعمال الصادرة عن المكلفين، وهل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر الإخراج؛ لأن المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطباً بها معاقباً على تركها، ولا يَرِد العتق، والصدقة؛ لأنهما بدليل آخر. وقوله أيضاً: (بِالنِّيَّةِ) الباء للمصاحبة، ويَحْتَمِل أن تكون للسببية، بمعنى أنها مقوِّمة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل، فيُشترط أن لا تتخلف عن أوله، قاله في ((الفتح))، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. (وَإِنَّمَا لِمْرِئٍ) قال السنديّ تَخْتُهُ: قوله: ((لا مرئ)) بمعنى لكلّ امرئ، كما جاء في الروايات الأخرى، وذلك لأن ((إنما)) يتضمن الإثبات في أول الكلام والنفي في آخر جزء منه، فالنكرة صارت في حَيِّز النفي، فتفيد العموم، على أن النكرة في الإثبات قد يُقْصَد بها العموم، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ﴾ [التكوير: ١٤] ولا يخفى أنه يظهر على هذا المعنى تفريع ((فمن كانت هجرته)) على ما قبله أشدَّ ظهور. انتهى(٢). وفيه لغتان: ((امرء))، كزبْرِج، و((مَرْء)» كفَلْس، ولا جَمْع له من لفظه، وهو من الغرائب؛ لأن عَيْن فِعله تابع لِلَامِه في الحركات الثلاث دائماً، وكذا في (١) ((الفتح)) ١٨/١ - ١٩. (٢) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٥٩/١ - ٦٠. ٥٩١ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَّةِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) مؤنثه أيضاً لغتان: ((امرأة))، و((مرأة))، وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين؛ إذْ قال: ((لكل امرئ))، ((وإلى امرأة)). قاله في ((العمدة))(١). وقال العراقي: المعروف في الرواية كسر الراء من قوله: (لكل امرئ))، وعلى هذا فإعرابه بحرفين من آخره الراء والهمزة، تقول: امرؤ جيد برفع الراء، ورأيت امرءاً بنصبها، وهذه هي اللغة الفصحى، وفيه لغتان أخريان: فتح الراء مطلقاً، حكاها الفراء، وضمّها مطلقاً، وتكون حركات الإعراب في الهمزة فقط. انتهى(٢). (وَإِنَّمَا لِمْرِئٍ مَا نَوَى)؛ أي: لكل رجل: الذي قَصَده، وكذا لكل امرأة لأن النساء شقائق الرجال، وفي ((القاموس)): المرأ مثلث الميم: الإنسان، أو الرجل. وعلى القول بأن ((إنما)) للحصر، فهو هنا من حصر الخبر في المبتدإ، أو يقال: من قصر الصفة على الموصوف؛ لأن المقصور عليه في ((إنما)) دائماً المؤخّر، قاله القسطلانيّ، وفي هذه الجملة تحقيق الاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال، قاله القرطبيّ. فتكون على هذا جملةً مؤكدةً لِمَا قبلها، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأُولى؛ لأن الأُولى نَبَّهَت على أن العمل تابع للنية، ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. ثم فَصَّل ما أجمله فيما تقدم بقوله: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) - بكسر الهاء - فِعْلَةٌ من الهَجْرِ، وهو ضدُّ الوصل، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأُولى للثانية، قاله في ((النهاية، لابن الأثير))، وفي ((العباب)): الْهَجْرُ: ضدّ الوصل، وقد هَجَره يهجُرُه، بالضمّ هَجْراً، وهِجْرَاناً، والاسم الْهِجْرة، ويقال: الهِجْرة: التركُ، والمراد بها هنا ترك الوطن، والانتقال إلى غيره، وهي في الشرع: مُفارقةُ دار الكفر إلى دار الإسلام خوفَ الفتنة، وطلبَ (١) ((عمدة القاري)) ١/ ٥٣. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١١/٢. ٥٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة إقامة الدِّين، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه، ومن ذلك سُمِّيَ الذين تركوا مكة، وتحوَّلوا إلى المدينة من الصحابة ﴿ه بالمهاجرين؛ لذلك، قاله في ((العمدة))(١). أي: من كانت رحلته من بلد إلى بلد آخر، (إِلَى اللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ) وَلّ نيّةً وقصداً، (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ) تعالى (وَرَسُولِهِ وَ﴾) حُكماً وشرعاً، أو ثواباً وجزاءً، وإنما قدّرنا ذلك؛ ليتغاير الشرط، والجزاء؛ لأنه لا بُدّ من ذلك، وإلا لم يكن مفيداً، وقيل: يجوز الاتحاد في الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر، إذا قصد التعظيم، أو التحقير كأنت أنت؛ أي: العظيم، أو الحقير، ومنه قول أبي النجم: وشعري شعري؛ أي: العظيم، وقيل: الخبر محذوف في الجملة الأُولى منهما؛ أي: فهجرته إلى الله ورسوله محمودة أو مثاب عليها، وفهجرته إلى ما هاجر إليه مذمومة أو قبيحة، أو غير مقبولة(٢). (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) - بضم الدال، وحَكَى ابن قتيبة كسرها، وهي فُعْلى، من الدُّنُوِّ؛ أي: