Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٦٢)
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٦/ ١٦٩.
٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو
أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ جليلٌ [٢]
(ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٥ - (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) الأزديّ، أبو عبد الله الشاميّ، ويقال: اسم
أبيه: كبير، مختلف في صحبته، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالمصريين غير بُسر،
فمدنيّ، وجُنادة، فشاميّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم شاميّ، وفيه ثلاثة من
التابعين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن بسر، عن جنادة، ورواية الأخيرين
من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ بُسْرٍ) بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، (ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جُنَادَةَ) بضمّ
الجيم، وتخفيف النون، (ابْنِ أَبِي أَمَيَّةَ) ووقع عند الإسماعيليّ، من طريق
عثمان بن صالح: حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيراً حدّثه، أن بسر بن
سعيد حدّثه، أن جُنادة حدّثه. (قَالَ) جُنادة (دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ)
(وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة حاليّة، (فَقُلْنَا: حَدَّثْنَا - أَصْلَحَكَ اللهُ - بِحَدِيثٍ) وفي رواية
البخاريّ: ((فقلنا: أصلحك الله، حدّث بحديث))، قال في ((الفتح)): وقولهم:
((أصلحك الله)) يَحْتَمِل أنه أراد الدعاء له بالصلاح في جسمه؛ ليُعافَى من
مرضه، أو أعمّ من ذلك، وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب(١)، وقوله:
(يَنْفَعُ اللهُ بِهِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "حديثٍ))، وفي رواية البخاريّ:
((ينفعك الله به))؛ أي: ينفعك الله بأجر تحديثك به. (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ}،
(١) ((الفتح)) ٤٣٩/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٥).

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
(دَعَانَا رَسُولُ اللهِ نََّ)؛ أي: ليلة العقبة، وهي عقبة منى،
عنه
فَقَالَ) عبادة
(فَبَا يَعْنَاهُ) وفي بعض النسخ: ((فبايعنا))، وتقدّم معنى المبايعة قريباً. (فَكَانَ فِيمًا
أَخَذَ عَلَيْنَا)؛ أي: فيما اشترطه علينا من الشروط، (أَنْ بَايَعَنَا) بفتح العين،
والفاعل ضمير النبيّ وَّةِ، و((نا)) مفعول به، (عَلَى السَّمْع، وَالطَّاعَةِ)؛ أي: على
أن نسمع قوله، ونطيع أمره.
وقال الطيبيّ نَّهُ: قوله: ((بايعنا رسول الله (وَّ على السمع ... إلخ)) عدّاه
بـ((على)) لتضمّنه معنى عاهد، و((على)) في قوله: ((على أثرة)) ليست بصلة
المبايعة، بل هي متعلّقة بمقدّر؛ أي: بايعناه على أن نصبر على أثرة علينا،
قال: وقال البيضاويّ: ((بايعنا))؛ أي: عاهدنا بالتزام السمع والطاعة في حالَتَي
الشدّة والرخاء، وتارَتَي الضرّاء والسرّاء، وإنما عبّر عنه بصيغة المفاعلة؛
للمبالغة، أو للإيذان بأنه التزم لهم أيضاً بالأجر والثواب، والشفاعة يوم
الحساب على القيام بما التزموا. انتهى(١).
(فِي مَنْشَطِنَا) بفتح الميم، والشين المعجمة، وسكون النون بينهما،
(وَمَكْرَهِنَا) بوزن ما قبله؛ أي: في حالة نشاطنا، وفي الحالة التي نكون فيها
عاجزين عن العمل بما نؤمر به.
وقال الطيبيّ تَُّهُ: ((المنشط))، و((المكره)) مَفْعَلان من النشاط، والكراهة
للمحلّ؛ أي: فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم، أو الزمان؛ أي: في زماني انشراح
صدورهم، وطيب قلوبهم، وما يُضادّ ذلك. انتهى (٢).
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد: الأشياء التي يكرهونها، قال ابن
التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج؛ ليطابق قوله:
منشطنا، قال الحافظ: ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة،
عن عبادة عند أحمد: ((في النشاط، والكسل))(٣). (وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا) وفي رواية
إسماعيل بن عبيد: ((وعلى النفقة في العسر واليسر))، وزاد: ((وعلى الأمر
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٥٩/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٥٩/٨ - ٢٥٦٠.
(٣) ((الفتح)) ٤٣٩/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٥).

