Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
الفتح يعني به التنفّس، يريد أنه رَفَقَ في جريه؛ مخافة ضيق النفس، وبالسكون
يعني به: أَرَوِّح نفسي، وأُجمّها لجري آخر. انتهى(١).
(ثُمَّ عَدَوْتُ)؛ أي: أسرعت (فِي إِثْرِهِ) بكسر، فسكون، أو بفتحتين؛ أي:
بعده (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفاً، أَوْ شَرَفَيْنٍ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ)؛ أي: أسرعتُ، وقال
القرطبيّ: رفعتُ؛ أي: زِدْت في السير، ويُروى ((دَفَعْتُ)) بالدال؛ أي: دفعت
دفعةً شديدةً من الجري، وكلاهما قريبٌ في المعنى(٢). (حَتَّى أَلْحَقَهُ) ((حتى)»
هنا للتعليل، بمعنى ((كي))، و((ألْحَقَ)) منصوب بـ((أنْ)) مضمرة وجوباً بعدها، كما
قال في ((الخلاصة»:
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ ((أَنْ)) حَتْمٌ كَـ«جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ))
(قَالَ) سلمة (فَأَصُكُّهُ)؛ أي: أضربه، وتقدّم أن المضارع هنا بمعنى
الماضي، وإنما عبّر به؛ لحكاية الحال الماضي، واستحضارها كأنها تشاهَدُ
الآن. (بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ) سلمة (قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللهِ) ببناء الفعل للمفعول،
والخطاب للرجل المتسابق؛ أي: قد سبقتك. (قَالَ) الرجل (أَنَا أَظُنُّ) بحذف
المفعولين اختصاراً؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أظنّ ذلك واقعاً. (قَالَ) سلمة
(فَسَبَقْتُهُ)؛ أي: الرجلَ (إِلَى الْمَدِينَةِ) النبويّة - على ساكنها أفضل الصلاة،
وأزكى التحيّة - (قَالَ) سلمة (فَوَ اللهِ مَا لَبِثْنَا) بكسر الباء، يقال: لَبِثَ بالمكان
لَبَثاً، من باب تَعِب: إذا مكث فيه، وجاء في المصدر السكون؛ للتخفيف(٣).
(إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ) وفي بعض النسخ: ((ما لبثنا ثلاث ليالٍ))، (حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى
خَيْبَرَ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّه) قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: ظاهر هذا الكلام أن غزوة خيبر
كانت على إثر غزوة ذي قَرَد؛ إذ لم يكن بينهما إلا هذا الزمان اليسير الذي
هو ثلاث ليال، وليس كذلك عند أحد من أصحاب السِّير والتواريخ؛ فإن
غزوة ذي قَرَد كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة، ثم
غزا بعدها بني المصطلِق في شعبان من تلك السنة، ثم اعتَمَر عمرة الحديبية
في ذي القعدة من تلك السنة، ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها ذا الحجّة،
(١) ((المفهم)) ٦٧٩/٣.
(٢) ((المفهم)) ٦٧٩/٣.
(٣) ((المصباح)) ٢/ ٥٤٧ بزيادة التفسير من ((القاموس)).

٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وبعض المحرَّم، وخرج في بقيةٍ منه إلى خيبر، هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البرّ
وغيره، ولا يكادون يختلفون في ذلك، وهذا الذي وقع في هذا الحديث وَهَمِّ
من بعض الرُّواة.
ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ أَغزى سَرِيّة فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها،
فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه، وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب
(المغازي)) له: أنه ﴿ أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين، والله
أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الأخير يُبعده قول سلمة نظُّه:
((حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله وَّات))، فقد نصّ على أنه وَّ خرج إليها،
فلا يناسب حمله على أنه أغزى إليها سريّة، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
ثم رأيت الحافظ قد بحث في المسألة، فقال - عند البخاريّ تَّتُهُ: ((باب
غزوة ذات الْقَرَد، وهي الغزوة التي أغاروا على لقاح النبيّ ◌َّ قبل خيبر
بثلاث)) - ما نصّه: قوله: ((وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لقاح النبيّ وَّ
قبل خيبر بثلاث)) - كذا جزم به، ومُستنَده في ذلك حديث إياس بن سلمة بن
الأكوع، عن أبيه، فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من
طريقه: (قال: فرجعنا - أي: من الغزوة - إلى المدينة، فوالله ما لَبِثنا بالمدينة
إلا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر))، وأما ابن سعد فقال: كانت غزوة ذي
قرد في ربيع الأول سنة ست، قبل الحديبية، وقيل: في جمادى الأولى، وعن
ابن إسحاق: في شعبان منها، فإنه قال: كانت بنو لحيان في شعبان سنة ستّ،
فلما رجع النبيّ ◌َ ل﴿ إلى المدينة، فلم يُقِم بها إلا ليالي، حتى أغار عُيينة بن
حِصْن على لقاحه، قال القرطبيّ شارح مسلم في الكلام على حديث سلمة بن
الأكوع: لا يَختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما
وقع في حديث سلمة من وَهَم بعض الرواة، قال: ويَحْتمل أن يُجْمَع بأن يقال:
يَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَ﴿ كَان أغزى سريّةً، فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر
قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه؛ يعني: حيث قال:
(١) ((المفهم)) ٦٨٠/٣.

