Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٧٠٣)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف كَذَتُهُ، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غير شیخیه،
فالأول بَغْلانيّ، والثاني كوفيّ، وجابر مُّه كان مدنيّاً، ثم نزل الكوفة، وفيه
الرواية بالمكاتبة، وقد اختلف فيها، والجمهور على جوازها، فقد كتب
النبيّ وَلّه إلى الملوك، والقبائل، فلزمتهم الحجة بذلك، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى
جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ﴾ ﴿هَا، وجابر بن سَمُرةَ هذا هو ابن عمّة عامر بن سعد الراوي
عنه؛ لأن والدة جابر هي خالدة بنت أبي وقّاص، أخت سعد بن أبي
وقّاص ﴿ه، قاله في ((الإصابة)) (١). (مَعَ غُلَامِي نَافِع) لم أجد ترجمته، (أَنْ
أَخْبِرْنِي) ((أن)) يَحْتَمِل أن تكون مفسّرةً؛ أي: كتبت إليه هذا الكلام - يعني:
أخبرني ... إلخ)) - ويَحْتَمِل أن تكون مصدريّةً، ويُقدّر قبلها حرف الجرّ؛ أي:
بأن أخبرني، وهذا الوجه هو ارتضاه ابن هشام في ((المغني))(٢). (بِشَيْءٍ) متعلّق
بـ((أخبرني))، (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِنِِّ، قَالَ) عامر (فَكَتَبَ) وفي نسخة:
((وكَتَب)) (إِلَيَّ)؛ يعني: أن جابر بن سمرة يكتب إلى عامر قوله: (سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ ﴿) قال الأبيّ تَخْذُهُ: كتبُ هذه المذكورات يَحْتَمِل لأنها التي
حضرته، ويَحْتَمِل أنها التي حلّ الحال على الحاجة إليها. انتهى (٣).
(يَوْمَ جُمُعَةٍ) ظرف لـ(سمِعْتُ))، وكذا قوله: (عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ) ببناء
الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل؛ أي: رجم النبيّ ◌َِّ؛ أي:
أمر برجمه، والمراد: ماعز بن مالك الأسلميّ رَؤُه، قيل: هذا معارض لِمَا
رواه أحمد في ((مسنده)) عن الشعبيّ من أن النبيّ وَّ قال هذا الكلام في حجة
الوداع.
ويُجاب بأنه وَ ﴿ قاله مرّتين: مرّةً في حجة الوداع، وأخرى يوم رُجم
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٥٤٢/١. (٢) راجع: ((مغني اللبيب)) ٧٤/١.
(٣) ((شرح الأبيّ)) ١٦٢/٥ - ١٦٣.
٦٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ماعز نظُه؛ لأن سياق الروايتين مختلفٌ، فحَمْلهما على تعدّد الواقعتين غير
بعيد، وأفادت هذه الرواية أن رجْم ماعز وقع يوم الجمعة، والله تعالى أعلم (١).
(يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ الدِِّنُ قَائِماً)؛ أي: ثابتاً، (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونَ
عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ))) قال القرطبيّ تَخْتُ: قيّدناه - يعني:
قوله: (يكونَ)) - على من يوثق بتقييده بالنصب، وتكون ((أو)) بمعنى ((الى أن))،
كقوله [من الطويل]:
فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا نُحَاولُ مُلْكاً أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
وقد دلّ على هذا الرواية الأخرى، وهي قوله: ((لا يزال هذا الأمر عزيزاً
إلى اثني عشر خليفةً، كلّهم من قُريش))؛ يعني به: أنه لا تزال عزّة دين الإسلام
قائمة إلى اثني عشر خليفة من قُريش، وقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم خلفاء العَدْلِ؛ كالخلفاء الأربعة، وعمر بن عبد العزيز.
ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهم في إظهار الحقّ والعدل، حتى يَكْمُل ذلك
العدد، وهو أولى الأقوال عندي.
وثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عِن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه، وكأنه
أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالدِّين: المُلك والولاية، وهو شرح
الحالِ في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم، لا على طريق المدح.
وقد يقال: الدِّينُ على الْمُلْكِ؛ كما قال [من البسيط]:
لَئِنْ حَلَلْتَ بِجوٍّ في بني أسدٍ فِي دِينٍ عمرو وحَالتْ بيننا فَدَكُ
وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ﴾
[يوسف: ٧٦]. ثم عدّد هذا القائل ملوكهم فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بنُ معاوية، ثم ابنه
معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابيّ، ولا مروان؛ لأنه
غاصب لابن الزبير -، ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن
عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن
يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد، فهؤلاء
اثنا عشر. ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس.
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٨٧/٣.
٦٦٣
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٧٠٣)
وثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر خليفة من قريش، مجتمعين في زمان
واحد في آفاق مختلفة؛ كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد
بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها، وتَلَقَّب بها. ومعهم صاحبُ
مصر، وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر
الواحد، وقد دلّ على هذا قوله: ((سيكون خلفاء، فيكثرون .... ))، متّفقٌ عليه،
وكلٌّ مُحْتَمِل، والأول أَولاها؛ لُبُعْده عن الاعتراض. انتهى كلام القرطبيّ(١).
(وَسَمِعْتُهُ) وَِّ (يَقُولُ: ((عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) العُصَيْبَة: تصغير العِصابة،
وهي: الجماعة من الناس، قيل: أقلّهم أربعون، ويَحْتَمِل أن يكون هذا
التصغير للمفتتحِين؛ لقلة من باشر فتح بيتٍ كسرى، فإنه يُروَى أن سعد بن أبي
وقّاص خاض دجلة، وهي مَطْلَعُ إلى دار كسرى، فما بلغ الماء إلى حِزام
الفرس، وما ذهب للمسلمين شيء، ووجدوا قباباً مملوءة سِلالاً فيها آنية
الذهب والفضة، ووجدوا كافوراً كثيراً، فظنّوه مِلْحاً، فعَجَنوا به، فوجدوا
مرارته، وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار - ثلاث
مرات -.