١٠٣
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٦٢)
بالمعروف، والنهي عن المنكر)). (وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا) بفتح الهمزة، والمثلّثة، أو
بضمّ، فسكون، أو بكسر، فسكون، والمراد: أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم
لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم، بل عليهم الطاعة، ولو مَنَعهم حقهم.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: وكأنَّ هذا القول خاصٌّ بالأنصار، وقد ظهر أثر
ذلك يوم حنين، حيث آثر النبيّ وَل﴿ قريشاً بالفيء، ولم يُعْط الأنصار شيئاً،
فجرى من الحديث ما تقدّم في ((كتاب الزكاة))، وهناك قال لهم ◌َلقر: ((اصبروا
حتى تلقوني على الحوض))، فقالوا: سنصبر إن شاء الله، وفيه أيضاً تنبيه لهم
على أن الخلافة في غيرهم، وقد صرّح بذلك في قوله: ((وعلى ألا ننازع الأمر
أهله))، وكذلك فعلوا لَمّا عَلِموا أهلية أبي بكر ◌َُّه للخلافة، أذعنوا، وسلّموا،
وسمعوا، وأطاعوا. انتهى(١).
(وَأَنْ لَا تُنَازِعَ) وفي بعض النسخ: ((ولا ننازع)) بحذف ((أن)). (الأَمْرَ)؛
أي: الملك والإمارة، (أَهْلَهُ) زاد في رواية أحمد: ((وإن رأيت أن لك))؛ أي:
وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقّاً فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع، وأطع إلى
أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة، وزاد عند ابن حبان وأحمد أيضاً: ((وإن
أكلوا مالك، وضربوا ظهرك)).
(قَالَ) وَّهِ مستثنياً الحالة التي تبيح الخروج على الأئمّة ((إِلَّا أَنْ تَرَوْا)؛
أي: تعلموا منهم (كُفْراً بَوَاحاً) بموحّدة، ومهملة، قال الخطابيّ نَظُّهُ: يريد:
كفراً ظاهراً بادياً، من قولهم: باح بالشيء يبوح به بَوْحاً، وبَوَاحاً: إذا أذاعه،
وأظهره، وأنكر ثابت في ((الدلائل)): بَوَاحاً، وقال: إنما يجوز بَوْحاً بسكون
الواو، وبُؤاحاً بضم أوله، ثم همزة ممدودة، وقال الخطابيّ تَظُّهُ: من رواه
بالراء فهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح: الأرض القفراء التي لا أنيس
فيها، ولا بناء، وقيل: البراح: البيان، يقال: بَرَح الخفاءُ: إذا ظهر، وقال
النوويّ: هو في معظم النسخ من مسلم بالواو، وفي بعضها بالراء.
قال في ((الفتح)): ووقع عند الطبرانيّ من رواية أحمد بن صالح، عن ابن
وهب في هذا الحديث: ((كفراً صُرَاحاً)) بصاد مهملة مضمومة، ثم راء، ووقع
(١) ((المفهم)) ٤٥/٤.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
في رواية حبان أبي النضر: ((إلا أن يكون معصية لله بَوَاحاً))، وعند أحمد من
طريق عُمير بن هانئ، عن جُنادة: ((ما لم يأمروك بإثم بواحاً»، وفي رواية
إسماعيل بن عُبيد، عند أحمد، والطبرانيّ، والحاكم، من روايته عن أبيه، عن
عبادة: ((سَيَلي أموركم من بعدي رجال، يُعَرِّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم
ما تَعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله))، وعند أبي بكر بن أبي شيبة، من طريق
أزهر بن عبد الله، عن عبادة، رفعه: ((سيكون عليكم أمراء، يأمرونكم بما لا
تعرفون، ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة)). انتهى(١).
(عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)))؛ أي: حجة بيّنة، وأَمْر لا شك فيه يحصل به
اليقين أنه كفرٌ، فحينئذٍ يجب أن يُخلَع مَن عُقدت له البيعة.
وقال الطيبيّ كَّثُ: قوله: ((برهان)) مبتدأ، و((عندكم)) خبره، و ((من الله))
متعلّق بالظرف، أو حال من المستتر في الظرف؛ أي: بُرهان حاصلٌ عندكم،
كائناً من الله؛ أي: من دين الله. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ))؛ أي: نصُ آية، أو
خبر صحيح، لا يَحتَمِل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام
فعلهم يحتمل التأويل، قال النوويّ: المراد بالكفر هنا: المعصية، ومعنى
الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن
تروا منهم منكراً محقّقاً، تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا
عليهم، وقولوا بالحقّ حيثما كنتم. انتهى.
وقال غيره: المراد بالإثم هنا: المعصية والكفر، فلا يُعترض على
السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر.
قال الحافظ: والذي يظهر حَمْل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة
في الولاية، فلا ينازعه بما يقدَح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية
المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدَح في الولاية
(١) ((الفتح)) ٤٣٩/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٥٥).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٠/٨.

١٠٥
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٦٢)
نازعه في المعصية، بأن يُنكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحقّ له بغير
عُنف، ومحل ذلك إذا كان قادراً، والله أعلم.
ونقل ابن التين عن الداوديّ قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه
إن قُدر على خلعه بغير فتنة، ولا ظلم وَجَب، وإلا فالواجب الصبر، وعن
بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جوراً بعد أن كان
عدلاً، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع، إلا أن يَكْفُر، فيجب
الخروج عليه. انتهى.
هذا متّفقٌ عليه،
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عبادة بن الصامت
وقد مضى بيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة.
[خاتمة] نختم بها هذا الباب: قد كتب صاحب ((تكملة فتح الملهم)) هنا
فائدة مهمّة، أحببت إيرادها هنا؛ لأهمّيتها، قال: قوله: ((إنما الطاعة في
المعروف)) قد ثبت بأحاديث الباب مبدءان عظيمان من مبادىء السياسة
الإسلاميّة، استعملها الفقهاء في كثير من المسائل:
الأول: مبدأ طاعة الأمير، وأن المسلم يجب عليه أن يطيع أميره في
الأمور المباحة، فإن أَمَر بفعل مباح، وجبت مباشرته، وإن نهى عن أمر مباح
حرُم ارتكابه؛ لأن الله وَجَ قال: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكٌ﴾
[النساء: ٥٩]، فلو كان المراد من طاعة أولي الأمر طاعتهم في الواجبات
الشرعيّة فحسب، لَمَا كان هناك داع لاستقلالهم بالذِّكر في هذه الآية؛ لأن
طاعتهم في الواجبات الشرعيّة ليست طاعة لأولي الأمر، وإنما هي طاعة لله
تعالى، ورسوله بَّ ر، فلمّا أفردهم الله تعالى بالذّكر ظَهَر أن المراد طاعتهم في
الأمور المباحة.
ومن هنا صرّح الفقهاء بأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة، قال ابن
عابدين في (باب الاستسقاء)) من ((ردّ المحتار)) (٧٩٢/١): إذا أمر الإمام بالصيام
في غير الأيام المنهية وَجَب؛ لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة، وحكى
ابنه علاء الدين عن البيريّ أن الحاكم لو أمر أهل بلدة بصيام أيام بسبب الغلاء،
أو الوباء وجب امتثال أمره، راجع: ((قرّة عيون الأخيار)) (٥٤/٢).
ولكن هذه الطاعة كما أنها مشروطة بكون أَمْر الحاكم غير معصية، فإنها

