Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٥٩)
(٢٩) - (بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٩] (١٨٧٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ
الأَحْمَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
(مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا أَنَّ لَهَا
الدُّنْيَا (١) وَمَا فِيهَا، إِلَّ الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى (٢) أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا؛ لِمَا
يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ
[٨] (ت١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل باب.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥]
(ت٢ أو ١٤٣) (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَُته، تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وهو مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
وأبي خالد، فكوفيّان، وفيه أنس بن مالك ظله أحد المكثرين السبعة، روى
فتة بالبصرة.
(٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة
[تنبيه آخر]: قال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ: ظاهر هذا الإسناد أن شعبة
يرويه عن قتادة، وحُميد جميعاً عن أنس، قال: وصوابه أن أبا خالد يرويه عن
(١) وفي بعض النسخ: ((وأن لها الدنيا)).
(٢) وفي نسخة: ((إلا الشهيد، يتمنّى)).

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
حميد، عن أنس، ويرويه أبو خالد أيضاً عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال:
وهكذا قاله عبد الغنيّ بن سعيد(١).
قال القاضي عياض: فيكون حميد معطوفاً على شعبة، لا على قتادة، قال:
وقد ذكره ابن أبي شيبة في كتابه، عن أبي خالد، عن حميد، وشعبة، عن قتادة،
عن أنس، فبيّنه، وإن كان فيه أيضاً إيهامٌ، فإن ظاهره أن حميداً يرويه عن قتادة،
وليس المراد كذلك، بل المراد أن حميداً يرويه عن أنس، كما سبق. انتهى(٢).
شرح الحديث:
(عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (وَحُمَيْدٍ) تقدّم أنه معطوف
على شعبة، لا على قتادة، فإن أبا خالد يرويه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس،
ويرويه أيضاً عن حُميد، عن أنس، فتنبّه.
[تنبيه]: كتب بعض من علّق(٣) على ((صحيح مسلم)) هنا كلاماً غريباً،
حيث قال: وزيادة ((حميد)) في الإسناد غلطٌ من أبي خالد الأحمر، وهو
معروف بالأوهام، ثم قال: نعم يُروى من طريق حميد وحده عند البخاريّ
(٢٧٩٥)، والترمذيّ (١٦٤٣) ولكن لا يرويه عنه شعبة، أو لا يُعرف من طريق
شعبة، ولو كان لاشتهر عنه. انتهى كلامه الغريب.
وهذا القول من هذا الكاتب لا سلف له فيما أعلم، وهل بعد ثبوت
رواية حميد عند البخاريّ وغيره يقال: زيادته عند مسلم غلط؟، فهل كان
الكاتب أعلم من مسلم، ومن الحفّاظ الذين تكلّموا على هذا الإسناد؛
كالحافظ عبد الغنيّ بن سعيد، والحافظ الجيّانيّ، والحافظ ابن حجر، فإنه
ذكره في ((الفتح))، وأقرّه؟، وغيرهم، فَلِمَ لم يُشر واحد منهم إلى ما قاله، بل
وافقوا مسلماً عليه، وثبتوه، ولكن بيّنوا ما وقع فيه من الإيهام فقط.
ولا يُستغرب من هذا القائل هذا، فإنه قد مضى له مثل هذه الجرأة بتغليط
(١) ((تقييد المهمل)) ٨٨٥/٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٩٧/٦، و((شرح النوويّ)) ٢٣/١٣ - ٢٤.
(٣) هو: الشيخ مسلم بن محمود عثمان، كما هو موجود في غلاف النسخة، راجع
كلامه هذا في: ٤٢٢/٣.

٣٨٣
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٥٩)
ما صححه مسلم غير مرّة، وقد نبّهت على ذلك في بعض المواضع، وإياك أن
تغترّ بمثله، والله يتولّى هداي وهداك، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك) تَ ◌ُه، وفي الرواية التالية: عن قتادة قال: ((سمعت
أنس بن مالك))، فصرّح قتادة بالسماع. (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((مَا)، نافية
(مِنْ) زائدة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْىٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـما لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ))
(نَفْسٍ) وفي الرواية التالية: ((ما من أحد))، (تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ،
يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا)، وقوله: (وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا)، جملة معطوفة على
جملة ((أنها ترجع))؛ أي: لا يسرّها رجوعها، ولا يسرّها أنها تملك الدنيا وما
فيها، ووقع في بعض النسخ: ((وأن لها الدنيا)) بحذف ((لا))، فالواو على هذا
الوجه حاليّة، والمعنى: لا يسرّها رجوعها إلى الدنيا، حال كونها مالكةً للدنيا
وما فيها، والظاهر أن ما في هذه النسخة أليق بالمقام، وأوضح في المعنى،
والله تعالى أعلم.
والأقرب أن المراد بالدنيا: هي الأرض، يوضّح ذلك ما في الرواية
التالية بلفظ: ((ما مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا
عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ»، ولذا عَطَف عليها قوله: (وَمَا فِيهَا)؛ أي: من المنافع
والملاذٌ، والزخارف. (إِلَّا الشَّهِيدُ) رُوي بالرفع على أنه بدلٌ من ((نفس)) باعتبار
محلّها؛ لأنها في محلّ رفع بالابتداء، ورُوي بالنصب على الاستثناء.
