Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٦)
الْوَادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يُدلِّس، وسماعه من أبي إسحاق بآخره [٦]
(ت٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج مسلم لزكريّا بن أبي زائدة عن أبي
إسحاق، وسماعه منه بعد اختلاطه؟ .
[قلت]: لم ينفرد به زكريّا، بل تابعه إسرائيل عن أبي إسحاق، عند
البخاريّ في ((صحيحه)) في ((كتاب الجهاد)) رقم (٢٨٠٨)، والله تعالى أعلم.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّيصِيُّ) أبو الوليد، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م
د س) تقدم في ((الجهاد والسير)) ٢٨/ ٤٦٠٧.
[تنبيه]: قوله: ((ابن جَنَاب)) بفتح الجيم، وتخفيف النون، وقوله:
((الْمِصِّيصِيُّ)) بكسر الميم، والصاد المشدّدة، ويقال: بفتح الميم، وتخفيف
الصاد وجهان معروفان، الأول أشهر: منسوب إلى المصّيصة المدينة المعروفة،
قاله النوويّ(١).
وقال ابن الأثير: ((الْمِصّيصيّ)) - بكسر الميم، والصاد المشدّدة، ثم ياء،
آخره صاد مهملة -: نسبة إلى المصّيصة مدينة على ساحل البحر. انتهى(٢).
وقال المجد تَخْذُ: ((الْمَصِيصَة)) كسفينة: بلد بالشام، ولا تشدّد.
(٣) .
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ما ذكره المجد غير ما ذكره النوويّ،
وابن الأثير، ولهذا اختلف ضَبْطاهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذكروا في الباب وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين.
(١) (شرح النوويّ)) ٤٤/١٣.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٢١/٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٢٢٧.

٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ظ﴿هَا أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه، (مِنْ
بَنِي النَّبِيتِ إِلَى النَّبِيِّ وََّ) وفي رواية عِيسَى بن يونس: ((جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي
النَّبِيتِ - قَبِيلٍ مِنَ الأَنْصَارِ))، و((النبيت)) - بفتح النون، ثم باء موحّدة مكسورة،
ثم مثنّاة تحتانيّة ساكنة، ثم مثنّاة فوقيّة، وهم قبيلة من الأنصار، كما ذُكر في
الكتاب، قاله النوويّ ◌َخْذَهُ(١) .
و((القَبِيل)) - بفتح القاف، وكسر الموحّدة - واحده قبيلة، وهم بنو أب
واحد، قال الفيّوميّ ◌َخْذّتُهُ: والقبيل: الجماعة، ثلاثةٌ فصاعداً، من قوم شتّى،
والجمع قُبُلٌ بضمّتين، والْقَبِيلة لغة فيها، وقبائل الرأس: الْقِطَعُ المتّصل بعضها
ببعض، وبها سُمّيت قبائل العرب، الواحدة قبيلة، وهم: بنو أب واحد.
انتھی(٢).
وفي رواية البخاريّ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: ((أتى النبيّ ◌َل
رجلٌ))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أتى النبيّ وَّ رجل)): لم أَقِف على اسمه،
ووقع عند مسلم من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق أنه من
الأنصار، ثم من بني النَّبِيت - بفتح النون، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانية
ساكنة، ثم مثناه فوقُ - ولولا ذلك لأمكن تفسيره بعمرو بن ثابت بن وقش
- بفتح الواو، والقاف، بعدها معجمة - وهو المعروف بأصرم بن عبد الأشهل،
فإن بني عبد الأشهل بطن من الأنصار من الأوس، وهم غير بني النَِّيت.
وقد أخرج ابن إسحاق في ((المغازي)) قصّة عمرو بن ثابت بإسناد
صحيح، عن أبي هريرة، أنه كان يقول: أخبروني عن رجل دخل الجنة، لم
يصلّ صلاةً، ثم يقول: هو عمرو بن ثابت، قال ابن إسحاق: قال الحصين بن
محمد: قلت لمحمود بن لبيد: كيف كانت قصّته؟ قال: كان يأبى الإسلام،
فلما كان يوم أُحد بدا له، فأخذ سيفه، حتى أتى القوم، فدخل في عُرض
الناس، فقاتل، حتى وقع جريحاً، فوجده قومه في المعركة، فقالوا: ما جاء
بك؟ أشفقة على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبةً في الإسلام،
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٨٩/٢.