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
مشروطة أيضاً بكون الأمر صادراً عن مصلحة، لا عن هوى، أو ظلم؛ لأن
الحاكم لا يطاع لذاته، وإنما يطاع من حيث إنه مُتَوَلّ لمصالح العامّة، فإن أمر
بشيء اتباعاً لهوى نفسه دون نَظَرٍ إلى مصالح المسلمين، فإنه أمْر صَدَر من ذاته
وشخصه، لا من حيث كونه حاكماً، فلا يقع بمثابة أوامره من حيث كونه
حاكماً، ولذلك قال الفقهاء: تصرّف الإمام على الرعيّة منوط بالمصلحة.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولكن هذه الطاعة ... إلخ)) لا يخفى ما
فيه لمن تأمله، فإن قوله في الحديث: ((في منشطنا، ومكرهنا، وفي أثرة
علينا))، يخالفه تماماً، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى
أعلم.
قال: وتفريعاً على هذا المبدأ قرّر الفقهاء أن حكم الحاكم رافع للخلاف
في الأمور المجتهد فيها، فمتى صادف أمره فصلاً مجتهداً فيه نفذ، ووجب
اتّباعه، ولو كان الرجل لا يرى رأيه في تلك المسألة، ولذا لمّا أَمَر هارون
الرشيد أبا يوسف ومحمداً أن يكبّرا في العيدين بتكبيرة جدّه امتثلا أمره، مع
أنهما لا يريان التكبيرات الزوائد على الستّ(١).
وأما المبدأ الثاني: فهو لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا يُطاع
أمير، ولا إمام إن أمر بما هو معصيةٌ، وإن هذا المبدأ لو عُمِل به في بلاد
المسلمين اليوم لأغنى عن كثير من الإضرابات، والاضطرابات الجارية في كثير
من البلدان، ولاضطرّت به الحكومات إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة في جميع
نواحي الحياة، فلو امتنع القضاة عن إصدار حكم لا يوافق شرع الله، وامتنع
الموظّفون من امتثال الأوامر المصادمة لأوامر الله، وامتنع أصحاب البنوك من
التمويل على أساس الربا المحرّم شرعاً، وامتنع العامّة من إيداع أموالهم في
البنوك الربويّة، وامتنع كلّ مسلم من الخضوع للأحكام المصادمة للشريعة
الغراء، لاضطرّت الحكومات إلى إلغاء القوانين الوضعية التي لا توافق الشريعة
الإسلامية .
وهذا هو الطريق المشروع للضغط على الحكومات في سبيل إقامة
(١) راجع: ((ردّ المحتار)) ٧٨/١.

١٠٧
(٩) - بَابٌ الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّى بِهِ - حديث رقم (٤٧٦٣)
شرع الله، وتطبيق أحكامه، وأما ما تعلّمه الناس من الغرب من وسائل الضغط
على الحكومات، كالإضرابات، والمظاهرات، وسدّ الشوارع، وسفك الدماء،
وتخريب العمران، فليس من الإسلام بشيء. انتهى كلامه بنوع اختصار(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد صاحب ((التكملة)) في هذا البحث،
وأفاد، لو وجد أُذناً صاغية، وقلوباً واعية، ولكن هيهات هيهات.
حَيّاً وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيتَ
وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي الرَّمَادِ
وَلَوْ نَاراً نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٩) - (بَابُ الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٣] (١٨٤١) - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُسْلِم، حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ،
وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث هو أول الفوات الثالث الذي لم
يسمعه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، تلميذ مسلم عنه، بل رواه عنه
بالإجازة، أو نحو ذلك، ولهذا قال: ((عن مسلم))، ولم يقل: ((حدّثنا))، ولا
((أخبرنا))، أو نحو ذلك، وقد سبق بيان هذا مفصّلاً في مقدّمة ((شرح المقدّمة))،
فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ... إلخ) قائل ((حدّثنا)) هو تلميذ أبي إسحاق،
والظاهر أنه أبو أحمد محمد بن عيسى الجلوديّ، والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَبَابَةُ) بن سَوَّار الْمَدائيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان،
(١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٣٢٣/٣ - ٣٢٥.

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤٠/٦.
٢ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقة في
غير منصور بن المعتمر، ففيه لينٌ [٧] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٣١/ ٩٩٩.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وأنه قيل فيه: إن أصحّ أسانيد أبي
هريرة ظه: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه
أبو هريرة ظه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ) بضم
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
الجيم، وتشديد النون، قال النوويّ كَّلُهُ: أي: كالترس؛ لأنه يَمنع العدوّ من
أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويَحمي بيضة الإسلام، ويتّقيه
الناس، ويخافون سطوته. انتهى(١).
وقال الخطابيّ تَُّهُ: معناه أن الإمام هو الذي يَعْقِد العهد والهدنة بين
المسلمين، وبين أهل الشرك، فإذا رأى ذلك صلاحاً لهم، وهادنهم فقد وجب
على المسلمين أن يُجيزوا أمانه لهم، ومعنى الْجُنّة: العصمة، والوقاية، وليس
لغير الإمام أن يجعل لأمّة بأسرها من الكفار أماناً. انتهى(٢).
وقال السيوطيّ في ((الديباج)): قوله: ((جُنّةٌ))؛ أي: ساتر لمن خلفه، ومانع
لخلل يَعْرِض لصلاتهم بسهو، أو مرور مارّ، كالْجُنّة، وهي التُّرْس الذي يَستُر
مَن وراءه، ويمنع من وصول المكروه إليه. انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إنما الإمام جُنّة)) بضم الجيم؛ أي: سترة؛ لأنه
يمنع العدوّ من أذى المسلمين، ويكُفّ أذى بعضهم عن بعض، والمراد
بالإمام: كلّ قائم بأمور الناس، والله أعلم. انتهى(٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/١٢.
(٢) ((عون المعبود)) ٣١٠/٧.
(٣) ((الديباج على مسلم)) ٢/ ١٤٢.
(٤) ((الفتح)) ٢١٥/٧ - ٢١٦، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٥٨).