ويَحْتَمِل أن يكون تصغيرهم بالنسبة إلى عدوّهم، ويَحْتَمِل أن يكون
تصغيرهم على جهة التعظيم، كما قالوا:
وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ
دُوَيْهِيَّةٌ تَصْفَّرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ(٢)
(يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ) وُصف بيت كسرى بالأبيض؛ لأنه كان مبنيّاً
بالجصّ، ومُزخرفاً بالفضّة(٣)، وقوله: (بَيْتَ كِسْرَى) بالنصب على البدليّة من
((البيت))، وكسرى: ملك الْفُرس، قال أبو عمرو بن العلاء: بكسر الكاف لا
غيرُ، وقال ابن السرّاج - كما رواه عنه الفارسيّ، واختاره ثعلب، وجماعة -:
الكسر أفصح، والنسبة إلى المكسور: كِسْرِيٌّ، وكِسْرَويّ، بحذف الألف،
وبقلبها واواً، والنسبة إلى المفتوح بالقلب لا غيرُ، والجمع: أكاسرةٌ . انتهى (٤).
(١) ((المفهم)) ٨/٤ - ١٠.
(٣) ((المفهم)) ١٠/٤.
(٢) ((المفهم)) ١٠/٤ - ١١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٥٣٣/٢.
٦٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
وقوله: (أَوْ آلِ كِسْرَى))) ((أو)) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: ((بيت آل
کسری) بدل ((بیت کسری)».
(وَسَمِعْتُهُ) وَلِ (يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ)؛ أي: قبل قيام الساعة،
(كَذَّابِينَ) هذا يفسّره الحديث الآخر الذي قال ◌َّ فيه: ((لا تقوم السَّاعة حتى
يخرج ثلاثون كذّابون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين))(١).
(فَاحْذَرُوهُمْ)))؛ أي: احذروا خديعتهم، وتلبيسهم على الناس.
(وَسَمِعْتُهُ) وَ (يَقُولُ: ((إذا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْراً)؛ أي: مالاً، (فَلْيَبْدَأُ بِنَفْسِهِ
وَأَهْلِ بَيْتِهِ))) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((خير
الصدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول)»، وكقوله في حديث آخر: ((إذا أنعم الله
على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثر نعمته عليه))(٢) .
ومعنى هذا الأمر الابتداء بالأهم فالأهم، والأَولى فالأَولى، وقد بينًا هذا
المعنى في ((كتاب الزكاة)). انتهى كلام القرطبيّ(٣).
(وَسَمِعْتُهُ) وَلِ (يَقُولُ: ((أَنَا الْفَرَطُ) - بفتح الراء -؛ أي: السابق إليه،
والمنتظر لِسَقْيِكم منه، والْفَرَط: هو: الذي يتقدّم القوم إلى الماء؛ ليهيّء لهم ما
يحتاجون إليه، وهو الفارط أيضاً، والفَرْطُ - بسكون الراء -: السَّبْق والتقدّم(٤).
(عَلَى الْحَوْضِ)) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو - جمعه أحواضٌ،
وحِيَاضٌ، وأصل حِيَاضٍ الواو، لكن قُلبت ياءً للكسرة قبلها، مثلُ ثوب
وأثواب، وثِيَابٍ(٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿مّ هذا من أفراد
المصنّف رَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه.
(٣) ((المفهم)) ١١/٤.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٣٥/١٨.
(٤) ((المفهم)) ١١/٤، و((شرح النوويّ)) ٢٠٤/١٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ١٥٦/١.
٦٦٥
(١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٧٠٤)
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٠٣/١ و٤٧٠٤] (١٨٢٢)، وسيأتي أيضاً برقم
(٢٣٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٦/٥ و٨٧ و٨٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٧٣/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥٦/١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز تحمّل الحديث بالمكاتبة.
٢ - (ومنها): أن هذا من المعجزات الظاهرة لرسول الله وَل حيث أخبر
بما سيقع بعده من فتح كنوز كسرى، ومدائنه، وقد فتحوها بحمد الله تعالى في
زمن عمر بن الخطاب څبه.
٣ - (ومنها): تحذير النبيّ ◌َّ أمته من الانخداع بالدجالين الكذّابين
الذين يأتون بين يدي الساعة يدّعون الرسالة، ويلبّسون على الناس، وقد
ختم الله ◌ُعَلَ النبيّين به وَّ، فلا نبيّ بعده.
٤ - (ومنها): أن الشخص إذا وجد مالاً ينبغي أن يبدأ بنفسه، فيسدّ خلّتها،
ثم بأهل بيته، ومن تلزمه نفقته، ثم يتصدّق على الفقراء والمساكين بعد ذلك.
٥ - (ومنها): إثبات حوض النبيّ وََّ، وأنه هو الفَرَط المتقدّم على أمته
إليه؛ ليستقبلهم هناك، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، حَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ
سَمُرَةَ الْعَدَوِيّ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّـ
يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ حَائِمِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي قُدَيْكِ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ
مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في
((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
٢ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨
أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٣/٦.
٦٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيّ) كذا هو في جميع النسخ: ((الْعَدويّ))،
قال القاضي عياض تَخَذَتُهُ: كذا في الأصل، وليس هو بعدويّ، إنما هو
عامريّ، سُوائيّ، فلعلّه تصحّف العامريّ بالعدويّ؛ لأن سُواءة بن عامر بن
صعصعة، وهو زهريّ الحلف، خاله سعد بن أبي وقّاص، وأمه خالدة بنت أبي
وقّاص، واسمه جابر. انتهى(١).
