Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ (٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٨٠) سهم واحد، وتقسم الأربعة على الناس، ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة، سهم للنبيّ ◌َّ﴾، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. [الثالث]: قال المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقال: هو لنا، قلت لعلي: إن الله تعالى يقول: ﴿وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ فقال: أيتامنا ومساكيننا. [الرابع]: قال الشافعيّ: يقسم على خمسة، ورأى أن سهم الله ورسوله واحد، وأنه يُصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية. [الخامس]: قال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل. وارتفع عنده حُكم قرابة رسول الله پے بموته، کما ارتفع حُكم سهمه. قالوا: ويُبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضاً . [السادس]: قال مالك: هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي منه القرابة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله وَليقول: ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم))، فإنه لم يقسمه أخماساً ولا أثلاثاً، وإنما ذُكر في الآية من ذُكر على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم من أهم من يُدفع إليه، قال الزّجاج محتجاً لمالك: قال الله: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَاَلْتَ وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وذكر النسائيّ عن عطاء قال: خُمس الله، وخُمس رسوله واحد، كان رسول الله وَ﴿ يَحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ٥٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (١) ما شاء. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك تَّتُ من أن مرجع الخمس إلى رأي الإمام هو الأرجح؛ لأنه عمل النبيّ وَّر، والخلفاء بعده، كما دلّ عليه حديث ابن عبّاس ◌َّ المذكور في الباب، حيث قال: ((إنا كنّا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذلك))، والمراد من ((قومنا)) هم الخلفاء الراشدون وقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن قيس بن مسلم، قال: سألت الحسن بن محمد عن قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قال: هذا مَفَاتح كلام الله، الدنيا والآخرة لله، قال: اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله وَليل: سهم الرسول، وسهم ذي القربى، فقال قائل: سهم الرسول # للخليفة من بعده، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الرسول وَلينه، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم على أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعُدّة في سبيل الله، فكانا في ذلك خلافة أبي بكر، وعمر. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ) - بالباء الموحدة - وهو الشدة، والمراد هنا: الحرب، ومنه قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَفِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: ٨١]، وأصل البأس: الشدّة، والمشقّة، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثْنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُتِمَّ الْقِصَّةَ، كَإِنْمَامِ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ). (١) (تفسير القرطبيّ)) ١٠/٨ - ١١. (٢) ((سنن النسائي - المجتبى ـ)) ١٣٣/٧. (٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٨١) ٥٨٣ رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتُ سنّيّ [٧] (ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٤ - (سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ) تقدّم قريباً. ٥ - (الْمُخْتَارُ بْنُ صَيْفِيٍّ) - بفتح الصاد المهملة، وسكون التحتانيّة، بعدها فاء - الكوفيّ، مقبول [٦]. رَوَى عن يزيد بن هرمز، عن ابن عباس ها، وروى عنه الأعمش فقط، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). انفرد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وهو متابعة. [فإن قلت]: كيف أخرج له مسلم، مع أنه لم يرو عنه إلا الأعمش، ولم يوثّقه إلا ابن حبّان، وقال عنه في ((التقريب)): مقبول؟. [قلت]: إنما أخرج له متابعة لرواية محمد بن عليّ، وسعيد المقبريّ، وقيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز، الماضية، فتنبّه. والباقيان تقدّما قريباً. وقوله: (فَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ ... إلخ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير المختار بن صيفيّ. وقوله: (كَإِثْمَامٍ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ)؛ يعني: محمد بن عليّ، وسعيداً المقبريّ، وقيس بن سعد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية المختار بن صيفيّ، عن يزيد بن هرمز هذه ساقها أبو داود في ((سننه))، فقال: (٢٧٢٧) - حدّثنا محبوب بن موسى أبو صالح، ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن زائدة، عن الأعمش، عن المختار بن صيفيّ، عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نَجدة إلى ابن عباس يسأله عن كذا وكذا، وذكر أشياء، وعن المملوك، ٥٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أله في الفيء شيء؟ وعن النساء، هل كُنّ يخرجن مع النبيّ وَّ؟ وهل لهنّ نصيب؟ فقال ابن عباس: لولا أن يأتي أحموقة ما كتبت إليه، أمّا المملوك، فكان يُخْذَى، وأمّا النساء فقد كنّ يداوين الجرحى، ويسقين الماء. انتهى (١). [تنبيه آخر]: رواية المختار بن صيفيّ هذه التي ذكر مسلم أنها مختصرة، قد ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) مطوّلةً مثل روايات الآخرين، فقال: (٦٨٨٧) - حدّثنا أبو أمية، قئنا معاوية بن عمرو، قثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن زائدة، قال معاوية: وقد سمعته من زائدة، عن الأعمش، عن المختار بن صيفيّ، عن يزيد بن هرمز، قال: كَتَب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم، متى ينقطع عنه اسم الْيُثْم؟ وعن قتل الولدان، وعن المملوك أله من الفيء شيء؟ وعن النساء، هل كن يخرجن مع رسول الله صل﴾، وهل لهنّ نصيب من الفيء؟ وعن الخمس لمن هو؟ قال ابن عباسٍ: لولا أن يأتي حُمُوقةً ما كتبت إليه، ثم كتب إليه: أما اليتيم فإذا احتَلَم، وأُونس منه رُشْدُه، فقد انقطع عنه اليتم، وأما الولدان، فإن كنت تعلم ما عَلِم الخضر، وإلا فلا تقتلهم، وأما المملوك، فقد كان يُخْذَى، وأما النساء فقد كُنّ يداوين الجرحى، ويسقين الماء، وأما الخُمس فنزعم أنه لنا، ويزعم قومنا أنه ليس لنا. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٨٢] (١٨١٢م) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ، قَالَّتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اَللهِ وَّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أَخْلُفُهُمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الأشلّ الْكِنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، له تصانيف، من صغار [٩] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨١٧/٢٦. (١) ((سنن أبي داود)) ٧٤/٣. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٣٣٥/٤ - ٣٣٦. ٥٨٥ (٤٦) - بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَّا يُسْهَمُ، ... إلخ - حديث رقم (٤٦٨٢) ٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدُوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٤ - (حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ) الأنصاريّة أم الْهُذيل البصريّة، ثقةٌ [٣] ماتت بعد المائة (ع) تقدمت في ((العیدین)) ٢/ ٢٠٥٥. ٥ - (أُّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةُ) نُسيبة - بالتصغير، ويقال: بفتح أولها - بنت الحارث، أو بنت كعب صحابيّة مشهورة، سكنت البصرة ويها (ع) تقدمت في «العیدین)) ٢٠٥٤/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من هشام، والباقيان كوفيّان. شرح الحديث: (عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ) نسيبة بنت كعب، أو بنت الحارث ◌َّا، أنها (قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ) سيأتي في الباب التالي عدد غزوات النبيّ وَ﴿ - إن شاء الله تعالى - (أَخْلُفُهُمْ) بضمّ اللام، يقال: خَلَفت فلاناً على أهله وماله خِلافةً: إذا صَرت خليفته. (فِي رِحَالِهِمْ) بكسر الراء: جمع رَحْل بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ: رحلُ الشخص: مأواه في الحضر، ثمّ أُطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه. انتهى(١). والمعنى: أنها تقوم مقام الغزاة في منازلهم، وأمتعتهم. (فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى)؛ أي: أقوم على خدمتهم، وأتولّى تمريضهم. تعني بذلك المهمة التي تقوم بها النساء اللاتي يغزون مع الرجال، فهي هذه الأشياء، من صنع الطعام، ومداواة الجرحى، والقيام على المرضى، فإنهنّ يكفين الرجال الذين يباشرون القتال، ويُشغلون به من القيام بهذه الأشياء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١. ٥٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم عطيّة الأنصاريّة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذْتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٨٢/٤٦ و٤٦٨٣] (١٨١٢م)، و(النسائيّ) في («الكبرى» (٢٧٨/٥)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٩٥٢/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٣٧/٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٨٤/٥)، و(ابن راهويه) في (مسنده)) (٢١١/٥)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٣٣/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٥/٢٥)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ(١)). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم أيضاً قبل باب. و((هشام بن حسّان)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٧) - (بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ الشَّبِيِّ ◌َِّ) قال الجامع عفا الله عنه: ((الغَزَوَات)) بالفتحات: جمع غَزوة - بفتح، فسكون - قال الفيّوميّ تَغْلُهُ: غَزَوْتُ العدوَّ غَزْواً، فالفاعلِ غَازٍ، والجمع: غُزَاةٌ، وغُزَّى، مثل قُضَاة، ورُكّع، وجمع الغُزَاةِ: غَزِيٌّ، على فَعِيل، مثلُ الْحَجِيج، والغَزْوَةُ: الْمَرَّة، والجمع: غَزَوَاتٌ، مثل شَهْوةٍ وشَهَوات، والمَغْزَاةُ (١) وفي نسخة: ((بنحوه). ٥٨٧ (٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ الشَّبِيِّ ◌َطِّ - حديث رقم (٤٦٨٤) كذلك، والجمع: المَغَازِي، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَغْزَيْتُهُ: إذا بعثته يَغْزُو، وإنما يكون غَزْوُ العدوّ في بلاده. انتهى(١). وقال المجد تَُّ: غزاه غَزْواً بالفتح، وغَزَواناً بالتحريك، وغَزَاوَةً، كشَقَاوة: أراده، وطلبه، وغزاه غَزْواً: قصده، كاغتزاه، وغَزَا العدوّ يغزوهم: سار إلى قتالهم، وانتهابهم، وقال الراغب: خرج إلى محاربتهم، وهو غازٍ، جمعه: غُزَّى، كسابق وسُبَّقٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُواْ غُزَّى﴾، وغُزِيٌّ، كَدُلِيٍّ، على فُعُولٍ، والْغَزِيّ، كغَنِيٍّ اسم جمع، وجعله الجوهري جمعاً، كقاطن وقَطِين، وحاجٌ وحَجِيج، وأغزاه: حَمَله على الغزو، وفي ((الصحاح)): جَهّزه للغزو، كغَزّاه، بالتشديد. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): والمغازي: جمع مَغْزَى، يقال: غزا يغزو غَزْواً، ومَغْزَى، والأصل غَزْوٌ، والواحدة غَزْوَةٌ، وغَزَاةٌ والميم زائدة، وعن ثعلب: الْغَزْوَة: المرة، والْغَزَاةُ عَمَلُ سنة كاملة، وأصل الغزو: القصد، ومَغْزَى الكلام: مَقْصَده، والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبيّ ◌َّ الكفار بنفسه، أو بجيش مِن قِبَله، وقَصْدهم أعمّ من أن يكون إلى بلادهم، أو إلى الأماكن التي حَلُّوها، حتى دخل مثل أُحُد، والخندق. انتهى(٣). وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٨٤] (١٢٥٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ اسْتَسْقَى، قَالَ: فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَقَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُ رَجُلٍ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌّ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللهِ بَّهِ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ، فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْرِ، أَوِ الْعُشَيْرِ). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٤٧. (٣) ((الفتح)) ٩/ ٥، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٤٩). (٢) ((تاج العروس)) ٨٥٢١/١. ٥٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعِيّ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) قال صاحب ((التكملة)) (١): الظاهر أن المراد به: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حُصين، كان أميراً على الكوفة أيام ابن الزبير ظته، وقد اختلف العلماء في ((صحبته، شَهِد الْجَمَل، وصِفّين على عليّ ◌َظُه، وكان الشعبيّ كاتِبَه أيام إمرته على الكوفة، راجع («تهذيب التهذيب)) (٧٨/٦). (خَرَجَ يَسْتَسْقِي)؛ أي: يطلب من الله تعالى السُّقيا، وقوله: (بِالنَّاسِ) تنازعه الفعلان قبله، (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) هما ركعتا الاستسقاء، وهما سنّتان على مذهب الجمهور، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: لا يُشرع للاستسقاء صلاة، وإنما هو دعاء، واستغفار، والصحيح مذهب الجمهور؛ لثبوته عن النبيّ وَل﴿، في ((الصحيحين))، وفي غيرهما، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفّى في محلّه، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (ثُمَّ اسْتَسْقَى)؛ أي: ثم دعا الله تعالى أن يسقيهم المطر. (قَالَ) أبو إسحاق (فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) الصحابيّ الشهير ﴿به، المتوفّى سنة (٦ أو ٦٨ هـ) تقدّم قريباً. (وَقَالَ) أبو إسحاق: (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ)؛ أي: بين زيد نَظ (غَيْرُ رَجُل، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ، قَالَ) أبو إسحاق (ُفَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لزيد ◌َظُه، (كَمْ غَزَا رَسُولُ اللهِ وَِّ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ) كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبيّ وَّر فيها بنفسه، سواء قاتل، أو لم يقاتل، لكن رَوَى أبو يعلى، من طريق أبي الزبير، عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله عند مسلم في حديث جابر الآتي بعدُ، فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذِكْر ثنتين منها، وهما غزوتا الأَبْواء وبُوَاط؛ لأنه جعل العُشيرة أول الغزوات، مع أنها ثالثها، وكأن الغزوتين (١) ((تكملة فتح الملهم)) ٢٦١/٣ - ٢٦٢. ٥٨٩ (٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ◌َلِ - حديث رقم (٤٦٨٤) الأوليين خَفِيتا عليه؛ لصغره، ويؤيد ذلك ما يأتي هنا بلفظ: ((قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير، أو العشيرة))، والعشيرة هي الثالثة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب الحجّ)) برقم [٣٠٣٦/٣٢] (١٢٥٤). قال أبو إسحاق: (فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ) زيد نَُّتِهِ (سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ) أبو إسحاق (فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْرِ، أَوِ الْعُشَيْرِ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا في جميع نسخ ((صحيح مسلم)): ((العُسیر، أو العشير)) بالعين المضمومة، والأول بالسين المهملة، والثاني بالمعجمة، وقال القاضي عياض في ((المشارق)): هي ذات العشيرة، بضم العين، وفتح الشين المعجمة، قال: وجاء في ((كتاب المغازي)) - يعني من ((صحيح البخاريّ)): ((عَسِير)) بفتح العين، وكسر السين المهملة، بحذف الهاء، قال: والمعروف فيها: ((العُشيرة)) مصغرةً، بالشين المعجمة، والهاء، قال: وكذا ذكرها أبو إسحاق، وهي من أرض مَذْحِج. انتھی(١). وقال ابن هشام تَخْلُ في ((السيرة)): ثم غزا قريشاً، فاستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، قال ابن إسحاق: فسلك على نَقَب بني دينار، ثم على فَيْفَاء الْخَبَار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق فصلى عندها، وصُنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس معه، فموضع أثافي الْبُرْمة معلوم هنالك، واستُقي له من ماء به، يقال له: الْمُشْتَرِب، ثم ارتحل رسول الله وَّ﴾، فترك الخلائق بيسار، وسلك شُعْبةً يقال لها: شعبة عبد الله، وذلك اسمها اليومَ، ثم صَبّ لليسار، حتى هَبَط يَلِيل، فنزل بمُجْتَمَعِه، ومُجْتَمَع الضبُوعة، واستقى من بئرٍ بالضبوعة، ثم سلك الْفَرْشَ فَرْشَ مَلَل، حتى لقي الطريق بصُحَيرات اليمام، ثم اعتَدَل به الطريق حتى نزل الْعُشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الأولى، وليالي من جمادى الآخرة، ودعا فيها بني مُذْلِج، وحلفاءهم من بني ضَمْرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كَيْداً. انتهى(٢). وفي رواية البخاريّ: ((قال: الْعُشَير، أو الْعُسَيْرة))، وزاد: ((فذكرت لقتادة، فقال: الْعُشَيرة)). انتهى. (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١٢. (٢) ((سيرة ابن هشام)) ٥٩٨/١. ٥٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال في ((الفتح)): قوله: ((العُشير، أو العُسيرة)) كذا بالتصغير، والأول بالمعجمة بلا هاء، والثانية بالمهملة، وبالهاء، ووقع في الترمذيّ: ((العُشير، أو العُسير)) بلا هاء فيهما. انتهى. وقوله: ((فذكرت لقتادة)) القائل هو شعبة، وقول قتادة: ((العشيرة)) هو بالمعجمة، وبإثبات الهاء، ومنهم من حذفها، وقول قتادة هو الذي اتَّفَقَ عليه أهل السير، وهو الصواب، وأما غزوة الْعُسيرة بالمهملة، فهي غزوة تبوك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وسُمّيت بذلك؛ لما كان فيها من المشقّة، وهي بغير تصغير، وأما هذه فنُسبت إلى المكان الذي وصلوا إليه، واسمه العشير، أو العشيرة، يذكّر، ويؤنّث، وهو موضع . وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عِير قريش التي صَدَرت من مكة إلى الشام بالتجارة، ففاتهم، وكانوا يترقبون رجوعها، فخرج النبيّ وَص ◌ِ ل يتلقاها؛ ليغنمها، فبسبب ذلك كانت وقعة بدر. قال ابن إسحاق: فإن السبب في غزوة بدر ما حدّثني يزيد بن رُومان، عن عروة، أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكباً، منهم مَخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة، فيها أموال قريش، فنَدَب النبيّ وَّه إليهم، وكان أبو سفيان يتجسس الأخبار، فبلغه أن النبيّ وَّر استنفر أصحابه بقصدهم، فأرسل ضمضم بن عمرو الغِفَاريّ إلى قريش بمكة، يُحرِّضهم على المجيء؛ لحفظ أموالهم، ويُحَذِّرهم المسلمين، فاستنفرهم ضمضم، فخرجوا في ألف راكب، ومعهم مائة فرس، واشتدّ حذر أبي سفيان، فأخذ طريق الساحل، وجدّ في السير، حتى فات المسلمين، فلما أَمِنَ أرسل إلى من يلقى قريشاً يأمرهم بالرجوع، فامتنع أبو جهل من ذلك، فكان ما كان من وقعة بدر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٨/٩ - ٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٤٩). ٥٩١ (٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّيِّ وَلِ - حديث رقم (٤٦٨٤) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم بتظ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه(١): أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٨٤/٤٧ و٤٦٨٥] (١٢٥٤)، وتقدّم في ((كتاب الحجّ)) برقم [٣٠٣٦/٣٢] (١٢٥٤)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٣٩٤٩ و٤٤٠٤ و٤٤٧١)، و(الترمذي) في ((فضائل الجهاد)) (١٦٧٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٦٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٥٠/١ - ٣٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٨/٤ و٣٧٠ و٣٧١، ٣٧٢ و٣٧٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٠٤٤ و٥٠٤٥ و٥٠٤٦ و٥٠٤٧ و٥٠٤٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٢٨٣)، و(الفسويّ) في ((المعرفة والتاريخ)) (٦٢٩/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥٦/٤)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٣٤٣/٤)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (٣٤٧/٣) و(«دلائل النبوّة)) (٤٥٣/٥ و٤٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل السِّيَر في أول غزواته وَليته: قال البخاريّ كَُّ في (صحيحه)): ((قال ابن إسحاق: أولُ ما غزا النبيّ ◌َّهِ الأبواء، ثمّ بواطٌ، ثم الْعُشيرة)). قال في ((الفتح)): قوله: ((قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبيّ وَّ الأبواء، ثم بُواط، ثم العشيرة)) قال: ((الأبواء)) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، وبالمدّ: قرية من عَمَل الْفُرْع، بينها وبين الْجُحْفة من جهة المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، قيل: سُمّيت بذلك؛ لِمَا كان فيها من الوباء، وهي على القلب، وإلا لقيل: الأوباء. والذي وقع في مغازي ابن إسحاق ما صورته: غزوة وَدّان - بتشديد المهملة - قال: وهي أول غزوات النبيّ وَّر خرج من المدينة في صفر، على رأس اثني عشر شهراً، من مَقْدَمه المدينة، يريد قُريشاً، فوادع بني ضَمْرة بن بكر بن عبد مناة، من كنانة، وادعه رئيسهم مَجْديّ بن عمرو الضمريّ، ورجع (١) قد تقدّم تخريجه في، كتاب ((الحجّ))، وإنما أعدته لأن فيه زيادات في التخريج، فتنبه . ٥٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بغير قتال، قال ابن هشام: وكان قد استعمل على المدينة سعد بن عبادة. انتھی . وليس بين ما وقع في ((السيرة)) وبين ما نقله البخاريّ عن ابن إسحاق اختلاف؛ لأن الأبواء ووَدّان مكانان متقاربان، بينهما ستة أميال، أو ثمانية، ولهذا وقع في حديث الصعب بن جَّامة، وهو بالأبواء، أو بوَدّان، كما تقدم في ((كتاب الحج)). ووقع في مغازي الأمويّ: حدّثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: خرج النبيّ ◌َّر غازياً بنفسه، حتى انتهى إلى وَدّان، وهي الأبواء. وقال موسى بن عقبة: أول غزوة غزاها النبيّ ◌َ﴿ - يعني: بنفسه - الأبواء. وفي الطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: أول غزاة غزوناها مع النبيّ وَّير الأبواء، وأخرجه البخاريّ في (التاريخ الصغير) عن إسماعيل، وهو ابن أبي أويس، عن كثير بن عبد الله مقتصراً عليه، وكثير ضعيف عند الأكثر، لكن البخاريّ مَشّاه، وتبعه الترمذيّ. وذكر أبو الأسود في ((مغازيه)) عن عروة، ووصله ابن عائذ، من حديث ابن عباس ه أن النبيّ ◌َ﴿ لمّا وصل إلى الأبواء بَعَث عبيدة بن الحارث في ستين رجلاً، فلقوا جمعاً من قريش، فتراموا بالنبل، فرمى سعد بن أبي وقاص بسهم، وكان أول مَن رَمَى بسهم في سبيل الله. وعند الأمويّ يقال: إن حمزة بن عبد المطلب أول من عَقَد له رسول اللّه ◌َ﴿ في الإسلام رايةً، وكذا جزم به موسى بن عقبة، وأبو معشر، والواقديّ، في آخرين، قالوا: وكان حامل رايته أبو مَرْثد، حليف حمزة، وذلك في شهر رمضان من السنة الأولى، وكانوا ثلاثين رجلاً؛ ليعترضوا عير قريش، فلقوا أبا جهل في جَمْع كثير، فحجز بينهم مَجْديّ. وأما ((بواط)) - فبفتح الموحّدة، وقد تُضمّ، وتخفيف الواو، وآخره مهملة -: جبل من جبال جهينة، بقرب ينبع، قال ابن إسحاق: ثم غزا في شهر ربيع الأول، يريد قريشاً أيضاً حتى بلغ بُواط، من ناحية رَضْوَى، ورجع، ولم يلق أحداً، وَرَضْوَى - بفتح الراء، وسكون المعجمة، مقصوراً -: جبلٌ مشهورٌ ٥٩٣ (٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ وَّهِ - حديث رقم (٤٦٨٤) عظيمٌ بينبع، قال ابن هشام: وكان استَعْمَل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وفي نسخة: السائب بن مظعون، وعليه جرى السُّهيليّ، وقال الواقديّ: سعد بن معاذ. وأما ((العشيرة)) فلم يُخْتَلف على أهل المغازي أنها بالمعجمة، والتصغير، وآخرها هاء، قال ابن إسحاق: هي ببطن ينبع، وخرج إليها في جمادى الأولى، يريد قريشاً أيضاً، فوادع فيها بني مُدلِج، من كنانة، قال ابن هشام: استَعْمل فيها على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وذكر الواقديّ أن هذه السّفَرات الثلاث، كان يخرج فيها ليلتقي تجار قريش، حين يمرون إلى الشام ذهاباً وإياباً، وبسبب ذلك أيضاً كانت وقعة بدر، وكذلك السرايا التي بعثها قبل بدر . قال ابن إسحاق: ولمّا رجع إلى المدينة، لم يُقِم إلا ليالي، حتى أغار كُرْز بن جابر الفِهْريّ على سَرْح المدينة، فخرج النبيّ ◌َّ في طلبه حتى بلغ سَفَران - بفتح المهملة، والفاء - من ناحية بدر، ففاته كُرز بن جابر، وهذه هي بدر الأولى. وبعث رسول الله * أيضاً سرية عبد الله بن جحش أخي زينب أم المؤمنين، في السنة الثانية قبل وقعة بدر، فلقوا عمرو بن الحضرميّ، ومعه عِير - أي: تجارة - لقريش، فقتلوه، فكان أول مقتول من الكفار في الإسلام، وذلك في أول يوم من رجب، وغَنِموا ما كان معهم، فكانت أول غنيمة في الإسلام، فعاب عليهم المشركون ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ اَلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]. [فائدة]: قال الزهري: أول آية نزلت في القتال - كما أخبرني عروة، عن عائشة -: ﴿أَذِّنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ الآية [الحجّ: ٣٩]، أخرجه النسائيّ، وإسناده صحيح، وأخرج هو، والترمذيّ، وصححه الحاكم، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ظها: قال: لما خرج النبيّ وَلّ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم، لَيَهْلِكُنّ، فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ الآية، قال ابن عباس: فهي أول آية أُنزلت في القتال، وذكر غيره أنهم أُذن لهم في قتال من قاتَلهم بقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ٥٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ثم أُمروا بالقتال مطلقاً بقوله تعالى: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ﴾ الآية [التوبة: ٤١]، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل السِّير في عدد غزوات النبيّ وَلّ: قال النوويّ كَّلُهُ: قد اختَلَف أهل المغازي في عدد غزواته وَخلاله، وسراياه، فذكر ابن سعد وغيره عددهنّ مفصّلات على ترتيبهنّ، فبلغت سبعاً وعشرين غَزاةً، وستّاً وخمسين سريةً، قالوا: قاتَل في تسع من غزواته، وهي: بدرٌ، وأُحُدٌ، والْمُرَيسِيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، هكذا عدّوا الفتح فيها، وهذا على قول من يقول: فُتِحَت مكة عَنْوَةً، وقد قدَّمنا بيان الخلاف فيها، ولعل بُريدة ظُبه أراد بقوله: ((قاتَل في ثمان)) إسقاط غَزَاة الفتح، ويكون مذهبه أنها فُتحت صلحاً، كما قاله الشافعيّ، وموافقوه. انتهى(١) . وقال في ((الفتح)) عند قول البراء ظُه: ((تسع عشرة)): كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبيّ وَّر فيها بنفسه، سواء قاتَل، أو لم يقاتِل، لكن رَوَى أبو يعلى من طريق أبي الزبير، عن جابر ظنه أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم، فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلّهما الأبواء، وبواط، وكأن ذلك خَفِي عليه لِصِغَره، ويؤيد ذلك ما وقع عند مسلم بلفظ: ((قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير، أو العشيرة)). انتهى، والعشيرة كما تقدم هي الثالثة. وأما قول ابن التين: يُحْمَل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو؛ أي: زيد بن أرقم، والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها؛ أي: وأنت معه، قال: ((العشير))، فهو مُحْتَمِلٌ أيضاً، ويكون قد خَفِي عليه اثنتان مما بعد ذلك، أو عَدّ الغزوتين واحدةً، فقد قال موسى بن عقبة: قاتَل رسول الله وَل بنفسه في ثمان: بدر، ثم أُحُد، ثم الأحزاب، ثم المصطلِقِ، ثم خيبر، ثم مكة، ثم حُنين، ثم الطائف. انتهى، وأهمل غزوة قُريظة؛ لأنه ضَمّها إلى الأحزاب؛ لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره؛ لوقوعها منفردة بعد هزيمة (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١٢. - ٥٩٥ (٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّيِّ ◌َ﴿ - حديث رقم (٤٦٨٤) الأحزاب، وكذا وقع لغيره عَدّ الطائف، وحُنين واحدةً؛ لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم، وقول جابر. وقد توسَّع ابن سعد، فبَلَّغَ عِدّة المغازي التي خرج فيها رسول الله وَّل بنفسه سبعاً وعشرين، وتَبِعَ في ذلك الواقديّ، وهو مطابق لِمَا عدّه ابن إسحاق، إلا أنه لم يُفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السُّهيليّ، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يُحْمَل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيِّب، قال: غزا رسول الله وَ﴾ أربعاً وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سفيان، عن سلمة بن شَبيب، عن عبد الرزاق، فزاد فيه أن سعيداً قال أوّلاً: ثماني عشرة، ثم قال: أربعاً وعشرين، قال الزهريّ: فلا أدري أَوْهَم، أو كان شيئاً سمعه بعدُ. قال الحافظ: وحَمْله على ما ذكرته يدفع الوهم، ويَجمع الأقوال، والله أعلم. وأما البعوث والسرايا: فَعَدّ ابن إسحاق ستّاً وثلاثين، وعَدّ الواقديّ ثمانياً وأربعين، وحَكَى ابن الجوزيّ في ((التلقيح)) ستّاً وخمسين، وعَدّ المسعوديّ ستين، وبلّغها العراقيّ في ((نظم السيرة)) زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في ((الإكليل)) أنها تزيد على مائة، فلعله أراد ضمّ المغازي إليها. انتهى (١). وقد عقد الحافظ العراقيّ كَُّ في عدد غزواته وَ له فصلاً، فقال: ذكرُ عدد مغازيه جلال : سَبْعاً وَعِشْرِينَ اعْدُدَنَّ الْغَزْوَا ثُمَّ بُواطُ بَعْدَها العُشَيْرا فَقَيْنُقَاعُ فَالسَّوِيقُ غَطَفَانْ فَأُحُدٌ بَعْدُ فَحَمْرَاءُ الأَسَدّ ذَاتُ الرِّقَاعِ ثُمَّ بَدْرُ الْمَوْعِدِ قُرَيظَةٌ لِحْيَانُ ثُمَّ ◌ُو قَرَدَ ثُمَّ تَلِيهَا عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَهْ فَفَتْحُ مَكَّةَ حُنَيْنٌ وَتَلَا أَوَّلُهَا وَدَّانُ وَهْيَ الأَبْوَا فبدرُ الأُولى فبدرُ الكبرى وَهْيَ فَذُو أَمَرّ فَغَزْوُ بُخْرَانْ ثُمَّ بَنُو النَّضِيرِ ثُمَّ فِي الْعَدَدْ فَدُومَةٌ فَالْخَنْدَقَ اذْكُرْ وَاعْدُدٍ ثُمَّ الْمُرَيْسِيعُ عَلَى الْقَوْلِ الأَسَدْ فَخَيْبَرٌ فَعُمْرَةُ الْقَضِيَّهْ غَزَاةُ طَائِفٍ تَبُوكَ قَاتَلَا (١) ((الفتح)) ٧/٩ - ٨، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٤٩). ٥٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير مِنْهَا بِتِسْع أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ خَيْبَرَ وَالْفَتْحِ حُنَيْنٍ طَائِفٍ بِأَنَّهُ قَاتَلَ فِي النَّضِيرِ بَدْرٍ بَنِي قُرَيْظَةَ الْمُصْطَلِقِ وَقَدْ حَكَوْا عَنْ قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ وَغَابَةٍ وَادِي الْقُرَى الْمَشْهُورِ ثم ذكرُ بعوثه، وسراياه وَله، فقال: سِتُّونَ فَالأَوَّلُ بَعْثُ حَمْزَةِ عِدَّتَهَا مِنْ بَعْثٍ أَوْ سَرِيَّةٍ إلى أن قال في آخر الباب: عَنْ قَدْرِ مَا عَدَدْتُ مِنْهَا قَصَّرُوا وَاخْتَلَفُوا فِي عَدِّهَا فَالأَكْثَرُ وَلَابْنِ نَصْرٍ عَالِم جَلِيلٍ أَنَّ الْبُعُوثَ عَدُّهَا فَوَّقَ الْمِائَةْ بَلْ فَوْقَ سَبْعِينَ وَفِي الإِكْلِيلِ وَلَمْ أَجِدْ ذَا لِسِوَاهُ ابْتَدَأَهْ والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، سَمِعَهُ مِنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِلَه غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَحَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً، لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا، حَجَّةَ الْوَدَاعِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبتٌ إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبله بإسناد. [تنبيه]: وقع اختلاف في هذا السند، فوقع في نسخة شرح النوويّ ما نصّه: ((وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا وهيب، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم))، فقال النووي: هكذا هو في أكثر نسخ بلادنا: ((وهيب، عن أبي إسحاق))، وفي بعضها: ((زهير، عن أبي إسحاق))، ونقل القاضي عياض أيضاً الاختلاف فيه، قال: وقال عبد الغنيّ: الصواب: زهير، ٥٩٧ (٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَِّيِّ ◌َارِه - حديث رقم (٤٦٨٥) وأما وُهيب فخطأ، قال: لأنّ وُهيباً لم يَلْقَ أبا إسحاق، وذكر خلف في ((الأطراف))، فقال: ((زهير))، ولم يذكر وهيباً. انتهى(١). وقال الحافظ الجيّانيّ كَُّ في ((التقييد)) بعد أن ساق سند مسلم المذكور آنفاً ما نصّه: هكذا رُوي في هذا الإسناد عن الكسائيّ على الصواب، وفي نسخة السجزيّ، والرازيّ، عن أبي أحمد: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: نا وُهيب، وكذلك كان في نسخة أبي العلاء بن ماهان، فغيّره، وأُخبرتُ عن أحمد بن عبد الله بن عليّ الباجيّ قال: كان عند أبي العلاء بن ماهان: وُهيب، فأصلحه زُهير، وكذلك كان في نسخة ابن الحذّاء: زُهير، على ما كان أصلحه أبو العلاء، وقال أبو محمد عبد الغنيّ بن سعيد: الصواب: زُهير، ووُهيب خطأ؛ لأن وُهيباً لم يلق أبا إسحاق. انتهى(٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَحَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ)؛ أي: من مكة إلى المدينة. وقوله: (حَجَّةً، لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا)؛ أي: حجة واحدة، قال في ((الفتح))؛ يعني: ولا حج قبلها، إلا أن يريد نفي الحج الأصغر، وهو العمرة فلا، فإنه اعتمر قبلها قطعاً. انتهى(٣). وقوله: (حَجَّةَ الْوَدَاعِ) بالنصب على البدليّة من ((حجّةً))، وسُمّيت بهذا الاسم؛ لتوديع النبيّ وَّ النَّاس فيها. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر الحديث ما نصّه: ((قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى))، قال في ((الفتح)): هو موصول بالإسناد المذكور، وغَرَض أبي إسحاق أن لقوله: ((بعدما هاجر)) مفهوماً، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حجّ، لكن اقتصاره على قوله: ((أخرى)) قد يوهم أنه لم يحجّ قبل الهجرة إلا واحدةً، وليس كذلك، بل حجّ قبل أن يهاجر مراراً، بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحجّ، وهو بمكة قطّ؛ لأن قريشاً في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحجّ، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة، أو عاقه ضَعف، وإذا كانوا (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/١٢ - ١٩٦. (٢) ((تقييد المهمل)) ٨٨٢/٣. (٣) ((الفتح)) ٩/ ٥٥٠ رقم (٤٤٠٤). ٥٩٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وَهُمْ على غير دين يحرصون على إقامة الحجّ، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يُظَنّ بالنبيّ بَّ أنه يتركه؟ وقد ثبت من حديث جُبير بن مُطْعِم أنه رآه في الجاهلية واقفاً بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية. انتهى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرّ شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. [تنبيه آخر]: عَقَد الحافظ العراقيّ كَثْتُ فصلاً لبيان عدد حَجِّه وَِّ، وعُمَره، فقال: سَنَةَ عَشْر قَطْ بِغِيرٍ مِرَيةٍ قَدْ حَجَّ بَعدَ هِجرَةٍ لِطَيبَةٍ أربعَةً والكُلُّ في ذي القَعْدَةِ قَرَنَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ نِزَاعِ فيهَا عن البَيتِ فَحَلَّ قَصْدَا ثم تَليهَا عُمرَةُ القَضِيَّهْ عَامَ ثمانٍ واعدُدَنْ قِرَانَهْ وقالَ حَجَّ مُفرَداً وتابَعَهْ ثِنتَينٍ أو أكثرَ أو فَمَرَّهْ مِن قَبلِ هِجرَةٍ ولا العُمْرَاتِ واعتَمَرَ النبيُّ بَعدَ الهجرَةِ إلا التي في حَجَّةِ الوَدَاعِ أوَّلُهَا سَنَةَ سِتّ صُدَا كَانَتْ بِهَا بَيْعَتُهُ المَرْضِيَّهْ سَنةَ سَبِعِ بَعدَهَا الجِعْرانَهْ ولم يَعُدَّ مَالِكٌ ذي الرَّابِعَةْ بَعضُهُمُ وَحَجَّ قَبلَ الهجرَهْ ولمْ يَصِحَّ عَدَدُ الحَجَّاتِ والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٨٦] (١٨١٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْراً، وَلَا أُحُداً، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ فِي غَزْوَةٍ قَطّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قريباً. ٥٩٩ (٤٧) - بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ وَله - حديث رقم (٤٦٨٦) ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧٦/٩٠. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن إسحاق المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٠. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ◌ًّا، تقدّم قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد. أنه من خماسيّات المصنّف كَثُ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع. شرح الحديث: عن أبي الزُّبَيْرِ محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ ﴿يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ) ◌َظُه (لَمْ أَشْهَدْ بَدْراً، وَلَا أُحُداً) قال القاضي عياض تَخَّتُهُ: كذا في رواية مسلم أن جابراً لم يشهدهما، وقد ذكر أبو عبيد أنه شهد بدراً، قال ابن عبد البرّ: الصحيح أنه لم يشهدهما، وقد ذكر ابن الكلبيّ أنه شهد أُحُداً. انتهى. وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ظُه قال: كنت أمْتَحُ لأصحابي يوم بدر من القَليب. ثم أخرج بسنده عن الواقديّ أنه قال: هذا غلط من رواية أهل العراق(١)؛ يعني: أن جابراً ظُبه لم يشهد بدراً، وعلّق الذهبي على كلام الواقدّي هذا في (تاريخه))، فقال: صدق، فإن زكريّا بن إسحاق روى عن أبي الزبير، عن جابر قال: لم أشهد بدراً، ولا أُحُداً ... الحديث المذكور عند مسلم هنا. وقال القرطبيّ كَّثُ: قول جابر ظُبه: ((لم أشهد بدراً، ولا أُحُداً)) هذا هو الصحيح، وقد ذكر ابن الكلبيّ أنه شهد أُحُداً، وليس بشيء. انتهى (٢). (١) ((المستدرك على الصحيحين)) ٣٢١/٥. (٢) ((المفهم)) ٦٩٢/٣. ٦٠٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقوله أيضاً: (تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْراً، وَلَا أُحُداً) قال النوويّ تَخْتُهُ: هذا صريح منه بأن غزوات رسول الله وَلو لم تكن منحصرة في تسع عشرة، بل زائدة، وإنما مراد زيد بن أرقم، وبُريدة ◌ً بقولهما: ((تسع عشرة)) أن منها تسع عشرة، كما صَرَّح به جابر رظُه، فقد أخبر جابر أنها إحدى وعشرون، كما ترى، وقد قدمنا أنها سبع وعشرون، وأما قوله في الرواية الأخرى، عن بريدة: ((ست عشرة غزوةً))، فليس فيه نفي الزيادة. انتھی(١). (مَنَعَنِي أَبِي)؛ أي: لأجل أن يقوم على أخواته، ففي رواية قال: ((كان يُخلّفني على أخواتي، وكنّ تسعاً))، وقال القرطبيّ تَُّهُ: سبب منع أبيه له أنه كان لجابر أخوات، ولم يكن لأبيه من يقوم عليهنّ غيره، فحبسه عن الغزو لذلك، كما جاء في الرواية الأخرى (٢). وأبو جابر هو: عبد الله بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ السَّلَميّ الصحابيّ المشهور، معدود في أهل العقَبَة وبدر، وكان من النقباء، واستُشهد بأُحُد، ثبت ذِكْره في ((الصحيحين)) من حديث وَلَدِه، قال: لمّا قُتل أبي يوم أُحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه ... الحديث، وفيه: ((ما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها))، ورَوَى الترمذيّ من حديث جابر: لقيني النبيّ وَّه فقال: ((يا جابر ما لي أراك منكسراً؟)) فقلت: يا رسول الله قُتل أبي، وترك دَيناً، وعيالاً، فقال: ((ألا أُخبرك؟ ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كَفَاحاً، قال: يا عبدي سلني أعطك ... )) الحديث. وقال جابر: حَوَّلت أبي بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئاً إلا شَعَرات من لحيته، كانت مستها الأرض. ورَوَى مالك في ((الموطأ)) عن عبد الرحمن بن أبي صَعْصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الْجَمُوحِ، وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حَفَر السَّيل عن قبرهما، وكانا في قبر واحد، مما يلي السيل، فحَفَر عنهما، فوُجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وَضَع يده على جرحه، فدُفن، وهو كذلك، (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٦/١٢. (٢) ((المفهم)) ٦٩٣/٣.