(٩) - بَابٌ الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ - حديث رقم (٤٧٦٣)
١٠٩
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((إنما الإمام جُنَّة)): الْمِجَنُّ، والْجُنَّةُ، والْجَانُّ،
والْجَنَّةُ، والْجِنَّةُ: كله راجع إلى معنى السِّتر، والتَّوَقِّي؛ يعني: أنه يُتَّقى بنظره،
ورأيه في الأمور العظام، والوقائع الخطيرة، ولا يُتَقدّم على رأيه، ولا يُنفرد
دونه بأمر مهمّ حتى يكون هو الذي يَشْرَع في ذلك. انتهى(١).
(يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يقاتَل معه الكفّار، والبُغاة،
والخوارج، وسائر أهل الفساد والظلم مطلقاً .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يُقاتل من ورائه)) بفتح المثناة، والمراد به:
المقاتلة للدفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقةً، أو قُدّامه، ووزاء
يُطلق على المعنيين. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((يُقاتَل من ورائه))؛ أي: أمامه، ووراء من
الأضداد، يقال: بمعنى: خلف، وبمعنى: أمام، وعلى هذا حَمَل أكثر
المفسرين قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكُ﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي: أمامهم، وأنشدوا
قول الشاعر [من الطويل]:
أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيًا؟!
وأصله: أن كل ما توارى عنك؛ أي: غاب، فهو وراء، وهذا خبرٌ
منه وَ﴿ عن المشروعية، فكأنه قال: الذي يجب، أو يتعيَّن أن يقاتل أمام
الإمام، ولا يترك يباشر القتال بنفسه؛ لِمَا فيه من تعرّضه للهلاك؛ فيهلك كل
من معه، ويكفي دليلاً في هذا المعنى تغبية (٣) رسولِ الله وَّارِ أصحابُهُ يوم بدر
وغيره، فإنه وَّير كان في العريش، في القلب، والمقاتِلة أمامه.
وقد تضمَّن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين:
أحدهما: أن الإمام يُقتدى برأيه، ويُقاتَل بين يديه، فهما خبران عن أمرين
متغايرين، وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث، على أن ظاهره أنه يكون أمامَ
(١) ((المفهم)) ٢٥/٤.
(٢) ((الفتح)) ٢١٥/٧ - ٢١٦، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٥٧).
(٣) هكذا النسخة بالغين المعجمة، والظاهر أنه مِنْ غبَّى بمعنى أخفى، فيكون من
· إضافة المصدر إلى مفعوله، ورفع الفاعل، وهو «أصحابُهُ))، والله تعالى أعلم.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الناس في القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بينَّاه، والله أعلم. انتهى(١).
وقال السنديّ نَّتُهُ: قيل: المراد أنه يقاتَل قُدّامه، فـ((وراءه)) ههنا بمعنى:
((أمام))، ولا يُترك يباشر القتال بنفسه؛ لِمَا فيه من تعرّضه للهلاك، وفيه هلاك
الكلّ، قال: وهذا لا يناسب التشبيه بالْجُنّة، مع كونه خلاف ظاهر اللفظ في
نفسه، فالوجه أن المراد: أنه يُقاتل على وِفْق رأيه، وأَمْره، ولا يُختلف عليه
في القتال، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ نَظُّ في معنى ((من
ورائه)) حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَيُتَّقَى بِهِ)؛ أي: يُعتصم برأيه، أو يَلتجىء إليه من يَحتاج إلى
ذلك، وقال ابن الأثير تَُّهُ: أي: يُدفَع به العدوّ، ويُتَّقَى بقوّته، والتاء فيها
مبدلة من الواو؛ لأن أصلها من الوقاية، وتقديرها اوْتَقَى، فقُلبت، وأدغمت،
فلمَّا كَثُر استعماله توهّموا أن التاء من نفس الحرف، فقالوا: اتَّقَى يَتَّقِي بفتح
التاء فيهما، وربما قالوا: تَقَى يَتْقِي، مثلُ رَمَى يَرْمِي. انتهى(٢).
وقال الطيبيّ نَّثُ: قوله: ((ويُتّقَى به)) بيان لقوله: ((يُقاتَلُ من ورائه))،
والبيان مع المبيّن تفسير لقوله: ((إنما الإمام جنّةٌ)). انتهى(٣).
(فَإِنْ أَمَرَ) الإمام (بِتَقْوَى اللّهِ رَّ، وَعَدَلَ)؛ أي: في حكمه، (كَانَ لَهُ
بِذَلِكَ أَجْرٌ) التنوين للتعظيم؛ أي: أجر عظيم، وقال القرطبيّ(٤): أي: أجر
عظيم، فَسَكَتَ عن الصفة؛ للعلم بها، وقد دلّ على ذلك ما تقدَّم من قوله وَلّه:
((إن المقسطين على منابر من نور))، وقوله في السبعة الذين يظلهم الله في ظله:
((وإمام عادلٌ))، متّفقٌ عليه.
(وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ))) قال القرطبيّ كَُّ: أي: إنْ يأمر بِجَور
كان عليه الحظّ الأكبر من إثم الجور، و((من)) هنا للتبعيض؛ أي: لا يختص هو
بالإثم، بل الْمُنَفِّذ لذلك الْجَوْر يكون عليه أيضاً حظه من الإثم، والراضي به،
(١) ((المفهم)) ٢٦/٤.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٥٧/٨.
(٤) ((المفهم)) ٢٦/٤.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٩٢/١.