القُرْب، سُمِّيت بذلك؛ لسبقها الأخرى، وقيل: لدنوّها إلى الزوال، وهي غير منوّنة على الأشهر، وحُكي تنوينها، وجَمْعها دُنَا، ككُبَر، جمع كُبْرَى، والنسبة إليها دنيويّ، ودنياويّ، ودنْيِيّ، بقلب الواو ياء، فتصير ثلاث ياءات، واختلف في حقيقتها، فقيل: ما على الأرض، من الهواء والجوّ، وقيل: كلُّ المخلوقات من الجواهر، والأعراض، والأول أولى، لكن يزاد فيه: مما قبل قيام الساعة، ويُطلق على كل جزء منها مجازاً (٣). وقوله: (يُصِيبُهَا) جملة في موضع جرّ صفة لـ((دنيا))؛ أي: يُحَصِّلها؛ لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم، بجامع حصول المقصود(٤). (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) وفي لفظ: ((ينكحها))، وخَصّ المرأة بالذِّكر بعد ذِكر ما يَعُمّها وغيرها؛ للاهتمام بها، والتحذير عنها؛ لأن الافتتان بها أشدّ. (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ») من الدنيا والمرأة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((عمدة القاري)) ٥٣/١ - ٥٤. (٣) ((الفتح)) ٢٣/١ - ٢٤. (٢) راجع: ((نيل الأوطار)) ٢٠٢/١. (٤) ((الفتح)) ٢٣/١ - ٢٤. ٥٩٣ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ وَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩١٩/٤٥ و٤٩٢٠] (١٩٠٧)، و(البخاريّ) في ((بدء الوحي)) (١) و((الإيمان)) (٥٤) و((النكاح)) (٥٠٧٠) و((العتق)) (٢٥٢٩) و((المناقب)) (٣٨٩٨) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٨٩) و((الحيل)) (٦٩٥٣)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢٢٠١)، و(الترمذيّ) في ((فضائل الجهاد)) (١٦٤٧)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٥٨/١) و((الطلاق)) (١٥٨/٦) و((الأيمان والنذور)) (١٣/٧) و((الكبرى)) (٧٩/١ و١٣٠/٣ و٣٦١)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٢٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن (٩٨٣)، و(ابن المبارك) في ((الزهد)) (٦٢/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (ص٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥/١ و٤٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٧٣/١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٨٨ و٣٨٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٨٨/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٦٩/١)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٢/ ٧٨٤ و٨٠٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٩٦/٣)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٨٠/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٥٠/١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٨/ ٤٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤١/١ و٢٩٨ و١٤/٢ و١١٢/٤ و٣٩/٥ و ٦/ ٣٣١ و٣٤١/٧) و((المعرفة)) (١٨٩) و((شُعَب الإيمان)) (٣٣٦/٥)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١٥٤/١ و٣٦٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ العراقيّ كَّلهُ: أخرج حديث عمر هذا الأئمة الستة، فأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن يزيد بن هارون، فوقع بدلاً لهما عالياً بدرجتين، واتَّفَق عليه الشيخان من رواية مالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفيّ. وأخرجه البخاريّ، وأبو داود، من رواية الثوريّ، ومسلم من طريق ٥٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الليث، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وحفص بن غياث، والترمذيّ من رواية عبد الوهاب الثقفيّ، والنسائيّ من طريق مالك، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وابن ماجه أيضاً من رواية الليث، عشرتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، أورده البخاريّ في سبعة مواضع من ((صحيحه)) في (بدء الوحي))، و((الإيمان))، و((النكاح))، و((الهجرة))، و((ترك الحيل))، و((العتق))، و((النذور))، ومسلم في ((الجهاد))(١)، وأبو داود في ((الطلاق))، والترمذيّ في ((الجهاد))، والنسائيّ في أربعة مواضع: في ((الطهارة))، و((الإيمان))، و((العتاق))، و((الطلاق))، وابن ماجه في ((الزهد)). انتهى كلام العراقيّ تَُّ ببعض زيادة(٢). وقال في ((العمدة)): ورواه أحمد في ((مسنده))، والدارقطنيّ، وابن حبان، والبيهقيّ، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في ((موطئه))، ووهم ابن دحية الحافظ، فقال في إملائه على هذا الحديث: أخرجه مالك في ((الموطأ))، ورواه الشافعيّ عنه، وهذا (٣) عجيب منه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ابن دحية: أراد رواية محمد بن الحسن