و ((الشهيد)): من قتله الكفّار في المعركة، فَعِيلٌ بمعنى مفعول؛ لأن ملائكة
الرحمة شهِدت غسله، أو شهدت نقل روحه إلى الجنّة، أو لأن الله تعالى شَهِد
له بالجنّة، قاله الفيّوميّ كَذَفُ(١).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: سُمي الشهيد شهيداً؛ لأنه يُرزق، ويُشاهِد الجنة،
وما أكرمه الله تعالى به، وقيل: لأنه ممن يَشهَد على الأمم يوم القيامة، وقيل:
لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالرضا والرضوان، فعلى هذا يكون فعيل
(١) ((المصباح المنير)) ٣٢٤/١.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
بمعنى: مفعول؛ أي: مشهود له، وعلى التأويلين الأوَّلين بمعنى: فاعل.
.
انتھی
وقال النوويّ تَُّهُ: وأما سبب تسميته شهيداً، فقال النضر بن شُميل:
لأنه حيٍّ، فإن أرواحهم شَهِدت، وحضرت دار السّلام، وأرواح غيرهم إنما
تشهدها يوم القيامة.
وقال ابن الأنباريّ: لأن الله تعالى، وملائكته - عليهم الصلاة والسلام -
يشهدون له بالجنة، وقيل: لأنه شَهِد عند خروج روحه ما أعدّه الله تعالى له من
الثواب والكرامة، وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه، فيأخذون روحه، وقيل:
لأنه شُهِد له بالإيمان، وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل: لأن عليه شاهداً
بكونه شهيداً، وهو الدم، وقيل: لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ
الرسل الرسالةَ إليهم، وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف.
(٢)
انتھی(٢).
(فَإِنَّهُ)؛ أي: الشهيد (يَتَمَنَّى) ووقع في بعض النسخ: ((إلا الشهيد يتمنّى))،
فسقطت لفظة ((فإنه))، قال في ((الفتح)) عند شرح قول البخاريّ: ((كتاب التمنّي))
ما نصّه: والتمني: تفعّلٌ من الأمنية، والجمع أمانيّ، والتمني: إرادةٌ تتعلق
بالمستقبل، فإن كانت في خيرٍ من غير أن تتعلق بحسد، فهي مطلوبة، وإلا فهي
مذمومة، وقد قيل: إن بين التمني والترجي عموماً وخصوصاً، فالترجي في
الممكن، والتمني في أعم من ذلك، وقيل: التمني يتعلق بما فات، وعَبَّر عنه
بعضهم بطلب ما لا يمكن حصوله، وقال الراغب: قد يتضمن التمني معنى
الوُدّ؛ لأنه يتمنى حصول ما يَوَدّ. انتهى(٣).
(أَنْ يَرْجِعَ) إلى الدنيا، (فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا)؛ أي: في سبيل الله رَك، ثم علّل
هذا التمنّ المستحيل المنال، بقوله: (لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ)) وفي الرواية
التالية: ((فَإِنَّهُ يَتَمَنَى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)).
وحاصل المعنى: أن هذا التمنّي، وإن كان محالاً في نفسه لكنّ الشهيد
(١) ((المفهم)) ٧٠٨/٣.
(٣) ((الفتح)) ٧٥/١٧، كتاب ((التمنّي)) رقم (٧٢٢٦).
(٢) (شرح النوويّ)) ٢٤/١٣.

٣٨٥
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٥٩)
يتمنّاه حيث يرى فضل الله وإلى العظيم الذي يعطيه للشهداء، فيظنّ أنه مما يُنال
بالتمنّي، ولكنه لا يُنال، ففي حديث جابر عند الترمذيّ وصححه الحاكم قال:
قال لي رسول الله وَله: ((ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: يا عبد الله تَمَنَّ
عليّ أُعطك، قال: يا ربّ تُحييني، فأُقتل فيك ثانيةً، قال: إنه سبق منّي أنهم
إليها لا يرجعون))، فقد بيّن أن الشهيد لا ينال ما يتمنّاه من الرجوع إلى الدنيا،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٥٩/٢٩ و٤٨٦٠] (١٨٧٧)، و(البخاريّ) في
((الجهاد)) (٢٧٩٥ و٢٨١٧)، و(الترمذيّ) في ((فضل الجهاد)) (١٦٤٣)،
و(النسائيّ) في ((الجهاد)) (٣٦/٦) و((الكبرى)) (٤٣٦٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٠٧/٣ و٢٠٨)، و(ابن المبارك) في ((الجهاد)) (٤٢/١)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٢٤٠٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦٦١ و٤٦٦٢)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (٤٥٧/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٩٢/٥ و٨/٦)، و(عبد بن
حُميد) في ((مسنده)) (٣٥٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٣/٩)، و(البغويّ)
في ((شرح السُّنَّة)) (٢٦٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الشهادة في سبيل الله ربك.
٢ - (ومنها): بيان ما يتمنّاه الشهيد من الرجوع إلى الدنيا، حتى يُستشهد
في سبيل الله مرّة أخرى.