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ حَاتِم) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير ابن أبي ذئب.
[تنبيه]: رواية ابن أبي ذئب عن مهاجر بن مسمار هذه ساقها أبو
عوانة تَكَُّ في ((مسنده))، فقال:
(٦٩٩٨) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ، قال: ثنا
ابن أبي فُديك [حدّثنا ابن أبي ذئب](٢) عن مهاجر بن مسمار، عن عامر بن
سعد، أنه أرسل إلى ابن سمرة العدويّ: حدِّثنا ما سمعت من رسول الله وَلاته،
فقال: سمعت رسول الله وَلّم يقول: ((لا يزال الدين قائماً، حتى يكون اثنا عشر
خليفةً من قريش، ثم يخرج كذّابون بين يدي الساعة، ثم يخرج عصابة من
المسلمين يستخرجون كنز القصر الأبيض، كنز كسرى، أو آل كسرى، وإذا
أُعطي أحدكم خيراً، فليبدأ بنفسه، وأهله، وماله(٣)، وأنا فَرَطكم على
الحوض)). انتهى (٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢١٩/٦.
(٢) سقط من نسخة أبي عوانة قوله: ((حدّثنا ابن أبي ذئب))، ولا بدّ منه، ولذا ألحقته
بین قوسین، فتنبه.
(٣) هكذا النسخة: ((وأهله وماله))، والظاهر أنه مصحّف من: ((وأهل بيته))، كما هو
نصّ مسلم، فليُتنبّه .
(٤) ((مسند أبي عوانة)) ٣٧٣/٤ - ٣٧٤.
٦٦٧
(٢) - بَابُ الإِسْتِخْلَافِ، وَتَرْكِهِ - حديث رقم (٤٧٠٥)
(٢) - (بَابُ الإِسْتِخْلَافِ، وَتَرْكِهِ)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٥] (١٨٢٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو
أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي حِينَ
أُصِيبَ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: جَزَاكَ اللهُ خَيْراً، فَقَالَ: رَاغِبٌ، وَرَاهِبٌ، قَالُوا:
اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيّاً وَمَيِّتاً؟، لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ، لَا
عَلَيَّ، وَلَا لِي، فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ -
وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ، فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللهِ وَِّ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَعَرَفْتُ
أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم
قبل أربعة أبواب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قبل أربعة أبواب.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير، أبو المنذر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ◌ًَّا، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (عُمَرُ) بن الخطّاب بن نُفيل بن عبد العزّى القرشيّ العدويّ،
أمير المؤمنين، استُشهد رُه في الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من هشام،
والباقيان كوفيّان، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، وقد جمعتهم بقولي:
٦٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَةْ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيادٌ يُحْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا
وأن عمر ظله أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين
بالجنّة، وَلِيَ الخلافة عشر سنين ونصفاً، جمّ المناقب، ومات ظُه شهيداً .
وأن فيه روايةَ الابن عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ ﴿يا.
وأن ابن عمر ها أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي:
فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍ عَادَلَهْ
وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ
وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا ذَكَرَا
مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلٍ عُمَرَا
وَنَجْلَ مَسْعُودٍ فَرِيقٌ أَشْرَكَا
إِذْ بَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكًا
سَبِيلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلاً تَنْتَفِعْ
وَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَاتَّبِعْ
وهو أحد المكثرين السبعة المجموعين أيضاً في قولي:
مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ
فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِيَ الْبَشَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ
ثُمَّ ابْنُ عَبّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) حَمَا أنه (قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي) عمر بن الخطّاب ◌َُبِهِ (حِينَ
أُصِيبَ)؛ أي: حين طعنه المجوسيّ، أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شُعبة، (فَأَثْنَوْا
عَلَيْهِ)؛ أي: وصفوه بأوصاف حسان، يقال: أثنى عليه خيراً، وبخير، وأثنى عليه
شرّاً، وبشرّ، بمعنى: وَصَفَه به، وقيل: لا يُستعمل إلا في الخير، والصواب
الأول، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَى في ((كتاب الصلاة)) [١٠٧٦/٤١] (٤٧٧)
عند شرح قوله: ((أهلَ الثناء والمجد))، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(وَقَالُوا) بيّن في الرواية التالية أن القائل هو ابن عمر ظًَّا نفسه حين
قالت له حفصة ﴿ها: ((أعلمتَ أن أباك غير مستخلف؟ قال: فحلفت أن أكلِّمه
في ذلك، فذكر القصّة، وأنه قال له: لو كان لك راعي غنم، ثم جاءك
٦٦٩
(٢) - بَابُ الاسْتِخْلَافِ، وَتَرْكِهِ - حديث رقم (٤٧٠٥)
وتَرَكها، لرأيت أن قد ضَيَّعَ، فرعاية الناس أشدّ، وفيه قول عمر في جواب
ذلك: إن الله يحفظ دينه)). (جَزَاَ اللهُ خَيْراً)؛ أي: أثابك الله تعالى خيراً على
ما قمت به من أمر المسلمين حقَّ القيام، وأحسنت إليهم أتمّ إحسان. (فَقَّالَ)
عمر رُه (رَاغِبٌ، وَرَاهِبٌ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا راغب في رحمة الله
تعالى، وراهب عن عقابه، وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((راغبٌ، وراهب))؛ أي:
راج، وخائف، ومعناه: الناس صنفان: أحدهما يرجو، والثاني يخاف؛ أي:
راغب في حصول شيء مما عندي، أو راهب مني، وقيل: أراد: إني راغب
فيما عند الله تعالى، وراهب من عذابه، فلا أُعَوِّل على ما أثنيتم به عليّ،
وقيل: المراد: الخلافة؛ أي: الناس فيها ضربان: راغبٌ فيها، فلا أحبّ
تقديمه؛ لرغبته، وكاره لها، فأخشى عجزه عنها. انتهى(١).