١١١
(٩) - بَابُ الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتََّى بِهِ - حديث رقم (٤٧٦٣)
فالكل يشتركون في إثم الْجَوْر، غير أن الإمام أعظمهم حظّاً منه؛ لأنه مُمْضِيه،
وَحَامِلٌ عليه. انتهى(١).
ولفظ البخاريّ: ((وإن قال بغيره، فإن عليه منه))، قال في ((الفتح)): قيل:
استَعْمَل القول بمعنى الفعل، حيث قال: فإن قال بغيره، كذا قال بعض
الشرّاح، وليس بظاهر، فإنه قسيم قوله: ((فإن أَمَر)) فيُحْمَل على أن المراد:
((وإن أَمَر))، والتعبير عن الأمر بالقول لا إشكال فيه، وقيل: معنى قال هنا:
حَكَمَ، ثم قيل: إنه مشتقّ من القَيْل، بفتح القاف، وسكون التحتانية، وهو
الْمَلِك الذي يُنَفَّذ حكمه، بلغة حِمْیَر.
وقوله: ((فإن عليه منه))؛ أي: وزراً، وحُذِف في هذه الرواية على طريق
الاكتفاء؛ لدلالة مقابله عليه، وقد ثبت في غير هذه الرواية، ويَحْتَمِل أن يكون
(من)) في قوله: ((فإن عليه منه)) تبعيضية؛ أي فإن عليه بعض ما يقول، وفي
رواية أبي زيد المروزيّ: ((مُنّة)) بضم الميم، وتشديد النون، بعدها هاء تأنيث،
وهو تصحيف بلا ريب، وبالأول جزم أبو ذَرّ. انتهى(٢) .
وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((وإن قال بغيره)): قال في ((شرح السنّة)): أي:
حَكَم، يقال: قال الرجل: إذا حكم، ومنه الْقَيْلُ، وهو المَلِك الذي يُنفّذ قوله
وحُكمه.
وقال التوربشتيّ: ((قال بغيره))؛ أي: أحبّه، وأخذ به إيثاراً له، وميلاً
إليه، وذلك مثل قولك: فلان يقول بالقَدَر، ونحو ذلك، فالمعنى: أنه يحبّه،
ويؤثره.
وقال البيضاويّ: ((قال بغيره))؛ أي: أمر بما ليس فيه تقوى، ولا عدلٌ،
بدليل أنه جُعِل قسيم: ((فإن أَمَر بتقوى الله، وعَدَل))، ويَحْتَمِل أن يكون المراد
به: القول المطلق، أو أعمّ منه، وهو ما يراه، ويؤثره، من قولهم: فلان يقول
بالقدر؛ أي: إن رأى غير ذلك، وآثر قولاً كان، أو فعلاً؛ ليكون مقابلاً
لقسيمه، وسدّ الطرق المخالفة المؤدّية إلى هَيْج الفتن.
(١) ((المفهم)) ٢٧/٤.
(٢) ((الفتح)) ٢١٥/٧ - ٢١٦، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٥٧).

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قال: قوله: ((فإن عليه منه)) كذا وجدنا ((منه)) بحرف الجرّ في
((الصحيحين))، و((كتاب الحميديّ))، و((جامع الأصول))، قال التوربشتيّ: ((منه))؛
أي: عليه وزرٌ من صنيعه ذلك، وقد وجدناه في أكثر نسخ ((المصابيح)): ((فإن
عليه مُنّةً)) بتشديد النون، مع ضمّ الميم، وبتاء التأنيث آخره، على أنها كلمة
واحدةٌ، وهو تصحيفٌ، غير مُحْتَمِلٍ لوجه ها هنا، وإنما هو حرف الجرّ مع
الضمير المتّصل به.
وقال البيضاويّ: ((فإن عليه منه))؛ أي: وزراً وثِقَلاً، وهو في الأصل
مشترك بين القوّة والضعف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٦٣/٩] (١٨٤١)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)»
(٢٩٥٧) و((الأحكام)) (٧١٣٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٧٥٧)، و(النسائيّ)
في ((البيعة)) (٤١٩٩) و((الكبرى)) (٧٨١٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٢٣/٢)،
و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٠٨/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢١٢/١١
و٢٢٨)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (٢٧٢/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٢٢٣/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يجب للإمام، على الرعيّة، فقد بيّن بَّلهم أنه يجب أن
يُجْعل ◌ُنّةً يُستتر به من الشرّ والفساد، وتنظيم أمور العباد، وأنه يجب أن يقاتَل
دونه، فلا يُترك عُرضة للهلاك.
٢ - (ومنها): بيان ما له من الأجر العظيم، إن عَدَل في حكمه، وسياسته
لرعيّته، وقد تقدّم عند مسلم حديث: (إن المقسطين على منابر من نور))،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٥٨/٨.
.