٣ - (ومنها): بيان أن من كان من أهل الخير لا يتمنّى الرجوع إلى
الدنيا؛ لحقارتها، وعِظَم ما ناله من نعيم الجنة التي موضع سوط منها خير من
الدنيا وما فيها، فعن سهل بن سعد الساعديّ ظُه، مرفوعاً: ((موضع سوط
أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها))، متّفقٌ عليه.
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخَّثُ: هذا من صرائح الأدلة في عظيم فضل

٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الشهادة، والله المحمود المشكور (١).
وقال ابن بطّال ◌َّتُهُ: هذا الحديث أجلّ ما جاء في فضل الشهادة، قال:
وليس في أعمال البرّ ما تُبْذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظُم فيه الثواب.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يُحَدِّثُ
عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((ما مِنْ أَحَدٍ (٣) يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ
لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، غَيْرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ عَشْرَ
مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد مضى، فالثلاثة الأولون تقدّموا قبل بابين، والباقون ذُكروا في السند
الماضي.
وقوله: (مَا مِنْ أَحَدٍ) وفي بعض النسخ: ((ما أحد))، وهو مبتدأ خبره
جملة: ((يحبّ ... إلخ)).
وقوله: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) جملة في محلّ رفع صفة ((أحد))؛ لأنه في موضع
رفع بالابتداء.
وقوله: (يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا) جملة في محلّ رفع خبر المبتدأ.
وقوله: (وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ) ((ما)) موصولة اسم ((أنّ))
مؤخّراً، وخبرها الجار والمجرور قبله، و((من شيء)) بيان لـ((ما))، وجملة ((وأن
له ... إلخ)) حالٌ من فاعل ((يُحبّ))، والواو فيه حاليّة.
وقوله: (غَيْرُ الشَّهِيدِ) بالرفع على البدليّة من فاعل ((يُحبّ))، أو بالنصب
على الاستثناء.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٤/١٣.
(٣) وفي نسخة: ((ما أحدٌ)).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٦ /١١٥.

٣٨٧
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ الهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦١)
وقوله: (فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى) الفاء فيه للتعليل؛ لأنه يتمنّى أَنْ يَرْجِعَ إلى الدنيا.
وقوله: (لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)؛ أي: لِمَا يُشاهد من إكرام الله تَعَلّ
الشهداء .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه فيما قبله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٦١] (١٨٧٨) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
الْوَاسِطِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ
لِلنَّبِيِّ وَّهِ: مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَنَ؟ قَالَ: (لَا تَسْتَطِيعُونَهُ))، قَالَ:
فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: ((لَا تَسْتَطِيعُونَهُ))، وَقَالَ(١) فِي
الثَّالِئَةِ: (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللهِ، لَا
يَقْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى))).
ء
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
مصنّفٌ، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها
(ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيُّ) أبو الهيثم المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.
والباقون ذُكروا قبل حديثين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظ ◌َهُ أنه (قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ◌َّه)، وفي رواية البخاريّ:
((قال: جاء رجل إلى رسول الله وَله، فقال: دُلّني على عمل يَعْدل الجهاد))،
قال الحافظ: لم أقف على الرجل. (مَا) استفهاميّة، (يَعْدِلُ) بكسر الدال
المهملة؛ أي: يماثله، يقال: عَدَلتُ هذا بهذا عَدْلاً، من باب ضرب: إذا
(١) وفي نسحة: ((قال)).

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
جعلته مِثله، قائماً مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
[الأنعام: ١]، وعِدل الشيء بالكسر: مِثْله من جنسه، أو مقدارِهِ، قال ابن
فارس: الْعِدل: الذي يعادل في الوزن والقدر، وعَدْله بالفتح: ما يقوم مقامه
من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وهو في
الأصل مصدر، أفاده الفيّوميّ(١). (الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ رَنْ؟ قَالَ) وَلِ ((لَا
تَسْتَطِيعُونَهُ)))؛ أي: لا تستطيعون القيام بما يعادل الجهاد؛ لأنه أشقّ، ووقع في
بعض النسخ: ((لا تستطيعوه)) بحذف النون، قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في
معظم النسخ: ((لا تستطيعوه))، وفي بعضها: ((لا تستطيعونه)) بالنون، وهذا جارٍ
على اللغة المشهورة، والأول صحيح أيضاً، وهي لغة فصيحة حَذْف النون من
غير ناصب، ولا جازم، وقد سبق بيانها، ونظائرها مرات. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حَذْف نون الرفع بلا ناصب، وجازم لغة،
ذكرها ابن مالك تَخْدَثُ في ((الكافية الشافية))، فقال:
فِي النَّثْرِ وَالنَّظْم وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا
وَدُونَ ((نِي)) فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا
وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي)»
((أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيَتِي تَدْلُكِي
(قَالَ) الراوي، وهو أنس ◌َظُه، (فَأَعَادُوا) السؤال (عَلَيْهِ) وَِّ (مَرَّتَيْنِ، أَوْ
ثَلَاثاً، كُلُّ ذَلِكَ)؛ أي: كلّ السؤال المعاد (يَقُولُ) فيه النبيّ وَّرِ ((لَا
تَسْتَطِيعُونَهُ))) وفي رواية البخاريّ قال ◌َله في الجواب: ((لا أجده))، قال: ((هل
تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم، ولا تفتُر، وتصوم، ولا
تُفطر؟»، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستنّ في
طِوَله، فيُكتب له حسنات.