٥٢٣
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٦)
قاتلتُ مع رسول الله ولي حتى أصابني ما أصابني، فقال رسول الله وَله: ((إنه
من أهل الجنة)).
وروى أبو داود(١)، والحاكم، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة: كان عمرو يأبى الإسلام لأجل رِباً كان له في الجاهلية،
فلما كان يوم أُحُد، قال: أين قومي؟ قالوا: بأُحُد فأخذ سيفه، ولحقهم، فلما
رأوه، قالوا: إليك عنّا، قال: إني قد أسلمت، فقاتل حتى جُرح، فجاءه
سعد بن معاذ، فقال لأخته: سليه: حميةً لقومك، أو غضباً لهم، أم غضباً لله؟
فقال: بل غضباً لله، ولرسوله وَّر، ثم مات، فدخل الجنة، وما صلى صلاةً.
فيُجمع بين الروايتين بأن الذين رأوه، وقالوا له: إليك عنا ناس غير
قومه، وأما قومه، فما شعروا بمجيئه، حتى وجدوه في المعركة.
ويُجمع بينهما، وبين حديث الباب بأنه جاء أوّلاً إلى النبيّ ◌َّ،
فاستشاره، ثم أسلم، ثم قاتل، فرآه أولئك الذين قالوا له: إليك عنا.
ويؤيد هذا الجمع قوله لهم: قاتلت مع رسول الله وصلفيه، وكأن قومه
وجدوه بعد ذلك، فقالوا له ما قالوا.
ويؤيد الجمع أيضاً ما وقع في سياق حديث البراء عند النسائيّ، فإنه
أخرجه من رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، نحو رواية إسرائيل، وفيه:
أنه ((قال لرسول الله وَله: لو أني حَمَلت على القوم، فقاتلت حتى أُقتل أكان
خيراً لي، ولم أصلّ صلاةً؟ قال: نعم)).
(١) قال أبو داود كفّثُ في ((سننه)) ((أبي داود)) ٢٠/٣:
(٢٥٣٧) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة، أن عمرو بن أُقيش، كان له رِباً في الجاهلية، فكَرِه أن
يُسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أُحُد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأُحُد، قال: أين
فلان؟، قالوا: بأُحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد، فلبس لأمته، وركب فرسه،
ثم توجه قِبَلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنّا يا عمرو، قال: إني قد آمنت،
فقاتل حتى جُرِح، فحُمِل إلى أهله جريحاً، فجاءه سعد بن معاذ، فقال لأخته:
سليه: حميّةً لقومك، أو غضباً لهم، أم غضباً لله؟ فقال: بل غضباً لله، ولرسوله،
فمات، فدخل الجنة، وما صلى لله صلاةً. انتهى.

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ونحوه لسعيد بن منصور من وجه آخر، عن أبي إسحاق، وزاد في أوله:
أنه قال: ((أخيرٌ لي أن أُسلم؟ قال: نعم، فأسلم))، فإنه موافق لقول أبي هريرة:
((إنه دخل الجنّة، وما صلى لله صلاةً)).
وأما كونه من بني عبد الأشهل، ونُسب في رواية مسلم إلى بني النبيت،
فيمكن أن يُحمل على أن له في بني النبيت نسبةً ما، فإنهم إخوة بني
عبد الأشهل، يجمعهم الانتساب إلى الأوس. انتهى(١).
(فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) وفي رواية إسرائيل:
((أتى النبيّ بَّهِ رجلٌ مُقَنَّعٌ بالحديد، فقال: يا رسول الله، أقاتل، أو أسلم؟،
قال: ((أسلم، ثم قاتل))، فَأَسْلَم، ثم قاتل، فقُتل، فقال رسول الله وَّهُ: ((عَمِل
قليلاً، وأُجر كثيراً)).
(ثُمَّ تَقَدَّمَ)؛ أي: إلى صفّ العدوّ (فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول،
(فَقَّالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((عَمِلَ) بفتح، فكسر، من باب فَرِحَ، (هَذَا) الرجل (يَسِيراً)
صفة لمصدر محذوف؛ أي: عَمَلاً قليلاً، (وَأُجِرَ) بالبناء للمفعول، (كَثِيراً)))؛
أي: أعطي أجراً كثيراً، وفيه أن الأجر الكثير قد يحصل بالعمل اليسير؛ فضلاً
من الله ◌ُعَلَ، وإحساناً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء وَُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٠٦/٤١] (١٩٠٠)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٢٨٠٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٨/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٢٠٣/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٠/٤ و٢٩٣)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٦٠١)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٥٥/٢)، و(ابن منده)
في ((الإيمان)) (٤٠٥/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٥٩/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٦٧/٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٧٢/٧ - ٧٣، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨٠٨).

٥٢٥
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٧] (١٩٠١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، وَهَارُونُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا
هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَاِ سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَِّ بُسَيْسَةَ عَيْناً، يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ،
فَجَاءَ، وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ نَِّ، قَالَ: لَا أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى
بَعْضَ نِسَائِهِ، قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ:
((إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِراً، فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا))، فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ(١)
فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: (لَا، إِلَّ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِراً))، فَانْطَلَقَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يُقَدِّمَنَّ (٢) أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ))، فَدَنَا
الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ))،
قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالأَرْضُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: بَخْ بَحْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا يَحْمِلُكَ عَلَى
قَوْلِكَ: بَخْ بَخ؟))، قَالَ(٣): لََّّ وَالَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّ رَجَاءَةَ(٤) أَنْ أَكُونَ مِنْ
أَهْلِهَا، قَالَ: (فَإِنَّكَّ مِنْ أَهْلِهَا))، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ (٥) مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ
قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَبِيتُ حَتَّى أَكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا
كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَّهُمْ، حَتَّى قُتِلَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه
محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
(١) وفي نسخة: ((يستأذنوه)).
(٢) وفي نسخة: ((لا يتقدّمنّ)).
(٣) وفي نسخة: ((فقال)).
(٤) وفي نسخة: ((إلا رجاء)).
(٥) وفي نسخة: ((قال: فأخرج)).

٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال البزاز، أبو موسى البغداديّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ)ً الكِسّيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ، أبو النضر مولاهم البغداديّ،
مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثَقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٧]
(ت١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣.
٧ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، تقدّم قبل بابين.
٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) حُبه، تقدّم أيضاً قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛
الاتّحادهم في كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه أنس بن مالك ظه تقدّم الكلام عليه
قريباً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَُّبهِ أنه (قَالَ: بَعَثَ)؛ أي: أرسل (رَسُولُ اللهِ وَهُ
بُسَيْسَةَ) قال النوويّ تَّثُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((بُسيسة)) - بباء موحّدة
مضمومة، وبسينين مهملتين، مفتوحتين، بينهما ياء مثناة تحت ساكنة - قال
القاضي عياض: هكذا هو في جميع النسخ، قال: وكذا رواه أبو داود،
وأصحاب الحديث، قال: والمعروف في كتب السيرة: بَسْبَس - بباءين موحّدتين
مفتوحتين، بينهما سين ساكنة -، وهو بسبس بن عمرو، ويقال: ابن بِشْر، من
الأنصار، من الخزرج، ويقال: حليف لهم، قال النوويّ: يجوز أن يكون أحد
اللفظين اسماً له، والآخر لقباً. انتهى(١).
وقال في ((الإصابة)): بسبسة بن عمرو بن ثعلبة بن خَرَشة بن زيد بن
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٣.

٥٢٧
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٧)
عمرو بن سعد بن ذُبيان بن رشدان بن غَطَفان بن قيس بن جُهينة الْجُهَنيّ،
حليف بني طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو بموحدتين
مفتوحتين، بينهما مهملة ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ويقال له: بسبس بغير هاء،
وهو قول ابن إسحاق وغيره، شَهِد بدراً باتفاق، ووقع ذكره في ((صحيح مسلم))
من حديث أنس قال: ((بعث رسول الله وَّه بسبسة عيناً، ينظر ما صنعت عِير
أبي سفيان ... )) فذكر الحديث في وقعة بدر، وهو بموحدتين، وزانُ فَعْلَلَة،
وحَكَى عياض أنه في مسلم بموحدة مصغّر، ورواه أبو داود، ووقع عنده:
بُسَيسة بصيغة التصغير، وكذا قال ابن الأثير إنه رآه في أصل ابن منده، لكن
بغير هاء، والصواب الأول، فقد ذكر ابن الكلبيّ أنه الذي أراد الشاعر بقوله:
أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ إِنَّ مَطَايَا الْقَوْمِ لَا تُحَبَّسُ(١).
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: قوله: (بُسَيسَة)) - بضم الباء بواحدةٍ، وفتح السين،
وياء التصغير - هكذا رواه جميعُ رواة الحديث، وكذا وقع في كتاب مسلم،
وأبي داود، والمعلومُ في كتاب السِّير: (بَسْبَس)) بفتح الباء غير مصغّرٍ، وهو:
بَسْبَسُ بن عمرو، ويقال: ابن بِشْرٍ، من الأنصار، وقيل: حليفهم، وأنشد ابنُ
إسحاق في خبره:
أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسَبَسُ أَنْ تَرِدَ الماءَ بِمَاءِ أكيَسُ (٢)
وقوله: (عَيْناً) منصوب على الحال، و((العين)): الجاسوس؛ أي: حال
كونه عيناً؛ أي: متجسّساً، ورَقِيباً، وقال القرطبيّ: ((العين)): الجاسوس، سُمّي
به لأنه يُعاين، فيُخبِر مُرسله بما يراه، فكأنه عينه. انتهى(٣).
(بَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ) يَحْتمل أن تكون ((ما)) موصولاً حرفيّاً،
والمصدر المؤوّل مفعول ((صنع))؛ أي: ينظر صنعَ عِيْره، ويَحْتَمِل أن تكون
اسميّاً مفعول ((صنعت))، والعائد محذوف؛ أي: صنعته عيره.
و ((العير)) - بكسر العين -: الإبل تَحْمِل الْمِيرة، ثمّ غَلَبَ على كلّ قافلة،
قاله الفيّوميّ (٤).
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٨٨/١.
(٣) ((المفهم)) ٧٣٥/٣.
(٢) («المفهم)) ٧٣٤/٣.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٤٠/٢.

٥٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقال ابن الأثير تَخْدَتُهُ: الْعِير: الإبل بأحمالها، فِعْلٌ، من عار يَعِير: إذا
سار، وقيل: هي قافلة الحمير، فكثُرت حتى سُمّيت بها كلُّ قافلة، كأنها جمع
عَيْرٍ، وكان قياسها أن تكون فُعْلاً بالضمّ، كسُقْفٍ في سَقْفٍ، إلا أنه حوفظ
على الياء بالكسرة، نحو عِيْنٍ. انتهى (١).
وقال النوويّ كَُّهُ: ((الْعِير)): هي الدواب التي تَحْمِل الطعام وغيره، من
الأمتعة، قال في ((المشارق)): الْعِير: هي الإبل والدواب تَحْمِل الطعام وغيره،
من التجارات، قال: ولا تُسَمَّى عِيراً إلا إذا كانت كذلك، وقال الجوهريُّ ◌َُّ
في ((الصحاح)): العير الإبل تَحْمِل الْمِيرة، وجمعها عِيَرَات، بكسر العين، وفتح
الياء. انتهى(٢) .
والمراد بعير أبي سفيان: هي العير التي أقبل بها أبو سفيان من الشام.
قال ابن هشام في ((سيرته)): قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله وَل سمع
بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشأم، في عِير لقريش عظيمة، فيها أموال
لقريش، وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلاً من قريش، أو أربعون،
منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زُهرة، وعمرو بن العاص بن
وائل بن هاشم.
قال ابن إسحاق: لمّا سمع رسول الله وَ﴿ه بأبي سفيان نَدَب المسلمين
إليهم، وقال: هذه عِير قريش، فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها، لعل الله
يُنفلكموها، فانتدب الناس، فخفّ بعضهم، وثَقُل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا
أن رسول الله وَ﴿ يلقى حرباً. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز، يتحسس
الأخبار، ويسأل مَن لَقِي من الركبان؛ تخوفاً على أمر الناس، حتى أصاب
خبراً من بعض الركبان أن محمداً قد استنفر أصحابه لك، ولعيرك، فحَذِر عند
ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمر أن يأتي
قريشاً، فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في
أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة، فلما وصل مكة صرخ ببطن
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص٦٥٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٤/١٣ - ٤٥.

