Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٠٧) [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد : أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وفيه قوله: ((يعني: ابن مرّة))، والعناية هي من الراوي عن شعبة، أو ممن دونه، وإنما لم يقل: عن عمر بن مرّة؛ لأن شعبة لم ينسبه إلى أبيه، بل أهمله، فأراد أن يُبيّن نسبه، فزاد ((يعني)) تمييزاً بين ما نقله عن شيخه، وبين ما زاده هو، وإلى هذا أشار السيوطيّ ◌َّثُ في ((ألفيّة الحدیث» بقوله : فَوْقَ شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفٍ مَنْ أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ بِنَحْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بِـ((إِنَّ) أَوْ بِـ(هُوْ)) وَالْفَضْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ وقد تقدّم هذا البحث غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي: ابْنَ مُرَّةَ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) تقدّم أن اسم أبيه علقمة بن خالد بن الحارث، وهو صحابيّ أيضاً، وهو الذي قال و لو لمّا أتى بصدقته: ((اللهم صل على آل أبي أوفى))، متّفقٌ عليه. (قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ)؛ أي: الصحابة الذين بايعوا رسول الله وسلّم تحت الشجرة، (ألْفاً وَثَلَاثَمِائَةٍ) تقدّم في الرواية السابقة أنهم ألف وخمسمائة، وفي رواية: ألف وأربعمائة، ويمكن الجمع بأنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وكسراً، فمن قال: أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال: خمسمائة اعتبره، ومن قال: ثلاثمائة ترك الزائد لعدم تيقّنه فيه. (وَكَانَتْ أَسْلَمُ)؛ أي: بنو أسلم، وإنما خصّهم بالذِّكر؛ لكونهم قبيلته، فكأنه يفتخر بأن قومه الذين شهدوا بيعة الرضوان كثيرون، (ثُمُنَ الْمُهَاجِرِينَ) بضمّ المثلّثة، والميم، ويجوز تسكينها، قال الحافظ: ولم أعرف عدد من كان بها من المهاجرين خاصّةً؛ ليُعرف عدد الأسلميين، إلا أن الواقديّ جزم أنه كان مع النبيّ ◌َ﴿ في غزوة الحديبية مِنْ أسلم مائة رجل، ٢٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة فعلى هذا كان المهاجرون ثمائمائة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى ظها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٠٧/١٨ و٤٨٠٨] (١٨٥٧)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) تعليقاً (٤١٥٥)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٨٢٠)، و(أحمد) في ((فضائل الصحابة)) (٨٨٦/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٨٠٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٩/٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((الآحاد والمثاني)) (٤/ ٣٣١)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٩٨/٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣/ ٦٦٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٥/٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة هذه ساقها أبو داود نفسه في ((مسنده))، فقال: (٨٢٠) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرّة، سمع ابن أبي أوفى، صاحب رسول الله وصل9، وكان قد شَهِد بيعة الرضوان، (١) ((الفتح)) ٩/ ٢٦٣. ٢٤٣ (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨٠٩) قال: كنا يومئذ ألفاً وثلاثمائة، وكانت أسلم يومئذٍ ثُمن المهاجرين. انتهى(١). وأما رواية النضر بن شُميل، عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨٠٩] (١٨٥٨) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَعْرَجِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ، وَالَنَّبِيُّ ◌َهِ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصْناً مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: لَمْ نُبَابِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٣ - (خَالِدُ) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنازل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠. ٤ - (الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَعْرَجِ) البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٣] (م د ق) تقدم في ((الإيمان) ١٠٠/ ٥٣١. ٥ - (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارِ) المزنيّ، أبو عليّ الصحابيّ، مات رَؤُه بعد الستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٠/٦٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل البصرة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ مَعْقِلٍ) بفتح الميم، وكسر القاف، (ابْنِ يَسَارٍ) المزنيّ الصحابيّ (١) ((مسند الطيالسيّ)) ١١٠/١. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الشهير، أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان، وهو الذي حفر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر ﴿يا، فنُسب إليه، وهو ممن بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، وبنى بها داراً، ومات بها في خلافة معاوية رضيؤها، أنه (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي)؛ أي: رأيت نفسي (يَوْمَ الشَّجَرَةِ)؛ أي: يوم مبايعة النبيّ ◌َّ لأصحابه تحت الشجرة، وقوله: (وَالنَّبِيُّ وَّهِ يُبَايِعُ النَّاسَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَأَنَا رَافِعٌ غُصْناً مِنْ أَغْصَانِهَا) ((الْغُصْنُ)) بضمّ الغين المعجمة، وسكون الصاد المهملة، آخره نون: ما تشعّب من ساق الشجرة، دِقاقُها، وغِلاظُها، والصغيرة بِهاء، وجمعه غُصُونٌ، وِصَنَة - كعِنَبَة - وأغصان، أفاده المجد ◌َّفُ(١). (عَنْ رَأْسِهِ)؛ أي: رأس النبيّ وَّهِ؛ لئلا يؤذيه، (وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً)؛ أي: ألفاً وأربعمائة، والجملة حال أيضاً، فتكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة. (قَالَ) معقل ◌َ﴾ ، (لَمْ نُبَايِعْهُ) وَ (عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ)؛ أي: لا نهرب من العدوّ، وقد تقدّم اختلاف الصحابة في المبايعة على الموت، وقدّمنا أن ذلك اختلاف في اللفظ فقط، فالذين قالوا: لم نبايع على الموت أرادوا هذا اللفظ، وإلا فمعنى أن لا نفرّ هو معنى المبايعة على الموت، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معقل بن يسار تظله هذا من أفراد المصنّف نظّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨٠٩/١٨ و٤٨١٠] (١٨٥٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٥٥١ و٤٨٧٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٣٠/٢٠ و٥٣١ و٥٣٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٣٠/٤)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢/ ٣٢٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٦/٨)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((القاموس المحيط)) ص٦٥٠. (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١٠ -٤٨١١) ٢٤٥ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١٠] ( ... ) - (وَحَدَّثْنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (يُونُسُ) بن عبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورِعٌ [٥] (١٣٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣. والباقيان ذُكرا في الباب، وخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ هو: الطحّان. [تنبيه]: رواية خالد بن عبد الله الطحّان، عن يونس بن عبيد لم أجد من ساقها، إلا أن ابن حبّان أخرجه في ((صحيحه))، من رواية خالد الطحّان، عن خالد الحذّاء، فقال: (٤٥٥١) - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا مسدّد، قال: حدّثنا خالد بن عبد الله الطحّان، عن خالد الحذّاء، عن الحكم بن الأعرج، عن مَعْقِل بن يسار، قال: بايعنا رسول الله وَ ل﴿ يوم الحديبية، وأنا أرفع غصن الشجرة عن وجهه، فبايعناه على أن لا نَفِرّ، لم نبايعه على الموت، قلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفٌ وأربع مائة. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١١] (١٨٥٩) - (وَحَدَّثَنَاهُ حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ أَبِي مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ(٢) ◌ِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فِي قَابِلِ حَاجِّينَ، فَخَفِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكر الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. (١) (صحيح ابن حبان)) ٤١٥/١٠. (٢) وفي نسخة: ((النبيّ وَ ﴿)). ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٢ - (أَبُو عَوَانَةً) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (طَارِقُ) بن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٥]. رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وسعيد بن المسيِّب، وزيد بن وهب، وسعيد بن جبير، وعاصم بن عمرو البجلي، وعامر الشعبيّ، وغيرهم. وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهما من أقرانه، وإسرائيل، والثوريّ، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وابن المبارك، ووكيع، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بذلك، هو دون مخارق، وقال عليّ ابن المدينيّ عن يحيى بن سعيد: طارق بن عبد الرحمن ليس عندي بأقوى من أبي حرملة، وطارق، وإبراهيم بن مهاجر يجريان مجرى واحد، وقال ابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، يُكتب حديثه، يُشبه حديثه حديث مخارق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((كتاب الثقات)). وقال النسائيّ في ((الضعفاء)): طارق بن عبد الرحمن ليس بالقويّ، قال الحافظ(١): فلا أدري عَنَى هذا أو الذي قبله، وذكره ابن الْبَرْقيّ في ((بابُ مَن احْتُمِل حديثه))، فقال فيه: وأهل الحديث يخالفون يحيى بن سعيد فيه، ويوثِّقونه، وحَكَى الساجيّ عن أحمد: في حديثه بعض الضعف، وقال الدار قطنيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمَير. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده . ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١. ٥ - (أَبُوهُ) المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو سعيد (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٥/٥. ٢٤٧ (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١١) الصحابيّ ابن الصحابيّ، عاش إلى خلافة عمر فـ ((الإيمان)) ١٤٠/٩. ، (خ م د س) تقدم في [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَّتُهُ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه ليس له راو إلا ابنه، وأنه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا ثلاثة أحاديث فقط، حديث في وفاة أبي طالب عند الشيخين، والنسائيّ، وحديث الباب عند الشيخين فقط، وحديث عند البخاريّ فقط أن أباه جاء إلى النبيّ ◌َّ، فقال له: ((ما اسمك ... )) الحديث(١). شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن كسر الياء المشدّدة هو الأصحّ من فتحها، أنه (قَالَ: كَانَ أَبِي) المسيِّب بن حَزْنِ (مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ) وفي بعض النسخ: ((النبيّ)) (وَ﴾ُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ) ((أل)) فيه للعهد الذهنيّ؛ أي: الشجرة المعروفة التي بايع تحتها النبيّ وَلّ أصحابه، كما قال رَت: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]. (قَالَ) المسيِّب (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من المدينة إلى مكة (فِي قَابِلٍ)؛ أي: في السنة التي بعدها (حَاجِّينَ) بصيغة الجمع؛ أي: معتمرِين، أطلق على العمرة الحج؛ لأنه يجوز إطلاقه عليه، كما يقال: العمرة الحجّ الأصغر، (فَخَفِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا) وفي رواية سفيان: ((أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ عَامَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَنَسُوهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ))، وفي رواية شعبة: ((لقد رأيت الشجرة، ثم أتيتها بعدُ، فلم أعرفها))، وفي رواية للبخاريّ: ((فرجعنا إليها العام المقبل فعَمِيت علينا))، وللبخاريّ من حديث ابن عمر ظًّا قال: ((رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله))، وذكر في ((الفتح)) أن الحكمة في ذلك هو أن لا يحصل بها افتتان لِمَا وقع تحتها من الخير، فلو بَقِيت لَمَا أُمِن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوّةَ نفع أو ضرّ، كما (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٣٨٦/٨ - ٣٨٨. ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر ظمها بقوله: ((كانت رحمةً من الله))؛ أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمةً من الله تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: ((رحمةً من الله))؛ أي: كانت الشجرة موضع رحمة الله، ومحلّ رضوانه؛ لنزول الرضا عن المؤمنين عندها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعدُ هذا الاحتمال الثاني، فالأول هو الذي يقتضيه سياق الحديث، فتأمله بالإمعان. وقد أجاد النوويّ كَّثُ حيث قال: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها لِمَا جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان، والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرةً معلومةً لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها، وعبادتهم إياها، وكان خفاؤها رحمةً من الله تعالى. انتهى(٢). (فَإِنْ كَانَتْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ) هذا الكلام من ابن الْمُسّيِّب إنكار على من يدّعي معرفتها من التابعين الذين لم يشاهدوا البيعة تحتها؛ لأنها خفيت على الصحابة الذين بايعوا تحتها، فكيف يعرفها من لم يشاهدها؟. وفي رواية للبخاريّ: ((ذُكرت عند سعيد بن المسيِّب الشجرةُ، فضَحِك، فقال: أخبرني أبي، وكان شهدها)). قال في ((الفتح)) عند شرح هذا الموضع ما نصّه: لكن إنكار سعيد بن المسيِّب على مَن زعم أنه عرفها معتمداً على قول أبيه: إنهم لم يعرفوها في العام المقبل، لا يدلّ على رفع معرفتها أصلاً، فقد ثبت قول جابر الذي سبق في الباب: ((لو كنت أُبصر اليومَ لأريتكم مكان الشجرة))، فهذا يدلّ على أنه كان يضبط مكانها بعينه، وإذا كان في آخر عمره بعد الزمان الطويل يضبط موضعها، ففيه دلالة على أنه كان يعرفها بعينها؛ لأن الظاهر أنها حين مقالته تلك كانت هلكت، إما بجفاف، أو بغيره، واستمرّ هو يعرف موضعها بعينه، وعند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع، أن عمر نظراته بلغه أن قوماً يأتون الشجرة، فيصلّون عندها، فتوعّدهم، ثم أمر بقطعها، فقُطعت. انتهى. (١) ((الفتح)) ٢١٨/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٥٨). (٢) ((شرح النوويّ)) ٥/١٣. ٢٤٩ (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١١) قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن قول جابر ◌َ ه هذا لا يدلّ إلا على أنه يظنّ معرفتها، لا أنه مستيقن لذلك، بدليل قول ابن عمر: ((فما اجتمع منا اثنان على الشجرة))، وقول والد سعيد: ((فَنَسُوها من العام المقبل))، وقول سعيد: ((إن أصحاب محمد زَّ لم يعلموها))، فتأمّل. وأما أمْر عمر رَّه بقطعها، فلا يدلّ على معرفتهم لها، بل على ظنّهم، فإنه لَمّا رآهم يعظّمون الشجرة، خاف المفسدة في ذلك، فقطعها، سواء كانت هي، أو غيرها؛ لأن مبنى الافتتان يكفيه الظنّ، فتأمله. والحاصل أن تلك الشجرة الأصليّة لم تُعرف، بل أخفاها الله تعالى رحمة بالأمة، كما قال ابن عمر ﴿ه، وأما العبادة تحت الشجرة فلا يدلّ على معرفتها، بل على ظنهم لها، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: مما رأيت التنبيه عليه ما كتبه صاحب ((تكملة فتح الملهم)) فيه (٣٦٣/٣ - ٣٦٧) حيث تكلّم عن مسألة التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين، ثم تطرّق لزيارة هذه المشاهد التي امتلأت الدنيا بها، وافتتن بها العوامّ، بل وبعض من يزعم أنه من الخواصّ، وأورد أحاديث وآثاراً، وليس في شيء منها التبرّك بآثار الصالحين، بل كلّها آثار للنبيّ وَّ، ولا خلاف في التبرّك بآثاره بَِّ، وإنما الكلام في غيره، ولا تراه أورد شيئاً من تبرّك الصحابة بالصدّيق، ولا بأحد من الخلفاء الراشدين، ولا تبرّك التابعين بآثار الصحابة ؛ لأنه لم يوجد ذلك في التاريخ، فهلّا يُثبت لنا شيئاً من ذلك، هيهات هيهات. وبالجملة إن هذا الذي كتبه، وبحث فيه في كتابه المذكور فيه فتحُّ لباب الشرّ، ونشرٌ لوسائل الشرك، وحتٌّ على الانحراف عن الصراط المستقيم، فلا تغترّ به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعيد بن الْمُسَيِّب، عن أبيه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨١١/١٨ و٤٨١٢ و٤٨١٣] (١٨٥٩)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤١٦٢ و٤١٦٣ و٤١٦٤ و٤١٦٥)، و(أحمد) في ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (مسنده)) (٤٣٣/٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٤٨/٢٠)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٨٦/٢٦)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٩٩/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٨٨/٥٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: وَقَرَأْتُهُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيََّنُ، عَنْ طَارِقٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِنَّهِ عَامَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَسُوهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَر بن درهم الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٤/٥٠. ٣ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ) بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة الفقيه، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَقَرَأَتْهُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ) قائل ((قرأته)) هو المصنّف تَخْتُهُ، ووقع في بعض النسخ: ((قال مسلم: وقرأته على نصر بن عليّ))، وغالب عادته في مثل هذا أن يكتب (ح) إشارة إلى التحويل، فتنبّه. وقوله: (فَنَسُوهَا) بفتح النون، وضمّ السين المهملة، أصله: نَسِيُوها، بفتح النون، وكسر السين، وضمّ الياء، بوزن عَلِمُوها، فنُقلت ضمّة الياء إلى السين بعد سَلْب حركتها، فصار نَسُوها، بضم السين، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحاً لمن عنده معرفة بالقواعد الصرفّة؛ لأني أسمع كثيراً من الناس يغلطون فيه، فيقولون: (نَسَوْها)) بفتح