Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٤٢) - بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِهِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ - حديث رقم (٤٩١١) وفُضلى النساء، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة)) حيث قال: أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَخَّدَا وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدًا أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ وَتِلْوَ ((أَنْ)) طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ وفي رواية الأعمش، ومنصور: ((لتكون كلمة الله هي العليا))، و((هي)) ضمير فصل، و((العليا)) خبر ((تكون))، وفيه إفادة الاختصاص؛ أي: لم يقاتل لغرض من الأغراض إلا لإظهار الدين (١)، وقوله: (فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)) جواب ((من)) . وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: يعني بكلمة الله: دين الإسلام، وأصله: أن الإسلام ظهر بكلام الله تعالى الذي أظهره على لسان نبيّه وَّر. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): كلمة الله: دَعْوَتُه إلى الإسلام، وقيل: هي قول: (لا (٣) إله إلا الله)). انتهى" ٠ وقال في ((الفتح)): المراد بكلمة الله: دعوة الله إلى الإسلام، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخلّ بذلك. ويَحْتَمِل أن لا يُخِلّ إذا حصل ضمناً لا أصلاً ومقصوداً، وبذلك صَرَّح الطبريّ، فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأولَ، لا يضرّه ما عَرَض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن رَوَى أبو داود، والنسائيّ من حديث أبي أمامة ظُه، بإسناد جيّد، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال: ((لا شيء له))، فأعادها ثلاثاً كلّ ذلك يقول: ((لا شيء له))، ثم قال رسول الله وَ لقول: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما کان له خالصاً، وابتُغِيَ به وجهه)). ويمكن أن يُحْمَل هذا على من قَصَد الأمرين معاً على حدّ واحد، فلا يخالف المرجَّح أوّلاً، فتصير المراتب خمساً: أن يقصد الشيئين معاً، أو يقصد أحدهما صِرْفاً، أو يقصد أحدهما، ويحصل الآخر ضمناً، فالمحذور أن يقصد (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٤٠/٨. (٢) ((المفهم)) ٧٤٢/٣. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٩٧/٢. ٥٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمناً، وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دلّ عليه حديث أبي موسى نظ﴿به، ودونه أن يقصدهما معاً، فهو محذور أيضاً، على ما دلّ عليه حديث أبي أمامة ظُّه، والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً، وقد يحصل غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضاً. قال ابن أبي جمرة تَّلهُ: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قَصْد إعلاء كلمة الله لم يضرّه ما انضاف إليه. انتهى(١). ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصليّ ما رواه أبو داود، بإسناد حسن، عن عبد الله بن حَوَالة رَُّبه، قال: بعثنا رسول الله وَّ﴿ على أقدامنا لِنَغْنَمَ، فرجعنا، ولم نَعْنَم شيئاً، فقال: ((اللهم لا تكلهم إليّ ... )) الحديث. وفي إجابة النبيّ وَلهم بما ذُكِر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كَلِمِه ◌َّر؛ لأنه لو أجابه بأن جميع ما ذَكَره ليس في سبيل الله احْتَمَل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله، وليس كذلك، فعَدَل إلى لفظ جامع عَدَل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمّن الجواب وزيادة. ويَحْتَمِل أن يكون الضمير في قوله: ((فهو)) راجعاً إلى القتال الذي في ضمن ((قاتل))؛ أي: فقتاله قتال في سبيل الله، واشْتَمَل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض أعدائه، وكلها متلازمة. والحاصل مما ذُكِر: أن القتال منشؤه القوّة العقلية، والقوّة الغضبية، والقوّة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلا الأول. وقال ابن بطال تَظُّ(٢): إنما عَدَل النبيّ ◌َّ﴿ عن لفظ جواب السائل؛ لأن الغضب، والحميّة قد يكونان لله، فعَدَل النبيّ وَّر عن ذلك إلى لفظ جامع، فأفاد دفع الإلباس وزيادة الإفهام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((بهجة النفوس)) ١٤٩/١. (٢) ((شرح ابن بطّال على البخاريّ)) ٢٠٣/١. ٥٦٣ (٤٢) - بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِهِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ - حديث رقم (٤٩١١) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رَضُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩١١/٤٢ و٤٩١٢ و٤٩١٣ و٤٩١٤] (١٩٠٤)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (١٢٣) و((الجهاد)) (٢٨١٠) و((فرض