٥٢٩
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٧)
الوادي واقفاً على بعيره، قد جَدَع بعيره، وحَوّل رحله، وشَقَّ قميصه، وهو
يقول: يا معشر قريش، اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها
محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث(١)، فخرجت قريش
حتى جمع الله تعالى بينها وبين المسلمين، فكانت النتيجة أن انتصر الحقّ،
﴿وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١].
(فَجَاءَ) بسيسة ◌َُّهُ إلى النبيّ وَِّ (وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي) هذا قول
أنس ◌َّتِهِ، (وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قَالَ) الراوي، والظاهر أنه ثابت: (لَا أَدْرِي
مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ) ((ما)» هنا مصدريّة؛ أي: لا أعرف هل استثنى وجود
بعض نساء النبيّ ◌َ﴿ في البيت أم لا؟ (قَالَ) ثابت (فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ)؛ أي:
حدّث بُسيسة النبيّ وَّ﴿ بما رأى من أحوال عِيْر أبي سفيان، وأنّه مقبلٌ من
الشام.
وفي (سيرة ابن هشام)): وكان بسبس بن عمرو، وعديّ بن أبي الزغباء قد
مضيا حتى نزلا بدراً، فأناخا إلى تَلّ قريب من الماء، ثم أخذا شنّاً لهما
يستقيان فيه، ومجديّ بن عمرو الجهنيّ على الماء، فسمع عديّ وبسبس
جاريتين من جواري الحاضر، وهما يتلازمان على الماء، والملزومة تقول
لصاحبتها: إنما تأتي العير غداً أو بعد غد، فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي لك،
قال مجدي: صدقت، ثم خلص بينهما، وسمع ذلك عديّ وبسبس، فجلسا
على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله وَلقه، فأخبراه بما سمعا.
(٢)
انتھی(٢).
(قَالَ) أنس ◌َظُه (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ، فَتَكَلَّمَ)؛ أي: كلّم الناس، وبيّن
لهم سبب خروجه، (فَقَالَ: ((إِنَّ لَنَا طَلِبَةً) - بفتح الطاء المهملة، وكسر اللام -:
هو ما يُطلب؛ يعني: حاجةً مطلوبةً، والمراد: الإغارة على عير أبي سفيان،
(فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ) - بفتح الظاء المعجمة، وسكون الهاء -: هي الإبل التي يُحمل
عليها، وتُركب، يقال: عند فلان ظَهْر؛ أي: إبل، وتُجمع على ظُهْران بضمّ،
(١) راجع: ((سيرة ابن هشام)) ٦٠٦/١ - ٦٠٩.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٦١٧.

٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
فسكون(١). (حَاضِراً)؛ أي: موجوداً في المدينة، (فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا))، فَجَعَلَ)؛
أي: شَرَع (رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ)؛ أي: يطلبون منه ◌َِّ أن يأذن لهم (فِي ظُهْرَانِهِمْ)
بضمّ الظاء، وسكون الهاء؛ أي: مركوباتهم، وهو: جمع ظَهْر - بفتح، فسكون
- وقيل: جمع ظَهِير، كقَضِيب وقُضْبان(٢). (فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ) بضمّ العين،
وكسرها؛ يعني: أنهم استأذنوه وَّ للإتيان بمراكبهم من عوالي المدينة حتى
يخرجوا معه، (فَقَالَ) وَّرِ (لَا)؛ أي: لا آذن لكم (إِلَّ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِراً)))
الظاهر أن الاستثناء منقطع؛ أي: لكن من كان مركوبه حاضراً بالمدينة،
فليخرج معنا، ويَحْتَمل أن يكون متّصلاً؛ أي: لا آذن للناس إلا لمن كان ظهره
حاضراً بالمدينة. (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى سَبَقُوا
الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ) - بفتح الموحّدة، وسكون الدال المهملة -: اسم موضع
بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية
وعشرين فرسخاً .
وقال الطيبيّ كَُّهُ: بدر موضع يُذكّر، ويؤنّث، وهو اسم ماء، وقال
الشعبيّ: بئر كانت لرجل يُدعى بدراً، ومنه يوم بدر، قُتل فيه عُمير هذا أول
قتيل من الأنصار في الإسلام(٣) .
(وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يُقَدِّمَنَّ) مضارعٍ قَدَّم اللام،
بمعنى تقدّم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية
[الحجرات: ١]، ووقع في بعض النسخ: ((لا يتقدّمَنَّ))، وهو واضح. (أَحَدٌ مِنْكُمْ
إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ))؛ أي: قدّامه متقدّماً في ذلك الشيء، والمراد:
نهي الصحابة ﴿ه من أن يتقدّموا على رسول الله وَلّ؛ لئلا يفوتهم شيء من
المصالح التي لا يعلمونها، أفاده النوويّ(٤)، وقال الأبيّ: المراد أن لا يتقدّمه
في الرأي، ولا يريد: حتى أكون أمامه في القتال؛ لأنه لم يقاتل يوم بدر،
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ص٥٨٤.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٢٤١/٥.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣٦/٨ - ٢٦٣٧.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١٣.