السين، وهو غلط، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ)؛ أي: في السنة التالية، فـ((من)) بمعنى ((في)). ٢٥١ (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١٣ -٤٨١٤) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان تخريجه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَلَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ، ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائنيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذكروا في الباب. وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمِّ، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد تلك السنة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قبل حديث. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١٤] (١٨٦٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أَي شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَّى الْمَوْتِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ذُكر أول الباب. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدّم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدّم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١. ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عَمْرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف دَّثُ، وهو (٣٤٢) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) أنه (قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ) بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه، (عَلَى أي شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ) سلمة رَُّهَ (عَلَى الْمَوْتِ)؛ أي: بايعناه على الموت، والمراد: أنهم بايعوه على الصبر، والثبات في ملاقاة العدوّ، وإن أدّى ذلك إلى الموت، وقد تقدّم الجمع بينه وبين قول جابر ظُه: ((لم نبايع على الموت، وإنما بايعناه على أن لا نفرّ)) أول الباب، وبالله تعالى التوفيق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨١٤/١٨ و٤٨١٥] (١٨٦٠)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٦٠) و((المغازي)) (٤١٦٩) و((الأحكام)) (٧٢٠٧ و٧٢٠٨)، و(الترمذيّ) في ((السير)) (١٦٤٠)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٤١/٧) و((الكبرى)) (٤٢٣/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٧/٤ و٥١ و٥٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٦/٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣١١/٤)، و(الرويانيّ) في ((مسنده)) (٢٤٦/٢)، و(الفاكهيّ) في ((أخبار مكة)) (٧٤/٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٢) (ع) تقدّم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١. ٢٥٣ (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١٦) والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية حمّاد بن مسعدة، عن سلمة بن عُبيد هذه ساقها الإمام أحمد تَخْتُ في ((مسنده))، فقال: (١٦٥٥٦) - حدّثنا عبد الله(١)، حدّثني أبي، ثنا حماد بن مَسعدة، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: بايعت رسول الله وَّ مع الناس في الحديبية، ثم قعدت مُتنحياً، فلمّا تفرّق الناس عن رسول الله وَله قال: ((يا ابن الأكوع، ألا تبايع؟)) قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: ((أيضاً))، قلت: علام بايعتم؟ قال: على الموت. انتهى(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١٦] (١٨٦١) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: أَنَاهُ آتٍ، فَقَالَ: هَذَاكَ ابْنُ حَنْظَلَةَ يُبَابِعُ النَّاسََّ، فَقَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ، قَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَداً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (الْمَخْزُومِيُّ) المغيرة بن سَلَمَة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدّم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٢ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنّه تغيّر قليلاً بآخره [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بن عُمارة بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٤٦٤/٨٨. ٤ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيم) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]، وقد قيل: إن له رؤيةً (ع) تقدّم في ((الحيض)) ٨١٠/٢٥. (١) هو: ولد الإمام أحمد راوي ((المسند)) عنه. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤/ ٤٧. ٢٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ الصحابيّ الشهير، أبو محمد، يقال: إنه هو الذي قَتَل مسيلمة الكذّاب، استُشهد بالحرّة سنة (٦٣) (ع) تقدّم في ((الطهارة)) ٧ / ٥٦١. و((إسحاق بن إبراهيم)) هو ابن راهويه المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُ، وفيه رواية الراوي عن عمّه، فعبد الله بن زيد عم عبّاد بن تميم، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من عَمْرو، وشيخه مروزيّ، والباقيان بصريّان، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) حَظُهِ، وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير عبّاد؛ أي: عبّاد، (أَتَاهُ)؛ أي: عبدَ الله بن زيد، (آتٍ) اسم فاعل من أَتَى؛ أي: شخص، (فَقَالَ) ذلك الآتي، ولا يُعرف اسم هذا الآتي، قاله صاحب ((التنبيه))(١). وفي رواية البخاريّ: ((عن عبد الله بن زيد ◌َ ◌ّه قال: لَمّا كان زمن الْحَرّة أتاه آتٍ، فقال: إن ابن الحنظليّة يبايع الناس ... )) الحديث. وقوله: ((لمّا كان زمن الحرّة))؛ أي: الوقعة التي كانت بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين، لمّا خلع أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، وبايعوا عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاريّ، كما سبق بيان ذلك مستوفّى في ((باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن)) [١٣ / ٤٧٨٤] (١٨٥١). (هَذَاَ) مبتدأ خبره قوله: (ابْنُ حَنْظَلَةَ) ويَحْتَمل أن يكون ((ابن حنظلة)) بدلاً، أو عطف بيان لاسم الإشارة، والخبر قوله: (يُبَابِعُ النَّاس)؛ أي: على الطاعة له، وخَلْع يزيد بن معاوية، وفي رواية البخاريّ: ((إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت)). وابن حنظلة هذا هو: عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يُعْرَف أبوه بغسيل الملائكة، والسبب في تلقيبه بذلك أنه قُتل بأحد، وهو جُنُب، فغسلته (١) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٣٢٥. ٢٥٥ (١٨) - بابُ اسْتِحْبَابٍ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٤٨١٦) الملائكة، وعَلِقَت امرأته تلك الليلة بابنه عبد الله بن حنظلة، فمات النبيّ وله سبع سنين، وقد حفظ عنه. قال الحافظ: وأتى الكرمانيّ بأعجوبة، فقال: ابن حنظلة، هو الذي كان يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية، والمراد به: نَفْس يزيد؛ لأن جدّه أبا سفيان كان يُكنى أيضاً أبا حنظلة، فيكون التقدير: إن ابن أبي حنظلة، ثم حذف لفظ ((أَبِي)) تخفيفاً، أو يكون نُسِب إلى عمه حنظلة بن أبي سفيان؛ استخفافاً، واستهجاناً، واستبشاعاً بهذه الكلمة الْمُرّة. انتهى. قال: ولقد أطال تَخُّ في غير طائل، وأتى بغير الصواب، ولو راجع موضعاً آخر من البخاريّ لهذا الحديث بعينه، لرأى فيه ما نصّه: ((لَمّا كان يوم الحرّة، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال عبد الله بن زيد: علام يبايع ابن حنظلةُ الناس ... )) الحديث، وهذا الموضع في أثناء غزوة الحديبية من (كتاب المغازي))، فهذا يرُدّ احتماله الثاني، وأما احتماله الأول فيردّه اتفاق أهل النقل على أن الأمير الذي كان من قِبَل يزيد بن معاوية اسمه مسلم بن عقبة، لا عبد الله بن حنظلة، وأن ابن حنظلة كان الأمير على الأنصار، وأن عبد الله بن مطيع كان الأمير على من سواهم، وأنهما قُتِلا جميعاً في تلك الوقعة، والله المستعان. (فَقَالَ) عبد الله بن زيد (عَلَى مَاذَا؟)؛ أي: على أي شيء يبايعهم؟ (قَالَ) الآتي (عَلَى الْمَوْتِ)؛ أي: يبايعهم على أن يموتوا مقاتلين العدوّ دون فرار. (قَالَ) عبد الله رَظُّهُ (لَا أَبَابِعُ عَلَى هَذَا)؛ أي: على الموت، (أَحَداً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَ له) وقع في رواية الإسماعيليّ من الزيادة قوله: ((وقُتل عبد الله بن زيد يوم الحرّة». قال في ((الفتح)): فيه إيماء إلى أنه بايع رسول الله وَلل على ذلك، وليس بصريح، ولذلك عقّبه البخاريّ بحديث سلمة بن الأكوع - يعني: الحديث الذي قبل هذا عند مسلم - لتصريحه فيه بذلك. قال ابن المنير رَخْتُ: والحكمة في قول الصحابيّ: إنه لا يفعل ذلك بعد النبيّ وَّ أنه كان مستحَقّاً للنبيّ وَّ على كل مسلم أن يقيه بنفسه، وكان فرضاً وشـ ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة عليهم أن لا يَفِرُّوا عنه حتى يموتوا دونه، وذلك بخلاف غيره. انتهى (١)، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد ظ ته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨١٦/١٨] (١٨٦١)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٩٥٩) و((المغازي)) (٤١٦٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٢/٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٣١/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٩٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٦/٨)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٤٢٩/٢٧)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٩) - (بَابُ تَحْرِيم رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيطَانِ وَطَنِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٨١٧] (١٨٦٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ؟