Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٦) سنة، وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة، وادَّعَى الخلافة عبد المؤمن صاحب ابن تومرت، وليس بقرشيّ، وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم. والجواب عنه: أما عن بني عبيد، فإنهم كانوا يقولون: إنهم من ذرية الحسين بن عليّ، ولم يبايعوه إلا على هذا الوصف، والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه، وأما سائر من ذُكِر، ومن لم يُذكَر فهم من المتغلِّبين، وحكمهم حكم البغاة، فلا عبرة بهم. وقال القرطبيّ: هذا الحديث خبر عن المشروعية؛ أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشيّ مهما وُجد منهم أحد، وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر. وقد ورد الأمر بذلك في حديث جبير بن مطعم، رفعه: ((قَدِّموا قريشاً، ولا تَقَدّموها)»، أخرجه البيهقيّ، وعند الطبرانيّ من حديث عبد الله بن حنطب، ومن حديث عبد الله بن السائب مثله، وفي نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي هريرة، وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة مرسلاً أنه بلغه مثله، وأخرجه الشافعيّ من وجه آخر، عن ابن شهاب، أنه بلغه مثله. وفي الباب حديث أبي هريرة ظُه رفعه: ((الناس تَبَعٌ لقريش في هذا الشأن))، أخرجاه في (الصحيحين))، من رواية المغيرة بن عبد الرحمن، ومسلم أيضاً من رواية سفيان بن عيينة، كلاهما عن الأعرج، عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم أيضاً من رواية همام، عن أبي هريرة، ولأحمد من رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله، لكن قال: ((في هذا الأمر))، وشاهده عند مسلم، عن جابر، كالأول، وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد، وعند أحمد، وابن أبي شيبة من حديث معاوية، وعند البزار من حديث عليّ، وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن أبي الْهُزيل، قال: لَمّا قَدِم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل: لئن لم تنته قريش لنجعلنّ هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم، فقال عمرو بن العاص: كذبت، سمعت رسول الله وَ لوهو يقول: ((قريش قادة الناس)). قال ابن المنير: وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذِّكر، فإنه يكون مفهوم لَقَب، ولا حجة فيه عند المحققين، وإنما الحجة ٦٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وقوع المبتدأ مُعَرَّفاً باللام الجنسية؛ لأن المبتدأ بالحقيقة ها هنا هو الأمر الواقع صفة لِـ((هذا))، وهذا لا يوصف إلا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش، فيصير كأنه قال: لا أمْر إلا في قريش، وهو كقوله: ((الشفعة فيما لم يُقْسَم))، والحديث وإن كان بلفظ الخبر، فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتموا بقريش خاصّة وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك، ويؤخذ منه أن الصحابة اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر، خلافاً لمن أنكر ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، أن شرط الإمام أن يكون قرشيّاً، وقيّد ذلك طوائف ببعض قريش، فقالت طائفة: لا يجوز إلا من وَلَد عليّ، وهذا قول الشيعة، ثم اختلفوا اختلافاً شديداً في تعيين بعض ذرية عليّ، وقالت طائفة: يختص بولد العباس، وهو قول أبي مسلم الخرسانيّ، وأتباعه، ونقل ابن حزم أن طائفة قالت: لا يجوز إلا في وَلَد جعفر بن أبي طالب، وقالت أخرى: في ولد عبد المطلب، وعن بعضهم: لا يجوز إلا في بني أمية، وعن بعضهم: لا يجوز إلا في ولد عمر، قال ابن حزم: ولا حجة لأحد من هؤلاء الْفِرَقِ، وقالت الخوارج، وطائفة من المعتزلة كثّتُهُ: يجوز أن يكون الإمام غير قرشيّ، وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسُّنَّة، سواء كان عربيّاً أم عجميّاً، وبالغ ضرار بن عمرو، فقال: تولية غير القرشيّ أَوْلى؛ لأنه يكون أقل عشيرةً، فإذا عَصَى كان أمكن لخلعه، وقال أبو بكر بن الطيب: لم يعرِّج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث: ((الأئمة من قريش))، وعمل المسلمون به قرناً بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف. قال الحافظ: قد عَمِل بقول ضرار من قَبْل أن يوجد من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية، كقَطَريّ - بفتح القاف، والطاء المهملة - ودامت فتنتهم حتى أبادهم المهلَّب بن أبي صُفْرة أكثر من عشرين سنة، وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج، كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قُطْر من الأقطار في وقتٍ مَا، فتسمى بالخلافة، وليس من قريش، كبني عباد، وغيرهم بالأندلس، كعبد المؤمن، وذريته ببلاد المغرب كلها، وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا، ولم يقولوا بأقوالهم، ولا تمذهبوا بآرائهم، بل كانوا من أهل السُّنَّة، داعين إليها . ٦٤٣ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٦) وقال عياض: اشتراط كون الإمام قرشيّاً مذهب العلماء