٥٣١
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٧)
وإنما كان في العريش، ولا ينبغي للإمام أن يقاتل خوف أن يصاب، فيهلك من
معه، وقد عِيب على عمرو بن العاص دخوله الإسكندريّة مختفياً. انتهى(١).
(فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ) للصحابة ◌َه؛ تشجعاً لهم، وحثّاً على
الجهاد: ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ) قال الطيبيّ تَخَُّهُ: عدّاه بإلى الإرادة معنى المسارعة،
كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣]،
(عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)))؛ أي: مثلُ عرض السموات والأرض، قال
القرطبيّ تَخْلُهُ: شبّه الجنّة بسعة السموات والأرض، وإن كانت الجنّة أوسع
منهما بكثير؛ مخاطبةً لنا بما شاهدنا؛ إذ لم نُشاهد أوسع من السموات
والأرض، وهذا أشبه ما قيل في هذا المعنى. انتهى(٢).
وقال الطيبيّ نَّثُ: وصف الجنّة بالعرض مبالغة عرفاً، وتخصيص
العرض بها دون الطول دلالة على أن العرض إذا كان كذلك، فمال
الطول؟(٣).
(قَالَ) الراوي (يَقُولُ) بصيغة المضارع؛ استحضاراً لصورة الحال، (عُمَيْرُ)
- بضمّم العين المهملة، مصغّراً، (ابْنُ الْحُمَام) - بضمّ الحاء المهملة، وتخفيف
الميم - هو: عُمير بن الحمام بن الْجَمُوح بنَ زيد بن حرام بن كعب بن سلمة
(الأَنْصَارِيُّ) السَّلَميّ، ذكره موسى بن عقبة، وغيره فيمن شَهِد بدراً، وقال ابن
إسحاق: قال رسول الله وَلجر: ((والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ، فيقتلَ
صابراً، محتسباً، مقبلاً، غير مُذْبِر، إلا أدخله الله الجنة))، فقال عُمير بن
الحمام أحد بني سَلِمة، وفي يده تمرات يأكلهنّ: بخ بخ، فما بيني وبين أن
أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، فقذف التمر من يده، وأخذ سيفه، فقاتل
حتى قُتِل، وهو يقول:
إِلَّا الثّقَى وَعَمَلُ الْمَعَادِ
رَكْضاً(٤) إِلَى اللهِ بِغَيْرِ زَادٍ
وَكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ الشَّفَادِ
وَالصَّبْرُ فِي اللهِ عَلَى الْجِهَادِ
(١) «شرح الأبيّ)) ٢٤١/٥.
(٢) («المفهم)) ٧٣٥/٣.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨/ ٢٦٣٧.
(٤) أي: أركض ركضاً، وأُسرع إسراعاً مثل: ركض الخيل وإسراعه.

٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
غَيْرَ الثُّقَى وَالْبِرِّ وَالرَّشَادِ
فكان أولَ قتيل قُتل في سبيل الله في الحرب، قاله في ((الإصابة))(١).
(يَا رَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟) هذا السؤال من عُمير
سؤال استعظام، وتعجّب من سعة ثواب الله تعالى للمجاهد. (قَالَ) وَه
(بَخِ بَخٍ) كلمة تقال
(نَعَمْ)))؛ أي: هي كعرضهما سعةً، (قَالَ) عُمير
التفخيم الأمر وتعظيمه، والتعجّب منه، يقال: بسكون الخاء، وكسرها، منوّنة،
قاله القرطبيّ (٢).
وقال المجد تَُّهُ: (بَخْ))، كَقَدْ؛ أي: عَظُم الأمرُ، وفَخُم، تقال وحدها،
وتُكَرَّر: بَخِ بَخْ، الأول منون، والثاني مسكنٌ، وقُلْ في الإفراد: بَخْ ساكنةً،
وبَخِ مكسورة، وبَخِ منونةً، وبَخٌ منونةً مضمومةً، ويقال: بَخْ بَخْ مسكْنين، وبَخِ
بَخٍ، منونين، وبَجِّ بَخٌ مشددين: كلمة تقال عند الرضى، والإعجاب بالشيء،
أوّ الفخر والمدح. انتهى (٣).
وقال التوربشتيّ كَّثُ: قوله: (بخ)) كلمة تقال عند المدح والرضى
بالشيء، وكُرّرت للمبالغة، وسبق إلى فهم الرجل من قوله وَله: ((ما يَحملك
على قولك: بخ بخ؟)) أنه يوهم أن قوله ذلك صدر عنه من غير رويّة، ونيّة،
شبيهاً بقول من سلك مسلك المزاح، فنفى ذلك بقوله: ((لا والله))؛ أي: ليس
الأمر على ما توهّمت، وقوله: ((إلا رجاء))؛ أي: ما قلت ذلك إلا رجاء.
وتعقّبه الطيبيّ، فقال: أقول: قوله: ((شبيهاً بقول من سلك مسلك
المزاح))، وقوله: ((ليس الأمر على ما توهّمت)) ليسا بمرضيين، بل يُحمل قوله:
(بخ بخ)) على ما فسّر في الغريبين من قوله: قال أبو بكر: معناه تعظيم الأمر،
وتفخيمه، كذا في ((شرح مسلم))، وذلك أنه ◌َ ﴿ لمّا قال: ((قوموا إلى جنّة))؛
أي: سارِعوا إليها، وابذُلوا مُهَجكم، وأرواحكم في سبيل الله، ولا تَقاعسوا
عنها، عَظَّم عُمير ذلك، وفخّمه بقوله: ((بخ بخ))، فقال ◌َّ: ما حملك على
التعظيم؟ أخوفاً قلت هذا؟ فقال: لا، بل رجاء، والفاء في قوله: ((فإنك)) جزاء
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧١٥/٤ - ٧١٦.
(٢) ((المفهم)) ٧٣٥/٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣١٧/١.

