Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٦)
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) ظاهر في أنه تحرم الطاعة في المعصية المأمور بها، وأن
المطيع فيها يستحقّ العقاب.
٧ - (ومنها): ما قاله أيضاً: قوله: ((وقال للآخرين قولاً حسناً)) يدلّ على
مدح المصيب في المجتهدات، كما أنّ القول الأول يدلّ على ذمِّ المقصّر
المخطئ وتعصيته، مع أنه ما كان تقدّم لهم في مثل تلك النازلة نصٍّ، لكنهم
قصّروا حيث لم ينظروا في قواعد الشريعة الكلية، ومقاصدها المعلومة الجليّة.
(١)
انتھی
٨ - (ومنها): أَنَّ الْأَمْرِ الْمُظْلَقِ لَا يَعُمّ الْأَحْوَال؛ لِأَنَّهُ وَِّ، أَمَرَهُمْ أَنْ
يُطِيعُوا الْأَمِيرِ، فَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ، حَتَّى فِي حَالِ الْغَضَب، وَفِي
حَالِ الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ بِهِ، أَنَّ الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِ، مَقْصُور عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ
فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ (٢).
٩ - (ومنها): أنه اسْتَنْبَطَ مِنْ هذا الحديث الشَّيْخِ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي
جَمْرَة، أَنَّ الْجَمْعِ مِنْ هَذِهِ الْأَمَة، لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأ؛ لِانْقِسَامِ السَّرِيَّة
قِسْمَيْنٍ: مِنْهُمْ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ دُخُول النَّار، فَظَنَّهُ طَاعَة، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَّ حَقِيقَة
الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ مَقْصُور عَلَى مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، فَكَانَ اخْتِلَافهمْ سَبَباً لِرَحْمَةِ الْجَمِيع،
قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ صَادِقِ النِّيَّة، لَا يَقَعِ إِلَّ فِي خَيْرِ، وَلَوْ قَصَدَ الشَّرّ،
فَإِنَّ الله يَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْض أَهْلِ الْمَعْرِفَة: مَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ، وَقَاهُ اللهُ،
وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ، كَفَاهُ اللهُ(٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال أبو العبّاس القرطبيّ كَّلُ: هذا الحديث يرُدّ
حكايةً، حُكيت عن بعض مشايخ الصوفيّة، وذلك أن مريداً له قال له يوماً: قد
حَمِي التّنّور، فما أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول، فقال له: ادخل فيه،
فدخل المريد في التّور، ثم إن الشيخ تذكّر، فقال: الحقوه، كان قد عَقَد على
نفسه أن لا يُخالفني، فَلَحِقُوه، فوجدوه في التّور لم تضرّه النار. وهذه الحكاية
(١) ((المفهم)) ٤٠/٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٤٠).
(٣) راجع: ((بهجة النفوس)) ٧٢/٤ - ٧٣.

٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
أظنّها من الكذب الذي كُذب به على هذه الطائفة الفاضلة، فكم قد كَذَبَ عليها
الزنادقة، وأعداء الدين(١).
قال: وبيان ما يُحقّق ذلك أن هذا الشيخ إما أن يكون قاصداً لأمر ذلك
المريد بدخول التنّور، أو لا، فإن كان قاصداً كان قصده ذلك معصيةً، ولا
طاعة فيها بنصّ النبيّ وَل﴿، ويكون امتثال المريد لذلك معصيةً، وكيف تظهر
الكرامات على العصاة في حال معصيتهم؟، فإن الكرامة تدلّ على حسن حال
من ظهرت على يديه، وأنه مطيع لله تعالى في تلك الحالة مع جواز أمر آخر
يكون في المستقبل.
وإن كان ذلك الشيخ غير قاصد لذلك، ولا شاعر بما صدر عنه، فكيف
يحلّ للمريد أن يُلقي نفسه في النار بأمر غلط، لا حقيقة له، ثم هذا المريد
عاص بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامة في حال ملابسته للمعصية،
ولو جاز ذلك لجاز للزناة، وشَرَبَة الخمر، والفَسَقَة أن يدّعوا الكرامات، وهم
ملابسون لفسقهم، هذا ما لا يجوز إجماعاً، وإنما تُنسب الكرامات الأولياء الله،
وهم أهل طاعته، لا أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان.
والأولى في هذه الحكاية، وأشباهها مما لا يليق بأحوال الفضلاء،
(١) قال الجامع عفا الله عنه: في دعوى القرطبيّ الكذب عليهم نظر لا يخفى، فإن هذه
القصّة وأشباهها موجود في كتب هذه الطائفة، ومسطر عندهم، يتبجّحون به،
ويجعلونه من جملة كرامات مشايخهم، فمن شكّ في هذا، فليُطالع ((طبقات
الشعرانيّ)) الكبرى، و((رسالة القشيريّ))، و((جامع كرامات الأولياء)) للنبهانيّ، وغير
ذلك من الكتب المعتمدة عندهم التي يجعلونها أساساً لطريقتهم، ويذكرون
المريديهم فضلها، ويحثّونهم على سلوك ما وجّهت إليه، ومن خالفها فقد هلك
وعطب، ولا ينال مما عندهم من المدد شيئاً، بل يكون محروماً مطروداً، فكيف
يقال: إن هذا مما كَذَب عليها الزنادقة؟ هيهات هيهات، فإن أردت أن تعلم أنّ ما
قلته حقّاً، فراجع على سبيل المثال: ((طبقات الشعرانيّ)) ٩٧/٢ و١٢٢ و١٦٦
و١٦٧ ترى العجب العجاب، ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةٌ
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
﴾﴾، اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً،
وارزقنا اجتنابه، إنك وليّ ذلك، والقادر عليه، آمين.