الخمس)) (٣١٣٦) و((التوحيد)) (٧٤٥٨)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥١٧)، و(الترمذيّ) في ((فضائل الجهاد)) (١٦٤٦)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٢٣/٦) و((الكبرى)) (٣/ ١٦)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٨٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٨٧ - ٤٨٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٦٨/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٢/٤ و٣٩٧ و٤٠٢ و٤٠٥ و٤١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦٣٦)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢، ٢٥٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٨٦/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٣٤/١٣)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣١/٨ -٣٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٩٥/١)، و(ابن أبي عاصم) في ((الجهاد)) (٢/ ٥٨٨ و٥٨٩ و٥٩٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٧/٩ - ١٦٨) و((شعب الإيمان)) (٣٠/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٢٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن الأعمال إنما تُحسب بالنيّة الصالحة، فهو شاهد لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات ... )) الحديث. ٣ - (ومنها): أن الإخلاص شرط في العبادة، فمن كان له الباعث على العمل هو الأمر الدنيويّ، فلا شكّ في بطلان عمله، ومن كان الباعث الدينيّ أقوى، فقد حكم الحارث المحاسبيّ بإبطال العمل؛ تمسّكاً بهذا الحديث، وخالفه الجمهور، فقالوا: العمل صحيح. وقال القرطبيّ تَخْذُّهُ: ويُفْهَمُ من هذا الحديث: اشتراط الإخلاص في الجهاد، وكذلك هو شرطٌ في جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البيّنة: ٥]، والإخلاص: مصدرٌ، من أخلصت ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة العسل وغيره: إذا صفّيته، وأفردتُه من شوائب كدره؛ أي: خلّصته منها، فالمخلِصُ في عباداته هو الذي يُخلصها من شوائب الشركِ والرياء، وذلك لا يتأتَّى له إلا بأن يكون الباعثُ له على عملها قصدَ التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده، فأما إذا كان الباعثُ عليها غير ذلك من أعراض الدُّنيا؛ فلا يكونُ عبادة، بل يكون معصيةً(١) موبقةً لصاحبها، فإما كفرٌ، وهو الشرك الأكبر، وإما رياء، وهو الشركُ الأصغر، ومصيرُ صاحبه إلى النار، كما جاء في حديث أبي هريرة ظه في الثلاثة المذكورين فيه، كما يأتي في الباب التالي. هذا إذا كان الباعثُ على تلك العبادة الغرضَ الدنيويّ وحده، بحيث لو فُقِد ذلك الغرضُ لتُرِك العمل، فأما لو انبعث لتلك العبادةِ بمجموع الباعثَينِ: باعث الدنيا وباعث الدين، فإن كان باعثُ الدنيا أقوى، أو مساوياً أُلْحِق بالقسم الأول في الحكم بإبطال ذلك العمل عند أئمة هذا الشأن، وعليه يدلّ قولُه وَله حكايةً عن الله تبارك وتعالى: ((مَن عَمِل عملاً أشركَ معي فيه غيري تركتُه وشريكه))، رواه مسلم، فأما لو كان باعثُ الدِّين أقوى، فقد حكم المحاسبيّ ◌َّتُهُ بإبطال ذلك العمل؛ متمسكاً بالحديث المتقدِّم، وبما في معناه، وخالفه في ذلك الجمهور، وقالوا بصحة ذلك العمل، وهو المفهومُ في فروع مالك. ويُستدلُ على هذا بقوله وَّله: ((إن من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعِنَان فرسه في سبيل الله))، فجعل الجهاد مما يصحّ أن يُتخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكونَ مقصوداً، لكن لمّا كان باعثُ الدِّين على الجهاد هو الأقوى والأغلب، كان ذلك الغرض مُلْغّى، فيكون مَعْفوّاً عنه؛ كما إذا توضأ قاصِداً رَفع الحدث والتبرُّد، فأما لو تفرَّد باعثُ الدِّين بالعمل، ثم عَرَض باعث الدنيا في أثناء ذلك العمل فأولى بالصحة (٢)، وللكلام في هذا موضع آخر، وما (١) وقع في النسخة: ((مصيبة))، والظاهر أنه تصحيف، فتأمل، والله تعالى أعلم. (٢) وقال محمد بن جرير الطبريّ كَّلُهُ: إذا ابتدأ العمل بالإخلاص لا يضرّه ما عَرَضَ بعده، من عُجب، يطرأ عليه. انتهى، ذكره في ((عمدة القاري)) ٢٩٧/٢ - ٢٩٨. ٥٦٥ (٤٢) - بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾3 - حديث رقم (٤٩١١) ذكرناه كافٍ هنا. انتهى كلام القرطبيّ تَخْتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل الله رحمات يختصّ بمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى. ٥ - (ومنها): أن هذا من جوامع كَلِمِه ◌َّر؛ لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى السؤال مع الزيادة عليه. ٦ - (ومنها): بيان ما أعطي النبيّ وَله من الفصاحة، وجوامع الكلم؛ لأنه أجاب السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله، لا بلفظه، من أجل أن الغضب