كافّة، وقد عدّوها في مسائل الإجماع، ولم يْنقل عن أحد من السلف فيها خلاف، وكذلك مَنْ بعدهم في جميع الأمصار، قال: ولا اعتداد بقول الخوارج، ومَن وافقهم مِن المعتزلة؛ لِمَا فيه من مخالفة المسلمين. قال الحافظ: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر ظـ من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات، أنه قال: إن أدركني أجلي، وأبو عبيدة حيّ استخلفته، فذكر الحديث، وفيه: ((فإن أدركني أجلي، وقد مات أبو عبيدة، استخلفت معاذ بن جبل))، الحديث، ومعاذ بن جبل أنصاريّ، لا نَسَب له في قريش، فَيَحْتَمِل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيّاً، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك، والله أعلم. وأما ما احتج به من لم يعيِّن الخلافة في قريش، من تأمير عبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة، وأسامة، وغيرهم في الحروب، فليس من الإمامة العظمى في شيء، بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشيّ في حياته، والله أعلم. واستُدِلَّ بحديث ابن عمر ﴿ه على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم، أنه إذا لم يوجد قرشيّ يُستخلف كنانيّ، فإن لم يوجد، فمِن بني إسماعيل، فإن لم يوجد منهم أحد مستجمع الشرائط، فعجميّ، وفي وجه: جُرْهُمي وإلا فمِن ولد إسحاق، قالوا: وإنما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذِكر ما يُمكن أن يقع عقلاً، وإن كان لا يقع عادةً، أو شرعاً. قال الحافظ: والذي حَمَل قائلُ هذا القول عليه أنه فَهِمَ منه الخبر المحض، وخبر الصادق لا يتخلف، وأما مَن حمَله على الأمر، فلا يحتاج إلى هذا التأويل. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الأرجح حَمْله على الأمر؛ لوضوح أدلّته، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٦١٧/١٦ - ٦٢١، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٤٠). ٦٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٩٧] (١٨٢١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْئَم الْوَاسِطِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ الطَّخَّنَ - عَنْ حُصَيْنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِّ وَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً))، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ خَفِيَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِ: مَا قَالَ؟ قَالَ: ((كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابین. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (خُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت١٣٦) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٥/٤٣. ٤ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) أبو سعيد، مقبول [١٠] من أفراد المصنّف تقدم في ((الجمعة)) ١٩٩٩/١٣. ٥ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّخَّانُ) الْمُزنيّ مولاهم، أبو الْهَيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧. ٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الحصابيّ نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَهُ، وهو (٣٢٩) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿يَا أَنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي) سمرة بن جندب ( عنه (عَلَى النَّبِيِّ وََّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إنَّ هَذَا الأَمْرَ)؛ أي: إن عزّة الإسلام، والدِّين، وصلاح حال المسلمين، كما تدلّ عليه الروايات التالية، من قوله واليه: ((لا يزال أمر الناس ماضياً))، وقوله: ((لا يزال الإسلام عزيزاً))، وقوله: ((لا ٦٤٥ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌّ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٧) يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً)). (لَا يَنْقَضِي)؛ أي: لا ينقطع، ويزول (حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ)؛ أي: في الناس، (اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً) وفي رواية البخاريّ: ((يكون اثنا عشر أميراً)). (قَالَ) جابر ◌َُّهُ (ثُمَّ تَكَلَّمَ)؛ أي: النبيّ ◌َّ (بِكَلَامِ خَفِيَ عَلَيَّ) وفي رواية سفيان التالية: ((ثم تكلم النبيّ نَّ﴿ بكلمة خَفِيَت عليّ))،ً ووقع عند أبي داود من طريق الشعبيّ، عن جابر بن سمرة ◌ًّا سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر، ولفظه: «لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفةً، قال: فَكَبَّر الناس، وضَجُوا، فقال كلمة خفيّةً، فقلت لأبي: يا أبت ما قال؟)) فذكره، وفي الرواية الآتية عند مسلم: ((صَمَّنيها الناس))؛ أي: أصمّوني منها، فلم أسمعها لكثرة كلامهم، ولَغَطَهم. (قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي) سمرة، وفي الرواية الآتية: ((فسألت أبي))، (مَا قَالَ؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أي شيء قَالَ؟