٨٣
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٦)
والعلماء الطعن على الناقل، لا على المنقول عنه، والله تعالى أعلم.
[فإن قيل]: إن الشيخ لم يكن قاصداً لإدخال المريد نفسه النار، وإنما
صدر ذلك منه على جهة التأديب والتغليظ؛ لكونه أكثر عليه من السؤال، فكأنه
قطعه عما كان أولى به في ذلك الحال، والمريد لصحّة اعتقاده في شيخه،
وللوفاء بما جعل له عليه من الطاعة، وتَرْك المخالفة، ولاعتقاده أنه لا يأمره
إلا بما فيه مصلحةٌ دينيّةٌ، ثم إنه قد صحّ توكّل هذا المريد على الله تعالى،
وصدقه في حاله، فحصل له من مجموع ذلك أن الله تعالى ينجّيه من النار،
ويجعل له في ذلك مخرجاً .
[فالجواب]: أن يقول من يُجوّز الإقدام على تلك الحالة بتلك القيود
المذكورة، يلزمه أن يُجوّز ما هو مُحرّم إجماعاً.
بيان ذلك: أنه لو قال له على تلك الحال بتلك القيود: اقتل فلاناً
المسلم، أو ازْنٍ بفلانة، أو اشرب الخمر، لم يجُز الإقدام على شيء من ذلك
بالإجماع، ولو كانت له تلك القيود كلّها، ولا فرق بين صورة الحكاية
المذكورة، وبين هذه الصور التي ذكرناها، إذ الكلّ محرّمٌ قطعاً، وإن جُوّز
انخراق العادة في أن النار لا تحرق، والسيف لا يحُزّ الرقبة، والْمُذْية لا تقطع
الحلق، لكنّ هذه التجويزات لا يُلتفت إليها، ولا تُهَدّ القواعد الشرعيّة لأجلها،
فلو أقدم على شيء من تلك الأمور لأجل أمر هذا الشيخ، لكان عاصياً،
فكذلك إذا ألقى نفسه في النار، ولا فرق.
ثم نقول: إن التوكّل على الله لا يصحّ مع المخالفة والمعصية، وذلك أن
التوكّل على الله تعالى هو الاعتماد عليه، والتفويض إليه فيما يجوز الإقدام
عليه، أو فيما يُخاف وقوعه، أو يُرتجى حصوله، وقد يُفضي التوكّل بصاحبه
إلى أن لا يخاف شيئاً إلا الله، ولا يرجو سواه؛ إذ لا فاعل على الحقيقة إلا
هو، وهذه الحالة إنما تثمرها المعرفة بالله تعالى، وبأحكامه، وملازمة الطاعة
والتقوى، والتوفيق الخاصّ الإلهيّ، وعلى هذا فمن المحال حصول هذه الحالة
مع المعصية والمخالفة، والصحيح ما قاله رسول الله ويتليفون: ((لو دخلوها ما
خرجوا منها))، وهذا هو الحقّ المُبين، ولو كَرِه أكثر الجاهلين.
ومن نوع هذه الحكاية: حكاية أبي حمزة الذي وقع في البئر، ثم جاء

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
قومٌ، وغطّوا البئر، وهو في قعره ساكت، لم يتكلّم، متوكّلاً على الله تعالى إلى
أن غطّوا البئر، وانصرفوا، وللكلام في هذا موضع آخر. انتهى كلام
القرطبيّ كَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ تَّثُ كلام نفيسٌ
جدّاً، فإن مثل هذه الحكايات كثيرة في هذه الطائفة، ومن يُطالع ((طبقات
الأولياء)) للشعرانيّ يرى العجب العجاب، فتنبّه أيها العاقلِ، ولا تغترّ بمثل
هذا، وهذا هو الحقّ الأبلج، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَيِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ [يونس: ٣٢]،
نسأل الله تعالىٍ أن يهدينا الصراط المستقيم، ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ
[آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقّاً،
لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَتَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ - قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً، مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ، وَيُطِيعُوا،
فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَباً، فَجَمَعُوا لَهُ(٢)، ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا
نَاراً، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ تَسْمَعُوا لِي، وَتُطِيعُوا؟
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنَ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِتَتِ النَّارُ، فَلَمَّا
رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَِّّ وَهِ، فَقَالَ: ((لَوْ دَخَلُوهَا(٣) مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ
فِي الْمَعْرُوفِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ،
(١) ((المفهم)) ٤ /٤١ - ٤٣.
(٢) وفي نسخة: ((فجمعوا، ثم قال)).
(٣) وفي نسخة: ((لو دخلوا فيها)).