٥٣٣
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٧)
شرط؛ أي: إذا كان الأمر على ما قلت، فإن الله تعالى يُجيبك إلى ما ترومه،
وترجوه. انتهى(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيءٍ (يَحْمِلُكَ) بفتح
أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، يقال: حَمَلَه على الأمر يَحْمله، فانحَمَل:
أغراه به، أفاده المجد(٢). (عَلَى قَوْلِكَ: بَحِ بَخ؟))، قَالَ) عُمير: (لَا)؛ أي: لم
يحملني على ذلك شيءٌ (وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِّإِلَّا رَجَاءَةَ) قال النوويّ تَخْذُ: هكذا
هو في أكثر النسخ المعتمدة: ((رجاءةَ)) بالمد، ونصب التاء، وفي بعضها:
((رجاءَ)) بلا تنوين، وفي بعضها بالتنوين، ممدوداً، بحذف التاء، وكله صحيحٌ،
معروف في اللغة، ومعناه: والله ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها .
(٣)
انتھی(٣).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((لا والله! إلا رجاءً)، رَوَيته بنصب الهمزة،
من غير تاء تأنيثٍ، على أن يكونَ مفعولاً من أجله، والأَولى فيه الرفع، على
أن يكونَ فاعلاً بفعلِ مضمَر، يدلُّ عليه قولُه: «ما يحملُك على قولك: بخ
بخ؟))؛ لأنَه جوابُه؛ أي: لا يحملُني على قولي: بخ بخ إلا رجاءُ أن أكون من
أهل الجنة، وقد رواه كثير من المشايخ: ((إلَّا رجاءةً)) بتّاء التأنيث، وهو مصدرُ
الرَّجاء، لكنه محدود، قال المبرّدُ: تقولُ العربُ: فعلته رَجْأتك؛ أي: رجاك؛
من الرَّجاء، وهو الطمَعُ في تحصيل ما فيه عَرَضٌ ونَفعٌ. انتهى(٤) .
(أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا)؛ أي: من أهل الجنّة الموصوفة بما ذُكر. (قَالَ) ◌ِه.
((فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا))) هذه بشرى من النبيّ وَّهُ لعُمير بن الحمام ◌َُّه بأنه من أهل
الجنّة، وذلك بوحي من الله، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ جَ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
[النجم]. (فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ) بفتح القاف والراء، وهي جَعْبَةُ السهام، قال
القرطبيّ تَخْتُ: وهكذا روايتنا فيه، وأما من رواه بضمّ القاف، وسكون الراء،
وكسر الباء، وقَرْقَره، فتغيير، وإن كانت لهما أوجهٌ بعيدة. انتهى (٥).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣٧/٨.
(٢) ((القاموس المحيط)» ص٣٢٢.
(٤) ((المفهم)) ٣/ ٧٣٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١٣ - ٤٦.
(٥) («المفهم)) ٧٣٦/٣.

٥٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ)؛ أي: من تلك التمرات، (ثُمَّ قَالَ) عُمير (لَئِنْ أَنَا
حَبِيتُ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من باب تَعِبَ.
قال الطيبيّ كَّتُ: قوله: ((لئن أنا حبيت)) اللام موظّئة للقسم، و((إن))
شرطيّة، و((أنا)) فاعل فعل مضمَر يفسّره ما بعده. (حَتَّى آكُلَ تَمَرَانِي هَذِهِ)،
وقوله: (إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ) جواب القسم، واكتُفي به عن جواب الشرط،
ويُمكن أن يُذهب به مذهب أصحاب المعاني، فيقال: إن الضمير المنفصل قُدِّم
للاختصاص، وهو على منوال قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ رَحْمَةٍ
رَِ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٠] فكأنه وَجَد نفسه مختارةً للحياة على الشهادة، فأنكر
عليها ذلك الإنكار، وإنما قال ذلك استبطاءً للانتداب بما نُدِب به من قوله وَلَّه:
((قوموا إلى جنّة))؛ أي: سارعوا إليها. انتهى(١).
(قَالَ) أنس ◌َبِهِ (فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الثَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ)؛ أي:
المشركين، (حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول؛ أي: استُشهد في تلك المعركة
عنه ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
ظُه هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٠٧/٤١] (١٩٠١)، و(أبو داود) في ((الجهاد))
(٢٦١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣٦/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) ٤/
٤٥٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٨١/٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((الجهاد))
(٢٢٦/١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٣٧٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٤٣/٩ و٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز بعث العيون والجواسيس؛ لاستطلاع خبر العدوّ،
وأخذ الحذر منهم.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٣٧/٨.