الشيبانيّ، فإنه أخرجه فيه، كما أسلفناه، فلا عجب فيما قال، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف ألفاظه: قال البدر العينيّ تَخَّتُهُ: قد حصل من الطرق المذكورة أربعة ألفاظ: ((إنما الأعمال بالنيات))، و((الأعمال بالنية))، و((العمل بالنية))، وادَّعَى النووي في ((تلخيصه)) قلَّتَهَا، والرابع: ((إنما الأعمال بالنية))، وأورده القضاعيّ في ((الشهاب)) بلفظ خامس: ((الأعمال بالنيات))، بحذف ((إنما))، وجَمْع ((الأعمال))، و((النيات)). قلت: هذا أيضاً موجود في بعض نُسخ البخاريّ. وقال الحافظ أبو موسى الأصفهانيّ: لا يصح إسنادها، وأقرّه النوويّ (١) هو أورده خلال كتاب ((الإمارات))، لا في كتاب ((الجهاد))، فتنبه. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٣/١. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٤/١. ٥٩٥ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَلِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) على ذلك في ((تلخيصه))، وغيره، وهو غريب منهما، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في ((صحيحه)) عن عليّ بن محمد العتابيّ، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسيّ، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد، عن علقمة، عن عمر، قال: قال رسول الله وَالَ: ((الأعمالُ بالنيات ... )) الحديث، وأخرجه الحاكم أيضاً في كتابه «الأربعين في شعار أهل الحديث)) عن أبي بكر بن خزيمة، ثنا القعنبيّ، ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، به سواءً، ثم حكم بصحته، وأورده ابن الجارود في ((المنتقى))، بلفظ سادس عن ابن المقري: حدثنا سفيان، عن يحيى به: ((إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا ... )) الحديث، وأورده الرافعيّ في شرحه الكبير بلفظ آخر غريب، وهو: ((ليس للمرء من عمله إلا ما نواه))، وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعاً: ((لا عمل لمن لا نية له))، وهو بمعناه، لكن في إسناده جهالة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال الحافظ العراقيّ تَّهُ: هذا الحديث من أفراد الصحيح لم يصحّ عن النبيّ وَّ إلا من حديث عمر، ولا عن عمر، إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ، ولا عن التيميّ إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال أبو بكر البزار: في (مسنده): لا نعلم يُروَى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب، عن النبيّ وَّل بهذا الإسناد. وقال الخطابيّ: لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في أنه لم يصحّ مسنداً عن النبيّ وَّ إلا من رواية عمر، وقال الترمذيّ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد، وقال حمزة بن محمد الكنانيّ: لا أعلم رواه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، ولا عن علقمة غير محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد، وقال (١) ((عمدة القاري)) ٢٤/١. ٥٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة محمد بن عتاب: لم يروه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، إلى آخره. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): قال العراقيّ تَخْتُ أيضاً: ما ذكره هؤلاء الأئمة من كون حديث عمر فرداً هو المشهور، وقد رُوي من طرق أخرى، رأيت ذِکرها للفائدة، فوقفت عليه مسنداً من غير طريق عمر من حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وأنس، وعليّ، فحديث أبي سعيد رواه الخطابيّ في ((معالم السنن))، والدارقطنيّ في ((غرائب مالك))، وابن عساكر في ((غرائب مالك))، من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وهو غلط من ابن أبي روّاد، وقول الخطابيّ: إنه يقال: إن الغلط إنما جاء من قِبَل نوح بن حبيب الذي رواه عن ابن أبي روّاد، فليس بجيد من قائله، فإنه لم ينفرد به نوح به عنه، بل رواه غيره عنه، وإنما الذي تفرد به ابن أبي روّاد كما قال الدارقطنيّ، وغيره. وحديث أبي هريرة رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه، وهو وَهَمُ أيضاً . وحديث أنس: رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب جدّاً، والمحفوظ من حدیث عمر. انتهى. والمعروف من حديث أنس ما رواه البيهقيّ من رواية عبد الله بن المثنى الأنصاريّ، قال: حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس فذكر حديثاً فيه: ((أنه لا عمل لمن لا نية له ... )) الحديث. وحديث عليّ رَظُّه رواه محمد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل (٢) البيت، وإسنادها ضعيف. انتهى ١١٢. وقال في ((العمدة)): وقال ابن منده: رواه عن النبيّ وَّل غير عمر: سعد بن أبي وقاص، وعليّ بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدريّ، وعبد الله بن مسعود، (١) ((طرح التثريب)) ٣/٢. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٤/٢. ٥٩٧ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِوَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّةِ))، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبة بن عبد الأسلميّ، وهَزّال بن سُويد، وعتبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذرّ، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم ٤ . وأيضاً قد توبع علقمة، والتيميّ، ويحيى بن سعيد على رواياتهم، قال ابن منده: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة: ابنه عبد الله، وجابر، وأبو جُحيفة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو الكَلاع، وعطاء بن يسار، وواصل بن عمر، والجذاميّ، ومحمد بن المنكدر. ورواه عن علقمة غير التيميّ: سعيد بن المسيِّب، ونافع مولى ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيد على روايته عن التيميّ: محمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن الليثيّ، وداود بن أبي الفُرَات، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وعبد الله بن قيس. انتهى(١). وقال العراقيّ تَخْتُ: وأما من تابع علقمة عليه، فذكر أبو أحمد أن موسى بن عقبة رواه عن نافع، وعلقمة، وأما من تابع يحيى بن سعيد عليه، فقد رواه الحاكم في ((تاريخ نيسابور))، للحاكم، من رواية عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، وأورده في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، وقال: إنه غَلِط فيه، وقال: وإنما هو عن يحيى بن سعيد، لا عن عبد ربه بن سعيد، وذكر الدارقطنيّ أنه رواه حجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم، وأنه رواه سهل بن صقير، عن الدَّرَاوَرْدِيّ، وابن عيينة، وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، ووَهِمَ سهل على هؤلاء الثلاثة، وإنما رواه الثلاثة، وغیرهم عن یحیی بن سعيد. قال: ورأيت في ((كتاب المستخرج من أحاديث الناس للفائدة)) لعبد الرحمن بن منده تَخَّتُهُ أنه رواه سبعة عشر من الصحابة غير عمر، وأنه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير التيميّ، وعن التيميّ غير يحيى بن سعيد، وبلغني أن الحافظ أبا الحجاج الْمِزّيّ سئل عن كلام ابن منده هذا، فاستبعده، وقد تتبعت كلام ابن منده فوجدت أكثر الصحابة الذين ذكر حديثهم في الباب (١) ((عمدة القاري)) ٢٢/١. ٥٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة إنما لهم أحاديث أخرى في مطلق النية، لا هذا الحديث بعينه، كحديث: (يُبعثون على نياتهم))، وحديث: ((ليس له من غَزَاته إلا ما نوى))، ونحو ذلك، وهكذا يفعل الترمذيّ حيث يقول: وفي الباب عن فلان، وفلان، فكثيراً ما يريد بذلك أحاديث غير الحديث الذي يُسنده في أول الباب، ولكن بشرط كونها تصلح أن تُورَد في ذلك الباب، وهو عمل صحيح، إلا أن أكثر الناس إنما يفهمون إرادة ذلك الحديث المعيّن، والله أعلم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة): قال الحافظ العراقيّ تَّتُهُ: أطلق بعضهم على هذا الحديث اسم التواتر، وبعضهم اسم الشهرة، وليس كذلك، وإنما هو فرد، ومن أطلق ذلك فمحمول على أنه أراد الاشتهار، أو التواتر في آخر السند، من عند يحيى بن سعيد، قال النوويّ: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، قال: وليس متواتراً؛ لفقد شرط التواتر في أوله، رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة، قال العراقيّ: روينا عن الحافظ أبي موسى محمد بن عمر المدينيّ: أنه رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة رجل. انتهى (٢). وقال البدر العينيّ تَخّْتُهُ: قال أبو سعيد محمد بن عليّ الخشاب الحافظ: روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلاً. وذكر ابن منده في ((مستخرجه)) فوق الثلاثمائة، وقال الحافظ أبو موسى الأصفهانيّ: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول في المذاكرة: قال الإمام عبد الله الأنصاريّ: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، وقال الحافظ أبو موسى المدينيّ، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهرويّ: أنه رواه عن یحیی سبعمائة رجل. فإن قلت: قد ذكر في ((تهذيب مستمر الأوهام)) لابن ماكولا أن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيميّ، وذكر في موضع آخر أنه يقال: لم يسمعه التيميّ، عن علقمة. (١) ((طرح التثريب)) ٥/٢. (٢) ((طرح التثريب)) ٥/٢. ٥٩٩ (٤٥) - بَابُ قَوْلِهِ: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنََّةِ»، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَزْوُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٩١٩) قلت: رواية البخاريّ عن يحيى بن سعيد: أخبرني محمد بن إبراهيم التيميّ، أنه سمع علقمة، تردّ هذا. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة): هذا الحديث قاعدةٌ من قواعد الإسلام حتى قيل فيه: إنه ثلث العلم، وقيل: ربعه، وقيل: خمسه، وقال الشافعيّ، وأحمد: إنه ثلث العلم، قال البيهقيّ: لأن كَسْب العبد بقلبه ولسانه، وجوارحه، فالنية أحد الأقسام، وهي أرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها، ولذلك كانت نية المؤمن خيراً من عمله، وهكذا أوّله البيهقيّ، وكلام الإمام أحمد يُشعر بأنه أراد بكونه ثلث العلم معنى آخر، فإنه قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث: ((إنما الأعمال بالنية))، وحديث عائشة ﴿ّا: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، وحديث النعمان بن بشير رضيها: ((الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن)). وقال أبو داود: اجتهدت في المسنَد فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة أحاديث: ((الحلال بيّن))، ((والأعمال بالنية))، وحديث أبي هريرة اته: ((إن الله طيّب لا يقبل إلا طيباً))، وحديث: ((مِن حُسن إسلام المرء تَرْكه ما لا يعنيه))، هكذا روى ابن الأعرابي عنه، وروى ابن داسة عنه نحوه، إلا أنه أبدل حديث: ((إن الله طيّب)) بحديث: ((لا يكون المرء مؤمناً حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه))، وجعل بعضهم مكان هذا الحديث الذي تردّد كلام أبي داود فيه حديث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)). ورُوي عن أبي داود أيضاً: الفقه يدور على خمسة أحاديث: ((الحلال بيّن))، و((الأعمال بالنيات))، ((وما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم))، و((لا ضرر، ولا ضرار)). انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): قال الشافعيّ، وغيره: يدخل فيه؛ أي: حديث الباب، سبعون باباً من الفقه، وقال النوويّ: لم يُرِد الشافعيّ تَظُّهُ انحصار أبوابه في هذا العدد، فإنها أكثر من ذلك، وقد نظم طاهر بن مُفَوّز الأحاديث الأربعة: [من الخفيف] (١) ((عمدة القاري)) ٢٣/١. (٢) ((طرح التثريب)) ٦/٢. ٦٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أربَعٌ من كَلامِ خَيْرِ البَرِيَّهْ عُمْدَةُ الدِّينِ عنْدَنَا كَلمَاتٌ مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ واعْمَلَنَّ بنيَّهُ(٢) اتَّقِ الشُّبْهَاتِ وازْهَدْ(١) وَدَعْ (المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ كَثّتُهُ: كلمة ((إنما)) للحصر على ما تقرر في الأصول، ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨]، ولكن دلالتها على النفي فيما عداه، هل هو بمقتضى موضوع اللفظ، أو بطريق المفهوم؟ فيه كلام لبعض فَهمه من المتأخرين، واستدلّ على وِفاقِهم أنها للحصر أن ابن عباس قوله ويقي: ((إنما الربا في النسيئة))، فاعترضه المخالفون له بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يعارضوه فيما فهمه من الحصر؛ لاتفاقهم عليه. انتھی(٣). وقال الحافظ في ((الفتح)): واختلفوا هل هي بسيطة، أو مركبة؟ فرجحوا الأول، وقد يرجح الثاني، ويجاب عما أورد عليه من قولهم: إنّ ((إنّ)) للإثبات و((ما)) للنفي، فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد بأن يقال مثلاً: أصلهما كان للإثبات والنفي، لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما، بل أفادا شيئاً آخر، أشار إلى ذلك الكرمانيّ، قال: وأما قول من قال: إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيداً بعد تأكيد، وهو المستفاد من ((إنما))، ومن الجمع، فمتعقّب بأنه من باب إيهام العكس؛ لأن قائله لمّا رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظنّ أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر. وقال ابن دقيق العيد: استُدِلّ على إفادة ((إنما)) للحصر بأن ابن عباس استَدَلّ على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: ((إنما الربا في النسيئة))، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر. وتُعُقّب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزّلاً، وأما من قال: يَحْتَمِل أن يكون اعتمادهم على قوله: ((لا ربا إلا في النسيئة))؛ لورود ذلك في بعض طُرق الحديث المذكور، فلا يفيد (١) كذا وقع في النسخة، وفيه انكسار، ولعله: ((اتَّقِ الشُّبْهَاتِ ازْهَدَنَّ وَدَعْ مَا .... إلخ)). (٣) ((طرح التثريب)) ٦/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٢٤/١.