، وفي رواية البخاريّ: ((فقال أبي))، (قَالَ) ◌َِّ: (كُلَّهُمْ)؛ أي: كلّ الخليفة الاثني عشر (مِنْ قُرَيْشٍ))) ووقع عند الطبرانيّ في آخر الحديث: ((فالتفتّ، فإذا أنا بعمر بن الخطاب، وأبي، في أناس، فأثبتوا إليّ الحديث))، ووقع في حديث أبي جُحيفة عند البزار، والطبرانيّ نحو حديث جابر بن سمرة، بلفظ: ((لا يزال أمر أمتي صالحاً))، وأخرجه أبو داود، من طريق الأسود بن سعيد، عن جابر بن سمرة نحوه، وزاد: ((فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش، فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج))، وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخَر، فقال فيها: ((ثم رجع إلى منزله، فأتيته، فقلت: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج)). قال القرطبيّ تَُّ عند شرح قولِهِ: ((لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش)): يعني به: أنه لا تزال عزَّةُ دين الإسلام قائمةً إلى اثني عشر خليفة من قريش، وقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم خلفاء العَدْلِ؛ كالخلفاء الأربعة، وعمر بن عبد العزيز، ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتُهم في إظهار الحق والعدل، حتى يَكْمُل ذلك العدد، وهو أولى الأقوال عندي. وثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالدِّين: المُلك والولاية، وهو شرح ٦٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة الحال في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم، لا على طريق المدح، وقد يقال: الدِّينُ على الْمُلْكِ؛ كما قال [من البسيط]: لَئِنْ حَلَلْتَ بِجوٍّ في بني أسدٍ فِي دِينِ عمرو وحَالتْ بيننا فَدَكُ وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ اٌلْمَلِكِ﴾ الآية [يوسف: ٧٦]، ثم عدّد هذا القائل ملوكهم، فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بنُ معاوية، ثم ابنه معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابيّ، ولا مروان لأنه غاصب لابن الزبير -، ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد، فهؤلاء اثنا عشر، ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس. وثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر خليفة من قريش، مجتمعين في زمان واحد في آفاق مختلفة؛ كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها، وتَلَقَّب بها، ومعهم صاحبُ مصر، وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد، وقد دلّ على هذا قوله: ((سيكون خلفاء فتَكْثُر))، متّفقٌ عليه، قال القرطبيّ تَُّ: وكلٌّ محتمَل، والأول أَولاها؛ لبُعْده عن الاعتراض. انتهى كلام القرطبيّ تَذْتُ(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١ / ٤٦٩٧ و ٤٦٩٨ و٤٦٩٩ و٤٧٠٠ و٤٧٠١ و٤٧٠٢] (١٨٢١)، و(البخاريّ) في ((الأحكام)) (٧٢٢٢ و٧٢٢٣)، و(أبو داود) في ((كتاب المهديّ)) (٤٢٨١)، و(الترمذي) في ((الفِتَن)) (٢٢٢٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٢٧٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٠/٥ و١٠٠ و١٠٦)، و(ابن (١) ((المفهم)) ٨/٤ - ٩. ٦٤٧ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٧) حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٦١ و٦٦٦٢ و٦٦٦٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٠٥٩)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (٢٧٥٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٧١٥/٣ - ٧١٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٩/٤ و٣٧٠ و٣٧١ و٣٧٢ و٣٧٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥٦/١٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٩٠/١) و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٥٢٠/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٤٢٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال في ((الفتح)) عند شرح قوله ◌َلير: ((يكون اثنا عشر أميراً، كلّهم من قريش)) ما نصّه: قال ابن بطال(١) عن المهلَّب: لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث؛ يعني: بشيء معيَّن، فقوم قالوا: يكونون بتوالي إمارتهم، وقوم قالوا: يكونون في زمن واحد، كلهم يدَّعي الإمارة، قال: والذي يغلب على الظنّ أنه وَ لّ أخبر بأعاجيبَ تكون بعده من الفتن، حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميراً، قال: ولو أراد غير هذا لقال: يكون اثنا عشر أميراً، يفعلون كذا، فلما أعراهم من الخبر، عرفنا أنه أراد أنهم يكونون في زمن واحد. انتهى. قال الحافظ: وهو كلامُ مَن لم يقف على شيء من طُرُق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاريّ هكذا مختصرةً، وقد عرفت من الروايات التي ذكرتُها من عند مسلم وغيره، أنه ذكر الصفة التي تختص بولايتهم، وهو كون الإسلام عزيزاً منيعاً، وفي الرواية الأخرى صفة أخرى، وهو أن كلهم يجتمع عليه الناس، كما وقع عند أبي داود، فإنه أخرج هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة، بلفظ: ((لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفةً، كلهم تجتمع عليه الأمّة))، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر، عن الأسود بن سعيد، عن جابر بن سمرة، بلفظ: ((لا تضرّهم عداوة من عاداهم)). وقد لَخَّص القاضي عياض ذلك، فقال: توجه على هذا العدد سؤالان: أحدهما: أنه يعارضه ظاهر قوله في حديث سَفينة - يعني: الذي أخرجه (١) (شرح البخاريّ)) لابن بطال ٢٨٧/٨. ٦٤٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أصحاب السنن، وصححه ابن حبان، وغيره -: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم تكون مُلكاً))؛ لأن الثلاثين سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الأربعة، وأيام الحسن بن عليّ. والثاني: أنه وَلِيَ الخلافة أكثر من هذا العدد. قال: والجواب عن الأول أنه أراد في حديث سفينة خلافة النبوة، ولم يقيّده في حديث جابر بن سمرة بذلك، وعن الثاني: أنه لم يقل: لا يلي إلا اثنا عشر، وإنما قال: ((يكون اثنا عشر))، وقد وَلِيَ هذا العدد، ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم، قال: وهذا إن جُعل اللفظ واقعاً على كل من وَلِيَ، وإلا فَيَحْتَمِل أن يكون المراد مَن يستحق الخلافة، من أئمة العدل، وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بُدّ من تمام العدة قبل قيام الساعة، وقد قيل: إنهم يكونون في زمن واحد، يفترق الناس عليهم، وقد وقع في المائة الخامسة في الأندلس وحدها ستة أنفس، كلهم يتسمى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر، والعباسية ببغداد إلى من كان يَدَّعِي الخلافة في أقطار الأرض من بلاد البرابر، وخراسان، من العلوية، والخوارج، وغيرهم، قال: ويعضد هذا التاويل قوله في حديث آخر في مسلم: ((ستكون خلفاء، فَيَكْثُرون))، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أن يكون الاثنا عشر في مدّة عزة الخلافة، وقوّة الإسلام، واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة، ويؤيده قوله في بعض الطرق: ((كلّهم تجتمع عليه الأمة))، وهذا قد وُجد فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتَّصَلت فُتُونهم إلى أن قامت الدولة العباسية، فاستأصلوا أمرهم، وهذا العدد موجود صحیح، إذا اعتُبِر. قال: وقد يَحْتَمِل وجوهاً أُخَر، والله أعلم بمراد نبيّه وَ له فيها. انتهى(١). قال الحافظ: والاحتمال الذي قبل هذا، وهو اجتماع اثني عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة، هو الذي اختاره المهلّب، كما تقدم، وقد ذكرت وجه الردّ عليه، ولو لم يَرِدْ إلا قوله: ((كلهم يجتمع عليه الناس))، فإن في (١) ((إكمال المعلم)) ٢١٧/٦. ٦٤٩ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٧) وجودهم في عصر واحد يوجِد عين الافتراق، فلا يصحّ أن يكون المرادَ، ويؤيد ما وقع عند أبي داود، ما أخرجه أحمد، والبزار، من حديث ابن مسعود رظّته، بسند حسن: ((أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله وَله، فقال: اثنا عشر، كعِدّة نقباء بني إسرائيل)). وقال ابن الجوزيّ في ((كشف المشكل))(١): قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلّبت مظانّه، وسألت عنه، فلم أقع على المقصود به؛ لأن ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة، ثم وقع لي فيه شيء وجدت الخطابيّ بعد ذلك قد أشار إليه، ثم وجدت كلاماً لأبي الحسين بن المنادي، وكلاماً لغيره. فأما الوجه الأول، فإنه أشار إلى ما يكون بعده، وبعد أصحابه، وأن حُكم أصحابه مرتبط بحُكمه، فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم، فكأنه أشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني أمية، وكأن قوله: ((لا يزال الدين -؛ أي: الولاية - إلى أن يلي اثنا عشر خليفة))، ثم ينتقل إلى صفة أخرى أشدّ من الأُولى، وأول بني أمية يزيد بن معاوية، وآخرهم مروان الحمار، وعدّتهم ثلاثة عشر، ولا يُعَدّ عثمان، ومعاوية، ولا ابن الزبير؛ لكونهم صحابةً، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم؛ للاختلاف في صحبته، أو لأنه كان متغلِّباً بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير، صحت العدّة، وعند خروج الخلافة من بني أمية، وقعت الفتن العظيمة، والملاحم الكثيرة، حتى استقرّت دولة بني العباس، فتغيرت الأحوال عمّا كانت عليه تغيّراً بيّناً، قال: ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود، من حديث ابن مسعود ظُه رفعه: «تدور رَحَى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من هلك، وإن يَقُمْ لهم دِينهم يَقُمْ لهم سبعين عاماً))، زاد الطبرانيّ، والخطابيّ: ((فقالوا: سوى ما مضى؟ قال: نعم))، قال الخطابيّ: رَحَى الإسلام كناية عن الحرب، شَبّهها بالرحى التي تَطحن الحبّ؛ لِمَا يكون فيها من تلف الأرواح، والمراد بالدِّين في قوله: ((يقم لهم دينهم)) المُلك، قال: فُيُشبه أن يكون إشارةً (١) ((كشف المشكل)) ١/ ٤٥٢. ٦٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة إلى مدة بني أمية في المُلك، وانتقاله عنهم إلى بني العباس، فكان ما بين استقرار المُلك لبني أمية، وظهور الوَهْن فيه، نحو من سبعين سنةً. قال الحافظ: لكن يَعْكُر عليه أن من استقرار المُلك لبني أمية عند اجتماع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين إلى أن زالت دولة بني أمية، فقُتل مروان بن محمد في أوائل سنة اثنتين وثلاثين ومائة أزْيَد من تسعين سنة. ثم نَقَل عن الخطيب أبي بكر البغداديّ قولَهُ: (تدور رَحَى الإسلام)) مَثَلٌ يريد أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم، يُخاف بسببه على أهله الهلاك، يقال للأمر إذا تغيّر، واستحال: دارت رحاه، قال: وفي هذا إشارة إلى انتقاض مدة الخلافة، وقوله: ((يقُمْ لهم دينهم))؛ أي: مُلكهم، وكان من وقت اجتماع الناس على معاوية إلى انتقاض مُلك بني أمية نحواً من سبعين . قال ابن الجوزيّ: ويؤيد هذا التأويل ما أخرجه الطبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رفعه: ((إذا مَلَك اثنا عشر من بني كعب بن لؤي، كان النَّقْفُ، والنّقَافُ إلى يوم القيامة)). انتهى. قال الحافظ: والنقف ظَهَر لي أنه بفتح النون، وسكون القاف، وهو كسر الهامة عن الدماغ، والنَّقَاف بوزن فَعَال منه، وكَنَى بذلك عن القتل، والقتال، ويؤيده قوله في بعض طرق جابر بن سمرة: ((ثم يكون الْهَرْجُ)). وأما صاحب ((النهاية)): فضَبَطه بالثاء المثلثة، بدل النون، وفسّره بالجِدّ الشديد في الخصام، ولم أر في اللغة تفسيره بذلك، بل معناه: الفطنة، والْحِذْق، ونحو ذلك. وفي قوله: ((من بني كعب بن لؤيّ)) إشارة إلى كونهم من قريش؛ لأن لؤياً هو ابن غالب بن فِهْر، وفهر جَمّاع قريش. وقد يؤخذ منه أن غيرهم يكون من غير قريش، فتكون فيه إشارة إلى القَحْطاني المقدَّم ذكره. قال: وأما الوجه الثاني، فقال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جَمَعَه في المهديّ: يَحْتَمِل في معنى حديث: ((يكون اثنا عشر خليفةً)) أن يكون هذا بعد المهديّ الذي يخرج في آخر الزمان، فقد وجدت في (كتاب دانيال)): إذا مات المهديّ مَلَك بعده خمسة رجال، من وَلَدِ السبط ٦٥١ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٧) الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يَملك بعده ولده، فيتم بذلك اثنا عشر مَلِكاً، كل واحد منهم إمام مهديّ. قال ابن المنادى: وفي رواية أبي صالح، عن ابن عباس: ((المهديّ اسمه محمد بن عبد الله، وهو رجل ربعةٌ مُشَرَّب بحمرة، يُفَرِّج الله به عن هذه الأمة كلَّ كرب، ويصرف بعدله كل جَوْر، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلاً، ستة مِن وَلَد الحسن، وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، ثم يموت، فیفسد الزمان)). وعن كعب الأحبار: يكون اثنا عشر مهديّاً، ثم ينزل روح الله، فيقتل الدجال. قال: والوجه الثالث أن المراد وجود اثني عشر خليفةً في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة، يعملون بالحقّ، وإن لم تتوالى أيامهم، ويؤيده ما أخرجه مسدّد في ((مسنده الكبير))، من طريق أبي بحر، أن أبا الجلد حدّثه، أنه لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفةً، کلهم يعمل بالهدى، ودین الحقّ، منهم رجلان من أهل بيت محمد، يعيش أحدهما أربعين سنةً، والآخر ثلاثين سنةً. وعلى هذا فالمراد بقوله: ((ثم يكون الهرج))؛ أي: الفتن المُؤذِنة بقيام الساعة، من خروج الدجال، ثم يأجوج ومأجوج، إلى أن تنقضي الدنيا. انتهى كلام ابن الجوزيّ ملخّصاً بزيادات يسيرة، والوجهان: الأول، والآخر قد اشتمل عليهما كلام القاضي عياض، فكأنه ما وقف عليه، بدليل أن في كلامه زيادةً لم يشتمل عليها كلامه. قال الحافظ: وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجه، أرجحها: الثالث من أوجه القاضي؛ لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: ((كلهم يجتمع عليه الناس))، وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، إلى أن وقع أمر الْحَكَمين في صِفِّين، فسُمِّي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية، عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين ٦٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة أمرٌ، بل قُتل قبل ذلك، ثم لمّا مات يزيد وقع الاختلاف، إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان، بعد قَتْل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمع الناس عليه لمّا مات عمه هشام، فَوَلِي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه، فقتلوه، وانتشرت الفتن، وتغيّرت الأحوال من يومئذٍ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تَطْل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولمّا مات يزيد وَلِي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس، إلى أن قُتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح، ولم تَطْل مدته، مع كثرة من ثار عليه، ثم وَلِي أخوه المنصور، فطالت مدّته، لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرّت في أيديهم متغلبين عليها، إلى أن تسمَّوا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض، إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في