١١٣
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٤)
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضيه عن النبيّ وَّ قال: ((سبعة يظلهم الله في
ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل ... )) الحديث.
٣ - (ومنها): أنه إن جار، وعدل عن الحقّ فعليه الوزر العظيم، فإنه
يتحمّل أوزاره، وأوزار من تبعه في ذلك من وزرائه، وأهل مملكته، كما قال
النبيّ وَ﴿ فيما أخرجه الشيخان، من حديث أبي سفيان في قصّة هرقل: ((فإن
تولّيت فإن عليك إثم الأريسيّين))؛ أي: إثم أتباعك الفلاحين.
وأخرج مسلم في حديثه الطويل أنه وَّ قال: ((ومن سنّ في الإسلام سُنَّةً
سيئةً فعليه وزرها، ووِزر من عَمِل بها مِنْ بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم
شيءٌ))، والله تعالى أعلم.
﴿إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٤] (١٨٤٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ
سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((كَانَّتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ،
كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٍّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ، فَتَكْثُ))، قَالُوا:
فَمَا تَأْمُرُنَا؟(١) قَالَ: ((فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ
عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (فُرَاتُ الْقَزَّازُ)(٢) هو: فُرات بن أبي عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ [٥]
(ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٧٦/٢٨.
(١) وفي نسخة: ((فماذا تأمرنا؟)).
(٢) ((فرات)) بضمّ الفاء، وتخفيف الراء، آخره مثنّاة، و((القزّاز)) بقاف، وزايين
معجمتين .

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٢ - (أَبُو حَازِمِ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
والباقون تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَثُ، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين،
والثاني بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه
أبو هريرة ه، كما تقدّم قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ أنه (قَالَ: قَاعَدْتُ)؛ أي: جالست (أَبَا
هُرَيْرَةَ) ◌َُّهُ (خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّوَ﴿ قَالَ: ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ)؛
أي: ذُرّيّة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه، وإسرائيل لقب يعقوب علا.
وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: ((إسرائيل)) هو: يعقوب ظلّل*، وبنوه: أولاده، وهم
الأسباط، وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل، قال ابن عباس : ((إسرا)) هو
عبد، و((إيل)) هو الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وفيه لغات، وقيل: هو عِبْرِيٌّ،
اسم واحد بمعنى يعقوب.
(تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ)؛ أي: تدبّر أمورهم، يقال: ساس فلان الأمرَ يسوسه،
من باب قال، سِيَاسَةً: إذا دبّره، وقام بأمره(١) .
والمعنى: أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فسادٌ بَعَث الله لهم نبيّاً يقيم لهم
أمرهم، ويزيل ما غَيَّروا من أحكام التوراة، وفيه إشارة إلى أنه لا بُدّ للرعيّة من
قائم بأمورها، يحملها على الطريق الحسنة، ويُنصف المظلوم من الظالم(٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ: ((تسوسهم))؛ أي: يتولون أمورهم، كما تفعل
الأمراء، والولاة بالرعيّة، والسياسةُ القيام على الشيء بما يُصلحه، وفي هذا
الحديث جواز قول: هلك فلان، إذا مات، وقد كَثُرت الأحاديث به، وجاء في
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٩٥/١.
(٢) ((الفتح)) ٩٧/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٥٥).

١١٥
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٤)
القرآن العزيز قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ،
رَسُولاً﴾ الآية [غافر: ٣٤]. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَّهُ: معنى هذا الكلام أنّ بني إسرائيل كانوا إذا ظهر فيهم
فساد، أو تحريفٌ في أحكام التوراة بعد موسى عليّ بعث الله تعالى لهم نبيّاً
يُقيم لهم أمرهم، ويصلح لهم حالهم، ويزيل ما غُبّرَ، وبُدِّلَ من التوراة،
وأحكامها، فلم يزل أمرهم كذلك، إلى أن قَتَلوا يحيى بن زكريا ◌َّ فقطع الله
تعالى مُلكهم، وَبَدَّدَ شملهم ببختنصَّر وغيره، ثم جاءهم عيسى ◌ِّلا، ثم
محمد ﴿ ﴿، فكذّبوهما ﴿فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
٩٠
[البقرة: ٩٠]، وهو في الدنيا ضَرْبُ الجزية، ولزوم الصَّغار والذلة، ﴿وَلَعَذَابُ
اْآَخِرَةِ أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤]، ولمّا كان نبيُّنَا وَيَ آخر الأنبياء بعثاً، وكتابه لا يقبل
التغيير أسلوباً ونظماً، وقد تَوَلَّى الله تعالى كلامه صيانةً وحفظاً، وجعل علماء
أمته قائمين ببيان مشكله، وحفظ حروفه، وإقامة أحكامه، وحدوده، كما
قال ◌َله: ((يَحْمِل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدُوله، ينفون عنه تحريف الغالين،
وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))(٢)، ويروى عنه وَليل أنه قال: ((علماء أمتي
كأنبياء بني إسرائيل))(٣)، ولَمّا كان أمر هذه الأمّة كذلك؛ اكتُفِي بعلمائها عمَّا
كان من توالي الأنبياء هنالك. انتهى(2).
وقال الطيبيّ: قوله: ((تسوسهم)) خبر ((كان))، وقوله: (كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيّ
خَلَفَهُ نَبِيٍّ) حال من فاعل («تسوسهم؛ أي: كلما مات نبيّ أتى بعده نبيّ آخر،
يقال: خلفت فلاناً على أهله، وماله، من باب نصر خِلافة: صرتُ خليفته،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣١/١٢.
(٢) قال الجامع: هذا الحديث ضعيف، ويُغني عنه ما في ((الصحيحين)) من حديث
معاوية ربه مرفوعاً: ((لا يزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا يضرّهم من خَذَلهم،
ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله، وَهُم على ذلك))، فتنبّه.
(٣) قال الجامع: وهذا حديث لا أصل له، انظر: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ
الألبانيّ تختمُ ١/ ٦٧٩.
(٤) ((المفهم)) ٤ / ٤٧ - ٤٨.