وأخرج الطبرانيّ نحو هذا الحديث من حديث سهل بن معاذ بن أنس،
عن أبيه، وقال في آخره: ((لم يبلغ العُشر من عمله).
(وَقَالَ) وفي بعض النسخ: ((قال)) بحذف الواو، (فِي الثَّالِئَةِ)؛ أي: في
المرّة الثالثة من مرّات السؤال ((مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ
الْقَائِمِ الْقَانِتِ)؛ أي: المطيع، (بِآيَاتِ اللهِ)؛ أي: بتلاوة القرآن الكريم.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩٦/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٤/١٣.

٣٨٩
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦١)
وقال ابن الأثير تَُّ في ((النهاية)): القنوت في الحديث يَرِدُ بمعانٍ
متعدّدة؛ كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والصوم، والدعاء، والعبادة، والقيام،
وطول القيام، والسكوت.
قال الطيبيّ تَخُّْهُ: يَحْتَمِل أن يراد بالقانت هنا القائم، فيكون تعلّق الباء به
كتعلّقه في قولك: قام بالأمر: إذا جدّ فيه، وتجلّد له، فالمعنى: القائم بما
يجب عليه من استفراغ الجهد في معرفة كتاب الله، والامتثال بما أمر الله،
والانتهاء عما نهى الله، وأن يُراد بطول القيام، فيكون تابعاً للقائم؛ أي:
المصلّي الذي يطوّل قيامه في الصلاة، وتكثُر قراءته فيها، ويؤيّد الوجه الثاني
قوله: ((لا يفتر من صيام، ولا صلاة)). انتهى(١).
(لَا يَفْتُرُ) بضمّ التاء، يقال: فَتَرَ عن العمل فُتُوراً، من قَعَدَ: انكسرت
حِدّته، وَلَانَ بعد شِدّته(٢). (مِنْ صِيَام) متعلّق بـ((يفتُر))، (وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ
الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى)))؛ أي: ◌َسَلِم من القتل، أو يُستشهد.
وفي رواية البخاريّ: ((مَثَل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد
في سبيله - كمَثَل الصائم، القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن
يدخله الجنة، أو يرجعه سالِماً مع أجر، أو غنيمة)).
وفي رواية النسائي: ((مَثَل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد
في سبيله - كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد))، وفي ((الموطأ))، وابن
حبان: ((كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى
يرجع))، ولأحمد، والبزار، من حديث النعمان بن بشير، مرفوعاً: ((مثل
المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم نهاره، القائم ليله)).
[فإن قلت]: فبم شُبّه حال المجاهد في سبيل الله بحال الصائم؟.
[أجيب]: بأن ذلك في نيل الثواب في كل حركة وسكون، في كلّ حين
وأوان؛ لأن المراد من الصائم القائم: من لا يفتر ساعةً من ساعاته آناء الليل
وأطراف النهار من صومه وصلاته، شُبّه حال المجاهد الذي لا تخلو ساعةٌ من
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٣/٨ - ٢٦٢٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦١.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ساعاته من أجر وثواب، سواء كان قائماً، أو نائماً، يقاتل العدوّ، أم لا، كما
قال في الحديث: ((إن المجاهد لتستنّ فرسه، فيكتب له حسنات))، بالصائم
القائم الذي لا يفتر عما هو فيه، فهو من التشبيه الذي المشبّه به مفروض، غير
محقّق؛ وهذا ما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ خَلَمَأْ وَلَا
نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يََقُونَ مَوِْئًا يَفِيَظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ
مِنْ عَدٍُ ثَّيْلًا إِلَّا كُلِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
١٢٠
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. انتهى كلام الطيبيّ نَّثُهُ
بتصرّف(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٦١/٢٩ و٤٨٦٢] (١٨٧٨)، و(البخاريّ) في
(الجهاد)) (٢٧٨٧)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٦٤/٤)، و(النسائيّ) في
((الجهاد) (١٨/٦) و((الكبرى)) (١٢/٣ - ١٣)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢/
٤٤٣)، و(ابن المبارك) في ((الجهاد)) (٣٣/١ و٣٤ و٤٢ و٤٧)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٢٥٤/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٢/٤)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٤٥٩/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٣٣/٨)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٢٢٢/١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٦٢١ و٤٦٢٢ و٤٦٢٦)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٥٦/٤ و٤٥٧ و٤٦٤ و٤٥٦)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٥٨/٩) و((شعب الإيمان)) (٦/٤ و١٠)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٢٦١٣)، و(ابن أبي عاصم) في ((الجهاد)) (١٨٢/١ و١٨٣ و١٨٤)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٢٣/٨ - ٢٦٢٤.