٥٣٥
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٧)
٢ - (ومنها): بيان استحباب التورية في الحرب، وأن لا يبيّن الإمام جهة
إغارته، وإغارة سراياه؛ لئلا يشيع ذلك، فيأخذ العدوّ بالحذر والتأهّب.
٣ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل، عُمير بن الْحُمام.
٤ - (ومنها): بيان استحباب حثّ الإمام الجيش على الإقدام على العدو
من غير جُبن، وترغيبهم في الجنّة، وقد دعا الله وما إلى ذلك في قوله تعالى:
﴿وَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]،
وقوله: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ (®﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (®))) [الحديد: ٢١].
٥ - (ومنها): بيان سعة الجنّة، وأنها كَعَرض السموات والأرض.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّهُ: وفي هذين الحديثين - يعني: هذا
الحديث، والحديث التالي - دليل على جواز استقتال الرجل نفسه في طلب
الشَهادة، وإن علم أنه يُقتَل، وقد فعله كثير من الصحابة والسَّلف وغيرهم،
وروي عن عمر، وأبي هريرة ﴿ها، وهو قولُ مالك، ومحمد بن الحسن، غير
أنَّ العلماءَ كرهوا فِعلَ ذلك لرأس الكتيبة؛ لأنه إن هلك هلك جيشُه، وقد روي
عن عمر أيضاً كراهية الاستقتال، وقال: ((لأن أموتَ على فراشي أحبُّ إليَّ من
أن أُقتل بين يدي صفٍ))؛ يعني: يُستقتل، ورأى بعضُ العلماء هذا الفعلَ مِن
إلقاءه اليد للتهلكة المنهي عنه.
قال القرطبيّ: وفي هذا بُعْدٌ من وجهين:
أحدهما: أن أحسنَ ما قيل في الآية: أنها فيمن ترك الإنفاق في الجهاد.
وثانيها: أن عملاً يُفضي بصاحبه إلى نيل الشَّهادة ليس بتهلكة، بل
التهلكةُ: الإعراضُ عنه، وتركُ الرَّغبة فيها، ودلَّ على ذلك الأحاديث المتقدِّمة
كلها، فلا يُعدل عنها. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٧٣٦/٣ - ٧٣٧.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٨] (١٩٠٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ -
وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ بَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبِي، وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ
ظِلَالِ السُّيُوفِ))، فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبًا مُوسَى أنْتَ سَمِعْتَ
رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ
عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ
بِهِ، حَتَّى قُتِلَ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ،
لكنّه يتشيّع [٨] (ت١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٤ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، أو الكِنديّ،
ثقةٌ، من كبار [٤] (ت١٢٨) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
[تنبيه]: قوله: ((الْجَوْنيّ)) : - بفتح الجيم، وسكون الواو، آخره نون -:
نسبة إلى جَوْن، وهو بطن من الأزد، وهو الجَوْن بن عوف بن خزيمة بن
مالك بن الأزد، قاله في ((اللباب))(١).
٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) الأشعريّ الكوفيّ، اسمه عمرو، أو عامر،
ثقةٌ [٣] (ت١٠٦) وكان أسنّ من أخيه أبي بُرْدة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار، أبو موسى الأشعريّ
الصحابيّ الشهير، مات سنة خمسين، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣١٢/١.

٥٣٧
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٨)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد
كيفيّة أخذه وأدائه منهما، حيث سمع من كلّ منهما مع غيره، ثم فصّل؛
لاختلافهما في كيفيّة الأخذ والأداء، حيث سمع الأول من لفظ جعفر مع
غيره، ولذا قال: ((حدّثنا))، والثاني سمع قراءة قارىء على جعفر، ولذا قال:
((أخبرنا))، وقد سبق بيان هذا غير مرّة.
وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه من فضلاء
الصحابة ﴿، وقد أمّره عمر بن الخطاب، ثم عثمان ﴿، وهو أحد
الْحَكَمين بصفّين، ومدحه النبيّ وَّ بحسن الصوت في القرآن، فقال له: ((لقد
أوتيت من مزامير آل داود عِلَّ*)»، متّفقٌ عليه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) تقدّم الخلاف في اسمه، (عَنْ أَبِيهِ)
عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َظُبه، وقولُهُ: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) بيان وتوضيح
لقوله: ((عن أبيه))؛ أي: قال أبو بكر: سمعت أبي عبدَ الله بن قيس، وقوله:
(وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ) جملة حاليّة من ((أبي))، و((الْخُضْرة)) بفتح الحاء، وضمّها،
وكسرها، ثلاث لغات، ويقال أيضاً: بحضر - بفتح الحاء والضاد، بحذف
.. (١)
الهاء، قاله النووي
وقال المجد تَخْذَلُهُ: وكان بحضرته، مثلثةً، وحضره، وحَضَرَته محرّکتین،
ومَحْضَرِه بمعنّى. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ ◌َُّهُ: وكلّمته بحضرة فلان؛ أي: بحضوره، وحَضْرةُ
الشيء: فِناؤه وقُرْبه، وكلّمته بحضرة فلان، وزانُ سَبَب لغةٌ، وبمحضره؛ أي:
بمشهده. انتھی(٣) .
(يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُُّوفِ))) قال
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٤٠/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٢٩٧.