٨٥
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٨)
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤، وهو من
مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم المذكورون في قولي:
ذَوُو الأُصُولِ السَِّّةِ الْوُعَاةُ
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاهُ
الْحَافِظِينَ الْبَارِعِنَ الْبَرَرَهْ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُخْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا
٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورِعٌ، لكنّه يُدلّس [٥] (ت١٤٧) أو بعدها
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (رَجُلاً، مِنَ الأَنْصَارِ) هذا دليل واضح على أن الرجل المذكور
ليس عبد الله بن حذيفة؛ لأنه قرشيّ مهاجريّ، لا أنصاريّ، فالقصّة غير
القصّة، وقد تقدّم تحقيق ذلك في الحديث الماضي.
وقوله: (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)؛ أي: فيما رضيه الشارع،
واستحسنه، وهذا صريح في أنه لا طاعة في محرّم، فهو مقيّد للأخبار
المطلقة(١).
وقال في ((العون)): قوله: ((في المعروف))؛ أي: لا في المنكر، والمراد
بالمعروف: ما كان من الأمور المعروفة في الشرع، وهذا تقييد لِمَا أُطلق في
الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الأمر على العموم. انتهى (٢)، وتمام
شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِبِعُ، وَأَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
(١) ((فيض القدير)) ٦/ ٤٣٢.
(٢) ((عون المعبود)) ٢٠٨/٧.

٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة دَّثُ
في ((مصنّفه))، فقال:
(٣٣٧٠٦) - حدّثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن
أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ، قال: بعث رسول الله وَّهِ سَرِيّةً،
واستَعْمَل عليهم رجلاً من الأنصار، فأمرهم أن يسمعوا له، ويطيعوا، قال:
فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له حطباً، قال: أوقدوا
ناراً، فأوقدوا ناراً، قال: ألم يأمركم أن تسمعوا لي، وتطيعوا؟ قالوا: بلى،
قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى
رسول الله وَ﴿ من النار، قال: فبينما هم كذلك إذ سكن غضبه، وطَفِئت النار،
قال: فلما قَدِمُوا على النبيّ ◌َّ﴿ ذكروا ذلك له، فقال: ((لو دخلوها ما خرجوا
منها، إنما الطاعة في المعروف)). انتهى(١).
وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد نَّهُ في
((مسنده))، فقال:
(٦٢٢) - حدّثنا عبد الله(٢)، حدّثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش،
عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ رَُّه قال: بعث
رسول الله وَ﴿ه سَرِيّةً، واستَعْمَل عليهم رجلاً من الأنصار، قال: فلما خرجوا
قال: وَجَدَ عليهم في شيء، فقال: قال لهم: أليس قد أمركم رسول الله وَل ◌ّل أن
تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطباً، ثم دعا بنار،
فأضرمها فيه، ثم قال: عَزَمت عليكم لتدخلنّها، قال: فَهَمَّ القوم أن يدخلوها،
قال: فقال لهم شابّ منهم: إنما فررتم إلى رسول الله وَلا﴿ من النار، فلا
تعجلوا حتى تَلْقَوا النبيّ وََّ، فإن أَمَركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٤٣/٦.
(٢) هو: ولد الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه، فتنبّه.

٨٧
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٩)
إلى النبيّ وَّر، فأخبروه، فقال لهم: ((لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما
الطاعة في المعروف)). انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٩] (١٧٠٩)(٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
إِدْرِيسَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِنَّهِ عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي الْعُسْرِ
وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ،
وَعَلَى أَنْ تَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللّهِ لَوْمَةَ لَائِمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت٢٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ) بن الصامت الأنصاريّ المدنيّ، أبو
الصامت، ويقال له: عبد الله أيضاً، ثقةٌ [٤].
رَوَى عنه أبيه، وجدّه، وأبي اليسر كعب، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن
عبد الله، وأبي سعيد الخدريّ، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وغيرهم.
وروى عنه عبيد الله بن عمر، وابن عجلان، وابن إسحاق، ويزيد بن
الهاد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والوليد بن كثير، وعلي بن زيد بن
جُذعان، وغيرهم.
قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
کنیته أبو الوليد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٧٠٩)، وحديث (٣٠١٤): ((من
أنظر معسراً، أو وضع عنه ... )) الحديث.
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ١/ ٨٢.
(٢) هذا مكرر، تقدّم.