٣٩١
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦١)
١ - (منها): بيان فضل الجهاد في سبيل الله ◌ُعَلَ، قال النوويّ كَّتُهُ: في
هذا الحديث عظيم فضل الجهاد؛ لأن الصلاة، والصيام، والقيام بآيات الله
أفضل الأعمال، وقد جُعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من
اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال ◌َله: ((لا تستطيعونه)).
وقال القاضي عياض نَّثُ: اشتَمَل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد؛
لأن الصيام وغيره مما ذُكر من أفاضل الأعمال قد عدلها كلّها الجهادُ حتى
صارت جميع حالات المجاهد، وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على
الصلاة وغيرها، ولهذا قال ◌َله: ((لا تستطيعون ذلك)). انتهى(١).
وقال أبو عمر بن عبد البرّ كَُّهُ: هذا الحديث من أجلّ حديثٍ رُوي في
فضل الجهاد؛ لأنه مثَّله بالصلاة، والصيام، وهما أفضل الأعمال، وجَعَل
المجاهد بمنزلة من لا يفتر عن ذلك ساعةً، فأيّ شيء أفضل من شيء، يكون
صاحبه راكباً، وماشياً، وراقداً، ومتلذّذاً بكثير ما أبيح له، من حديث رفيقه،
وأكله، وشربه، وهو في ذلك كله كالمصلي التالي للقرآن في صلاته الصائم
المجتهد؟ ولذلك قلنا إن الفضائل لا تُدرك بقياس، وإنما هو تفضّل من الله رَك،
قال الله وَّ: ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى تِجَزَقْ تُجِكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِ ﴿٣ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
وَرَسُولِهِ وَتَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ نَعْلَمُونَ (19) إلى قوله
تعالى: ﴿وَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): أن فيه استعمالَ القياس، والتشبيه، والتمثيل في الأحكام؛
لأنه شَبَّه المجاهد بالصائم القائم.
٣ - (ومنها): أن الفضائل لا تُدرك بالقياس، وإنما هي إحسان من الله
تعالى لمن شاء.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقاً؛ لِمَا
تقدم تقريره، وقال ابن دقيق العيد وَخَّتُهُ: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل
الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين، ونشره،
وإخماد الكفر، ودَحْضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك، والله أعلم.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٩٧/٦.
(٢) ((الاستذكار)) ٤/٥.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٥ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في
سبيل الله تقتضي أن لا يعدل الجهادَ شيء من الأعمال، وأما ما جاء في
حديث ابن عباس ﴿ها مرفوعاً: ((ما العمل في أيام أفضل منه في هذه)) - يعني:
أيام العشر - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد))، فَيَحْتَمِل أن
يكون عموم حديث الباب خُصّ بما دلّ عليه حديث ابن عباس، ويَحْتَمِل أن
يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصاً بمن خرج قاصداً المخاطرة
بنفسه وماله، فأصيب، كما في بقية حديث ابن عباس : ((خَرَج يخاطر
بنفسه، وماله، فلم يرجع بشيء))، فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة
المذكورة.
قال: وأشدّ مما تقدم في الإشكال ما أخرجه الترمذيّ وابن ماجه
وأحمد، وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء، مرفوعاً: ((ألا أنبئكم بخير
أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق
الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا
أعناقكم؟)) قالوا: بلى، قال: ((ذِكْر الله))، فإنه ظاهر في أن الذُّكر بمجرّده أفضل
من أبلغٍ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق مع ما في الجهاد، والنفقة من
النفع المتعدي. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا استشكل في ((الفتح))، ولم يذكر جوابه،
ويجاب بأن هذا أيضاً مخصوص من عموم حديث الباب، فيكون الذكر أفضل،
وذلك فضل من الله رَك، ﴿وَآللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٦٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، كُلَّهُمْ عَنْ سُهَيْلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله.

٣٩٣
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦٢)
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ)؛ يعني: أن الثلاثة، وهم: أبو عوانة، وجرير بن
عبد الحميد، وأبو معاوية رووا هذا الحديث عن سُهيل بن أبي صالح بسنده
الماضي.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن سهيل، ساقها الترمذيّ تَّهُ في ((جامعه))،
فقال :
(١٦١٩) - حدّثنا قُتيبة بن سعيد، حدّثنا أبو عوانة، عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله ما يَعْدِل الجهاد؟
قال: ((إنكم لا تستطيعونه))، فردّوا عليه مرّتين، أو ثلاثاً، كلّ ذلك يقول: ((لا
تستطيعونه))، فقال في الثالثة: ((مثلُ المجاهد في سبيل الله مثل القائم الصائم
الذي لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله)).
(١)
انتھی
٠
ورواية جرير بن عبد الحميد، عن سُهيل، ساقها البيهقيّ كَُّهُ في
((الكبرى))، فقال:
(١٨٢٧٠) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ حاجب بن أحمد بن سفيان
الطوسيّ، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا جرير بن عبد الحميد (ح) وأخبرنا أبو
عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق إملاءً، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا
إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ظُه قال:
قالوا: يا رسول الله أخبرنا ما يَعْدِل الجهادَ في سبيل الله؟ قال: ((إنكم لا
تستطيعون))، قلنا: بلى، قال: ((إنكم لا تستطيعونه))، قال: فلا أدري في
الثالثة، أم في الرابعة: ((مَثَل المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القائم
القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد إلى
أهله)). انتهى(٢).
