Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةٍ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
وَكُنْتُ تَبِيعاً لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الهِ، أَسْقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخْدُمُهُ، وَآَكُلُ مِنْ
طَعَامِهِ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي، وَمَالِي، مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَلِ، قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا
نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، أَتَيْتُ شَجَرَةً، فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا،
فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا، قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا
يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَبْغَضْتُهُمْ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى، وَعَلَّقُوا
سِلَاحَهُمْ، وَاضْطَجَعُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا
لَلْمُهَاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زُنَيْم، قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ
الأَرْبَعَةِ، وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ(١) سِلَاحَهُمْ، فَجَعَلْتُهُ ضِغْئاً فِى يَدِي، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ:
وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ، لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ، إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ،
قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قَالَ: وَجَاءَ عَمِّ عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ
الْعَبَلَاتِ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهَ عَلَى فَرَسٍ، مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِوَّهِ، فَقَالَ: ((دَعُوهُمْ، يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ
الْفُجُورِ، وَثِنَاهُ))، فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَّ أَبْدِيَهُمْ
عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَهِمْ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا [الفتح: ٢٤].
قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ،
وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ؛ كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ
لِلنَّبِيِّ نَّهِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَدِمْنَا
الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحِ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَأَنَا مَعَهُ،
وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّهِ مَعَ الظَّهْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ
الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ، قَالَ:
فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ، فَأَبْلِمْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللهِ وَلـ
أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ، فَاسْتَقْبَلْتُ
(١) وفي نسخة: ((وأخذت)).

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
الْمَدِينَةَ، فَنَادَيْتُ ثَلَاثاً: يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ،
وَأَرْتَجِزُ، أَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَلْحَقُ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَأَصُُكْ سَهَماً فِى رَحْلِهِ، حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى
كَتِفِهِ، قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا:
وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قَالَ: فَوَ اللهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ(١)، أَتَيَّتُ
شَجَرَةً، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا، ثُمَّ رَمَيْتُهُ، فَعَقَرْتُ بِهِ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ،
فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ
كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ بَعِيرٍ، مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَّا خَلَّقْتُهُ وَرَاءَ
ظَهْرِي، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً،
وَثَلَاثِينَ رُمْحاً، يَسْتَخِقُونَ، وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئاً، إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَاماً مِنَ الْحِجَارَةِ،
يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَابِقاً مِنْ ثَنِيَّةٍ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ
فُلَانُ بْنُ بَدْرِ الْفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَخَّوْنَ - يَعْنِي: يَتَغَدَّوْنَ - وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسٍ
قَرْنٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ، وَاللهِ مَا فَارَقَنَا
مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا، حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا، قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ
أَرْبَعَةٌ، قَالَ فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ، قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلَامِ،
قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ (٢) قَالُوا: لَا، وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بَنُ
الأَكْوَعِ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ وَّهِ لَا أَطْلُبُ رَجُلاً مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي
رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَيُدْرِكَنِي، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَرَجَعُوا، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي
حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، قَالَ: فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ
الأَسَدِيُّ، عَلَى إِثْرِهِ أبو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ،
قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَمِ، قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ، لَا
(١) وفي نسخة: ((فإذا أتى إليّ فارس)).
(٢) وفي نسخة: ((هل تعرفونني)).