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
٣ - (أَبُوهُ) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاريّ، أبو عبادة المدنيّ،
وُلد في حياة النبيّ وَِّ، ثقةٌ، من كبار [٢].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه عبادة، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن يحيى بن
حَبّان، وعطاء بن السائب، وسليمان بن حبيب المحاربيّ، وعُمارة بن عُمير،
ویزید بن أبي حبيب، وغيرهم.
قال العجليّ: شاميّ، تابعيٌّ، ثقة، وقال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة
عبد الملك بن مروان، وكان ثقةً، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال هو وابن سعد: وُلِد في آخر عهد النبيّ وَّهِ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (جَدُّهُ) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو الوليد
المدنيّ، أحد النقباء، بدريّ مشهور، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنةً،
وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٨/١٠.
والباقون ذُكروا في الباب، و((عبيد الله بن عمر)) هو الْعُمريّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َُّ، وفيه تابعيّان رويا عن تابعيّ، عن
تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، عن جدّه، وأن صحابيّه من مشاهير
الصحابة ﴿، شهد بدراً، وما بعدها، وهو أحد النقباء ليلة العقبة
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) الوليد بن عبادة (عَنْ جَدِّهِ)؛ أي
جدّ عبادة بن الوليد، وهو عبادة بن الصامت ﴿به أنه (قَالَ: بَايَعْنَا
رَسُولَ اللهِ وَ له)؛ أي: عاهدناه، وعاقدناه، وأعطيناه خالصة أنفسنا.
[تنبيه]: ((البيعة)) - بفتح، فسكون -: في الأصل الصَّفقة على إيجاب
البيع، وجمعها بَيْعَات - بالسكون - وتُحرّك في لغة هُذَيل، وهو على خلاف
القياس؛ لأن القاعدة أن قياس فَعْلَة - بفتح الفاء، وسكون العين - على

٨٩
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٩)
فَعْلات، ساكن العين أيضاً، إن كان معتلّ العين، نحو: ﴿تَرَى الفََّلِمِينَ مُشْفِقِينَ
مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ أُلْجَنَّاتِّ
لَمُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ
٢٢
[الشورى: ٢٢]، و﴿يَكَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُوْ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ وَالَّذِينَ لَّ يَبْلُغُواْ الْحُ مِنْكُمْ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِّنْ قَبْلٍ
صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ بِيَابَكُمْ مِّنَ الْقَّهِيَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ ثَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ
لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَ عَلَيْهِمْ جُنَاٌ بَعْدَهُنُّ ◌َّقُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمُ الْأَبَثِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[النور: ٥٨]، هذا لغة عامة العرب،
٥٨)
وتفتحها هُذَيلٌ إتباعاً للفاء.
ثم تُطلق البيعة على المبايعة، والطاعة، وهو المراد هنا.
قال في ((الفتح)): المبايعة: عبارة عن المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيهاً لها
بالمعاوضة الماليّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. انتهى.
وقال في ((النهاية)) ما معناه: المبايعة على الإسلام: عبارة عن المعاقدة
عليه، والمعاهدة، كأن كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه
خالصة نفسه، وطاعته، ودخيلة أمره. انتهى.
وقال القاضي عياض تَخُّْ ما حاصله: اختلف في اشتقاق البيعة، فقيل:
أصله من البيع؛ لأن المتبايعين يُمُدّ كلّ واحد منهما يده إلى صاحبه، ولمّا كان
الأمراء عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد، يأخذون بيده، شُبّه بذلك،
فسُمّیت مبايعةً، وقيل: بل كانوا يضربون بأيدي بعضهم على بعض عند التبايع،
ولهذا سمّيت صفقةً؛ لِصَفْق الأيدي عندها، فسُمّيت بها، وقيل: بل سُمّيت
مبايعة؛ لِمَا فيها من المعاوضة، تشبيهاً بالبيع أيضاً؛ لِمَا وعدهم الله من
الجزاء، والثواب على الإسلام، وطاعة الرسول وَ ل*، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ
أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ الآية [التوبة: ١١١].
انتهى كلام القاضي عياض كَّتُهُ .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْلُهُ: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن
المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى،
وقد وعده الله تعالى على ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدق

٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
على ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأُسْتَبْشِرُواْ
بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِدٍ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، وعلى نحوٍ من هذا قال النبيّ وَّ
لصهيب: ((ربحَ البيع أبا يحيى))(١)، وكانت قريش تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل
لهم ماله في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمّاه النبيّ وَلّ بيعاً، وهذا
أحسن ما قيل في المبايعة.
[تنبيه آخر]: كانت تلك المبايعة ليلة العقبة، كما قاله في ((الفتح))، قال
أبو العبّاس القرطبيّ كَّتُهُ: هذه البيعة تُسمّى بيعة الأمراء، وسُمّيت بذلك؛ لأن
المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء، وقد كان عبادة حظه بايع
رسول الله ﴿ بيعة النساء، وسمّيت بذلك؛ لأنه لم يكن فيها ذِكْر حرب، ولا
قتال، وقد بايع النبيّ وَ له أصحابه بيعة الرضوان، وسمّيت بذلك لقول الله تعالى:
﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨].
(٢)
انتھی(٢) .
(عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ) متعلّق بـ(بايعنا))، و((على)) بمعنى اللام، أو
بتضمين ((بايعنا)) معنى العهد؛ أي: عاهدناه على أن نسمع كلامه، ونطيع أمره،
وكذا من يقوم بعده مقامه من الخلفاء. (فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ) وفي رواية
إسماعيل بن عُبيد عند أحمد: ((وعلى النفقة في العسر واليسر))، (وَالْمَنْشَطِ)
بفتح الميم، والمعجمة، وسكون النون بينهما؛ أي: في حالة نشاطنا.
(وَالْمَكْرَهِ) بضبط ما قبله؛ أي: في الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل
بما نؤمر به، ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد: الأشياء التي يكرهونها،
قال ابن التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقّة في الخروج؛ ليطابق
قوله: ((في المنشط))، ويؤيّده ما وقع في رواية إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة، عن
عبادة، عند أحمد: ((في النشاط والكسل))، قاله في ((الفتح)).
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٩٨/٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه
الذهبيّ.
(٢) ((المفهم)) ٤ /٤٤ - ٤٥.