بعض البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يُخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً ويميناً، مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة، ومن نَظَر في أخبارهم عَرَف صحة ذلك. فعلى هذا يكون المراد بقوله: ((ثم يكون الهرج)) يعني القتل الناشئ عن الفتن وقوعاً فاشياً يفشو، ويستمرّ، ويزداد على مدى الأيام، وكذا كان، والله المستعان . والوجه الذي ذكره ابن المنادى ليس بواضح، ويعكر عليه ما أخرجه الطبرانيّ، من طريق قيس بن جابر الصدفيّ، عن أبيه، عن جدّه، رفعه: ((سيكون من بعدي خلفاء، ثم من بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً، ثم يؤمَّر القطحانيّ، فوالذي بعثني بالحقّ ما هو دونه))، فهذا ٦٥٣ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٧) يردّ على ما نقله ابن المنادى من ((كتاب دانيال))، وأما ما ذكره عن أبي صالح فَوَاهٍ جدّاً، وكذا عن كعب. وأما محاولة ابن الجوزيّ الجمع بين حديث: ((تدور رَحَى الإسلام))، وحديث الباب ظاهرُ التكلف، والتفسير الذي فسّره به الخطابيّ، ثم الخطيب بعيد، والذي يظهر أن المراد بقوله: ((تدور رحى الإسلام)) أن تدوم على الاستقامة، وأن ابتداء ذلك من أول البعثة النبوية، فيكون انتهاء المدة بقتل عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة، فإذا انضم إلى ذلك اثنتا عشرة سنة وستة أشهر من المبعث في رمضان كانت المدة خمساً وثلاثين سنةً وستة أشهر، فيكون ذلك جميع المدة النبوية، ومدة الخليفتين بعده خاصّة، ويؤيده حديث حذيفة الذي يشير إلى أن باب الأمن من الفتنة يُكسر بقتل عمر، فيُفتح باب الفتن، وكان الأمر على ما ذَكَرَ، وأما قوله في بقية الحديث: ((فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يَقُم لهم دينهم يقم سبعين سنةً)، فيكون المراد بذلك: انقضاء أعمارهم، وتكون المدة سبعين سنةً إذا جُعل ابتداؤها من أول سنة ثلاثين عند انقضاء ست سنين من خلافة عثمان، فإنّ ابتداء الطعن فيه إلى أن آل الأمر إلى قَتْله كان بعد ستّ سنين مضت من خلافته، وعند انقضاء السبعين لم يبق من الصحابة أحد، فهذا الذي يظهر لي في معنى هذا الحديث، ولا تَعَرُّض فيه لِمَا يتعلق باثني عشر خليفةً، وعلى تقدير ذلك، فالأَولى أن يُحْمَل قوله: ((يكون بعدي اثنا عشر خليفةً)) على حقيقة البَعدية، فإن جميع من ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لم تصحّ ولايتهما، ولم تَطْل مدتهما، وهما معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفساً على الولاء، كما أخبر وَ *، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وتغيرت الأحوال بعده، وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون، ولا يقدح في ذلك قوله: ((يجتمع عليهم الناس))؛ لأنه يُحْمَل على الأكثر الأغلب؛ لأن هذه الصفة لم تُفقد منهم إلا في الحسن بن عليّ، وعبد الله بن الزبير، مع صحة ولايتهما، والْحُكْم بأن من خالفهما لم يثبت استحقاقه إلا بعد تسليم الحسن، وبعد قتل ابن الزبير، والله أعلم. وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الاثني عشر منتظمةً، وإن وُجد في ٦٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة بعض مدّتهم خلاف ذلك، فهو بالنسبة إلى الاستقامة نادر، والله اعلم. وقد تكلم ابن حبان على معنى حديث: ((تدور رحى الإسلام))، فقال: المراد بقوله: ((تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين))، انتقال أمر الخلافة إلى بني أمية، وذلك أن قيام معاوية عن عليّ بصِفِين حتى وقع التحكيم، هو مبدأ مشاركة بني أمية، ثم استمرّ الأمر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة، فكان أول ما ظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومائة، وساق ذلك بعبارة طويلة، عليه فيها مؤاخذات كثيرة، أولها دعواه أن قصة الْحَكَمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين، وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الأخبار، فإنها كانت بعد وقعة صفين بعد أشهر، وكانت سنة سبع وثلاثين، والذي قدمته أولى بأن يُحْمَل الحديث عليه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَخَذُ(١) وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٩٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيَاً مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً»، ثُمَّ تَكَلَّمَ النَِّيُّ ◌َهُ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ؟ فَقَالَ: (كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). رجال هذا الإسناد: أربعة أيضاً: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، صدوقٌ صنّف ((المسند))، وكان لازم ابن عيينة، قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُويد اللَّخْميّ الكوفيّ الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. و((جابر بن سَمُرة ﴿ُه)) ذُكر قبله، وكذا ((سفيان بن عيينة)) ذُكر أول الباب، (١) ((الفتح)) ٦٧/١٧ - ٧٢، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧٢٢٢). ٦٥٥ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٦٩٩) والإسناد من رباعيّات المصنّف تَخْتُهُ كالأسانيد الثلاثة السابقة، والإسنادين اللاحقَين، وهو (٣٣٠) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ وَهُ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ) وقد بيّن في رواية أبي داود من طريق الشعبيّ، عن جابر بن سَمُرة ◌ّ سبب خفاء الكلمة المذكورة، ولفظه: ((لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفةً، قال: فكبَّر الناسُ، وضَجُّوا، فقال كلمةً خفيّةً، فقلت لأبي: يا أبه ما قال ... إلخ))، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ عند أحمد: ((وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله (وَلات). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف كَّلُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ(١)، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ ﴿ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِياً)). رجال هذا الإسناد: أربعة أيضاً: ١ - (أبو عوانة) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطي، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٢ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد الذّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّةُ مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. والباقيان ذُكرا في الباب، والإسناد من رباعيّات المصنّف ◌َظُّهُ، كالأسانيد الأربعة الماضية، والإسناد اللاحق، وهو (٣٣٢) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه]: رواية سماك بن حرب، عن جابر بن سَمُرة ظّ هذه ساقها الترمذيّ ◌َُّ في ((جامعه))، فقال: (١) وفي نسخة: ((عن سماك بن حرب)). ٦٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة (٢٢٢٣) - حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدّثنا عمر بن عبيد الطنافسيّ، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ولايته : (يكون من بعدي اثنا عشر أميراً»، قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فسألت الذي يليني، فقال: قال: ((كلَّهم من قريش))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال: [٤٧٠٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكُ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزاً إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً))، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟(٢) فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). رجال هذا الإسناد: أربعة أيضاً: ١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُذْبة، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد بتليينه النسائيّ، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥١. ٢ - (حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ عَزِيزاً إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً))، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟(٣) فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ))). (١) ((جامع الترمذيّ)) ٥٠١/٤. (٣) وفي نسخة: ((فقلت لأبي، فقال)). (٢) وفي نسخة: ((ماذا قال)). (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعْ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٧٠٢) ٦٥٧ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، وقد رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهور، فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. و ((جابر بن سمرة پ)) ذُکر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٧٠٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَزْهَرٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، وَمَعِي أَبِي، فَسَمِعْتُهُ(١) يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزاً مَنِيعاً إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً))، فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا(٢) النَّاسُ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: ((كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، أحد مشايخ الستّة، تقدّم قريباً. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٣. (١) وفي نسخة: ((وسمعته)). (٢) وفي نسخة: ((صَمَّتَنِيهَا)). ٦٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، الملقّب أبا الجوزاء، ثقةٌ [١١] (ت م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٥ - (أَزْهَرُ) بن سعد السمّان، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٣) وهو ابن (٩٤) سنةً (خ م « ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)» ٠١٣٤٤/٢٦ والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (صَمَّنِيهَا(١) النَّاسُ) بفتح الصاد المهملة، وتشديد الميم المفتوحة؛ أي: أصمّوني عنها، فلم أسمعها؛ لكثرة الكلام، ووقع في بعض النسخ: ((صمّتنيها الناس))؛ أي: سكّتوني عن السؤال عنها، قاله النوويّ(٢). وفي رواية عند أحمد في ((مسنده)) بلفظ: ((أصَمّنيها الناس)): قال ابن الأثير: أي: شَغَلُوني عن سماعها، فكأنهم جعلوني أصمّ. انتهى(٣). وقال القاضي عياض ◌َّتُهُ: قوله: ((صَمّنيها الناسُ)) كذا لكافّة شُيُوخنا، وعند بعضهم: ((أصمّنيها الناس))؛ أي: لم أسمعها من لفظهم، وقيل: الوجه: ((أصمّني عنها))، وأما الرواية الأولى، فمعناها: أي سكّتوني عن السؤال عنها، والنبيّ وَّ يخطُبُ، والصواب: المعنى الأول، وهو أشبه بمساق الحديث. انتهى (٤). وقال المجد رَّتُهُ: ((الصمَمُ: انسداد الأُذن، وثِقَل السمع، صَمَّ يَصَمُّ، بفتحهما، وصَمِمَ، بالكسر، نادرٌ صَمّاً، وصَمَماً، وأَصَمَّ، وأصمّه الله تعالى، فهو أصمّ، جَمْعه: صُمُّ، وصُمَّانٌ. انتهى(٥). وقال الفيّوميّ كَذَفُ: صَمَّتِ الأُذُنُ صَمَماً، من باب تَعِبَ: بَطَلَ سَمْعُها، هكذا فسّره الأزهريّ وغيره، ويُسنَدُ الفعل إلى الشخص أيضاً، فيقال: صَمَّ يَصَمُّ صَمَماً، فالذَّكر أصمُّ، والأنثى صَمَّاءُ، والجمع صُمٌّ، مثل أحمر، وحمراء، وحُمْرٍ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أصمّه الله، وربّما استُعمل الرباعيّ لازماً على قلّة، ولا يُستعمل الثلاثيّ متعدّياً، فلا يُقال: صَمّ الله الأذنَ، ولا (١) وفي نسخة: ((صَمَّتَنِيهَا)). (٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ٥٤/٣. (٥) ((القاموس المحيط)» ص٧٥٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٣/١٢. (٤) ((إكمال المعلم)) ٢١٨/٦. ٦٥٩ (١) - بَابٌ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ))، وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ - حديث رقم (٤٧٠٣) يُبنى للمفعول، فلا يقال: صُمَّتِ الأُذُنُ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره المجد، والفيّوميّ صريح في أن (صَمّني)) في هذه الرواية غير صحيح، وإنما الصحيح أن يقال: أصمّني بالهمزة، وعلى هذا فما وقع في رواية أحمد المذكورة بلفظ: ((فأصمّني)) هو الصواب، فتأمل، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّل الكتاب قال: [٤٧٠٣] (١٨٢٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلَامِي نَافِعِ أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الهِ نَِّ، قَالَ: فَكَتَبَ(٢) إِلَيَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ (٣) يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِماً حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ، بَيْتَ كِسْرَى، أَوْ آلِ كِسْرَى))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((أنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، فَاحْذَرُوهُمْ))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إذا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْراً فَلْيَبْدَأُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ المدنيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (الْمُهَاجِرُ بْنُ مِسْمَارٍ) الزهريّ، مولى سعد المدنيّ، ثقةٌ [٧]. (١) ((المصباح المنير)) ٣٤٧/١. (٢) وفي نسخة: ((وكتب)). (٣) وفي نسخة: ((رَجم الأسلميَّ)) بالبناء للفاعل. ٦٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإمارة رَوَى عن عامر، وعائشة ابني سعد بن أبي وقاص، وروى عنه ابن أبي ذيب، وموسى بن يعقوب الزَّمَعيّ، ويعقوب بن جعفر بن أبي كثير، وخالد بن إلياس، وحاتم بن إسماعيل. ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: مات بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وقيل: مات سنة خمس ومائة، وله أحاديث، وليس بذاك، وهو صالح الحديث، وقال أبو بكر البزار: مشهورٌ، صالح الحدیث . أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه في ((التفسير))، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٢٢)، وحديث (٢٣٠٥): ((أنا الفَرَط على الحوض))، وهو مختصر من حديث الباب. [تنبيه]: قولي: ((ثقةٌ)) أَولى من قوله في ((التقريب)): مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وقال البزّار: مشهور، صالح الحديث، وأخرج له مسلم في ((صحيحه))، فمثله يكون ثقةً صحيح الحديث، وقد نظمت قاعدةً ذكرها الحافظ الذهبيّ تَظْثُ في كتابه ((ميزان الاعتدال))، فقلت: قَاعِدَةٌ حَقَّقَهَا الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ النَّاقِدُ الْهُمَامُ إِذَا رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمَشَابِخِ وَلَمْ يُنْتَقَدِ بِنَقْلِهِ الْمُنْكَرَ قُلْ صَحِيحُ حَدِيثُهُ وَإِنْ خَلَا النَّصْرِيحُ بِذَا يَقُولُ جُلُّ مَنْ قَدْ حَقَّقَهْ مِنَ الأَئِمَّةِ بِكَوْنِهِ ثِقَهْ لَدَى («الصَّحِيحَيْنِ)» رِجَالاً مَا بَدَا قَالَ بِهِ الشَّيْخَانِ إِذْ قَدْ أَوْرَدَا ذَكَرَ فِي ((الْمِيزَانٍ» نِعْمَ مَأْخَذَا عَنْ أَحَدٍ تَوْثِيقُهُمْ وَهَكَذَا ٣ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.