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وخَلَفته: جئتُ بعده(١).
(وَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك
في ((الكافية الشافية))(٢):
بِجُمْلَةٍ كَـ((إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى»
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا
إِذَا أَتَى مُرْتَفِعاً أَوِ انْتَصَبْ
للابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ
حَتْماً وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ
كَـ((إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ)»
فِي بَابٍ ((إِنَّ) اسْماً كَثِيراً يُحْذَفُ
أُنْكَ أَوْ شَبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا
وَقَبْلَ مَا أُنَّثَ عُمْدَةً فَشَا
تَأْنِينُهُ كَـ«إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا))
(لَا نَبِيَّ بَعْدِي)؛ أي: فيفعلَ ما كان أولئك يفعلون، وقال الطيبيّ نَظُّهُ:
قوله: ((وإنه لا نبيّ بعدي)) معطوف على ((كانت بنو إسرائيل))، واسم ((إنّ)) ضمير
الشأن، وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لإرادة الثبات والتوكيد في
الثاني؛ يعني: أن قصّة بني إسرائيل كيت وكيت، وقصّتنا كيت وكيت.
(٣)
انتھی (٣) .
وقال القرطبيّ تَخْذَّهُ: قوله: ((وإنه لا نبيّ بعدي)): هذا النفي عامٌّ في
الأنبياء والرُّسل؛ لأن الرَّسول نبيٍّ وزيادة، وقد جاء نصّاً في كتاب الترمذيّ (٤)
قوله: ((لا نبي بعدى ولا رسول))، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَّمَ
النَِّنُّ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، ومن أسمائه وّ في الكتب المتقدمة، وفيما
أطلقته هذه الأمَّة: خاتم الأنبياء، ومن أسمائه: العاقب، والمقفِّي، فالعاقب:
الذي يَعْقُبُ الأنبياءَ، والْمُقَفِّي: الذي يقفوهم؛ أي: يكون بعدهم.
وعلى الجملة: فهو أمرٌ مُجْمَع عليه، معلوم من دِين هذه الأمَّة، فمن
ادَّعى أنَّه بَعْدَهُ نبيّ، أو رسولٌ؛ فإن كان مُسِرّاً لذلك، واطُّلِع عليه بالشهادة
المعتبرة قُتِل قِتْلة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد، يُستتاب، فإن تاب، وإلا
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٧٨/١.
(٢) ((الكافية الشافية)) ٢٣٣/١ - ٢٣٤.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٤/٨.
(٤) ليس عند الترمذيّ، بل هو عند الحاكم في ((المستدرك)) ٦٣١/٢.

١١٧
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٤)
قُتِل قِتْلة مُرتدٍّ. انتهى (١).
(وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ)؛ أي: بعدي، (فَتَكْثُ))) بالثاء المثلّثة، وحَكَى عياض أن
منهم مَن ضبطه بالموحّدة، وهو تصحيف، ووَجَّه بأن المراد: إكبار قبيح
فِعْلهم، وفي رواية البخاريّ: ((فيكثرون)).
وقال النوويّ رَُّ: قوله: ((فتكثر)) بالثاء المثلثة من الكثرة، هذا هو
الصواب المعروف، قال القاضي: وضَبَطه بعضهم: ((فتكبر)) بالباء الموحّدة،
كأنه من إكبار قبيح أفعالهم، وهذا تصحيف. انتهى(٢).
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لديه وَّ﴾ حين أخبر بهذا، (فَمَا
تَأْمُرُنَا؟) وفي بعض النسخ: ((فماذا تأمرنا؟))؛ أي: أيُّ شيء تأمرنا به إذا أدركنا
أولئك الخلفاء؟ .
والفاء في قوله: ((فما تأمرنا)) جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كثر بعدك
الخلفاء، فوقع التشاجر، والتنازع بينهم، فما تأمرنا نفعل؟(٣).
(قَالَ) بَيِ ((فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ) (فُوْا)) بضمّ الفاء، وسكون الواو:
فعلُ أَمْر من الوفاء، والمعنى: أنه إذا بويع الخليفة بعد خليفة، فبيعة الأول
صحيحةٌ، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة.
وقال الطيبيّ كَّلُهُ: الفاء في قوله: ((فالأول)) للتعقيب، والتكرار
للاستمرار، ولم يُرد به في زمان واحد، بل الحكم هذا مستمرّ عند تجدّد كل
زمان، وتجدّد كلّ بيعة(٤).
وقال القرطبيّ تَخْذّثُهُ: هذا الحديث دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول،
وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر، وقد نصَّ عليه في الحديث
الآتي عند مسلم حيث قال: ((فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر))، وفي
رواية: ((فاضربوه بالسيف كائناً من كان))، وهذا الحكم مجمَعٌ علیه عند تقارب
الأقطار، وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضَبْطها، فأمَّا لو تباعدت
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣١/١٢.
(١) ((المفهم)) ٤ /٤٨.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٤/٨.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨/ ٢٥٦٤.