٤٨٣
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
يَقْتَطِعُوَ، حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ،
قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ، وَطَعَنَهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَلَحِقَ أبو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللهِ وَه
بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَطَعَنَهُ، فَقَتَلَهُ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ نَّهِ لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى
رِجْلَيَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ بِهِ، وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئاً، حَتَّى
يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ، فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو قَرَدٍ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ،
وَهُمْ عِطَاشرٌ، قَالَ: فَنَظَرُوا(١) إِلَيَّ أَعْذُو وَرَاءَهُمْ، فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ - يَعْنِي: أَجْلَيْتُهُمْ
عَنْهُ - فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةَ، قَالَ: وَيَخْرُجُونَ، فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَأَعْدُو،
فَأَلْحَقُ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَأَصُكَّهُ بِسَهْم فِي نُغْضٍ كَتِهِ، قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا (٢):
وَأَنَا ابْنُ الأَكِّْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةً؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ، أَكْوَغُكَ
بُكْرَةَ، قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنٍ عَلَى ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا
مَالٌ، فَتَوَضَّأْتُ، وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيْتُهُمْ
عَنْهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَِّ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإِبِلَ، وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ،
وَكُلَّ رُمْحِ وَبُرْدَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ، وَإِذَا
هُوَ يَشْوِيَّ لِرَسُولِ اللهِلَّهِ مِنْ كَبِدِهَا، وَسَنَامِهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ خَلِّنِي،
فَأَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ، فَأَتَبِعُ الْقَوْمَ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، إِلَّا قَتَلْتُهُ، قَالَ:
فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ، فَقَالَ: ((يَا سَلَمَةُ،
أَنْرَاكَ كُنْتَ فَاعِلاً؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، فَقَالَ: ((إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي
أَرْضِ غَطَفَانَ))، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُوراً، فَلَمَّا
كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَاراً، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا
(١) وفي نسخة: ((نظروا)).
(٢) وفي نسخة: ((قلت: نعم خذها)).

٤٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أبو قَتَادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ))،
قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ وَ سَهْمَيْنِ: سَهْمُ الْفَارِسِ، وَسَهْمُ الرَّاحِلِ،
فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعاً، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ، رَاجِعِينَ إِلَى
الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدّاً،
قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟، هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ،
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيماً؟، وَلَا تَهَابُ شَرِيفاً؟ قَالَ: لَا،
إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ بِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِ، فَلْأُسَابِقَ
الرَّجُلَ(١)، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ))، قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ، وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ، فَطَفَرْتُ،
فَعَدَوْتُ، قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفاً، أَوْ شَرَفَيْنٍ، أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ،
فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفاً، أَوْ شَرَفَيْنٍ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ، حَتَّى أَلْحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكَّهُ بَيْنَ
كَتِفَيْهِ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ،
قَالَ: فَوَاللهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ(٢)، حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، مَعَ رَسُولِ اللهَِّهه
قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا
فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ هَذَا؟))، قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: ((غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ))،
قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لإِنسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّ اسْتُشْهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلِ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوْلًا مَا مَتَّعْتَنَا(٣) بِعَامِرٍ؟، قَالَ: فَلَمَّا
قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ، يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
(١) وفي نسخة: ((فالأسبق الرجل)).
(٢) وفي نسخة: ((ما لبثنا ثلاث ليال)).
(٣) وفي نسخة: ((لولا متعتنا)).

٤٨٥
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
قَالَ: وَبَرَزَّ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ:
شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ
قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنٍ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسَ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ
يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ:
فَخَرَجْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ،
قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ، وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: ((كَذَبَ
مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ))، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ أَرْمَدُ، فَقَالَ:
(الأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ(١)))، قَالَ: فَأَتَيْتُ
عَلِيّاً، فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ بِّهِ، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ،
فَبَرَأَ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبَ
فَقَالَ عَلِيّ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَةْ كَلَيْثٍ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَةْ
أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَةْ
قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْه.
قَالَ إبراهيمُ: حدَّثَنا مُحَمَدُ بنُ يحيى، حَدَّثَنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عَبْدِ الوارِثِ
عِنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَمّارٍ، بهذا الحديثِ بطولهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، لقبه
قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله (٧٣) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
(١) وفي نسخة: ((ويحبّه الله ورسوله)).