٩١
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٩)
وقال السنديّ: الْمَنشَطُ، والْمَكْرِهِ: مَفْعلٌ بفتح الميم والعين، من
النشاط، والكراهة، وهما مصدران؛ أي: في حالة النشاط والكراهة؛ أي:
حالة انشراح صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يُضادّ ذلك، أو اسما زمان، والمعنى
واضح، أو اسما مكان؛ أي: فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم، كذا قيل، ولا
يخفى أن ما ذكره من المعنى على تقدير كونهما اسمَيْ مكان مجازيّ، وكذا قال
بعضهم: كونهما اسمَيْ مكان بعيد. انتهى(١).
(وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا) - بفتح الهمزة، والمثلّثة -؛ أي: تفضيل غيرنا علينا في
الفيء، أو في غيره. والمراد: أن طواعيتهم لمن يتولّى عليهم لا تتوقّف على
إيصالهم حقوقهم إليهم، بل عليهم الطاعة، ولو منعوهم حقّهم.
(وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ)؛ أي: وبايعناه أيضاً على أن لا ننازع الأمر؛
أي: الملك والإمارة، أو كلّ الأمور، (أَهْلَهُ) الضمير للأمر؛ أي: إذا وُكل
الأمر إلى من هو أهلٌ له، فليس لنا أن نجرّه إلى غيره، سواء كان ذلك الغير
أهلاً، أم غير أهل، زاد في رواية أحمد: ((وإن رأيت أن لك))؛ أي: وإن
اعتقدتَ أن لك في الأمر حقّاً، فلا تعمل بذلك الظنّ، بل اسمع، وأطع إلى
أن يَصِل إليك بغير خروج عن الطاعة، وزاد في رواية عند ابن حبّان وأحمد:
((وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك)).
(وَأَنْ نَقُولَ) باللام في رواية مسلم، وفي رواية للبخاريّ: ((وأن نقوم))
بالميم، (بِالْحَقِّ)؛ أي: بإظهاره، وتبليغه للناس (أَيْنَمَا كُنَّا)؛ أي: في موضع
وُجدنا، (لا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِم)؛ أي: لا نترك قول الحقّ لأجل خوف ملامة
اللائمین علینا .
وقال النوويّ كَّلُهُ: معناه: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر في كلّ
زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نُداهن فيه أحداً، ولا نخافه، ولا نلتفت إلى
اللائمين. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٣٨/٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/١٢.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت ضُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٥٩/٨ و٤٧٦٠ و٤٧٦١ و٤٧٦٢]
(١٧٠٩)(١)، و(البخاريّ) في ((الفتن)) (٧٠٥٦) و((الأحكام)) (٧١٩٩)،
و(النسائيّ) في ((البيعة)) (١٣٩/٧) و((الكبرى)) (٤٢١/٤ - ٤٢٢ و٢١١/٥ -
٢١٢)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٨٦٦)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٩٧٧)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٤/٥ و٣١٦ و٣١٨ و٣٢١)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٥٤٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٧/٤ - ٤٠٨)، و(ابن
الجعد) في ((مسنده)) (٢٦١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٥/٨)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٤٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وجوب سمع كلام الأمراء، وطاعة أوامرهم.
٢ - (منها): بيان مشروعيّة بيعة الإمام على السمع والطاعة.
٣ - (ومنها): أن وجوب الطاعة لا يختلف باختلاف الأحوال من العسر
واليسر، والنشاط والكُره، فيجب على المسلم طاعتهم في كلّ أحواله، قَدْر
استطاعته .
٤ - (ومنها): أنه لا يجوز منازعة وليّ الأمر في شأن الولاية، ولا في
غيرها، إلا أن يكون معصية، إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق.
٥ - (ومنها): وجوب قول الحقّ، من الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، وعدم المداهنة فيه للناس، ولا الالتفات إلى لوم لائمهم، بل يغيّر
المنكر بكلّ ما يقدر عليه، من فعل، أو قول، ما لم يخشَ إثارة فتنة، وتسبُّب
منكر أشدّ منه.
(١) هذا الرقم للأستاذ محمد فؤاد كثّفُ، وهو إشارة إلى أن حديث عبادة به هذا تقدّم
بالرقم المذكور، لكن سياق الذي تقدّم غير هذا السياق، وقد تقدّم في كتاب
((الحدود)) برقم [١١/ ٤٤٥٣] (١٧٠٩) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٩٣
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٩)
قال النوويّ تَخُّْ: وأجمع العلماء على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه، أو ماله، أو على غيره،
سقط الإنكار بيده، ولسانه، ووجبت كراهته بقلبه، هذا مذهبنا، ومذهب
الجماهير، وحكى القاضي هنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقاً في هذه
الحالة، وغيرها. انتهى(١).
وقال الطبريّ تَخّتُهُ: اختَلَف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة:
يجب مطلقاً، واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه: ((أفضل الجهاد كلمة
حقّ عند سلطان جائر))، وبعموم قوله وقله: ((من رأى منكم منكراً فليغيره
بيده ... )) الحديث، وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا
يلحق المنكر بلاء، لا قِبَلَ له به من قَتْل، ونحوه، وقال آخرون: يُنكِر بقلبه؛
لحديث أم سلمة ﴿ّ مرفوعاً: ((يُسْتَعْمَل عليكم أمراء بعدي، فمن كَرِهَ فقد
برئ، ومن أنكر فقد سَلِم، ولكن من رَضِيَ وتابع ... )) (٢) الحديث.
قال: والصواب اعتبار الشرط المذكور، ويدلّ عليه حديث: ((لا ينبغي
لمؤمن أن يذلّ نفسه))، ثم فسّره بأن يتعرض من البلاء لِمَا لا يُطيق. انتهى
ملخصاً .
وقال غيره: يجب الأمر بالمعروف لمن قَدَر عليه، ولم يَخَف على نفسه
منه ضرراً، ولو كان الأمر متلبساً بالمعصية؛ لأنه في الجملة يُؤْجَر على الأمر
بالمعروف، ولا سيما إن كان مطاعاً، وأما إثمه الخاصّ به فقد يغفره الله له،
وقد يؤاخذه به، وأما من قال: لا يأمر بالمعروف، إلا من ليست فيه وصمة،
فإن أراد أنه الأَولى فجيّد، وإلا فيستلزم سدّ باب الأمر، إذا لم يكن هناك
(٣)
غيره. انتهى
٠
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما سبق أن الحقّ هو ما عليه
جمهور أهل العلم من وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لمن قَدَر
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/١٢.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ.
(٣) ((الفتح)) ٥١٣/١٦، كتاب ((الفتن)) رقم (٧٠٩٨).

٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
عليه، وإلا فلا؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، قال: سمعت رسول الله وَله
يقول: ((من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، رواه مسلم.
فقد رخّص الشارع في هذا النصّ في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر فعلاً، أو قولاً عند عدم الاستطاعة، فالقول بالوجوب مطلقاً مخالف
لهذا النصّ.
لكن لو أخذ أحد بالعزيمة، فواجه من يخافه بذلك، لكان أفضل؛ لِمَا
أخرجه النسائيّ (٤٢١١) بإسناد صحيح، عن طارق بن شهاب، أن رجلاً سأل
النبيّ وََّ، وقد وضع رجله في الْغَرْز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حقّ،
عند سلطان جائر))، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في حكم البيعة:
قال القرطبيّ تَّثُ: البيعة واجبة على كلّ مسلم؛ لقوله وَّهو: ((من مات
وليس في عنقه بيعة، مات ميتةً جاهليّة))، رواه مسلم، غير أنه من كان من أهل
الحلّ والعقد، والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد، إن كان حاضراً، أو
بالقول والإشهاد عليه، إن كان غائباً، ويكفي من لا يؤبه له، ولا يُعرف أن
يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام، ويَسمع، ويُطيع له في السرّ والجهر، ولا
يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره، فمات مات ميِتَةً جاهليّة؛ لأنه لم يجعل في
(١)
عنقه بيعة. انتهى
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((واجبة على كلّ مسلم ... إلخ)) هذا
إذا كان للمسلمين إمام، أما إذا لم يكن لهم إمام، وكانوا فوضى، فلا وجوب؛
لحديث حذيفة المتّفق عليه، واللفظ للبخاريّ، قال: كان الناس يسألون
رسول الله وَ ﴿ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يُدركني، فقلت: يا
رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا
الخير من شر؟، قال: ((نعم))، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال:
(نعم، وفيه دَخَنٌ))، قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يَهدُون بغير هديي، تَعرف
(١) «المفهم)) ٤٤/٤/٤.