وقال ابن بطال كَّتُهُ: يَحْتَمِل أمرين: أحدهما أن الذين أثنوا عليه إما
راغب في حُسن رأيي فيه، وتقريبي له، وإما راهب من إظهار ما يُضمِره من
كراهته، أو المعنى: راغب فيما عندي، وراهب مني، أو المراد: الناس راغبٌ
في الخلافة، وراهب منها، فإن وَلَّيت الراغب فيها خَشِيت أن لا يُعان عليها،
وإن ولّيت الراهب منها، خَشِيت أن لا يقوم بها(٢) .
وقال القاضي عياض توجيهاً آخر: أنهما وَصْفان لعمر؛ أي: راغبٌ فيما
عند الله، راهب من عقابه، فلا أُعَوِّل على ثنائكم، وذلك يَشْغَلني عن العناية
بالاستخلاف عليكم. انتهى (٣) .
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((راغب، وراهبٌ)): هذا خبر مبتدأ محذوف؛
أي: أنتم على هذين الحالين، أو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: منكم راغبٌ،
ومنكم راهبٌ، ثم ما الذي رَغِبُوا فيه، ورَهِبُوا منه؟ فظاهره أنه الثناء المتقدّم
الذي أثنوا عليه؛ أي: منهم من رَغِب في الثناء؛ لغرض له، ومنهم من رَغِب
عنه لِمَا يخاف منه، وقيل: راغب في الخلافة؛ لنيل منصبها، وراهب منها؛
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٤/١٢ - ٢٠٥.
(٢) (شرح البخاريّ)) لابن بطال ٢٨٣/٨.
(٣) ((الفتح)) ٥٩/١٧.
٦٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
لِعِظَم حقوقها، وشدّتها، وقيل: تقديره: أنا راغبٌ في الاستخلاف؛ لئلا يضيع
المسلمون، وراهب منه؛ لئلا يُفَرّط المستخلَف، ويُقَصِّر فيما يجب عليه من
الحقوق، وكلٌّ مُحْتَمِلٌ، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأَولى ما تقدّم من أن عمر تصلُله أراد
أنه راغبٌ في رحمة الله تعالى، وراهب من عقابه، وسبب رَهَبه خوفه من أمر
فيه دليلٌ على شدّة خوفه من الله
الخلافة؛ لإمکان التقصير فيها، وهذا منه
تعالى؛ إذ المرء كلما ازدادت معرفته بالله ازداد خوفاً منه، كما قال وَل : ((إني
لأخشاكم لله، وأتقاكم له))، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: اسْتَخْلِفْ) الاستخلاف هو تعيين الخليفة عند موته خليفةً بعده،
أو يعيّن جماعةً؛ ليتخيّروا منهم واحداً. (فَقَالَ) عمر ◌َظُه، وقوله: (أَتَحَمَّلُ
أَمْرَكُمْ حَيّاً وَمَيِّتاً؟) بتقدير همزة الاستفهام، وهو استفهام إنكاريّ، وفي رواية
البخاريّ: ((لا أتحمّلها حيّاً وميتاً))، (لَوَدِدْتُ)؛ أي: تمنّيت، وهو بكسر الدال
الأولى، وحُكي فتحها، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: وَدِدته أَوَدّه، من باب تَعِبَ وَدّاً
بفتح الواو، وضمّها: أحببته، والاسم: الْمَوَدّة، وَوَدِدتُ لو كان كذا أَوَدّ أيضاً
وُدّاً، ووَدَادةً بالفتح: تمنّته، وفي لغة: وَدَدتُ أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ،
وهو غلطٌ عند البصريين(٢)، وقال الزجّاج: لم يَقُلِ الكسائيّ إلا ما سَمِعَ،
ولكنّه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (٣). (أَنَّ حَظِّي مِنْهَا)؛ أي: الخلافة،
(الْكَفَافُ) وفي رواية البخاريّ: ((وَدِدت أني نجوت منها كفافاً)) بفتح الكاف،
وتخفيف الفاء؛ أي: مكفوفاً لا عنّي شرّها وخيرها، وقوله: (لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي)
تفسير لمعنى ((الكفاف))؛ أي: لا يكون عليّ شرّها، ولا يكون لي خيرها، بل
أكون ناجياً بنفسي، (فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ)؛ أي: أعيّن خليفة، (فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ
(١) «المفهم)) ٤/ ١٥.
(٢) وإنما كان غلطاً عندهم؛ لأنه لا يُفتح العين في الماضي والمضارع معاً إلا إذا كان
عينه، أو لامه حرف حلق، وكلاهما منتفٍ هنا، فلا وجه للفتح، أفاده في ((تاج
العروس)) ٥٢٩/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٥٣.
٦٧١
(٢) - بَابُ الإِسْتِخْلَافِ، وَتَرْكِهِ - حديث رقم (٤٧٠٥)
خَيْرٌ مِنِّ) وقوله: (يَعْنِي أَبًا بَكْرٍ)؛ أي: يقصد عمر رَظُه بقوله: ((من هو خير
منّي)): أبا بكر الصديق نظراته، والعناية من بعض الرواة، ولم يبيّن لي من هو؟.
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((فقد استخلف من هو خير مني))؛ يعني: أن أبا
بكر ظُه استخلف عمر ربه، ونصّ عليه، وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن
الأمر كذلك وقع، ولا في أنَّ هذا طريق مشروع في الاستخلاف، ثم إن
عمر ربه سلك طريقةً بين طريقتين، جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى
برسول الله ◌َّ في أنه لم ينصّ على واحدٍ بعينه، فصَدَقَ عليه أنه غير
مستخلِف، واقتدى بأبي بكر من حيث إنه لم يترك أمر المسلمين مهملاً، فإنه
جعل الأمر شُورى في ستة، ممن يصلح للخلافة، وفوّض التعيين لاختيارهم.