٥٢٣
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
خرجنا إلى خيبر، قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أن النبيّ وَلّ أغزى إليها
عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. انتهى.
قال الحافظ: وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله: ((حين
خرجنا إلى خيبر مع رسول الله وَّ)): ((فجعل عامر يرتجز بالقول))، وفيه قول
النبيّ وَّر: ((من السائق؟))، وفيه مبارزة عليّ لمرحب، وقَتْل عامر، وغير ذلك،
مما وقع في غزوة خيبر حين خرج إليها النبيّ وَّر، فعلى هذا ما في ((الصحيح))
من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السِّير.
ويَحْتَمِل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح،
وقعت مرتين: الأولى التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية بعد
الحديبية، قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن
عيينة، كما في سياق سلمة عند مسلم، ويؤيده أن الحاكم ذكر في ((الإكليل)) أن
الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأُولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد،
وفي الثانية خرج إليها النبيّ وَّه في ربيع الآخر، سنة خمس، والثالثة هذه
المختلف فيها. انتهى. قال الحافظ تَخّتُ: فإذا ثبت هذا قَوِي هذا الجمع الذي
ذكرته، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما حققه الحافظ تَّتُهُ أنه لا وَهَمَ فيما
وقع في ((صحيح مسلم))، من قوله: ((ما لبثنا إلا ثلاث ليال))، وكذا فيما ذكره
البخاريّ في كلامه السابق: ((قبل خيبر بثلاث))، ولا اعتراض على ذلك بما
ذكره أهل السِّيَر؛ لأن ما في ((الصحيح)) أصحّ، وأثبت مما ذكروه؛ لأنهم لا
يتحاشون عن ذكر الضعيف، بل المنكر؛ لأن قَصْدَهم ذِكْر كلّ ما قيل، وإن لم
يصحّ، كما نبّه عليه الحافظ العراقيّ ◌َُّ في ((ألفيّة السِّيَر)) حيث قال:
تَجْمَعُ مَا صَحَّ وَمَا قَدْ أُنْكِرَا
وَلْيَعْلَم الظَّالِبُ أَنَّ السِّيَرَا
بِهِ وَإِنْ إِسْنَادُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ
وَالْقَصْدُ ذِكْرُ مَا أَتَى أَهْلُ السِّيَرْ
(قَالَ) سلمة (فَجَعَلَ عَمِّ عَامِرٌ)؛ أي: ابن الأكوع، وتقدّمت في رواية
أبي الطاهر، عن ابن وهب أنه قال: ((أخي))، وقلنا: يُجمع بأنه عمه حقيقةً،
(١) ((الفتح)) ٢٨٩/٩ - ٢٩٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٤).

٥٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وأنه أخوه من الرضاعة، أو نحو ذلك، فتنبّه. (يَرْتَجِزُ بِالْقَوْم)؛ أي: يُنشد شعراً
من بحر الرجز، وتقدّم أن أوزانه ((مستفعلن)) ستّ مرّاتَ. (تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا
اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ
لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا) قد تقدّم شرح هذه الأبيات، فلا تغفل. (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ هَذَا؟)) وفي رواية: ((من هذا السائق؟)) (قَالَ: أَنَا عَامِرٌ،
قَالَ)ِ ◌ِ ((غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ))، قَالَ) سلمة: (وَمَا) نافية، (اسْتَغْفَرَ رَسُولُ الهِ لَيهوى
◌ِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ)؛ أي: استغفاراً خاصّاً بذلك الإنسان، (إِلَّا اسْتُشْهِدَ) بالبناء
للمفعول؛ أي: نال الشهادة في سبيل الله. (قَالَ) سلمة (فَنَادَى عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ) رَّهِ، وقوله: (وَهُوَ عَلَى جَمَلِ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال
من ((عمر))، (يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوْلًا مَثَّعْتَنَا)؛ أي: هلّا دعوت الله تعالى أن يمتّعنا
بحياته، فـ((لولا)) هنا للعرض، وهو الطلب بِلِيْن وتأدّب، كما قوله تعالى:
﴿لَوْلَا أَخَّرْتَبِىّ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآية [المنافقون: ١٠]، ووقع في بعض النسخ: ((لوما
متّعتنا))، وفي بعضها: (لولا ما متّعتنا))، (بِعَامِرٍ؟)؛ أي: بحياته، وبقائه فينا.
(قَالَ) سلمة (فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال، (خَيْبَرَ قَالَ) مؤكّد لـ((قال)) قبله، (خَرَجَ)
مبارزاً (مَلِكُهُمْ)؛ أي: رئيس يهود خيبر، وقوله: (مَرْحَبٌ) مرفوع على البدليّة،
وهو - بفتح الميم، وإسكان الراء، وفتح الحاء، آخره موحّدة - وضبطه في ((تاج
العروس)) كمِنْبَر(١). (يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ) بكسر الطاء المهملة؛ أي: يرفعه مرّةً، ويضعه
أخرى، ومنه: خَطَر البعير بذنبه يَخْطِر بالكسر، من باب ضرب خَطَراً بفتحتين: إذا
رفعه مرّةً، ووضعه مرّةً أخرى(٢)، والمعنى: أنه يهزّ سيفه متكبّراً ومُحادّة لله ◌َآَ،
ورسوله وَ﴾. (وَ) الحال أن عامراً (يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي
السِّلاَحِ)؛ أي: تامّ السلاح، يقال: رجل شاكي السلاح، وشاكُ السلاحِ - بالرفع .
وشاكِ السلاح - بالكسر - من الشوكة، وهي القوّة، والشوكة أيضاً: السلاح، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧].
وقال الفيّوميّ تَّثهُ: الشوكة: شدّة البأس والقوّة في السلاح، وَشَاكَ
(١) راجع: (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٦٩/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/١٢، و((المصباح)) ١٧٣/١.

٥٢٥
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
الرجلُ يَشَاكُ شَوْكاً، من باب خافَ: ظهرت شوكته، وحِدّته، وهو شائك
السلاح، وشاكي السلاح على القلب، وشوكة المقاتل: شدّة بأسه. انتهى(١).
وقال المجد تَّلهُ: الشوكة: السلاح، أو حِدّته، ومن القتال: شدّة بأسه،
والنكاية في العدوّ، قال: ورجلٌ شاكُ السِّلاح، وشَائِكُهُ، وشَوِكُهُ، وشَاكِیهِ:
حدیده. انتھی(٢).
(بَطَلٌ) بفتحتين؛ أي: شُجاعٌ، يقال: بَطْل الرجلُ بضم الطاء، يَبْطُل
بَطَالةً، وبُطُولةً؛ أي: صار شُجاعاً، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: رجل بَطَلٌ؛
أي: شُجاع، والجمع أَبْطَالٌ، مثلُ سبب وأسباب، والفعل منه: بَطُلَ بالضم،
وزانُ حسُن، فهو حَسَنٌ، وفي لغة: بَطَلَ يَبْطُلُ، من باب قتل، فهو بَطَلٌ: بَيِّنُ
البِطَالَةِ، بالفتح، والكسر، سُمِّي بذلك؛ لبطلان الحياة عند ملاقاته، أو لبطلان
العظائم به، قال بعض شارحي الْحَمَاسة: يقال: رجل بَطَلٌ، وأمرأة بَطَلَةُ، كما
يقال: شُجَاعَةٌ. انتهى(٣) .
(مُجَرَّبُ) بفتح الراء المشدّدة؛ أي: مجرّب بالشجاعة، وقهر الْفُرسان.
وقال القرطبيّ تَُّ: ((مجرّبٌ)) روايتنا فيه بفتح الراء، على أنه اسم
مفعول؛ يعني: أنه جُرّبت حروبه، وعُلمت، ويصحّ أن يقال بالكسر، على أنه
اسم فاعل؛ يعني: أنه جرّب الحروب بنفسه، فخَبَرَها. انتهى (٤).
(إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ) أصله: تتلهّب، بتاءين، إلا أنه خُفّف بحذف
إحداهما، كنظائره، نحو قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَفَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿نَزَّلُ
الْمَلَئِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ (تَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
قال المجد رَّتُهُ: اللَّهْبُ، واللَّهَبُ، واللهِيبُ، والُّهَابُ بالضمّ، واللَّهَبَانُ
محرَّكةً: اشتعال النار إذا خَلَصَ من الدخان، أو لَهَبُهَا: لسانها، ولَهِيبها:
حَرُّها، وألهبها، فالتهَيَت، ولَهّبها، فتلهّبت، واللَّهَبَانُ: شِدّةُ الحرّ. انتهى (٥).
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٣٢٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٢.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص١١٩٠.
(٢) ((القاموس المحيط)» ص٧١٨.
(٤) ((المفهم)) ٦٨١/٣.

٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
والمعنى هنا: تشتعل نارها، وهو كناية عن شدّة الحرب.
(قَالَ) سلمة (وَبَرَزَ)؛ أي: ظهر، مبارزاً (لَهُ)؛ أي: لمرحب، (عَمِّي
عَامِرٌ) تَظُهُ (فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلْ مُغَامِرٌ) اسمُ
فاعل من غامر؛ يعني: أنه يأتي غَمَرَات الحروب، ويقتحمها، وأصله من
الْغَمْر، وهو الماء الكثير، قاله القرطبيّ(١)، وقال النوويّ: ((مغامرٌ)) بِالغين
المعجمة؛ أي: يركب غَمَرَات الحرب، وشدائدها، ويُلقي نفسه فيها(٢). (قَالَ)
سلمة (فَاخْتَلَفَا)؛ أي: اختلف عامرٌ، ومرحب، فتضاربا (ضَرْبَتَيْنِ) متعاقبتين،
(فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ) بضمّ التاء، وإسكان الراء: هو ما يُتوقّى به
في الحرب، جَمْعَه تَرِسَةٌ، كعِنَبَّةٍ، وتُرُوسٌ، وتِرَاسٌ، مثل فُلُوسٍ، وسِهَام،
وربّما قيل: أتراسٌ، قال ابن السّكّيت: ولا تقل: أَتْرِسَةٌ، وزانُ أَرْغِفةٍ (٣).
(وَذَهَبَ)؛ أي: شرع، وأخذ (عَامِرٌ يَسْقُلُ لَهُ) - بفتح الياء، وإسكان السين،
وضمّ الفاء؛ أي: يضربه من أسفله(٤). (فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ)
بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وفتح الحاء، آخره لام: عِرْقٌ في اليد، أو هو
عِرْق الحياة، ولا يقال: عِرْق الأكحل، قاله المجد(٥). (فَكَانَتْ فِيهَا)؛ أي:
(فَخَرَجْتُ)؛
في تلك الضربة، (نَفْسُهُ)؛ أي: هلاك نفسه. (قَالَ سَلَمَةُ) ◌َظُ
أي: من المحلّ الذي كنت فيه، (فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ يَقُولُونَ: بَطَلَ
عَمَلُ عَامِرٍ)؛ أي: جهاده، ثم علّلوا حكمهم ببطلانه، فقالوا: (قَتَلَ نَفْسَهُ) ببناء
الفعل للفاعل؛ أي: لأنه قتل نفسه، وقَتْل النفس من الموبقات. (قَالَ) سلمة
(فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ)، وَالحال (وأَنَا أَبْكِي) لِمَا سمعته من قولهم: بَطَل عمل
عامر، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ) هكذا في هذه الرواية، وتقدّم أنه
قال قلت له: ((فداك أبي وأمي زعموا أن عامراً حَبِطَ عمله))، (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
((مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟))؛ أي: من الذي قال: بطل عمل عامر؟ (قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ
أَصْحَابِك) وتقدّم أنه قال: قلت: فلان وفلان، وأُسيد بن حُضير الأنصاريّ.
(١) ((المفهم)) ٦٨١/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٧٤/١.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص١١١٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/١٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/١٢.

٥٢٧
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
(قَالَ) بَرِ («كَذَبَ)؛ أي: أخطأ (مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ))) وقال فيما
سبق: ((إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مجاهدٌ، قلّ عربيّ مشى
بها مثله)). (ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ)؛ أي: ابن أبي طالب ◌َظُهُ، (وَهُوَ أَرْمَدُ)؛
أي: والحال أن عليّاً وَظُه به رَمَدٌ، وهو داء التهابيّ، يصيب العين(١)، قال
النوويّ كَّتُهُ: قال أهل اللغة: يقال: رَمِد الإنسان بكسر الميم يَرْمَدُ بفتحها
رَمَدَ، فهو رَمِدٌ، وأرمدُ: إذا هاجت عينه. انتهى (٢)، وقال الفيّوميّ تَظْلُهُ:
رَمِدت العين رَمَداً، من باب تَعِبَ، فالرجل: أَرْمَدُ، والمرأة رَمْداء، مثلُ
أحمر، وحمراء، ويقال أيضاً: رَمِدٌ، ورَمِدَةٌ، وأرمدت العين بالألف لغة(٣).
(قَالَ) بَرِ (لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ) هي عَلَم الجيش، يقال: أصلها الهمز، لكن العرب
آثرت تركه؛ تخفيفاً، ومنهم من يُنكر هذا القول، ويقول: لم يُسمع الهمز،
والجمع: رايات، قاله الفيّوميّ ◌َخَذّهُ(٤).
وقال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ تَّتُهُ: ((باب ما قيل في لواء النبيّ ◌َ))
ما نصّه: ((اللواء)) بكسر اللام والمد: هي الراية، ويُسمى أيضاً العَلَمَ، وكان
الأصل أن يُمسكها رئيس الجيش، ثم صارت تُحمل على رأسه، وقال أبو
بكر ابن العربيّ: اللواء غير الراية، فاللواء ما يُعْقَد في طَرَف الرمح، ويُلْوَى
عليه، والراية ما يُعقَد فيه، ويُترك حتى تُصَفِّقه الرياح، وقيل: اللواء دون
الراية، وقيل: اللواء: العَلَم الضخم، والعَلَم علامة لمحل الأمير، يدور معه
حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب. انتهى(٥).
(رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ) وَيِ (أَوْ) للشكّ من الراوي، هل قال
هذا، أو قال: (يُحِبُّهُ اللهُ) تعالى (وَرَسُولُهُ))) ◌َّر، ووقع في بعض النسخ:
(ويُحبّه الله ورسوله)) بالواو بدل ((أو))، وهكذا وقع في بعض روايات البخاريّ
(فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ،
بالواو، وفي بعضها بـ((أو)). (قَالَ) سلمة (فَأَتْتُ عَلِيّاً) ◌َ﴾
وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ نِّهِ، فَبَسَقَ) بالسين المهملة، وفي بعض النسح:
(١) ((المعجم الوسيط)) ١/ ٣٧٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٣٨/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٤٦/١.
(٥) ((الفتح)) ٢٣٢/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٩٧٥).

٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
((فبصق)) بالصاد المهملة، وهما بمعنى واحد، قال الفيّوميّ ◌َخْلُقُهُ: بَسَقَ بُساقاً
بمعنى بَصَقَ، وهو إبدال منه، ومنعه بعضهم، وقال: لا يقال: بسَقَ بالسين إلا
في زيادة الطول، كالنخلة وغيرها، وعزاه إلى الخليل. انتهى (١). (فِي عَيْنَيْهِ)؛
أي: عيني عليّ حَُّه، (فَبَرَأَ) بتثليث الراء، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: بَرَأَ من المرض
يَبْرَأُ، من بابي نَفَعَ، وَتَعِبَ، وبَرُؤَ بُرْءاً، من باب قَرُب لغةٌ: شُفِي، وتخلّص
مما فيه(٢). (وَأَعْطَاهُ)؛ أي: أعطى النبيّ ◌َّ عليّاً (الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ)؛
أي: إلى المعركة طالباً من يبارزه، (فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِي مَرْحَبُ شَاكِي
السِّلاَحِ بَطَلُ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ) تقدّم شرح الرجز. (فَقَالَ
عَلِيٍّ) ◌َتُهُ (أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي) هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف
الهاشميّة، والدة عليّ، وإخوته، قيل: إنها تُؤُفّيت قبل الهجرة، والصحيح أنها
هاجرت، وماتت بالمدينة، وبه جزم الشعبيّ، قال: أسلمت، وهاجرت،
وتوفيت بالمدينة(٣)، ليس لها رواية، ولكن لها ذكرٌ فقط. (حَيْدَرَة)؛ أي: أسداً،
و((الحيدر، والحيدرة، والحادر من أسماء الأسد، سُمّي بذلك؛ لِغِلَظه، وقوّته))،
وقال النوويّ رَّتُهُ: حَيْدَرَةُ: اسم للأسد، وكان عليّ ◌َُّه قد سُمِّي أسداً في
أول ولادته، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكّره عليّ
ذلك؛ لِيُخِيفه، ويُضْعِف نفسه، قالوا: وكانت أم عليّ سمّته أوّلَ ولادته أسداً
باسم جدّه لأمه أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكان أبو طالب غائباً، فلما قَدِمَ
سماه عليّاً، وسُمِّ الأسدُ حَيْدَرة؛ لِغِلَظه، والحادر: الغليظ القويّ، ومراده: أنا
الأسد على جُرْأته، وإقدامه، وقوّته. انتهى(٤). (كَلَيْثِ غَابَاتٍ)؛ أي: أنا مثلُ
الأسد الذي يعيش في الغابات، و((الليث)) اسم للأسد، وجمعه لُيُوثٌ، والأنثى
ليثة، وجمعها لَيْئَات، و((الغابات)): جمع غابة، وهي الشجر الْمُلْتَفّ، سُمّيت
بذلك؛ لأنها تغيّب فيها من دخلها، وتُطلق أيضاً على عَرِين الأسد؛ أي: مأواه،
(١) ((المصباح المنير)) ٤٩/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٧/١، و((المعجم الوسيط)) ٤٦/١.
(٣) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٠/٨.
(٤) (شرح النوويّ)) ١٨٥/١٢.

٥٢٩
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
كما يُطلق الْعَرِينُ على الغابة أيضاً، ولعلّ ذلك لاتّخاذه إياه في داخل الغابة
غالباً. (كَرِيهِ الْمَنْظَرَة)؛ يعني: أنه كريه المنظر في عين عدوّه؛ لأن موت عدوّه
مقرون بنظره إليه، قال القرطبيّ: الهاء فيه، وفي حيدرة للاستراحة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يعني: أنها هاء السكت، وفيه نظر؛ لأن
المنظرة مثل المنظر، وقد عدّهما في ((القاموس)) من مصادر نظر، و((الحيدرة))
لغة في ((الحيدر)) أيضاً، كما أسلفته قريباً، فليست الهاء فيهما للسكت، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
(أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ)؛ أي: أقتُل الأعداء قتلاً ذريعاً واسعاً، (كَيْلَ السَّنْدَرَةْ)
- بفتح السين المهملة، وإسكان النون، وفتح الدال المهملة -: مكيالٌ واسعٌ،
وقيل: هي العَجَلة؛ أي: أقتلهم عاجلاً، وقيل: مأخوذ من السندرة، وهي
شجرة الصَّنَّوْبِر، يُعْمَلُ منها النَّبْلُ، والْقَسِيّ، قاله النوويّ(١).
وقال القرطبيّ تَُّهُ: ((السندرة)): مكيال واسع، قال القتبيّ: ويَحْتَمِل أن
يكون أُخذ من السَّنْدرة، وهي شجرة يُعْمَل منها النبل والقسيّ، قال صاحب
العين: كيل السندرة: ضرب من الكيل، ومعناه: أقتلهم قتلاً واسعاً، وقيل:
السندرة: العجلة؛ أي: أقتلهم قتلاً عَجِلاً عاجلاً. انتهى(٢).
. (رَأْسَ مَرْحَبٍ، فَقَتَلَهُ)؛ أي: قتل
(قَالَ) سلمة: (فَضَرَبَ) عليّ
عليّ رَُّبه مرحباً، وهذا هو الأصح، وقيل: أن قاتل مرحب هو محمد بن
مسلمة، قال ابن عبد البرّ كَّلُهُ في كتابه ((الدرر في مختصر السير)): قال
محمد بن إسحاق: إن محمد بن مسلمة هو قاتله، قال: وقال غيره: إنما قتله
عليّ رَظُه، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح عندنا، ثم رَوَى ذلك بإسناده
عن سلمة، وبُريدة، قال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث،
وأهل السير أن عليّاً وَظُبه هو قاتله، وحكى محمد بن سعد أن الذي قتله
محمد بن مسلمة، وذَفَّفَ عليه عليّ(٣)، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قاتل مرحب هو عليّ
،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١٢.
(٢) ((المفهم)) ٦٨٣/٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/١٢، و((المفهم)) ٦٨٣/٣.

٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وذكر بعضهم ما يَجمع بين اختلاف الروايتين، وهو ما ساقه الواقديّ في
((مغازيه))، فقال: ويقال: إن مرحب برز، وهو كالفحل الصئول، يرتجز، وهو
يقول :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أُضْرِبُ أَحْيَاناً وَحِيناً أُضْرَبَ
يدعو للبراز، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، أنا والله الموتور
الثائر، قُتِل أخي بالأمس، فائذن لي في قتال مرحب، وهو قاتل أخي، فَأَذِن له
رسول الله * في مبارزته، ودعا له بدعوات، وأعطاه سيفه، فخرج محمد،
فصاح يا مرحب، هل لك في البراز؟ فقال: نعم، فبرز إليه مرحب، وهو
يرتجز: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ.
وخرج محمد بن مسلمة، وهو يقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَاضٍ حُلْوٌ إِذَا شِئْتُ وَسُمٌّ قَاضٍ
ويقال: إنه جعل يومئذٍ يرتجز ويقول:
يَا نَفْسُ إنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي لَا صَبْرَ لِي بَعْدَ أَبِي النُّبَيتِ
وكان أخوه محمود يكنى بأبي النُّبيت.
قال: وبرز كل واحد منهما إلى صاحبه، قال: فحال بينهما عُشَرات،
أصلها كمثل أصل الْفَحْل من النخل، وأفنان مُنْكَرة، فكلما ضرب أحدهما
صاحبه استتر بالعُشَر، حتى قطعا كل ساق لها، وبقي أصلها قائماً، كأنه الرجل
القائم، وأفضى كل واحد منهما إلى صاحبه، وبَدَر مَرْحَبٌ محمداً، فيرفع
السيف ليضربه، فاتقاه محمد بالدَّرَقَة، فلَحَجَ سيفه، وعلى مرحب دِرْع مشمرة،
فيضرب محمد ساقي مرحب، فقطعهما .
ويقال: لما اتقى محمد بالدرقة، وشمرت الدرع عن ساقي مرحب، حين
رفع يديه بالسيف، فطأطأ محمد بالسيف، فقطع رجليه، ووقع مرحب، فقال
مرحب: أَجْهِز يا محمد، قال محمد: ذُقْ الموت كما ذاقه أخي محمود،
وجاوزه، ومَرَّ به عليّ، فضرب عنقه، وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله وكلهم
في سلبه، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، والله ما قطعت رجليه، ثم
تركته إلا ليذوق مُرّ السلاح، وشدّة الموت، كما ذاق أخي، مكث ثلاثاً

٥٣١
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
يموت، وما منعني من الإجهاز عليه شيء، قد كنت قادراً بعد أن قطعت رجليه،
أن أجهز عليه، فقال عليّ ◌َظُه: صدق، ضربت عنقه بعد أن قَطَع رجليه،
فأعطى رسول الله وَل* محمد بن مسلمة سيفه، ودرعه، ومِغْفره، وبيضته، فكان
عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه كتاب لا يُدْرَى ما هو؟ حتى قرأه يهوديّ من
يهود تيماء، فإذا فيه: هذا سيفُ مَرْحب مَن يَذُقه يَعْطَبْ. انتهى (١)
قال الجامع عفا الله عنه: لكن الواقديّ ضعيف، لا تُعارض روايته ما في
((الصحيح))، فما في ((الصحيح)) من أن قاتل مرحب هو عليّ بن أبي طالب حظّ ◌ُه
هو الصحيح، ولا حاجة إلى الجمع بين الروايتين، إذ لا تعارض بين الصحيح
والضعيف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ)؛ أي: فَتْح خيبر (عَلَى يَدَيْه)؛ أي: على يدي عليّ
كما قال وتلقى: ((يفتح الله علی یدیه)).
رضىعنه ،
وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو إبراهيم بن محمد بن سفيان، أبو إسحاق
النيسابوريّ المتوفّى سنة (٣٠٨هـ) تلميذ الإمام مسلم، راوي هذا الكتاب عنه،
تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)» ٧٣/٦.
وغرضه بهذا بيان علوّ إسناده الذي ذكره على إسناده من طريق مسلم،
فإنه وصل إلى عكرمة بواسطتين: محمد بن يحيى، وعبد الصمد بن
عبد الوارث، بينما وصل إليه من طريق مسلم بثلاث وسائط: مسلم، وأبو
بكر بن أبي شيبة، وهاشم بن القاسم في السند الأول، ومسلم، وإسحاق بن
إبراهيم، وأبو عامر العقديّ في السند الثاني.
والحاصل أن فائدة ذكر إبراهيم بن محمد هذا الإسناد بيان العلوّ له فيه،
بخلاف ما في إسناد مسلم، والله تعالى أعلم.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذّهْليّ
النيسابوريّ، ثقةٌ [حافظ جليل١١ٌ] (ت ٢٥٨) وله (٨٦) سنةً (خ ٤) تقدّمت
ترجمته في ((المقدّمة)) ٧٣/٦.
[تنبيه]: كون محمد بن يحيى هنا هو الذهليّ هو الظاهر، فما ذكره بعض
(١) ((مغازي الواقديّ)) ٦٥٦/١.

٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الشرّاح(١) من أنه محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، ففيه نظر؛ لأن الأول هو
الذي نصّ المزيّ في ((التهذيب)) أنه يروي عنه إبراهيم بن محمد بن سفيان،
راجع: ((تهذيب الكمال)) (٦٢١/٢٦). وأما الثاني، فلم يُذكر إبراهيم المذكور
ممن روى عنه، والظاهر أنه لم يلقه؛ لأنه متقدّم الوفاة، فإن مسلماً لا يروي
عنه إلا بواسطة، وأحياناً بواسطتين، كما تقدّم في ((مقدّمة صحيحه)) برقم
(٤٤)، ومات سنة (٢٢٣)، وقيل: (٢٢٦)، وقيل: (٢٣٣).
والحاصل أن كون محمد بن يحيى هنا هو الذهليّ، لا القطّان هو
الظاهر، فتأمّله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم
التّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
(عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ) وفي بعض النسخ: ((بهذا،
(ح) وحدّثنا أحمد))؛ أي: حدّثنا بهذا الحديث، ثم قال: (ح) إشارة إلى
تحويل السند، فهو من تَتِمّة أسانيد مسلم، فتنبّه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
◌ُه هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع
المصنّف رَحْذَ لُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٦٩/٤٣ و٤٦٧٠] (١٨٠٧)، و(أبو داود) في
((الجهاد)) (٢٧٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٣٣/١٤ - ٥٣٨)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٥٢/٤ - ٥٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٧٣)،
و(الطبريّ) في ((تاريخه)) (٥٩٦/٢، ٦٠٠)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٨١/٢
- ٨٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٣/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٨/٩)
و(«دلائل النبوة)) (١٨٢/٤ - ١٨٦)، والله تعالى أعلم.
(١) هو الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه لهذا الكتاب ٤٠٠/١٩.

٥٣٣
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز استقتال المرء نفسه في سبيل الله وَمَك؛ إرادةً للشهادة.
٢ - (ومنها): جواز اقتحام الواحد على الجمع؛ إذا كان من أهل النجدة.
٣ - (ومنها): جواز المبارزة بغير إذن الإمام، كما بارز عامر بن
الأكوع ◌َظُه، وهو حجَّة على من كرهها مطلقاً، وهو الحسن، وعلى من
اشترط في جوازها إذن الإمام، وهو إسحاق، وأحمد، والثوري، ثم هل يُعان
المبارِزُ أم لا؟ أجازها أحمد، وإسحاق، ومنعها الأوزاعيّ، وفصّل الشافعيّ،
فقال: إن شَرَطَ المبارَزُ عدمها لم يَجُز، وإن لم يشترط جاز(١).
٤ - (ومنها): استحباب الثناء على الشجاع، ومن فيه فضيلة، لا سيما
عند الصنع الجميل؛ ليستزيد من ذلك، ومحلّه حيث يؤمَن الافتتان.
٥ - (ومنها): جواز المسابقة على الأقدام، ولا خلاف في جوازه بغير
عِوَض، وأما بالعوض فالصحيح لا يصحّ، والله أعلم.
٦ - (ومنها): أن فيه أربعَ معجزات لرسول الله وَلقول: إحداها: تكثير ماء
الحديبية، والثانية: إبراء عين عليّ رَظُه، والثالثة: الإخبار بأنه يَفتَحُ الله على
يديه، وقد جاء التصريح به في رواية غير مسلم هذه، والرابعة: إخباره وله
بأنهم يُقْرَون في غَطَّفان، وكان كذلك، قاله النوويّ (٢).
٧ - (ومنها): جواز الصلح مع العدوّ.
٨ - (ومنها): بعث الطلائع.
٩ - (ومنها): بيان فضيلة الشجاعة، والقوة.
١٠ - (ومنها): بيان مناقب سلمة بن الأكوع، وأبي قتادة، والأحزم
.
الأسديّ
١١ - (ومنها): جواز عَقْر خيل العدوّ في القتال.
١٢ - (ومنها): استحباب الرجز في الحرب.
١٣ - (ومنها): جواز قول الرامي، والطاعن، والضارب: خُذْها وأنا
فلان، أو ابن فلان.
(١) ((المفهم)) ٦٨٣/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/١٢.

٥٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
١٤ - (ومنها): جواز الأكل من الغنيمة.
١٥ - (ومنها): استحباب التنفيل منها لمن صنع صَنِيعاً جميلاً في
الحرب.
١٦ - (ومنها): جواز الإرداف على الدابة المطيقة.
١٧ - (ومنها): ما كانت عليه الصحابة ﴿ه من حبّ الشهادة، والحرص
عليها، كما فعل الأخرم الأسديّ، وعامر بن الأكوع پا.
١٨ - (ومنها): جواز إلقاء النفس في غَمَرات القتال، وقد اتفقوا على
جواز التغرير بالنفس في الجهاد، في المبارزة، ونحوها.
١٩ - (ومنها): أن من مات في حرب الكفار بسبب القتال، يكون
شهيداً، سواء مات بسلاحهم، أو رَمَته دابة، أو غيرها، أو عاد عليه سلاحه،
كما جرى لعامر
رضى عنه .
٢٠ - (ومنها): تفقّد الإمام الجيش، ومن رآه بلا سلاح أعطاه سلاحاً،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٧٠] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا
النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ بِهَذَا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف
بحمدان، ثقةُ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م « ت ق) تقدم في
((المقدمة)) ٩٠/٦.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ الأمويّ مولاهم، أبو محمد
اليماميّ، ثقةٌ له أفراد [٩] (خ م « ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤.
و((عكرمة بن عمّار)) ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمّار هذه ساقها أبو
عوانة لَّثُ في ((مسنده)) بسند المصنّف، فقال:

٥٣٥
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٧٠)
(٦٨٢٠) - حدّثنا أحمد بن يوسف السُّلَمِيّ، قئنا(١) النضر بن محمد، قئنا
عكرمة بن عمار، قثنا إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه نظبه، قال: خرجت
إلى النبيّ وَّهِ، وأنا غلام حَدَثٌ، وتركت أهلي ومالي إلى الله رَ،
ورسوله وَ*، فكنت تَبِيعاً لطلحة بن عبيد الله رَظُه أَخدُمُه، وآكل معه من
طعامه، فقدِمنا الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، مع النبيّ وَّ، وعليها يومئذٍ
خمسون شاةً، ما ترويها، فرأيت رسول الله وَ ل حين قعد على جِبَاها(٢)، قال:
فإما بَسَقَ فيها، وإما دعا، فما نُزحت بعدُ، ثم إن نبي الله وَّ بايعنا تحت
الشجرة، فبايعته في أول الناس، ثم بايع، حتى كان في وسط من الناس، ثم
قال: ((يا سلمة ألا تبايعني؟)) قلت: يا رسول الله بايعتك في أول الناس، قال:
((وأيضاً))، ثم قال: ((يا سلمة، أما لك جُنّة؟))، فأعطاني جَحَفَةً، أو قال: دَرَقَةٌ،
ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس، قال: ((يا سلمة، ألا تبايعني؟)) قال:
قلت: يا رسول الله قد والله بايعتك أول الناس، وفي أوسطهم، قال:
((وأيضاً))، ثم قال: ((يا سلمة، أين جحفتك؟ - أو قال: دَرَقتك التي أعطيتك؟))
قال: قلت: يا رسول الله أعطيتها عَمِّي عامراً، وكان أعزل، فقال رسول الله وَلَيه
- وضحك -: ((إنك كالذي قال الأَوّل: اللهم أبغني حبيباً أحبّ إليّ من نفسي))،
ثم إن قوماً من المشركين من أهل مكة، كان بيننا وبينهم صلح، حتى تمشت
بعضنا في بعض، واختلطنا، فأتيت الشجرة، فكَسَحت شوكها، ثم نزلت في
ظلها، ثم اضطجعت، ووضعت سلاحي، فأتاني أربعة من المشركين،
يتماشون، فجلسوا إليّ، فجعلوا يقعون في النبيّ وَّر، فأبغضتهم، فتحوّلت إلى
شجرة أخرى، فما عدا أن وضعوا ثيابهم، وعَلَّقوا سلاحهم، إذ نادى منادٍ من
أسفل الوادي: يا للمهاجرين قُتِل ابن زُنيم، قال: فأشُدّ عليهم، حتى أَقِفَ على
رؤوسهم بالسيف، ثم قال: والذي كَرَّم وجه محمد ◌َّهَ لا يمدّ واحد منكم يده
إلى سلاحه، إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم ضممت سلاحهم، وسُقتهم
(١) ((قثنا)) في المواضع الثلاثة مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.
(٢) هو ما حول البئر.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
بسيفي، حتى آتي بهم النبيّ وََّ، وجاء عمي عامر بِمِكْرَز، أو ابن مكرز رجلٍ
من الْعَبَلات، يقود به فرسه، مُتسلِّحاً في سبعين رجلاً، فلما نظر إليهم
نبيّ اللهِوَّر قال: ((ذَرُوهم، يكن لهم بَدْء الفجور وثِنَاهُ))، ثم رجعنا إلى
المدينة، فمررنا على جبل بيننا وبين العدوّ، فاستغفر رسول الله ولو لمن طلعه
تلك الليلة، فأطلعته ثلاث مرّات، أو مرتين، ثم قَدِمنا المدينة، فخرجت بفرس
طلحة بن عبيد الله ربه مع رَبَاح ◌َ﴿به غلام رسول اللهِ وَّ في ظهر
رسول الله ◌َ، فلما كان بِغَلَس، إذا نحن بعبد الرحمن بن عيينة بن بدر
الْفَزَاريّ، قد أغار على سرح رسول الله وَّر، فاستاق هو وأصحابه، وقَتَلوا
راعيها، فقلت: يا رَبَاح، اركب هذا الفرس، فأبلغه طلحة، وأخبر رسول الله وعليه
أن المشركين قد أغاروا على سرحه، وقَتلوا راعيه، قال: وأشرقت شَرْقاً(١) من
الأرض، ثم ناديت بأعلى صوتي: يا صباحاه، ثم اتَّبعت القوم، أرميهم بالنبل،
وأقول:
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّع
وأهوي لرجل منهم بسهم، فأضعه في بعض (٢) الكتف، ثم قلت: خُذْهَا:
وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فلم أزل أرميهم بالنبل، فإذا حملوا عليّ لجأت إلى شجرة، ثم نثرت
نبلي، فعقرت بهم، وإذا تضايق الوادي، عَلَوت عليهم الجبل، فرميتهم
بالحجارة، حتى أحرزت الظهر الذي أخذوا كلَّه، وأخذت من مُشاتهم سوى
ذلك أكثر من ثلاثين رُمْحاً، وثلاثين بُرْدةً، يطرحونها، لا أضم منها شيئاً ثمة
إلا جعلته طريق رسول الله وَ﴿ وأصحابه، وجعلت عليه حجارةً علامةً؛
ليعرفوا، فلما امتدّ الضحى إذا عُيينة بن بدر أبو عبد الرحمن قد أتاهم مدداً،
(١) هكذا النسخة ((شرقاً)) بالقاف، ولعله مصحّف من ((شَرَفاً))، وقد تقدّم من رواية
مسلم بلفظ: ((ثم قمت على أَكَمة))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) هكذا النسخة ((بعض))، والظاهر أنه مصحّفٌ من ((نُغْض))، كما سبق في رواية
مسلم، فليُحرّر.

٥٣٧
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٧٠)
فنزلوا يتضحون، وعلوت عليهم الجبل، فقعدت، فنظر إليّ عيينة، فقال: ما
هذا الذي ارى؟ قالوا: لقينا من هذا الْبَرْحاء، ما فارقنا بغَلَس حتى هذا مكانه،
قال: أفلا يقوم إليه نفر منكم، فقام إليّ أربعة منهم، فسندوا إلى الجبل، فلما
دَنَوا مني، قلت: أتعرفوني؟ أنا ابن الأكوع، والذي نفسي بيده، لا يطلبني
رجل منكم، فيلحَقَني، ولا أطلبه، فيفوتَني، قالوا: إنا نظنّ، فرجعوا، ثم إذا
أنا بفوارس رسول الله وَلهو أولهم الأخرم الأسديّ، وأبو قتادة، والمقداد بن
الأسود، فانحدرت من الجبل، فأعرض الأخرم، وهو أول القوم، فآخذ بعِنَان
فرسه، فقلت: يا أخرم أتذر (١) القوم أن يقتطعوك، حتى يلحق رسول الله اله
وأصحابه؟ فقال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة
حقّ، والنار حقّ، فلا تَحُل بيني وبين الشهادة، فتركته، فتقدّم، فالتقى هو
وعبد الرحمن بن عيينة، فاختلفا طعنتين، فعَقَر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه
عبد الرحمن فقتله، ثم تحول على فرسه، فالتقى عبد الرحمن وأبو قتادة،
فاختلفا طعنتين، فعقر عبد الرحمن بأبي قتادة، وطعنه أبو قتادة فقتله، وتحول
على فرسه، ثم وَلَّى القوم، لا يَلْؤُون على شيء، فاتبعتهم على رجليّ، حتى ما
أرى من فرسان رسول الله وَّاتٍ، ولا من رَجّالتهم أحداً، ثم مالوا إلى ماء،
يقال له ذو قَرَد، فأبصروني وراءهم، فحَلّيتهم عنه، وهم عِطاشٌ، حتى ألحق
في ثنية ذي الدثير، فألحقُ رجلاً على راحلته في مؤخر القوم، فأرميه بسهم،
فقلت: خذها :
وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قال: واثكل أمي، أَكْوَعِيا(٢) بكرةَ؟ قلت: نعم؛ أي عدوّ نفسه،
وأخذت بفرسين أرديهما (٣) في الثنية، فسُقْتهما معي حتى ألقى عمي عامراً في
الظلام، على بعير، معه سطيحتان، إحداهما مَذْقة - أي: بقية من لبن -
(١) كذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من ((احذر))، كما سبق في مسلم، فليُحرّر.
(٢) كذا النسخة، وتقدّم في مسلم بلفظ: أَكْوَعه))، وفي لفظ: ((أَكْوَعنا)).
(٣) كذا النسخة، وتقدّم في مسلم: ((وأردوا فرسين))، وفي رواية: ((وأرذوا فرسين))
بالذال المعجمة.

٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
والأخرى ماء، فتوضأت، وصليت، حتى آتي نبيّ الله وَّ نازلاً على الماء الذي
حَلّيتهم عنه، ذو قَرَد، ووجدت بلالاً ظُه يشوي كبداً وسناماً من جزور نُحِر
من الإبل التي حَوَيت من المشركين، فقلت: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي ذَرْني،
فأنتخبَ من القوم مائة، فأخذ عليهم بالعشوة، فأصبح، ولم يبق مُخبِرٌ، فرأيت
رسول الله ◌َ* ضحك حتى بدت نواجذه في عشوة النار، ثم قال رسول الله وَلقوله :
((يا سلمة أكنت فاعلاً؟)) قلت: نعم والذي بعثك بالحقّ، فقال رسول الله وَلّه:
((إنهم الآن لَيُقْرَون في غطفان))، فما بَرِحت حتى جاء رجل، فقال: يا رسول الله
نزلوا بفلان الغطفانيّ، فنحر لهم جَزوراً، ثم أبصروا الغَبَرة، فقذف الله في
قلوبهم الرعب، فخرجوا، وتركوا قراهم، قال: وأعطاني رسول الله وَّ سهم
الفارس، وسهم الراجل جميعاً، وأردفني خلفه على العضباء، فلما كان بيننا
وبين المدينة كالروحة، أو الغدوة، أتانا رجل من الأنصار، كان لا يُسبَق،
فقال: هل من مسابق؟ ألا هل من مسابق؟ مرتين، أو ثلاثاً، فأقبلت عليه،
فقلت: أما تكرم عليه كريماً؟ ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا، إلا رسول الله وَله
قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أفلا أسابق الرجل؟ قال: إن شئت،
فثنيت رجلي، فطَفَرت عن ظهر الناقة، ثم قلت: اذهب إليك، ورَبَطت عليه
شرفاً أو شرفين، ثم ترفعت حتى ألحقه، فصككت بين كتفيه، ثم قلت: سبقتك
والله، قال: إني أظنّ، ثم قدمنا المدينة، فما لبثنا بها إلا ثلاثاً، حتى خرج
رسول الله وَل﴿ إلى خيبر، فخرجت، وعمي عامر بن الأكوع، فجعل يرتجز
القوم، ويقول:
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ بَغَوْا عَلَيْنَا
فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا
فنادى رسول الله صل: ((مَن هذا؟» قالوا: يا رسول الله هذا عامر، فقال:
((غفر لك ربك))، قال: فوالله ما استغفر رسول الله والفول قط يخصه لرجل، إلا
استُشْهِد، قال: فناداه عمر بن الخطاب رُبه، وهو على راحلته في ناحية القوم:
يا رسول الله، لو متّعتنا بعامر؟ قال: فلما قَدِمنا خيبر، أقبل مَرْحَب، فقال:

٥٣٩
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٧٠)
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فقال عامر:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ
شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرَ
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في تُرْس عامر، ورجع سيف
عامر عليه، فأصاب ساق نفسه، فأتى له فيها، قال: فمررت على نفر من
أصحاب النبيّ ◌َّ، وهو يقولون: بَطَل عمل عامر، فأتيت النبيّ ◌َّ أبكي،
فقلت: يا رسول الله أبَطَل عمل عامر؟ قال: ((ومَن قال ذاك؟)) قال: قلت:
بعض أصحابك، قال: ((كَذَب ذاك، بل له أجره مرتين))، قال: ثم أرسل
نبيّ الله ◌َّ إلى عليّ بن أبي طالب ظُه، فقيل: يا نبيّ الله إنه أرمد،
فجئت به أقوده إلى النبيّ وَّه، وقد قال رسول الله وَله قبل ذلك: ((لأعطينّ
الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله))، فبسق رسول الله وَليه
في عينيه، ثم أعطاه الراية، فكان الفتح على يديه، ولمّا برز عليّ، فارتجز
مرحب، فقال:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبَ شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قال: فقال عليّ رقڅبه :
كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِیهِ الْمَنْظَرَةْ
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
قال: ففَلَق عليّ رأسه، وكان الفتح على يديه. انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٣٠١/٤ - ٣١٠.

٥٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(٤٤) - (بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾
الآيَةَ [الفتح: ٢٤]).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٧١] (١٨٠٨) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً
مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ، مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ
غِرَّةَ النَّبِيِّ بَهِ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سَلَماً، فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَّلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ
أَيَدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ
عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
والباقون تقدّموا قبل باب، وكذا الكلام في لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ (أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، هَبَطُوا)
- بفتحتين -؛ أي: نزلوا، يقال: هبط الماء وغيره هَبْطاً، من باب ضرب: نزل،
وفي لغة قليلة: يَهْبُطُ هُبُوطاً، من باب قَعَدَ، وهَبَطتُهُ: أنزلته، يتعدّى، ولا
يتعدّى، وهبطتُ من موضع إلى موضع آخر: انتقلت(١). (عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّ)
وكان ذلك عام الحديبية، (مِنْ جَبَلِ التَّتْعِيمِ) بصيغة مصدر نَغَّمَ، يقال: نعّم الله
تنعيماً: جعله ذا رفاهية، والمراد هنا: الموضع المعروف، وهو أقرب الحِلّ
إلى مكة، ويقال: بينه وبين مكة أربعة أميال، ويُعرف بمسجد عائشة طؤُنَا(٢)، وهو
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٣٣/٢.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٦١٤/٢.