٩٥
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٩)
منهم وتُنكر)) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم دُعاة إلى أبواب
جهنم، من أجابهم إليها، قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، فقال:
((هم من جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا))، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال:
((تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم)) قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟
قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك
الموت، وأنت على ذلك)).
فهذا الحديث صريح في أن وجوب لزوم الجماعة إنما يكون إذا وُجدت
الجماعة، وكان لها إمام، وأما إذا لم يكن كذلك، فالواجب اعتزال الفِرَق
كلها، فراراً بدينه، كما أمره به النبيّ وَّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في حكم الخروج على الأئمة لِظُلْمهم:
قال النوويّ كَُّ ما حاصله: أجمع المسلمون على أن الخروج على
الأئمّة وقتالهم حرام، وإن كانوا فَسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى
ما ذكرته، وأجمع أهل السُّنَّة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه
المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكِي عن المعتزلة أيضاً
فَغَلَطُ من قائله، مخالف للإجماع.
قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على
ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر
منها في بقائه.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر،
وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات،
والدعاء إليها، قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة، قال: وقال بعض
البصريين: تنعقد له، وتستدام له؛ لأنه متأوِّلٌ، قال القاضي: فلو طرأ عليه
كفر، وتغيير للشرع، أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب
على المسلمين القيام عليه، وخلعه، ونَصْب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم
يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع،
إلا إذا ظَنُّوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، ولْيُهاجِر المسلم
عن أرضه إلى غيرها، ويفِرّ بدينه، قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداءً، فلو طرأ على

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الخليفة فسق، قال بعضهم: يجب خلعه إلا إن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال
جماهير أهل السُّنَّة، من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق،
والظلم، وتعطيل الحقوق، ولا يُخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب
وعظه، وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك.
قال القاضي: وقد ادَّعَى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رَدَّ
عليه بعضهم هذا بقيام الحسن، وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أمية،
وبقيام جماعة عظيمة من التابعين، والصدر الأول على الحَجَّاج مع ابن
الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: ((أن لا ننازع الأمر أهله)) في أئمة العدل.
وحجة الجمهور أن قيامهم على الحَجّاج ليس بمجرد الفسق، بل لِمَا غيّر
من الشرع، وظاهَرَ من الكفر، كبيعه الأحرار، وتفضيله الخليفة على النبيّ وَّر،
وقوله المشهور المنكر في ذلك، قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان
أوّلاً، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ونقل ابن التين عن الداوديّ قال: الذي عليه العلماء
في أمراء الْجَوْر أنه إن قُدِر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وَجَب، وإلا فالواجب
الصبر، وعن بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداءً، فإن أَحدث جوراً
بعد أن كان عدلاً، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح: المنع، إلا أن
يكفر، فيجب الخروج عليه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير المصحَّح عندي هو
الحقّ، وحاصله أنه لا يجوز الخروج على الأئمة بأيّ نوع من أنواع الفسق،
والظلم، إلا بصريح الكفر، وأما ما عداه، فإن أمكن إزالته بغير خروج عليه،
فذاك، وإلا فلا يجوز الخروج عليه، وهذا هو الذي أوضحه النبيّ وَلّ بقوله:
((إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان))، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(المسألة السادسة): في حكم نصب الإمام:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٩/١٢ بزيادة من ((إكمال المعلم)) ٦/ ٢٤٧.
(٢) ((فتح الباري)) ٨/١٣.