ورواية أبي معاوية، عن سُهيل، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة تَُّ في
((مصنّفه))، فقال:
(١٩٣١٤) - حدّثنا أبو معاوية، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
(١) ((جامع الترمذيّ)) ١٦٤/٤.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٥٨/٩.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله أخبرنا بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله،
قال رسول الله قال: ((لا تطيقونه))، قالوا: يا رسول الله أخبرنا، فلعلنا أن
نطيقه، قال: ((مثل المجاهد في سبيل الله؛ كمثل الصائم القائم القانت
بآيات الله، لا يفتر من صيام، ولا صدقة(١)، حتى يرجع المجاهد إلى أهله)).
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٨٦٣] (١٨٧٩) - (حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ،
حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلََّمِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّام، قَالَ: حَدَّثَنِي
النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالًَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ رُّجُلٌ: مَا أُبَالِي
أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ
لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ(٣):
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ
عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِّهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ(٤)
دَخَلْتُ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَّ: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجّ وَعِمَارَةَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ الآيَةَ إِلَى آخِرِهَا [التوبة: ١٩]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) الهُذليّ، أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ
حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م « ت ق) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع الْحَلبيّ، نزيل طَرَسوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ
[١٠] (ت٢٤١) (خ م د س ق) تقدّم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام) بن أبي سلّام - بتشديد اللام - الدمشقيّ، وكان
(١) هكذا النسخة: ((ولا صدقة))، ولعله: ((ولا صلاة))، كسائر الروايات، فليُحرّر، والله
تعالى أعلم.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٠٢/٤.
(٣) وفي نسخة: ((وقال الآخر)).
(٤) وفي نسخة: ((إذا صُلِّيَتِ الجمعة)) ببناء الفعل للمفعول.

٣٩٥
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦٣)
يسكن حَمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩.
٤ - (زَيْدُ بْنُ سَلَّام) بن أبي سلّام الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدّم في
((الطهارة)) ٥٤٠/١.
٥ - (أَبُو سَلَام) ممطور الأسود الْحَبَشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يُرسل [٣] (بخ م
٤) تقدّم في ((الطهارةً)) ١/ ٥٤٠.
٦ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الْخَزرجيّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ المدنيّ، ثم الشاميّ، ثم الكوفيّ، وَلي إمرة الكوفة، ثم قُتل
بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنةً (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٥٢٢/٩٧.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَّثُهُ، وهو مسلسل بالشاميين، غير شيخه،
فمكيّ، وأبي توبة، فحلبيّ، وهو مسلسل بالتحديث، والسماع، غير محل
واحد، والإسناد التالي كلّه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، وفيه رواية
الراوي، عن أخيه، عن أبيهما، فإن زيداً أخو معاوية، وكلاهما ولدا أبي
سلّام، والصحابيّ ابن صحابيّ، من مشاهير الصحابة
.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّام) بتشديد اللام، (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَام) ممطوراً الحبشيّ
(قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُّ بَشِيرٍ) ﴿َا (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَّسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ
رَجُلٌ) هو العبّاس بن عبد المطّلب(١)، كما قاله الخطيب(٢). (مَا أُبَالِي)؛ أي:
لا أهتمّ، ولا أكترث (أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلام)؛ أي: بعد إسلامي،
وإيماني بالله تعالى (إِلَّا أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ) بضمّ حرفَ المضارعة، وفَتْحها،
يقال: سقاه، وأسقاه، ثلاثيّاً، ورباعيّاً، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ
شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ومن الثاني قوله: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ الآية [الجن:
١٦]؛ أي: إلا عمل سقاية الحاجّ، فإني أهتمّ إن لم أعمله. (وَقَالَ آخَرُ) هو
عثمان بن طلحة، أو شيبة بن عثمان، وهما صحابيّان، من بني عبد الدار،
(١) راجع: ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) لسبط ابن العجميّ ص٣٢٧.
(٢) ((الأسماء المبهمة)) رقم (٢١٩).

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وكانا يليان حجابة البيت، وقد ذُكر أنهما تكلّما جميعاً في ذلك، قاله الخطيب
أيضاً (١). (مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ) وفي بعض النسخ: ((وقال الآخَر))، وهو عليّ بن أبي
طالب ظُه، قاله الخطيب أيضاً(٢). (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ،
فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ) بن الخطّابِ رَُّه؛ أي: نهاهم، وزجرهم (وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا
أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ﴿) قال الأَبيّ: رفعُ الصوت هو ما زاد على قدر
إسماع المخاطب(٣)، وقوله: (وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) يَخْتمل أن يكون من كلام
عمر ربه قاله تأكيداً لنهيهم عن رفع أصواتهم، وفيه كراهة رفع الصوت في
المسجد، ولا سيّما في المسجد النبويّ، وعند منبره، وفي يوم الجمعة، ويَحْتَمل أن
یکون من كلام الراوي، أراد به تعيين اليوم الذي حصل فيه هذا الاختلاف.