(١)
انتھی"
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((لا أتحملها حياً وميتاً)»: وقد بيّن عمر
رضيعنه
عُذره في ذلك، لكنه لمّا أَثَّر فيه قول عبد الله بن عمر، حيث مَثّل له أمر الناس
بالغنم مع الراعي، خَصّ الأمر بالستة، وأمرهم أن يختاروا منهم واحداً، وإنما
خص الستة؛ لأنه اجتمع في كل واحد منهم أمران: كونه معدوداً في أهل بدر،
ومات النبيّ ◌ََّ، وهو عنه راضٍ، وقد صَرَّح بالثاني حيث قال: ((ما أجد أحداً
أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين تُؤُفّي رسول الله وَّو، وهو عنهم
راض ... ))، فذكرهم، وأما الأول فأخرجه ابن سعد، من طريق عبد الرحمن بن
أبزى، عن عمر رَّه قال: «هذا الأمر في أهل بدر، ما بقي منهم أحدٌ، ثم في
أهل أُحُدٍ، ثم في كذا، وليس فيها لطَلِيق، ولا لِمُسْلِمة الفتح شيء)»، وهذا
مصير منه إلى اعتبار تقديم الأفضل في الخلافة.
قال ابن بطال رَُّ ما حاصله: إن عمر ◌ُه سلك في هذا الأمر مسلكاً
متوسطاً؛ خشية الفتنة، فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين، فجعل
الأمر معقوداً موقوفاً على الستة؛ لئلا يترك الاقتداء بالنبيّ وَّ، وأبي بكر،
فأخذ من فعل النبيّ وَّ طَرَفاً، وهو ترك التعيين، ومِنْ فِعل أبي بكر
رضىعنه
(١) ((المفهم)) ١٤/٤.
٦٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
طرفاً، وهو العقد لأحد الستة، وإن لم ينصّ عليه. انتهى ملخصاً (١).
(وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ)؛ أي: من غير استخلاف، (فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي)
وقوله: (رَسُولُ اللهِ وَ﴿) بالرفع على البدليّة من ((مَنْ)).
قال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((فإن رسول الله وَّي لم يستخلف))؛ أي: لم
يَنُصّ على خليفة، لا على أبي بكر، ولا على غيره، وهذا هو مذهب جماعة
من أهل السُّنَّة، والصحابة، ومن بعدهم، وقد ذهب بكر ابن أخت عبد الواحد
إلى أن تقديم أبي بكر كان بالنصّ من النبيّ وَّ﴿، وذهب ابن الراونديّ إلى أنه
نصّ على العباس، وذهبت الشيعة، والرافضة إلى أنه نصّ على عليّ، وكل
ذلك أقوال باطلة قطعاً؛ إذ لو كان ذلك لكان المهاجرون والأنصار أعرف
بذلك، فإنهم اختلفوا في ذلك يوم السَّقيفة، وقال كلّ واحد منهم ما عنده في
ذلك من النظر، ولم ينقل منهم أحدٌ نصّاً على رجل بعينه، ولو كان عندهم نصٌّ
لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم، والخَطْب المهمّ الجسيم،
والحاجة الفادحة، مع عدم التقيّة والتواطؤ من ذلك الجمع على الكتمان،
ومُدَّعِي النصّ في ذلك كاذب قطعاً، فلا يُلْتَفَتُ إليه، وكل من ذُكِر له خلاف
في هذه المسألة لا يُعْتَدُّ بخلافه، فإنه إما مُكَفِّر، وإما مُفَسِّق مُبَدَّع، ومن كان
كذلك لا يُعتد بخلافه، والمسألة إجماعية قطعية، والله الموفّق. انتهى كلام
القرطبيّ كَذْتُ(٢).
(قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ◌َهَا (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ)؛ أي: عمر تَظُهُ، (حِينَ ذَكَرَ
رَسُولَ اللهِ﴿ِ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ) لأنه لا يقدّم أحداً عليه وََّ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر(٣) ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(١) (شرح البخاريّ)) لابن بطال ٢٨٣/٨، و((الفتح)) ٦٠/١٧، كتاب ((الأحكام)) رقم
(٧٢١٨).
(٢) ((المفهم)) ١٣/٤ - ١٤.
(٣) الحديث من مسند عمر ظُه، لا من مسند ابن عمر، كما في ((تحفة الأشراف)) ٨/ ٦٤، =
٦٧٣
(٢) - بَابُ الاِسْتِخْلَافِ، وَتَرْكِهِ - حديث رقم (٤٧٠٥)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧٠٥/٢ و٤٧٠٦] (١٨٢٣)، و(البخاريّ) في
(الأحكام)) (٧٢١٨)، و(أبو داود) في ((الخراج والإمارة)) (٢٩٣٩)، و(الترمذي)
في ((الفتن)) (٢٢٢٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٧٦٣)، و(الطيالسيّ) في
(مسنده)) (٩/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٣/١ و٤٦ و٤٧)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٣٧٤/٤ - ٣٧٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٣/١)، و(البزّار) في
(مسنده)) (٢٢٠/١ و٢٥٧)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٤٢/١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤٧٨)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٤٣/٣ و٣٥٣)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٠١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٨/٨ -
١٤٩) و((شعب الإيمان)) (٦/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٤٨٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن للإمام أن يفعل في الاستخلاف ما فيه المصلحة
للمسلمين، فإن رأى أن لا يستخلف لا يستخلف، كما فعل رسول الله وَله،
وإن رأى أن يستخلف استخلف، كما فعل أبو بكر پئه.
قال النوويّ نَّثُ: أجمع المسلمون على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات
الموت، وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه، فإن تَرَكَه فقد اقتدى
بالنبيّ ◌َّ في هذا، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر.
٢ - (ومنها): أنهم أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى
انعقادها بعقد أهلّ الحلّ والعقد الإنسان إذا لم يستخلف الخليفة.
قال القرطبيّ تَخْذَّتُهُ: قد حصل من هذا الحديث أنَّ نَصْبَ الإمام لا بدَّ
منه، وأن لنصبه طريقين: أحدهما: اجتهاد أهل الحلّ والعقد، والآخر:
النصُّ؛ إما على واحدٍ بعينه، وإما على جماعة بأعيانها، ويفوّض التخيير إليهم
في تعيين واحد منهم، وهذا مما أجمع عليه السَّلف الصالح، ولا مبالاة
فقول الشيخ الهرريّ في ((شرحه)): من خماسيات المصنّف، ظنّاً منه أنه من مسند
=
ثمّا، فيه نظر لا يخفى؛ فتنبّه.
ابن عمر فتي
٦٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف،
وأيضاً: فإنهم لا يُعتدُّ بخلافهم على ما تقدَّم. انتهى.
٣ - (ومنها): أنهم أجمعوا أيضاً على جواز جعل الخليفة الأمر شُورى
بين جماعة، كما فَعَل عمر ◌ُه بالستة.
٤ - (ومنها): ما قال ابن بطال تَخُّْ: وفي هذه القصّة دليلٌ على جواز
عقد الخلافة من الإمام المتولّي لغيره بعده، وأن أمْره في ذلك جائز على عامّة
المسلمين؛ لإطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عَهِده أبو بكر لعمر طًَّا،
وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر ته إلى الستة، قال: وهو شبيه بإيصاء
الرجل على ولده؛ لكون نَظَرَه فيما يَصلح أتَمّ من غيره، فكذلك الإمام. انتهى.
٥ - (ومنها): أن فيه ردّاً على من جزم؛ كالطبري وقبله بكر ابن أخت
عبد الواحد، وبعده ابن حزم بأن النبيّ وَّ استَخْلَف أبا بكر، قال ابن بطّال:
وجْه ذلك جزمُ عمر ظُه بأنه لم يستخلف وَّ، لكن تمسَّك من خالفه بإطباق
الناس على تسمية أبي بكر خليفة رسول الله وَل*، واحتَجّ الطبريّ أيضاً بما
أخرجه بسند صحيح، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي
حازم: رأيت عمر يُجَلِّس الناسَ، ويقول: اسمعوا لخليفة رسول الله وَ ظله .
قال الحافظ: ونظيره ما في البخاريّ من قول أبي بكر ظلبه: ((حتى
يُرِيَ اللهُ خليفةَ نبيّه ◌ِ))(١).
ورُدّ بأن الصيغة يَحْتَمِل أن تكون من مفعول، ومن فاعل، فلا حجة فيها،
ويترجح كونها من فاعل: جزم عمر ظُه بأنه لم يستخلف، وموافقة ابن عمر له
على ذلك، فعلى هذا فمعنى خليفة رسول الله: الذي خَلَفه، فقام بالأمر بعده،
فسُمّي خليفة رسول الله لذلك، وأن عمر أطلق على أبي بكر خليفة رسول الله،
بمعنى أنه أشار إلى ذلك بما تضمّنه حديث الباب وغيره، من الأدلة، وإن لم
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) ٢٦٣٩/٦) عن طارق بن شهاب، عن أبي
بكر ◌َّه قال لوفد بُزَاخة: تَتْبعون أذناب الإبل، حتى يُرِيَ الله خليفة نبيّهِ وََّ،
والمهاجرين أمراً یعذرونکم به)).
راجع: تمام قصّتهم في ((الفتح)) ٦٤/١٧ - ٦٥ رقم (٧٢٢١).
٦٧٥
(٢) - بَابُ الإِسْتِخْلَافِ، وَتَرْكِهِ - حديث رقم (٤٧٠٥)
يكن في شيء منها تصريح، لكن مجموعها يؤخذ منه ذلك، فليس في ذلك
خلاف لِمَا رَوَى ابن عمر عن عمر حًُّا.
٦ - (ومنها): أن فيه ردّاً على مَن زعم من الراوندية أن النبيّ وَّ نَصّ
على العباس، وعلى قول الروافض كلها: إنه نَصّ على عليّ، ووجه الردّ عليهم
إطباق الصحابة على متابعة أبي بكر، ثم على طاعته في مبايعة عمر، ثم على
العمل بعهد عمر في الشورى، ولم يَدَّع العباس، ولا عليّ أنهِ وَّ عَهِد له
بالخلافة.
وقال النوويّ كَّلُهُ: وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة،
ووجوبه بالشرع، لا بالعقل، وأما ما حُكِي عن الأصمّ أنه قال: لا يجب،
وعن غيره: أنه يجب بالعقل، لا بالشرع فباطلان، أما الأصمّ فمحجوج بإجماع
من قبله، ولا حجة له في بقاء الصحابة بلا خليفة في مدّة التشاور يوم السقيفة،
وأيام الشورى بعد وفاة عمر رظُه؛ لأنهم لم يكونوا تاركين لنصب الخليفة، بل
كانوا ساعين في النظر في أمر مَن يُعقد له، وأما القائل الآخر ففساد قوله
ظاهر؛ لأن العقل لا يوجب شيئاً، ولا يحسّنه، ولا يقبّحه، وإنما يقع ذلك
بحسب العادة، لا بذاته.