٩٧
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٥٩)
قال الإمام ابن كثير كَّثُ في ((تفسيره)): وقد استدلّ القرطبي وغيره بهذه
الآية(١) على وجوب نصب الخليفة؛ لِيَفْصِل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع
تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي
الفواحش إلى غير ذلك، من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام،
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والإمامة تُنال بالنصّ كما يقوله طائفة
من أهل السُّنَّة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه، كما يقول آخرون منهم، أو
باستخلاف الخليفة آخر بعده، كما فعل الصدِّيق بعمر بن الخطاب، أو بتركه
شورى في جماعة صالحين كذلك، كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحلّ
والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور،
وحَكَى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم.
أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب؛ لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق
والاختلاف، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟
فيه خلاف، فمنهم من قال: لا يُشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال
الجبائيّ: يجب أربعة، وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر ◌ُه الأمر شورى بين
ستة، فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له، وهو
عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر،
والله أعلم.
ويجب أن يكون ذكراً حرّاً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً مجتهداً بصيراً سليم
الأعضاء، خبيراً بالحروب، والآراء، قرشيّاً على الصحيح، ولا يشترط
الهاشميّ، ولا المعصوم من الخطأ؛ خلافاً للغلاة الروافض، ولو فَسَق الإمام
هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل؛ لقوله وَله: ((إلا أن تروا
كُفراً بَوَاحاً، عندكم من الله فيه برهان))، وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف،
وقد عَزَل الحسن بن عليّ ﴿ّ، وسلَّم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد
مدِح علی ذلك.
فأما نَصْبُ إمامين في الأرض، أو أكثر، فلا يجوز؛ لقوله بَّه: (من
(١) يعني آية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَتَبِكَةِ إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾ الآية.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
جاءكم، وأمْرُكم جميع، يريد أن يفرِّق بينكم، فاقتلوه، كائناً من كان))، وهذا
قول الجمهور، وقد حَكَى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين،
وقالت الكرامية: يجوز اثنان فأكثر، كما كان عليّ ومعاوية إمامين واجبي
الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في
الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحَكَى إمام الحرمين عن الأستاذ
أبي إسحاق أنه جوَّز نَصْب إمامين فأكثر، إذا تباعدت الأقطار، واتسعت
الأقاليم بينهما، وتردّد إمام الحرمين في ذلك.
قال ابن كثير: وهذا يُشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين
بمصر، والأمويين بالمغرب. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الجمهور من عدم جواز تعدّد
الأئمة هو الأرجح؛ للحديث المتقدّم، إلا للضرورة، بأن تغلّب أحدٌ، ولا
يستطيعون دفعه؛ لقوّته فلا بأس، كما وقع ذلك في دولة بني العبّاس، حيث
خرج عليهم الأمويّون بالمغرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ -
حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ،
فِي هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ)(٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عجلان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله
المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﴿به [٥] (ت١٤٨) (خت م ٤)
تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (مِثْلَهُ) سقط من بعض النسخ.
[تنبيه]: رواية ابن عجلان، وعبيد الله، ويحيى بن سعيد ثلاثتهم عن
(١) ((تفسير ابن كثير)) ١/ ٧٣.
(٢) سقط لفظ ((مثله)) من بعض النسخ.

٩٩
(٨) - بَابُ وُجُوبٍ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٧٦١)
عبادة بن الوليد ساقها ابن ماجه تكّتُهُ في ((سننه))، وضمّ إليهم ابن إسحاق،
فقال :
(٢٨٦٦) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن
إسحاق، ويحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وابن عجلان، عن عبادة بن
الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت، قال: بايعْنا
رسول الله ◌َ﴿ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره،
والأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحقّ حيثما كنا، لا نخاف
في الله لومة لائم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦١] (.) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي:
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي أَبِي(٢)، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ
إِدْرِيسَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد الْجُهَنيّ مولاهم، أبو
محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت ٦
أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
والباقون ذُكروا قبله.
(١) ((سنن ابن ماجه)) ٩٥٧/٢.
(٢) وفي نسخة: ((عن أبيه، قال: حدّثني)).

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
[تنبيه]: رواية يزيد بن الهاد، عن عبادة بن الوليد ساقها البيهقيّ كَثمّتُهُ في
((الكبرى))، فقال:
(٢٠٣٧٩) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد، ثنا
العباس بن الفضل الأسفاطيّ، ثنا إبراهيم بن حمزة، ثنا عبد العزيز بن محمد،
عن يزيد بن عبد الله - يعني: ابن الهاد - عن عبادة - يعني: ابن الوليد بن
عبادة بن الصامت - عن أبيه، قال: حدّثني أبي، قال: بايعنا رسول الله وَل
على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأَثَرَة علينا، وأن
لا ننازع الأمر أهله، ونقول الحقّ حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ بْنِ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي بُكَيْرٌ، عَّنْ
بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ
مَرِيضٌ، فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا - أَصْلَحَكَ اللهُ - بِحَدِيثٍ، يَنْفَعُ اللهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَبَا يَعْنَاهُ، فَكَانَ(٢) فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ
بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا،
وَأَنْ لَا نُنَازِعَ(٣) الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: ((إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرَاً بَوَاحاً، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ
بُرْهَانٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ بْنِ مُسْلِم) أبو عبيد الله
المصريّ، لقبه بَحْشَل، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت٢٦٤) (م) من أفراد
المصنّف تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٩/ ١٢٧٧.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
(١) (سنن البيهقي الكبرى)) ١٥٨/١٠.
(٣) وفي نسخة: ((ولا ننازع)).
(٢) وفي نسخة: ((فبايعنا، فكان)).