والحميّة قد يكون لله ربّ، وقد يكون لغرض دنيويّ، فأجابه ◌َ﴿ بالمعنى مختصراً، إذ لو ذهب يَقْسم وجوه الغضب لطال ذلك، ولخشي أن يَلْبِس عليه. ٧ - (ومنها): جواز السؤال عن العلّة. ٨ - (ومنها): أن العلم يتقدّم العمل. ٩ - (ومنها): ذمّ الحرص على الدنيا. ١٠ - (ومنها): ذمّ القتال لحظّ النفس في غير طاعة الله تعالى. ١١ - (ومنها): أن قوله في الرواية الآتية: ((فرفع رأسه إليه، وما رفع رأسه إليه إلا أنه كان قائماً)) يدلّ على أنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفاً إذا كان هناك عذر، من ضيق مكان، أو غيره، وكذلك طالب الحاجة، وفيه إقبال المتكلم على من يخاطبه، قاله النوويّ تَّتُهُ(٢). وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: فيه دليل على جواز سؤال السائل القائم للعالم، وهو قاعد، إذا دعتْ إلى ذلك حاجة، أو عذر، وإلا فالأولى بالسَّائل الجلوسُ، والتثبُّت؛ كما فعل ذلك جبريللعلّها، حيث سأل النبيّ وَّ، وهو جالس بين يديه(٣). قال الجامع عفا الله عنه: ترجم الإمام البخاريّ كَّتُهُ في ((كتاب العلم)) من (١) ((المفهم)) ٧٤٢/٣ - ٧٤٣. (٣) ((المفهم)) ٧٤٤/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٣. ٥٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (صحيحه))، بقوله: ((باب من سأل وهو قائم، عالِماً جالساً))، ثم أورد حديث أبي موسى ظُه هذا محتجّاً به، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب والبابين الماضيين. وقوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ عَنِ الرَّجُلِ ... إلخ) تقدّم في الحديث السابق أن السائل رجلٌ أعرابيّ. وقوله: (يُقَاتِلُ شَجَاعَةً) - بفتح الشين المعجمة، وتخفيف الجيم: هي الإقدام، والجراءة، وشدّة القلب، قال المجد كَّتُهُ: الشَّجاعُ كسَحَابٍ، وكِتابٍ، وغُرابٍ، وأميرٍ، وكَتِفٍ، وعِنَبَةٍ، وأحمدَ: الشديدُ القَلْبِ عندَ البأسِ، جمعه: شَجْعَةٌ مثلثةً، وَشَجَعَةٌ محركةً، وشِجاعٌ كرِجالٍ، وشُجْعانٌ، بالضمّ، والكسر، وشُجَعاءُ، وهي شُجاعةٌ مثلثةً، وشَجِعَةٌ، كفرحةٍ، وشَريفةٍ، وشَجْعاءُ، جمعها: شَجائِعُ، وشِجاعٌ، وشُجُعٌ، بضمتين، أو خاصٌّ بالرِّجال، وقد شَجُعَ کگرُمَ. انتهى(١). وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: شَجُعَ بالضمّ شَجَاعَةً: قَوِيَ قلبه، واستهان (١) ((القاموس المحيط)) ٩٤٥/١. ٥٦٧ (٤٢) - بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللّهِ رَات - حديث رقم (٤٩١٣) بالحروب؛ جراءةً، وإقداماً، فهو: شَجِيعٌ، وشُجَاعٌ، وبنو عُقَيل تفتح الشين؛ حملاً على نقيضه، وهو: جَبَانٌ، وبعضهم يكسر للتخفيف، وامرأة شَجِيعَةٌ، بالهاء، وقيل فيها أيضاً: شُجَاعٌ، وشُجَاعَةٌ، ورجالٌ شِجْعَانُ، بالكسر، والضمّ، وقال ابن دُريد: الضم خطأ، وشِجْعَةٌ، بالكسر، مثل غُلام وغِلْمةٍ، وشُجَعَاءُ، مثل شَرِيف وشُرَفاء، قال أبو زيدٍ: وقد تكون الشَّجَاعَةُ فيّ الضعيف، بالنسبة إلى من هو أضعف منه. انتهى(١). وقوله: (وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم، وتشديد الياء آخر الحروف -، نُصِب على أنه مفعول لأجله، قال الجوهريّ: حَمَيتُ عن كذا حَمِيّةً بالتشديد، ومَحْمِيَةً: إذا أَنَفت منه، وداخلك عارٌ، وأَنَفَة أن تفعله(٢)، وقال غيره: الحميّة: هي المحافظة على الْحُرَم، وقيل: هي الأَنَفَة، والْغَيْرة، والمحاماة عن العشيرة. انتهى(٣). وقوله: (مَنْ قَاتَلَ ... إلخ) ((من)) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، خبرها ((فهو ... إلخ))، ودخلت الفاء على الثاني؛ لتضمّنه معنى الشرط. وقوله: (هِيَ الْعُلْيَا) ((هي)) فصلٌ، أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله تعالى في العلوّ، وأنها المختصّة به دون سائر الكلام. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ مِنَّ شَجَاعَةً. فَذَكَرَ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. (١) ((المصباح المنير)) ٣٠٥/١. (٣) ((عمدة القاري)) ١٩٧/٢. (٢) ((الصحاح)) ص٢٦٧. ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقوله: (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ) تقدّم أن القائل له أعرابيّ، والظاهر أنهم لمّا حضروا سؤاله، ورضوا به، واستفادوا منه جاز نسبته إليهم، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنِ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللّهِ رَتْ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَباً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِماً، فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً. ٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ لا يُدلّس [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿) تقدّم أنه أعرابيّ، ولا يُعرف اسمه . وقوله: (قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ) الظاهر أن فاعل ((قال)) ضمير أبي موسی ټڅئه . وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِماً) الاستثناء مفرّغ، وأن واسمها وخبرها في تقدير المصدر؛ أي: ما رفع رسول الله و له رأسه إلى السائل لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل . وقوله: (فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ ... إلخ) قال في ((العمدة)): قوله: ((فقال)): أي النبيّ وَّ، وهو الجواب عن سؤال السائل المذكور. ٥٦٩ (٤٢) - بَابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ کَلِمَةُ اللهِهِيَ الْمُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾3 -حديث رقم (٤٩١٤) [فإن قلت]: السؤال عن ماهية القتال، والجواب ليس عنها، بل عن المقاتل. [أجيب]: بأن فيه الجوابَ وزيادةً، أو أن القتال بمعنى اسم الفاعل؛ أي: المقاتل بقرينة لفظ: ((فإن أحدنا))، ولفظة ((ما)) إن قلنا: إنه عامّ للعالم ولغيره، فظاهر، وإن قلنا إنه لغيره فكذلك، إذا لم يعتبر معنى الوصفية فيه؛ إذ صرحوا بنفي الفرق بين العالم وغيره عند اعتبارها، وقال الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُ, مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلُّ لَّهُ، قَدِيِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، فإن قلت: كيف جاء بـ((ما)) الذي لغير أولي العلم، مع قوله: ﴿قَنِئُونَ﴾؟. قلت: هو كقوله: ((سبحان ما سخركنّ لنا))، أو نقول: ضمير ((فهو)) راجع إلى القتال الذي في ضمن ((قاتل)): أي فقتاله قتال في سبيل الله. [فإن قلت]: فمن قاتل لطلب ثواب الآخرة، أو لطلب رضا الله تعالى عنه، فهل هو في سبيل الله؟ [قلت]: نعم؛ لأن طلب إعلاء الكلمة، وطلب الثواب والرضا كلها متلازمة . وحاصل الجواب: أن القتال في سبيل الله قتال منشؤه القوّة العقلية، لا القوّة الغضبية، أو الشهوانية، وانحصار القوى الإنسانية في هذه الثلاث مذكور في موضعه. انتهى (١). وقوله: (لِتَكُونَ)؛ أي: لأن تكون، واللام لام ((كي)). وقوله: (كَلِمَةُ اللهِ)؛ أي: دَعْوَته إلى الإسلام، وقيل: هي قوله: لا إله إلا الله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيفِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١) ((عمدة القاري)) ١٩٧/٢. ٥٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (٤٣) - (بَابٌ مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، اسْتَحَقَّ النَّارَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٥] (١٩٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ: أَيُّهَا الشَّيْخُ حَدَّثْنَا (١) حَدِيثاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ(٢)، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَى أَلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيَكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ؛ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِىٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأَتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا، إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ (٣) فِي النَّارِ))). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدّم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٢) وفي نسخة: ((نعمته)) في الموضعين. (٣) وفي نسخة: ((فأُلقيَ)). ٥٧١ (٤٣) - بَابٌ مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، اسْتَحَقَّ النَّارَ - حديث رقم (٤٩١٥) ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليِّد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه يُدلّس [٦] (ت١٥٠) أو بعدها (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ) بن حِمَاس(١) بن عمرو الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] وقال ابن حبّان: هو يوسف بن يونس، ووهِمَ من قلبه (م س ق) تقدّم في ((الحج)) ٣٢٨٩/٧٦. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢. 3 [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخْتُهُ، وأن فيه أبا هريرة ◌َُّه رأس المكثرين السبعة، وفيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد جمعهم الحافظ العراقيّ في ((ألفيّته)) بقوله: خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةٌ وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) أبي أيوب المدنيّ، أخي عطاء بن يسار، أنه (قَالَ: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َلُبه؛ أي: تفرّقوا بعد اجتماعهم عنده ليسمعوا أحاديثه، (فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ) هو ناتل - بالنون في أوّله، وبعد الألف تاء مثناة فوق ـ ابن قيس الْجُذَاميَّ الشاميّ، من أهل فلسطين، وهو (١) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم، آخره سين مهملة. ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة تابعيّ، وكان أبوه صحابيّاً، وكان ناتل كبير قومه، قاله النوويّ(١). وقال في ((التقريب)): ناتل - بمثنّاة - ابن قيس الشاميّ الْفِلَسطينيّ، أحد الأمراء لمعاوية، وولده، من الثالثة، قُتل سنة (٦٦هـ). وقال في ((تهذيب التهذيب)): ناتل بن قيس بن زيد بن حياء بن امرئ القيس الْجُذاميّ، من أهل فلسطين، يقال له: ناتلٌ أخو أهل الشام، وكان أبوه قيس ممن وَفَد على رسول اللهِوَ﴿، وكان ناتلٌ مع معاوية في صِفِين، وكان من سادات أهل الشام، قاله ابن سعد، وقال ابن معين: ما أعلمه رُويَ عنه شيءٌ، وقال خليفه بن خيّاط: مات يزيد بن معاوية، وعلى الأردنّ حسان بن مالك، وعلى فلسطين رَوْح بن زِنباع، فأخرج ناتل بن قيس روح بن زنباع، ودعا إلى ابن الزبير، وقال أبو أحمد العسكريّ: وأما ناتل، فهو من سادات جُذام بالشام، خرج على عبد الملك بن مروان، فبعث إليه عبد الملك عمرو بن سعيد، فقتله، وحُكي عن الليث أنه قُتل سنة ست وستين(٢). قال الجامع: قد تبيّن بما ذُكر أن ناتلاً عَلَم، فتكون إضافته إلى الشام على مذهب من يُجيز إضافة الأعلام للتخصيص، كما في قوله: بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ يَمَانِي(٣) عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ وأشار في هامش النسخة الهنديّة بأنه يوجد في بعض النسخ: ((ناتلٌ أحدُ أهل الشام))، وعلى هذا فلا إضافة، و((أحدُ)) صفة لـ((ناتلٌ))، فلا إشكال فيه. وأما ما ذكره في ((التهذيبين)) بأنه وقع عند النسائيّ ((ناتلٌ أخو أهل الشام))، فلم أره عند النسائيّ، وإنما هو في ((المستدرك)) للحاكم، و((تهذيب الآثار)) للطبريّ، و((التاريخ الكبير)) للبخاريّ، و((الحلية)) لأبي نعيم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَيُّهَا الشَّيْخُ حَدَّثْنَا (٤) حَدِيثاً سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، قَالَ) أبو هريرة (نَعَمْ) أحدّثك به، (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى) بالبناء (١) ((شرح النوويّ)) ٥٠/١٣. (٢) ((تهذيب التهذيب)) ٢٠٣/٤، و((تهذيب الكمال)) ٢٥٢/٢٩. (٣) راجع: ((لسان العرب)) ٢٠٠/٣. (٤) وفي نسخة: ((حدّثني)). ٥٧٣ (٤٣) - بَابٌ مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، اسْتَحَقَّ النَّارَ - حديث رقم (٤٩١٥) للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: قُتل في مواجهة العدوّ، وفي رواية النسائيّ: ((أَوَّلُ النَّاس يُقْضَى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثَلَاثَةٌ))، والمراد: ثلاثة أصناف، لا ثلاثة أشخاص. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إن أول الناس يُقضى عليه ... إلخ)) هذا يخالفُه قوله: ((أول ما يحاسب به العبد المسلم من عمله صلاته ... )) الحديث، وقوله: ((أول ما يُقْضَى فيه بين الناس في الدِّماء)) قد يسبق إلى الوَهَم أن هذه الأحاديثَ متعارضة من حيث الأولية المذكورة في كل حديث منها؛ وليس كذلك؛ فإنه إنَّما كان يلزم ذلك لو أريد بكل أوّلٍ منها أنه أوَّلُ بالنسبة إلى كل ما يُسأل عنه، ويقضى فيه، وليس في شيءٍ من تلك الأحاديث ما ينصُّ على ذلك، وإنما أراد - والله أعلم - أن كل واحد من تلك الأوليات أوَّلٌ بالنسبة إلى ما في بابه، فأول ما يحاسبُ به من أركان الإسلام الصلاة، وأول ما يحاسب به من المظالم الدِّماء، وأول ما يحاسب به مما ينتشر فيه صِيتُ فاعله تلك الأمور، وهذا أوَّلُ ما يقاربه ويناسبه، وهكذا تَعْتَبِر كل ما يَرِدُ عليك من هذا الباب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخْذُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَأَتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول أيضاً، (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء، من التعريف، (نِعَمَهُ) وفي بعض النسخ: ((نعمته)) بالإفراد؛ أي: عرّفه الله رَك النعم التي أنعم بها عليه، والظاهر أن المراد: النعم التي تتعلّق بالجهاد، من تيسير أسبابه، وصحّة جسده، ونحو ذلك، يدلّ على ذلك جوابه لَمّا سأله ما عملت فيها؟ قال: ((قاتلت فيك ... إلخ)). (فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء: أي عرف ذلك الرجل تلك النعم، (قَالَ) الله تعالى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيءٍ عَمِلت بتلك النعم؟ (قَالَ) الرجل (قَاتَلْتُ فِيكَ)؛ أي: في طلب مرضاتك، ورجاء مثوبتك (حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى قُتلتُ شهيداً صورةً في اعتقاد الناس، وإلا فليس شهيداً حقيقةً. (قَالَ) الله تعالى الذي يعلم السرّ وأخفى لَمّا علم سوء نيته، وخُبث طويّته؛ ردّاً عليه دعواه الاستشهاد في (١) ((المفهم)) ٧٤٦/٣ - ٧٤٧. ٥٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة مرضاته، (كَذَبْتَ) بتخفيف الذال المعجمة؛ أي: كَذَبت في دعواك أنك استُشهدت فيّ، وزاد في رواية الترمذيّ الآتية في المواضع الثلاثة: ((وتقول له الملائكة: كذبتَ)). (وَلَكِنََّ قَاتَلْتَ؛ لأَنْ يُقَالَ)؛ أي: ليتحدّث الناس، ويقولوا فلانٌ (جَرِيءٌ) بالهمز، فعيلٌ بمعنى فاعل، من جرُؤَ جَرَاءة، كشَجُعَ شَجَاعَةً وزناً ومعنَّى، وقال القرطبيّ: الجريء بالهمز: هو الْمِقدام على الشيء، لا ينثني عنه، وإن كان هائلاً، مأخوذ من الجرأة. انتهى(١)؛ أي: قاتلت ليقول الناس: إنك شُجاع، (فَقَدْ قِيلَ)؛ أي: قال الناس ذلك، واستوفيتَ ما طلبتَ، فلا أجر لك عندي، وهذا مبنيّ على أن العادة حصول هذا القول، وإلا فحَبَطُ العمل لا يتوقّف على هذا القول، بل يكفي فيه أن ينوي الرياء، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ)؛ أي: جُرّ (عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول؛ أي: ثم بعد أن قال الله تعالى له: إن ما كنت تطلبه من الناس قد حصل لك، أمر ملائكته أن يدخلوه النار، جزاءً سوء فعله، فسحبوه؛ أي: جرّوه إلى أن قذفوه في النار. ثم ذكر الرجل الثاني من الثلاثة الذين هم أول من يُقضى عليه، بقوله: (وَرَجُلٌ)؛ أي: الثاني رجلٌ (تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) لنفسه (وَعَلَّمَهُ) الناسَ (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول، (فَعَرَّفَهُ) بتشديد الراء، (نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا) بتخفيف الراء. (قَالَ) الله تعالى (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ) ابتغاء وجهك (وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ) الله تعالى (كَذَبْتَ) بتخفيف الذال، وفي رواية الترمذيّ: ((وتقول الملائكة: كذبتَ))، (وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ؛ لِيُقَالَ: عَالِمٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو، أو أنت، (وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؛ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِىءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، كما تقدّم. ثم ذكر الثالث ممن يُقضى عليه أول الناس، بقوله: (وَرَجُلٌ)؛ أي: والثالث رجلٌ (وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ) بتشديد السين المهملة، من التوسيع، (وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلُّهِ) بيان وتوضيح لمعنى التوسيع، (فَأَتِيَ (١) ((المفهم)) ٧٤٧/٣. (٤٣) - بَابٌ مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، اسْتَحَقَّ النَّارَ - حديث رقم (٤٩١٥) ٥٧٥ بِهِ) بالبناء للمفعول، (فَعَرَّفَهُ) من التعريف، (نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا) بالبناء للمفعول، (إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ)؛ أي: في تلك السبيل؛ لابتغاء مرضاتك، وطلب مثوبتك، و((السبيل)): الطريق، يُذكّر، ويؤنّث، قال ابن السّكّيت: والجمع على التأنيث: سُبُولٌ، كما قالوا: عُنُوق، وعلى التذكير: سُبُلٌ، وسُبْلٌ (١). (قَالَ) الله تعالى (كَذَبْتَ) بالتخفيف، وفي رواية الترمذيّ: ((وقالت الملائكة: كَذَبْتَ))، (وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ)؛ أي: لكن أنفقت (لِيُقَالَ)؛ أي: ليقول الناس (هُوَ جَوَادٌ) بفتح الجيم، وتخفيف الواو: هو الكثير العطاء، والجُود: الكرم(٢). (فَقَدْ قِيلَ)؛ أي: تحدّث الناس بذلك، كما أردت (ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أَلْقِيَ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، كما تقدّم، وفي بعض النسخ: ((فألقي)) (فِي النَّارِ))) زاد في رواية الترمذيّ: (ثم ضرب رسول الله وَيقر على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسْعَر بهم النار يوم القيامة)). [تنبيه]: حديث أبي هريرة به هذا ساقه الترمذيّ كَخْتُهُ في ((جامعه)) مطوّلاً، فقال: (٢٣٨٢) - حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حَيْوَة بن شُرَيح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد، أبو عثمان المدائنيّ، أن عقبة بن مسلم حدّثه، أن شُفَيّاً الأَصْبَحِيَّ، حدّثه، أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل، قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، وهو يحدّث الناس، فلما سكت، وخلا، قلت له: أنشدك بِحَقِّ وبِحَقِّ لَمَا حدّثتني حديثاً سمعته من رسول الله وََّ، عَقَلْتَهَ وعَلِمته، فقال أبو هريرة: أَفْعَلُ، لأُحدّثَنَّك حديثاً، حدّثنيه رسول الله بَّهَ، عَقَلته وعَلِمته، ثم نَشَغَ أبو هريرة، نَشْغَةً، فمكث قليلا، ثم أفاق، فقال: لأحدّثنك حديثاً، حدثنيه رسول الله ﴿ ﴿، في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة، نَشْغَةً أخرى، ثم أفاق، فمسح وجهه، فقال: لأحدثّنك