٧ - (ومنها): ما قال النوويّ أيضاً: وفي هذا الحديث دليل أن النبيّ وَّه
لم ينص على خليفة، وهو إجماع أهل السُّنَّة وغيرهم، قال القاضي عياض:
وخالف في ذلك بكر ابن أخت عبد الواحد، فزعم أنه نصّ على أبي بكر،
وقال ابن راونديّ: نصّ على العباس، وقالت الشيعة والرافضة: على عليّ،
وهذه دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحسّ؛ وذلك
لأن الصحابة من أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر،
وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يَدَّع
عليّ، ولا العباس، ولا أبو بكر وصيّة في وقت من الأوقات، وقد اتفق عليّ
والعباس على جميع هذا من غير ضرورة مانعة، مِنْ ذِكر وصيّة لو كانت، فمن
زعم أنه كان لأحد منهم وصية، فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ،
واستمرارها عليه، وكيف يَحِلّ لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى
المواطأة على الباطل في كل هذه الأحوال؟ ولو كان شيء لنُقِل، فإنه من
٦٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
الأمور المهمة. انتهى كلام النوويّ(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخِّرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ:
قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ، قَالَتْ: إِنَّهُ فَاعِلٌ، قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي ذَلِكَ،
فَسَكَتُ حَتَّى غَدَوْتُ، وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلاً، حَتَّى
رَجَعْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاسِ، وَأَنَا أُخْبِرُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ:
إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً، فَأَلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا لَكَ، زَعَمُوا أَنََّكَ غَيْرُ
مُسْتَخْلِفٍ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلِ، أَوْ رَاعِي غَنَم، ثُمَّ جَاءَكَ، وَتَرَكَهَا، رَأَيْتَ
أَنْ قَدْ ضَبَّعَ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ، قَالَ: فَوَافَقَهُ قَوْلِي، فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ
إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَحْفَظُ دِينَهُ، وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ (٢)، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِلَّهَ لَمْ
يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ
ذَكَرَ رَسُولَ الهِ وَهِ وَأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللهِ وَهِ أَحَداً،
وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم في الباب
الماضي.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر، أبو محمد الكسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
(١) (شرح النوويّ)) ٢٠٥/١٢ - ٢٠٦.
(٢) وفي نسخة: ((وإني إن لا أستخلف)).
٦٧٧
(٢) - بَابُ الإِسْتِخْلَافِ، وَتَرْكِهِ - حديث رقم (٤٧٠٦)
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريباً.
٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ الْعَدويّ، أبو عمر،
أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، عابد، فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦)
على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين، وعبد الرزّاق هو: ابن همّام
الصنعانيّ، ومعمر: هو ابن راشد اليمنيّ.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َا أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر، شقيقته
(فَقَالَتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟) هذا يَحْتَمل أنها سألت عمر نظُّه عن
ذلك، فأخبرها به، أو سمعت جواب من سأله، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن عمر (قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ)؛ أي: تَرْك الاستخلاف؛ يعني: أن
عمر رَظُه لا يترك الاستخلاف؛ لأنه من مهمات الدِّين. (قَالَتْ) حفصة (إِنَّهُ
فَاعِلٌ)؛ أي: فاعلٌ تَرْك الاستخلاف، (قَالَ) ابن عمر (فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي
ذَلِكَ)؛ أي: في شأن الاستخلاف. (فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ)؛ أي: ذهبت إليه
وقت الصباح، يقال: غدوت غُدُوّاً، من باب قعد: ذهبتُ غُدْوةً، وهي ما بين
صلاة الصبح، وطلوع الشمس، هذا أصله، ثم كثُر استعماله في الذهاب
والانطلاق أي وقت كان، ومنه قوله {َله: ((واغْدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا ... ))
الحديث، متّفقٌ عليه؛ أي: اذهب، وانطلق(١). (وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا
أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلاً) معناه: أنه يشقّ عليه أن يتكلّم عند عمر رَظُه في هذا
الأمر، إما لأن الموضوع خطير، ومكالمة الفاروق ظُه في ذلك مَهيب، وإما
لأنه كان في الحضّ على الاستخلاف في موضع تهمة، فربّما يُخيّل إلى بعض
الناس أنه يطمع في استخلافه نفسه، والله تعالى أعلم(٢).
وقيل: معنى «كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلاً حَتَّى رَجَعْتُ))؛ أي: بسبب
(١) راجع: ((المصباح)) ٢/ ٤٤٣.
(٢) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٩٢/٣.
٦٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
يميني، يريد أنه ثَقُل عليه أن لا يكلّمه فيما حلف أن يكلّمه فيه حتى كأنه يَحمل
جبلاً، وأنه لم يزل كذلك إلى أن عاد، فكلّمه.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: قول ابن عمر: ((كأنما أحمل بيميني جبلاً)) يعني: أنه
وجد ثقلاً بسبب خوفه من الحنث في يمينه؛ لأنها كانت على إثباتٍ، فهو في
الحال على حِنْث؛ لأنه مخالف لِمَا حلف عليه، وأراد ابن عمر، أنه وجد من
الثِّقَل بسبب اليمين التي حلفها كثقل مَنْ يحمل جبلاً، هو تشبية واستعارة.
(١).
.
انتھی
(فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاسِ، وَأَنَا أُخْبِرُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي
سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً، فَآَلَيْتُ)؛ أي: أقسمت (أَنْ أَقُولَهَا لَكَ، زَعَمُوا أَنَّكَ
غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ) قال القرطبيّ تَخْلَمُهُ: هذا إنما قاله الناس حين طُعِن عمر ◌َظُبه،
وسَقَوه لبناً، فخرج من طعنته، فيئسوا منه، وعلموا أنه هالك، فجرى ذلك.