، تَعَرَّبْتَ؟، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ وَهِ أَذِنَ لِي فِي الْبَدَوِ). رجال هذا الإسناد: أربعةٌ: وهو السند المذكور قبل إسنادين. شرح الحديث: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) رَُبه، وفي رواية القعنبيّ: ((عن حاتم: أنبأنا يزيد بن أبي عُبيد))، أخرجَها أبو نعيم. (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ) هو ابن (١) ((الفتح)) ٢١٩/٧ - ٢٢٠، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٥٩). ٢٥٧ (١٩) - بَابُ تَحْرِيمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيطَانٍ وَطَنِهِ - حديث رقم (٤٨١٧) يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير المشهور، الظالم المبير، وقع ذكره وكلامه في ((الصحيحين))، وغيرهما، وليس بأهل أن يُروى عنه، وَلِيَ إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة (٩٥)، وكان كلامه هذا مع سلمة به لمّا وَلِي الحَجّاج إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير، فسار من مكة إلى المدينة، وذلك في سنة أربع وسبعين، وقيل: إن سلمة مات في آخر خلافة معاوية سنة ستين، ولم يدرك زمن إمارة الحجاج، والأول هو الصحيح(١). (فَقَالَ) الحجّاج (يَا ابْنَ الأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ) يَحتَمِل أن يكون استفهاماً على جهة الإنكار، وأن يكون إخباراً، وكأنه أشار إلى ما جاء من الحديث في ذلك، فقد أخرج النسائيّ من حديث ابن مسعود نظراته رفعه: (لَعَن الله آكل الربا، وموكله - الحديث، وفيه -: والمرتدّ بعد هجرته أعرابيّاً)). قال ابن الأثير في ((النهاية)): كان مَن رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر، يعدّونه كالمرتدّ، وقال غيره: كان ذلك من جفاء الحَجّاج، حيث خاطب هذا الصحابيّ الجليل بهذا الخطاب القبيح، من قبل أن يستكشف عن عُذْره، ويقال: إنه أراد قتله، فبيّن الجهة التي يريد أن يجعله مستحقّاً للقتل بها . وقد أخرج الطبرانيّ من حديث جابر بن سمرة رَظُه رفعه: ((لَعَن الله مَن بدا بعد هجرته، إلا في الفتنة، فإن البُدُوّ خير من المقام في الفتنة)). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: وقول الْحَجَّاج لسلمة بن أكوع: ((أرتددْتَ؟ تَعَرَّبت؟)) استفهامٌ على جهة الإنكار عليه أنه خرج من محل هجرته؛ التي هي المدينة إلى البادية؛ التي هي موطن الأعراب؛ لِمَا كان المعلوم من حال المهاجر أنه يحرّم عليه الانتقال منها إلى غيرها، لا سيما إنْ رجع إلى وطنه؛ فإنّ ذلك محرَّم بإجماع الأمَّة، على ما حكاه القاضي عياض، وربما أُطلق على ذلك رِدَّة، كما أطلقه الحجاج هنا، فأجابه سلمة بأن النبيّ ◌َ﴿ أَذِنَ له في ذلك، فكان ذلك خصوصاً في حقّه. انتهى(٢). (تَعَرَّبْتَ؟)؛ أي: صرت أعرابيّاً، تسكن البادية مع الأعراب، والتعرّب: (١) ((عمدة القاري)) ٢٤/ ١٩٧. (٢) ((المفهم)) ٤/ ٧١. ٢٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة بالعين المهملة، والراء الثقيلة؛ أي: السكنى مع الأعراب، بفتح الهمزة، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها، فيسكن البدو، فيرجع بعد هجرته أعرابيّاً، وكان إذ ذاك محرَّماً، إلا إن أذن له الشارع في ذلك؛ كسلمة هذا (قَالَ) سلمة رَظُه (لَا)؛ أي: لم أتعرّب، ولم أسكن البادية رجوعاً عن هجرتي، ولا من تلقاء نفسي. (وَلَكِنْ) بتشديد النون، وتخفيفها (رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوٍ)؛ أي: في سكنى البادية، و((البدو)) بفتح، فسكون: البادية، وسُمَّيت بذلك؛ لأنه يبدو ما فيها، ومن فيها؛ أي: يظهر، أو لأنّ من خرج إليها من الحاضرة بدا؛ أي: ظهر، والحاضر أصله: النازل على الماء، كما قال: مِنْ سَبَأَ الحاضرين مَأْرِبَ إِذْ يَبْنُونَ مِنْ دون سيْلِهِ العَرِمَا وسُمِّي به أهل القرى والحصون؛ لأنهم لا يرحلون عن مياهٍ يجتمعون عليها، قاله القرطبيّ تَخْذُ(١) . وفي رواية حماد بن مَسْعَدة عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة: ((أنه استأذن رسول الله وَّ﴿ في البداوة، فَأَذِن له))، أخرجه الإسماعيليّ، وفي لفظ له: ((استأذنتُ النبيّ ◌َِّ)). وقد وقع لسلمة ربه في ذلك قصة أخرى مع غير الحجاج، فأخرج أحمد من طريق سعيد بن إياس بن سلمة، أن أباه حدّثه، قال: ((قَدِم سلمة المدينة، فلقيه بُريدة بن الْحُصيب، فقال: ارتددت عن هجرتك؟ فقال: معاذ الله، إني في إذن من رسول الله وَ له، سمعته يقول: ابْدُوا يا أسلم - أي: القبيلة المشهورة التي منها سلمة، وأبو بَرْزة، وبُريدة المذكور - قالوا: إنا نخاف أن يقدح ذلك في هجرتنا، قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم))، وله شاهد من رواية عمرو بن عبد الرحمن بن جَرْهد، قال: ((سمعت رجلاً يقول لجابر: مَن بَقِي من أصحاب رسول الله بَّرَ؟ قال: أنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، فقال رجل: أمّا سلمة فقد ارتدّ عن هجرته، فقال: لا تَقُل: ذلك، فإني سمعت رسول الله ولو يقول لأسلم: ابدوا، قالوا: إنا نخاف أن نرتدّ بعد هجرتنا، (١) ((المفهم)) ٤/ ٧١. ٢٥٩ (١٩) - بَابُ تَحْرِيمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيطَانٍ وَطَنِهِ - حديث رقم (٤٨١٧) قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم))، وسند كل منهما حسنٌ، قاله في ((الفتح))(١). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث قوله: ((وعن يزيد بن أبي عبيد قال: لَمّا قُتل عثمان بن عفان، خرج سلمة بن الأكوع إلى الرَّبَذَة، وتزوج هناك امرأةً، ووَلَدت له أولاداً، فلم يَزَلْ بها حتى قبل أن يموت بليال، نزل المدینة)). انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: ((وعن يزيد بن أبي عبيد)) هو موصول بالسند المذكور. وقوله: ((لمّا قُتل عثمان بن عفان خرج سلمة إلى الرَّبَذَة - بفتح الراء، والموحدة، بعدها معجمة - موضع بالبادية بين مكة والمدينة، ويستفاد من هذه الرواية مُدَّة سكنى سلمة البادية، وهي نحو الأربعين سنةً؛ لأن قَتْل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وموت سلمة سنة أربع وسبعين (٢)، على الصحيح. وقوله: ((نزل المدينة)) هذا يُشعر بأن سلمة لم يمت بالبادية، كما جزم به يحيى بن عبد الوهاب ابن منده في الجزء الذي جمعه في آخر من مات من الصحابة، بل مات بالمدينة، كما تقتضيه رواية يزيد بن أبي عبيد هذه، وبذلك جزم أبو عبد الله بن منده في ((معرفة الصحابة))، وفي الحديث أيضاً ردّ على من أرّخ وفاة سلمة سنة أربع وستين، فإن ذلك كان في آخر خلافة يزيد بن معاوية، ولم يكن الحجاج يومئذ أميراً، ولا ذا أمر، ولا نهي، وكذا فيه ردٌّ على الهيثم بن عديّ حيث زعم أنه مات في آخر خلافة معاوية، وهو أشدّ غلطاً من الأول، إن أراد معاوية بن أبي سفيان، وإن أراد معاوية بن يزيد بن معاوية، فهو عين القول الذي قبله، وقد مشى الكرمانيّ على ظاهره، فقال: مات سنة ستين، وهي السنة التي مات فيها معاوية بن أبي سفيان، كذا جزم به، والصواب خلافه. (١) ((الفتح)) ٤٩٤/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٨٧). (٢) هكذا وقع في ((الفتح)): سبعين بتقديم السين، ثم الموحّدة، وهذا عندي محلّ نظر؛ لأنه ثبت أنه قتل سعيد بن جبير صبراً سنة (٩٥) ومات بعده بقليل، فالظاهر أن صوابه ((تسعين))، لا سبعين، فليُتأمّل. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقد اعتَرَضَ الذهبيّ على من زعم أن سلمة عاش ثمانين سنة، ومات سنة أربع وسبعين؛ لأنه يلزم منه أن يكون له في الحديبية اثنتا عشرة سنة، وهو باطلٌ؛ لأنه ثبت أنه قاتَل يومئذ، وبايع. قال الحافظ: وهو اعتراض متّجه، لكن ينبغي أن ينصرف إلى سنة وفاته، لا إلى مبلغ عمره، فلا يلزم منه رجحان قول من قال: مات سنة أربع وستين، فإن حديث جابر يدلّ على أنه تأخر عنها؛ لقوله: لم يبق من الصحابة إلا أنس وسلمة، وذلك لائق بسنة أربع وسبعين، فقد عاش جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعين على الصحيح، وقيل: مات في التي بعدها، وقيل: قبل ذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨١٧/١٩] (١٨٦٢)، و(البخاريّ) في ((الفتن)) (٧٠٨٧)، و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٥١/٧) و((الكبرى)) (٤٣٠/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه، ووجه ذلك أن الحجّاج لَمّا عنّف سلمة رَظُه بتعرّبه لم يعارضه في ذلك، وإنما اعتذر بكون النبيّ ◌َ ﴿ أَذِنَ له، فلولا إنه أَذِنَ له لَمَا جاز له ذلك، ويؤيّد هذا ما تقدّم من حديث ابن مسعود نظره: ((لعن الله آكل الربا ... )) الحديث، وفيه: ((والمرتدّ بعد هجرته أعرابيّاً))، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان جرأة الحجّاج، وتطاوله على هذا الصحابيّ الجليل ظه، وتعنيفه بهذا الخطاب القبيح. (١) ((الفتح)) ٤٩٤/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٨٧).