٥٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
العلماء: معناه: أن الجهاد، وحضور معركة القتال طريق إلى الجنّة، وسبب
لدخولها(١).
وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: قوله: ((الجنَّةُ تحت ظلالِ السُّيوف)): من الاستعارة
البديعة، والألفاظ السَّهلة البليغة التي لا يُنسَجُ على منوالها، ولا يقدِرُ بليغ أن
يأتيَ بمثالها؛ يعني بذلك: أن من خاض غَمَراتِ الحروب، وباشرَ حالَ
المسايفة كان له جزاء الجنة، وهذا من باب قوله وَّل: ((الجنَّة تحت أقدام
الأمَّهات))(٢)؛ أي: مَن تذلَّل لهنَّ، وأطاعهنَّ وَصَل إلى الجنة، ودخلها.
(٣)
.
انتھی
وقال الطيبيّ كَّلهُ: قوله: ((تحت ظلال السيوف)) هو كناية تلويحيّة عن
إعلاء كلمة الله ◌َ، ونَصْر دينه، فإن ((تحت ظلال السيوف)) مُشِعر بكونها
مُشْهَرة، غير مُغْمَدة، ثم هو مُشْعِر بكونها مرفوعة فوق رؤوس المجاهدين،
كالمظلّات، ثم هو على التسايف، والتضارب في المعارك، ثم هو على إعلاء
كلمة الله العليا، ونُصرة دينه القويم الموجبة لأن يُفتح لصاحبها أبواب الجنّة
كلّها، ويُدعى أن يَدخُل من أيّ باب شاء، وهو أبلغ في الكرامة من أن يقال:
الجنّة تحت ظلال السيوف، ومن ثمّ سلّم الرجل على أصحابه تسليم توديع،
وكسر جَفْن سيفه، ومضى. انتهى (٤).
(فَقَامَ رَجُلٌ) قال صاحب (التنبيه)): لا أعرفه. انتهى(٥). (رَتُّ الْهَيْئَةِ)
((الرّثّ)) - بفتح الراء، وتشديد الثاء المثلّثة، يقال: رَتّ الشيءُ يَرُثّ، من باب
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٣.
(٢) الحديث بهذا اللفظ ضعيف، وقد أخرجه النسائيّ في ((المجتبى)) ١١/٦ بسنده عن
معاوية بن جاهمة السلميّ، أن جاهمة جاء إلى النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله،
أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال: ((هل لك من أم؟)) قال: نعم، قال:
«فالزمها، فإن الجنة تحت رجلیھا». انتھی، وهو حديث حسن.
(٣) ((المفهم)) ٧٣٦/٣.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٦٠/٨ - ٢٦٧.
(٥) ((تنبيه المعلم)) ص ٣٣٠.

٥٣٩
(٤١) - بَابُ ثُبُوتِ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ - حديث رقم (٤٩٠٨)
قَرُب (١) رُثُوثةً، ورَثَائةً: خَلُقَ، فهو رَتِّ، وأرتّ بالألف مثله، ورَثَّتْ هيئة
الشخص، وأرثّت: ضَعُفَت، وهانت، وجمع الرّثّ: رِئَاتٌ، مثل سَهْمِ وسِهَام،
قاله الفيّوميّ(٢).
والْهَيئة: الحالة الظاهرة.
وزاد في ((الجهاد)) لابن المبارك: ((أنه شابّ، وفيه أن ذلك كان عند
مصاف العدوّ بأصبهان)).
(فَقَالَ) الرجل (يَا أَبًا مُوسَى أنْتَ) بمدّ الهمزة، وأصله أأنت بهمزتين،
أُولاهما همزة الاستفهام، فقُلبت الثانية مَدّة، (سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ هَذَا؟
قَالَ) أبو موسى ◌َظُهُ (نَعَمْ) سمعته منه ◌َّرِ (قَالَ) الراوي (فَرَجَعَ) ذلك الرجل
الرثّ الهيئة (إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ) - بفتح
الجيم، وإسكان الفاء وبالنون -، وهو غِمْده، (فَأَلْقَاهُ)؛ أي: ألقى الجفن
المكسور إلى الأرض، (ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ بِهِ، حَتَّى قُتِلَ) بالبناء
للمفعول؛ أي: حتى استُشهد في تلك المعركة، وفيه جواز الانغمار في
الكفّار، والتعرّض للشهادة، وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء، قاله
النوويّ ◌َُّهُ(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُه من أفراد
المصنّف نَخَذُلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩٠٨/٤١] (١٩٠٢)، و(الترمذيّ) في ((فضائل
الجهاد)) (١٦٥٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٢/١)، و(ابن المبارك) في
((الجهاد)) (١٧٠/١ - ١٧١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٦/٤ و٤١١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦١٧)، و(ابن أبي عاصم) في ((الجهاد)) (٧٥/١)،
(١) هكذا جعله في ((المصباح)) كقَرُب، وجعله غيره من باب ضرب، فليُنظر.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢١٨/١.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٦١/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٠٨/١٣
و٣١٤)، و(البزار) في ((مسنده)) (٨٦/٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٧٠/٢)،
و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣١٧/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤/٩)، والله
تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٩] (٦٧٧)(١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ،
أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالُوا(٢): أَنِ
ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً، يُعَلِّمُونَا (٣) الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ
الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ، فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ،
يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا(٤) بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ، فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَحْتَطِبُونَ،
فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَلِلْفُقَرَاءِ(٥)، فَبَعَثَهُمُ النَِّيُّ وَّهِ إِلَيْهِمْ،
فَعَرَضُوا لَهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا
قَدْ لَقِينَاَكَ، فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا، قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَاماً خَالَ أَنَسٍ مِنْ
خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْح، حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ لأَصْحَبِهِ: ((إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا
نَبِيَّنَا، أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ، فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزي الأصل،
صدوقٌ فاضلٌ ربما وَهِمَ [١٠] (ت٢٤٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد أثبت الناس في
(١) هذا مكرّر تقدّم.
(٢) وفي نسخة بإسقاط لفظة: ((فقالوا)).
(٣) وفي بعض النسخ: ((يعلّمون)) بنون لا ألف معها.
(٤) وفي نسخة: ((فكانوا)).
(٥) وفي نسخة: ((والفقراء)).