ورجّح الأبيّ تَّثُ الاحتمال الثاني، فقال: الأظهر أنه من كلام الراوي،
ليس علة مستنبطة من عمر به؛ لإنكاره، ولا فرق بين الجمعة وغيرها في
ذلك. انتهى (٤).
(وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ) ببناء الفعل للفاعل، وبتاء المتكلّم، ونصب
((الجمعة)) على المفعوليّة، وفي بعض النسخ: ((إذا صُلّيت الجمعة)) ببناء الفعل
للمفعول، ورفع ((الجمعة)) على أنه نائب الفاعل، وفي رواية ابن جرير في
(تفسيره): ((ولكن إذا صلّى الجمعة، دخلنا عليه)). (دَخَلْتُ) على النبيّ وَّ
(فَاسْتَفْتَيْتُهُ)؛ أي: سألته (فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ) قال الأبيّ ◌َخُّْ: إنما قال ذلك
عمر رضيبه ليتبيّن الراجح من الأقوال، وإنما الذي يُضعّف أن يكون اختلافهم
اختلاف علماء مجتهدين ما يأتي أن الآية نزلت قبل اختلافهم، لا في
اختلافهم؛ إذ لا يجوز الاجتهاد مع وجود النصّ. انتهى (٥).
(فَأَنْزَلَ اللهُ رَى) قال الأبيّ تَخْلَتُهُ: ما يقتضيه قول النعمان بنظراته من أن
(١) ((الأسماء المبهمة)) رقم (٢١٩).
(٣) ((شرح الأبيّ)) ٢٧٤/٥.
(٥) ((شرح الأبيّ)) ٢٧٤/٥.
(٢) ((الأسماء المبهمة)) رقم (٢١٩).
(٤) ((شرح الأبيّ)) ٢٧٤/٥.

٣٩٧
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦٣)
الآية نزلت عند اختلافهم مشكل؛ لأنها إنما نزلت قبل ذلك مبطلةً لمن افتخر
من المشركين بسقاية الحاجّ، وعمارة المسجد الحرام، قال السدّيّ: افتخر
العبّاس بسقاية الحاجّ، وافتخر شيبة بعمارة المسجد الحرام، وافتخر عليّ
بالإيمان والجهاد، فنزلت الآية مصدّقةً لعليّ، ومكذّبةً لهما، ويدلّ على أنها
إنما نزلت في المشركين خَتْمها بقوله ◌َالَ: ﴿وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[البقرة: ٢٥٨]؛ إذ لا يليق أن يقال الثلاثة الذين في الحديث في الذي اختلفوا
فيه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]، وأيضاً فإن الثلاثة
المذكورين في الحديث لم يختلفوا في أن السقاية، والعمارة أفضل من
الإيمان، والجهاد، وإنما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإيمان؟، وإذا
أشكل أن الآية نزلت عند اختلافهم، فيُحلّ الإشكال بأن يكون بعض الرواة
تسامح في قوله: فأنزل الله الآية، وإنما الواقع أنه وَّ قرأها على عمر رُه
حين سأله مستدلاً بها على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك، فظنّ الراوي أنها
نزلت حينئذ.
[فإن قيل]: ما وجه تفضيل الجهاد من الآية، والردّ بها على الرجلين،
فإنها إنما نزلت على نفي المساواة، ونفي المساواة بين أمرين لا يدلّ على
تعيين الأرجح منهما، ولذا نجده ينصّ على تعيين الأرجح من الأمرين بعد نفي
المساواة بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ آلْجَنَّةِ
[الحشر: ٢٠]، وهنا لم ينصّ؟
٢٠
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآپِزُونَ
[قلت]: قد نصّ هنا على تعيينه بقوله بعده: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ
[التوبة: ٢٠]؛
فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُ الْفَآْرُونَ
لأنه من تمام ما نزل، أو يقال: إن الآية وحدها كافية في بيان أن الجهاد
أفضل دون نظر إلى ما بعدها؛ لأنها خرجت مخرج إنكار أن يكون كلّ واحد
من الأمرين أفضل من الجهاد، وقد نُفيت المساواة بين أحدهما والجهاد،
فيتعيّن أن يكون الجهاد أفضل، ولا يمكن أن يُدّعى أن السقاية، أو العمارة
أفضل؛ لأنه المنكر(١).
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢٢٤/٥ - ٢٢٥.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾)،
قال النسفيّ تَظْتُهُ في ((تفسيره)): السقاية والعمارة مصدران، مِنْ سَقَى، وعَمَر؛
كالصيانة والوقاية، ولا بد من مضاف محذوف تقديره: أجعلتم أهل سقاية
الحاج، وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله؟ وقيل: المصدر بمعنى
الفاعل، يصدّقه قراءة ابن الزبير: (سُقاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام)،
والمعنى: إنكار أن يُشَبّه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم المحبطة بأعمالهم
المثبتة، وأن يُسَوَّى بينهم، وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر؛ لأنهم
وضعوا المدح والفخر في غير موضعهما(١).
وقوله: (الآيَةَ إِلَى آخِرِهَا) بنصب ((الآية)) بفعل مقدّر؛ أي: اقرأ الآية إلى
آخرها .
وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَكْتُ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ
اَلْحَاجْ﴾ التقدير في العربية: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج، أو أهل سقاية
الحاج مثلَ من آمن بالله، وجاهد في سبيله؟ ويصح أن يقدّر الحذف في ﴿مَنْ
ءَامَنَ﴾؛ أي: أجعلتم عَمَلَ سقي الحاجّ كعمل من آمن؟ وقيل: التقدير: كإيمان
من آمن.
والسقاية مصدر كالسعاية، والحماية، فجُعل الاسم بموضع المصدر؛ إذ
عُلِم معناه، مثل: إنما السخاء حاتم، وإنما الشعر زهير.
وعمارة المسجد الحرام مثل ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقرأ أبو وجزة: ((أجعلتم سُقاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام)) سُقاة جمع
ساق، والأصل: سُقَيَةٌ على فُعَلة، كذا يُجمع المعتل من هذا، نحو قاض
وقُضاة وناس ونُساة، فإن لم يكن معتلّاً جُمع على فَعَلة نحو ناسئ ونَسَأة،
للذين كانوا يَنسئون الشهور، وكذا قرأ ابن الزبير، وسعيد بن جبير: ((سُقاة
وعَمَرة))، إلا أن ابن جبير نصب ((المسجدَ)) على إرادة التنوين في ((عَمَرة))، وقال
الضحاك: سُقاية بضم السين، وهي لغة، والحاج اسم جنس الحجاج، وعمارة
المسجد الحرام: معاهدته، والقيام بمصالحه.
(١) ((تفسير النسفيّ)) ٤٣٨/١.

٣٩٩
(٢٩) - بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى - حديث رقم (٤٨٦٣)
وظاهر هذه الآية أنها مُبطلة قول من افتخر من المشركين بسقاية الحاجّ،
وعمارة المسجد الحرام، كما ذكره السديّ، قال: افتخر عباس بالسقاية، وشيبة
بالعمارة، وعليّ بالإسلام والجهاد، فصدّق الله عليّاً، وكذّبهما، وأخبر أن
العمارة لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان، والعبادة، وأداء الطاعة، وهذا
بیِّن لا غبار عليه.
ويقال: إن المشركين سألوا اليهود وقالوا: نحن سُقاة الحاج وعُمّار
المسجد الحرام، أفنحن أفضل أَمْ محمد رَ له وأصحابه ﴿ه؟ فقالت لهم اليهود
عناداً لرسول الله وَله: أنتم أفضل.
وقد اعتُرِض هنا إشكال، وهو ما جاء في ((صحيح مسلم)) عن النعمان بن
بشير ﴿ها قال: كنت عند منبر رسول الله وَ﴾، وساق حديث الباب، ثم قال:
وهذا المساق يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من
هذه الأعمال، وحينئذ لا يليق أن يقال لهم في آخر الآية: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوَّمَ
اُلَّلِينَ﴾، فتعيّن الإشكال.
وإزالته بأن يقال: إن بعض الرواة تسامَحَ في قوله، فأنزل الله الآية.
وإنما قرأ النبيّ وَّ الآية على عمر حين سأله، فظنّ الراوي أنها نزلت
حينئذ .
واستدَلّ بها النبيّ ◌َ﴿ على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين
سمعهم عمر، فاستفتى لهم، فتلا عليه ما قد كان أنزل عليه، لا أنها نزلت في
هؤلاء، والله أعلم.
فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في
الكافرين، ومعلوم أن أحكامهم مختلفة.
قيل له: لا يُستبعد أن يُنتزَع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق
بالمسلمين .
وقد قال عمر نظره: إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق(١) وشواء، وتوضع
صحفة، وترفع أخرى، ولكنا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَذهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ
(١) هي الحملان المشويّة، ويروى بالصاد.
-

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]، وهذه الآية نصّ في الكفار، ومع ذلك
فَهِم منها عمر الزجرَ عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة، ولم يُنكر عليه أحد
من الصحابة، فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع، وهذا نفيس، وبه يزول
الإشكال، ويرتفع الإبهام، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخَذُهُ(١)، وهو بحث
نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير رة
المصنّف تَخْلَتُهُ، لم يُخرجه من أصحاب الكتب الستّة غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٦٣/٢٩ و٤٨٦٤] (١٨٧٩)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٦٩/٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٥٩١)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٤٦٥/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٣٤/١) و((مسند الشاميين))
(١٠٨/٤)، و(البزّار) في («مسنده)) (٢٠٠/٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١/
٤٠٠)، و(الطبريّ) في («تفسيره)) (١٦٥٥٧)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٢/
٢٧٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٨/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الشهادة في سبيل الله رَحَد.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وفيه ما سبق.
٣ - (ومنها): بيان أن الجهاد في سبيل الله تعالى أجلّ الأعمال.
٤ - (ومنها): كراهة رفع الصوت في المساجد، لا سيّما المسجد
النبويّ، وخصوصاً عند منبره، ويوم الجمعة.
٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي رفع الصوت بعلم، أو بغيره عند اجتماع الناس
للصلاة؛ لِمَا فيه من التشويش عليهم، وعلى المصلّين، والذاكرين، والله تعالى
أعلم.
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ٩١/٨ - ٩٢.