انتھی(٢).
(وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلِ، أَوْ رَاعِي غَنَم، ثُمَّ جَاءَكَ، وَتَرَكَهَا، رَأَيْتَ أَنْ
قَدْ ضَبَّعَ) ((أن)) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضَّمير شأن مقدّر؛ أي: أنه قد
ضيّعها؛ أي: فرّط فيها، وأهملها، والمعنى أنك تؤاخذ الراعي بأنه ضيّع الغنم
بتركها بلا راع، فإذا كان الراعي يعدّ مقصّراً بتركها دون أن يستخلف عليها من
يقوم بحفظها، فالإمام الذي يترك الناس بلا استخلاف خليفة عليهم أجدر أن
يكون مهملاً مقصّراً؛ لأن الأمر في حِفْظ الناس ورعايتهم أشدّ، وآكد من أمر
رعاية الإبل والغنم.
وقال القرطبيّ تَُّ: في كلام ابن عمر ﴿ّ هذا من الفقه استعمالُ
القياس، فإنه قَرَّرَ على الأصل المعلوم، وهي رعاية الغنم والإبل، ثم حَمَل
عليه رعاية الناس، ورأى أنها أَولى، فكأنَّ ذلك إلحاقُ مسكوتٍ عنه بمنطوقٍ به
على طريق الأَوْلى، وهو نوع من أنواع الإلحاق، كما يُعرف في موضعه.
(٣)
انتھی(٣).
(١) («المفهم)) ١٢/٤.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ١٢.
(٢) ((المفهم)) ١٢/٤.
٦٧٩
(٢) - باب الاستخلافِ، وَتَرْكِهِ - حديث رقم (٤٧٠٦)
(فَرِعَايَةُ النَّاسِ)؛ أي: سياستهم، وتدبير شؤونهم (أَشَدُّ، قَالَ) ابن عمر
(فَوَافَقَهُ قَوْلِي)؛ أي: ناسَبَ عمر قولي هذا، وصوّبه.
وقال القرطبيّ تَخّْثُهُ: وقوله: ((فوافقه قولي))؛ يعني: أنه مال إليه، ونظر
فيه، ولذلك وضع عمر رَُّّه رأسه يفكر في المسألة، ثم لَمَّا لاح له نَظَرٌ آخر
أخذ يُبْدِيه، فرفع رأسه، وقال: ((إن الله يحفظ دينه))، وإنما قال ذلك للذي قد
عَلِمه من قوله تعالى: ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٣]، ومن قوله
تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ الآية
[النور: ٥٥]، ولغير ذلك مما بَشَّر به النبيّ وَ ل ﴿ من استيلاء المسلمين، وما
يفتح الله تعالى عليهم من المشارق والمغارب، ومن قوله وَ له: ((إنَّ الله زَوَى لي
الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أُمَّتِي سيبلغ ما زَوَى لي منها))،
وغير ذلك. انتهى(١).
(فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَحْفَظُ دِينَهُ)؛ يعني: أن
هنا فرقاً بين ما ذكرت من قضيّة الراعي، وبين قضيّة رعاية الناس، ذلك أن
ربّ الإبل، والغنم لا يقدر على حفظها إذا تركها، وغاب عنها، وأما رعاية
الناس، فليست كذلك؛ لأن الله ◌ُعَلَ يحفظ دينه، وإن تركت الاستخلاف؛ لِمَا
وعد به من ذلك، حيث قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى:
﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَسَوْفَ بَتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ أَخِلَّةٍ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةِ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَيِدٍ ذَلِكَ فَضْلُ الَهِ يُؤْتِهِ
﴾ [المائدة: ٥٤]. وإذا ظهر الفرق فلي في عدم
٥٤
مَنْ يَشَدَءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيهُ
الاستخلاف أكبر أسوة، وأعظم حجة، وهو عدم استخلافه وَّ؛ لِمَا يُعلم من
أن الله تعالى يتولّى دينه، ويحفظه، فكان كذلك.
(وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ) وفي بعض النسخ: ((وإني إن لا أستخلف))، (فَإِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) ◌َهَ (قَدِ اسْتَخْلَفَ،
قَالَ) ابن عمر ﴿ه (فَوَاللهِ مَا هُوَ)؛ أي: الأمر والشأن (إِلََّّ أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ وَّ
وَأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ) يقال: عدلت هذا بهذا عَدْلاً، من باب
(١) ((المفهم)) ٤/ ١٢.
٦٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة
ضرب: إذا جعلته مِثله قائماً مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَيِّهِمْ
يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ أي: لم يكن عمر رُه ليساوي (بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ أَحَداً)
لأنه عنده أعظم من كلّ عظيم، (وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ) اقتداء به بََّ، ثم إنه .
اختار أمراً بين أمرين، فلم يستخلف أحداً بعينه، ولا ترك الأمر دون إرشاد،
وإنما فوّض تعيين الخليفة إلى ستّة من العشرة المبشّرين بالجنّة الذين تُوفّي
رسول الله وَّر، وهو عنهم راض، فاتّفقوا على عثمان ﴿ه، فاستقام الأمر،
والحمد لله أولاً وآخراً.
والحديث دون قصّة حفصة متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في
الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ النَّهْي عَنْ طَلَبِ الإِمَارَةِ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٧] (١٦٥٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ،
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يا
عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ (١) إِلَيْهَا، وَإِنْ
أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) أبو النضر البصريّ، ثقة، تقدّم قريباً.
٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ،
فاضلٌ، مشهور، إلا أنه يرسل كثيراً، ويدلّس، من كبار [٣] (١١٠) وقد قارب
التسعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبد شمس العبشميّ، أبو سعيد
(١) وفي نسخة: ((أُكلتَ)) بالهمزة.