حديثاً، حدثنيه (١) ((المصباح المنير)) ٢٦٥/١. (٢) ((المفهم)» ٧٤٧/٣. ٥٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رسول الله وَّ ر، وأنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نَشَغ أبو هريرة نَشْغة أخرى، ثم أفاق، ومسح وجهه، فقال: أفعل، لأحدثّنك حديثاً، حدثنيه رسول الله وسلم، وأنا معه في هذا البيت، ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خَارّاً على وجهه، فأسندته عليّ طويلاً، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله ولايقول : ((أن الله تبارك وتعالى، إذا كان يومُ القيامة، ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكلُّ أمة جاثية، فأول من يدعو به، رجل جمع القرآن، ورجل يَقَتِل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟، قال: كنت أقوم به آناء الليل، وآناء النهار، فيقول الله رَت له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلاناً قارئ، فقد قيل ذاك، ويُؤْتَى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أُوَسِّعْ عليك، حتى لم أَدَعْكَ تحتاج إلى أحد؟، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِلُ الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك، ويُؤْتَى بالذي قُتِلَ في سبيل الله، فيقول الله له: فيماذا قُتلتَ؟ فيقول: أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلك، فقاتلت، حتى قُتلتُ، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبتَ ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جَرِيءٌ، فقد قيل ذاك، ثم ضَرَبَ رسولُ الله ◌َر على ركبتي، فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة، أول خلق الله، تُسْعَرُ بهم النارُ يوم القيامة)). وقال الوليد، أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم، أن شُفَيّاً، هو الذي دَخَل على معاوية، فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدّثني العلاء بن أبي حكيم، أنه كان سَيّافاً لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا، عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بَكَى معاوية بكاء شديداً، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرّ، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ اَلْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ ٥٧٧ (٤٣) - بَابٌ مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، اسْتَحَقَّ النَّارَ - حديث رقم (٤٩١٥) لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: ١٥، ١٦]. ١٦ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. انتهى. وصححه ابن خُزيمة، وابن حبّان. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن رواية الترمذيّ غير رواية مسلم، فالواقعتان مختلفتان؛ إذ السائل في رواية مسلم هو ناتل الشاميّ، وأما في رواية الترمذي، فهو شُفَيّ الأصبحيّ، ويَحتَمِل أن تكونا متّحدتين، لكن الأول هو الظاهر، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩١٥/٤٣ و٤٩١٦] (١٩٠٥)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٨٢)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٢٣/٦) و((الكبرى)) (٣٠/٥ و٦/ ٤٧٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٢١/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢/ ١٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٨٩/٤)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٧٩٢/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وعيد من قاتل ليُقال: فلان جريء. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على تغليظ تحريم الرياء، وشدّة عقوبته. ٣ - (ومنها): الحثّ على لزوم الإخلاص في الأعمال، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (@﴾ [البينة: ٥]. ٤ - (ومنها): بيان أن العمومات الواردة في فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، إنما هي لمن أراد به وجه الله تعالى. ٥ - (ومنها): أن الثناء الوارد على العلماء والمنفقين في وجوه الخيرات ٥٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة كله محمول على من فعل ذلك كله ابتغاء وجه الله تعالى، مخلصاً، لا يشوبه شيء من الرياء والسمعة، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: إنما كان هؤلاء الثلاثة أول خلق الله تعالى تُسعر بهم النار - والله تعالى أعلم - لكون هذه العبادات رفيعةَ القدر عند الله تعالى، فإنه لا يخفى تنويه الله تعالى في محكم كتابه، بفضل الجهاد، ورفع منزلة العلماء، على سائر الناس، وتخصيص المنفقين في سبيله بالدرجات العلى، فلمّا لم يَبتغ أصحابها بها وجه الله تعالى الذي عظّم شأنها، ورَفَع قدْرها، والذي يُجازي عليها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل طلبوا بها العاجل، وآثروا الفاني على الباقي، جازاهم الله تعالى بأن جعلهم أول من تُسعر بهم النار؛ إذ العقاب على قَدْر عِظَم الْجُرْم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ نَائِلٌ الشَّامِيُّ(١)، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، بِمِثْلٍ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (مّت س) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٥/٤. ٢ - (الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثمّ المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط بآخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (نَاتِلُ الشَّامِيُّ) وفي بعض النسخ: ((ناتلُ الشام)) بالإضافة، وقد تقدّم توجیهه. (١) وفي نسخة: ((ناتل الشام)). ٥٧٩ (٤٤) - بَابُ بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابٍ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ، وَمَنْ لَمْ يَغْنَمْ - حديث رقم (٤٩١٧) وقوله: (وَاقْتَصِنَّ الْحَدِيثَ) فاعل ((اقْتَصَّ)) ضمير الحجّاج بن محمد. [تنبيه]: رواية حجاج الأعور، عن ابن جريج هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده))، فقال: (٧٤٤١) - حدّثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، قال: ثنا حجّاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، قال: تفرَّج الناس عن أبي هريرة ◌ُه، فقال له ناتلُ الشاميّ: أيها الشيخ حدِّثنا حديثاً سمعته من رسول الله وَّةٍ، قال: سمعت رسول الله وَل﴾ يقول: ((أوّلُ الناس يُقْضَى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجلٌ استُشْهِد في سبيل الله، فأُتي به، فعرّفه نعمه، فعَرَفها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قُتلت - وقال غيره: حتى استُشْهِدتُ - فقال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال: هو جريء، وقد قيل، ثم أُمر به، فسُحِب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلم العلم، وعلّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرّفه نعمه، فعَرَفها، فقال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم، وعلّمته، وقرأتُ القرآن فيك، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم، وقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجلٌ أوسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتي به، فعرّفه نعمه، فعَرَفها، قال: فما عملت فيه؟ قال: ما تركت من سبيل تُحِبّ أن يُنفَقِ فيها إلا أنفقت فيها، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحِب على وجهه، حتى أُلقي في النار)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٤) - (بَابُ بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابٍ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَمْ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٩١٧] (١٩٠٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي هَانِيٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) ((مسند أبي عوانة)) ٤ /٤٨٨ - ٤٨٩. ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الْحُبُلِيٌّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ قَالَ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المقرىء المكيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح) النُّجيبيّ المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُو هَانِيٍ) حُمَيِّد بن هانىء المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) عبد الله بن يزيد المقرىء المصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص ◌َُّهَا، تقدّم أيضاً قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سداسيات المصنّف تَخْذَتُهُ، وأنه مسلسل بالمصريين غير شيخه، فكسّيّ، وشيخ شيخه، فمكيّ، وأن فيه روايةً تابعي، عن تابعي، أبو هانىء، عن أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هَانِيٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي رواية النسائيّ مسلسل بالسماع، ونصّه: ((أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا حيوة، وذكر آخر قالا: حدّثنا أبو هانئ الخولانيّ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الْحُبُليّ، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله وَالر ... )) الحديث. وقوله: (الْحُبُلِيِّ) - بضمّ الحاء المهملة، والموحّدة -: نسبة إلى حيّ باليمن من الأنصار(١). (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بَِّهَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ) ((من)) زائدة، و((غازية)) صفة لموصوف محذوف، تقديره: ما من (١) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٣٣٧.