١١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الأقطار، وخِيْفَ ضَيْعَةُ البعيد من المسلمين، ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور
من بَعُدَ عنه؛ فقد ذكر بعضُ الأصوليين أنهم يُقيمون لأنفسهم والياً يدبّرهم،
ويستقلُّ بأمورهم، وقد ذكر أنَّ ذلك مذهب الشافعي في ((الأم)).
قال القرطبيّ: ويمكن أن يقال: إنهم يقيمون من يدبّر أمورهم على جهة
النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنّهم يخلعون الإمام المتقدم حُكماً، ويُوَلَّونَ هذا
بنفسه مستقلاً، هذا ما لا يوجد نصّاً عن أحدٍ ممن يُعتبر قوله، والذي يمكن أن
يُفعل في مثل هذا؛ إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يُقيموا لأنفسهم من
يدبّرهم ممن يعترفُ للإمام بالسَّمع والطّاعة، فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام،
فالأمر له في إبقاء ذلك أو عَزْلِه.
ثم للإمام أن يفوِّض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام، ويجعل للوالي
عليهم الاستقلال بالأُمور كلِّها؛ لتعذّر المراجعة عليهم، كما قد اتَّفَق لأهل
الأندلس، وأقصى بلاد العجم، فأمَّا لو عُقِدتْ البيعةُ لإمامين معاً في وقتٍ
واحدٍ في بلدين متقاربين، فالإمامة لأرجحهما، وهل قرابة أحدهما من الإمام
المتوفى موجبة للرجحان أم لا؟ اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: يُقَدّم الأقعد،
فالأقعد به؛ كولاية النكاح، ومنهم من لم يعتبر ذلك، وفرَّق بين الولايتين،
والفرق واضحٌ، فأمَّا لو تساويا من كل وجه فَيُقْرِعُ بينهما، والفرض في اثنين
كل واحد منهما كامل أهلية الإمامة، باجتماع الشروط المعتبرة المنصوص عليها
في كتب أئمتنا المتكلمين. انتهى(١).
(وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ) قال الطيبيّ ◌َّتُهُ: هذا كالبدل من قوله: ((فُوا ببيعة
الأول))؛ أي: أطيعوهم، وعاشروهم بالسمع والطاعة، فإن الله يحاسبهم على
ما يفعلونه بكم.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((أعطوهم حقهم))؛ يعني به: السَّمع،
والطاعة، والذَّبَّ عنهم ◌ِرضاً، ونفساً، والاحترام، والنُّصرة لهم على مَنْ بَغَى
عليهم(٢) .
(فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ) قال الطيبيّ تَخْلَُّ: هذا تعليل للأمر بإعطائهم حقّهم،
(١) ((المفهم)) ٤٩/٤ - ٥٠.
(٢) ((المفهم)) ٥٠/٤.

١١٩
(١٠) - بَابُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ - حديث رقم (٤٧٦٤)
وفيه اختصار؛ أي: فأعطوهم حقّهم، وإن لم يُعطوكم حقّكم؛ لأن الله سائلهم
عما استرعاهم، ويُثيبكم بما لكم عليهم من الحقّ؛ لقوله في الحديث الآخر:
((أدُّوا إليهم حقّهم، واسألوا الله حقّكم)).
وقوله: (عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)))؛ أي: استحفظهم، وجعلهم راعين لكم،
ومحافظين على حقوقكم، فهو كحديث ابن عمر ظها المتقدم: «كُلَّكُم راع،
وكلُّكم مسؤول عن رعيته))، وتقدّم شرحه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإلّيه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٦٤/١٠ و٤٧٦٥] (١٨٤٢)، و(البخاريّ) في
(«أحاديث الأنبياء)) (٣٤٥٥)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٧١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٩٧/٢)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٥٦/١)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٥٥٥ و٦٢٤٩)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٤٠٩/٤ و٤١٠)،
و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنّة)) (٥١٢/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٤/٨)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٤٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول، فالأول.
٢ - (ومنها): أن في قوله وَله: ((وستكون خلفاء فتكثر)) معجزة ظاهرة
له وَج حيث أخبر بما سيقع بعده، فوقع على نحو ما أخبر عنه، ووُجد كذلك
في غير ما وقت؛ فمن ذلك: مبايعة الناس لابن الزبير بمكة، ولمروان بالشام،
ولبني العباس بالعراق، ولبني مروان بالأندلس، ولبني عُبيد بمصر، ثم لبني
عبد المؤمن بالمغرب، قاله القرطبيّ تَذْهُ(١).
٣ - (ومنها): أن فيه تقديمَ أمر الدين على أمر الدنيا؛ لأنه ◌َ ﴿ أمر بتوفية
(١) ((المفهم)) ٤٨/٤ - ٤٩.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
حقّ السلطان؛ لِمَا فيه من إعلاء كلمة الدين، وكفّ الفتنة، والشر، وتأخيرُ أمر
المطالبة بحقّه لا يسقطه، وقد وعده الله أنه يُخَلِّصه، ويوفّيه إياه، ولو في الدار
الآخرة(١).
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: معنى هذا الحديث أنه إذا بويع
لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة
يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالِمين بعقد الأول
أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين، أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام
المنفصل، والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا، وجماهير
العلماء، وقيل: تكون لمن عُقدت له في بلد الإمام، وقيل: يُقرع بينهم، وهذان
فاسدان، واتَّفَق العلماء على أنه لا يجوز أن يُعقد لخليفتين في عصر واحد،
سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه ((الإرشاد)): قال
أصحابنا: لا يجوز عَقْدُها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عَقْدها لاثنين
في صُفْع واحد، وهذا مُجْمَع عليه، قال: فإن بَعُد ما بين الإمامين، وتخللت
بينهما شُسوع، فللاحتمال فيه مجال، قال: وهو خارج من القواطع، وحَکَی
المازريّ هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمام
الحرمين، وهو قول فاسد مخالفٌ لِمَا عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق
الأحاديث، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في قوله: قول فاسد ... إلخ نظرٌ فيما إذا
اختلفت الأقاليم، كما صوّره إمام الحرمين، وظواهر النصوص إنما تدلّ على
المنع فيما إذا وقع التنازع في إقليم واحد، فما مال إليه إمام الحرمين هو
الظاهر، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فُرَاتٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
(١) ((الفتح)) ٩٧/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٥٥).