٤٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٤ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٤ أو٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السّمّرْقنديّ الحافظ،
صاحب ((المسند))، ثقةٌ فاضلٌ، متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت)
تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٦ - (أَبُو عَلِيِّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) البصريّ، صدوقٌ [٩]
(ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٤٠/ ١٤٥١.
٧ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العِجْلَيّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ
إلا في يحيى بن أبي كثير، فضعيف؛ لاضطرابه [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م
س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٨ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) بن الأكوع، الأسلميّ، أبو سلمة، أو أبو بكر
المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١١٩) وله (٧٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
٩ - (أَبُوهُ) سلمة بن عمرو بن الأكوع ◌ُه، ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّثُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن
عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ) اليماميّ أنه قال: (حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) قال:
(حَدَّثَنِي أَبِي) سلمة بن عمرو بن الأكوع ◌َظُه، (قَالَ: قَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة،
(الْحُدَّيْبِيَةَ) تقدّم أنها بتخفيف الياء، وتشديدها، لغتان، والتخفيف أشهر، وهو
موضع فيه ماء على قرب من مكة. (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً)
جملة في محلّ نصب على الحال، قال النوويّ نَّثُهُ: هذا هو الأشهر، وفي
رواية: ((ثلاث عشرة مائة))، وفي رواية: ((خمس عشرة مائة)). انتهى(١).
وقال ابن القيّم ◌َُّ في ((الهدي)): وكان معه وَّ ل ألف وخمسمائة، هكذا
في (الصحيحين)) عن جابر، وعنه فيهما: ((كانوا ألفاً وأربعمائة))، وفيهما عن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٤/١٢ - ١٧٥.

٤٨٧
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
عبد الله بن أبي أوفى: ((كنا ألفاً وثلاثمائة))، قال قتادة: قلت لسعيد بن
المسيب: كم كان الذين شَهِدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال:
قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله
أَوْهَم، هو حدّثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.
قال ابن القيّم: وقد صحّ عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نَحَروا عام
الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفاً
وأربعمائة، بِخَيْلنا، ورَجِلنا؛ يعني: فارسهم، وراجلهم، والقلب إلى هذا أميل،
وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح
الروايتين، وقول المسيِّب بن حَزْن، قال شعبة عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب،
عن أبيه: كنا مع رسول الله وَله تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأصحّ أنهم كانوا ألفاً
وأربعمائة، كما هو رواية مسلم هنا، ورجّحه النوويّ، وابن القيّم - رحمهما الله
تعالى - والله تعالى أعلم.
(وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً، لَا تُرْوِيهَا)؛ يعني: أن ماء الحديبية كان قليلاً، لا
يكفي خمسين شاةً، (قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللهِ ﴿ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ) قال
النوويّ كَّتُهُ: ((الْجَبَا)) - بفتح الجيم، وتخفيف الباء الموحّدة، مقصوراً - هي ما
حول البئر، وأما ((الرَّكِيّ)) فهو البئر، والمشهور في اللغة: رَكِيّ بغير هاء، ووقع
هنا: ((الركيّة)) بالهاء، وهي لغةٌ حكاها الأصمعيّ، وغيره(٢).
وقال القرطبيّ تَخْذُ: ((جَبَا الرَّكيّة)) - بالفتح في الجيم، والباء الموحّدة،
مقصوراً -: هو جانب البئر، و((الركيَّة)): البئر غير المطوية، فإذا ◌ُوِيت فهي:
الطِّيُّ، وللعذريّ: ((جُبِّ رَكِيَّة)) بضم الجيم، وكسر الباء، والْجُبّ: البئر ليست
بعيدة القعر. انتهى (٣).
(فَإِمَّا دَعَا) بَّهِ لمائها حتى يُبارَك فيه، (وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا)، ووقع في بعض
النسخ: (بَسَقَ)) بالسين، قال النوويّ: هكذا هو في النسخ: ((بَسَقَ)) بالسين،
(١) ((زاد المعاد)) ٢٥٥/٣.
(٣) ((المفهم)) ٦٦٩/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/١٢.

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وهي صحيحة، يقال: بَزَقَ، وبَصَقَ، وبَسَقَ ثلاث لغات، بمعنَّى، والسين قليلة
الاستعمال. انتهى (١).
(قَالَ) سلمة: (فَجَاشَتْ)؛ أي: ارتفعت، يقال: جاش الشيء يجيش
جَيْشاً: إذا ارتفع، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله وَله، وقد سبق مراراً
كثيرةً التنبيه على نظائرها. (فَسَقَيْنَا) أنفسنا، ودوابّنا من تلك البئر، (وَاسْتَقَيْنَا)؛
أي: أخذنا من مائها في أوعيتنا لنستعمله عند الحاجة. (قَالَ) سلمة: (ثُمَّ إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿) بكسر همزة ((إنّ))؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في
(الخلاصة)) :
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ (إنَّ)) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
(دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ) - بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة -: أصلها: الصَّفْقة على
إيجاب البيع، وجمعها: بَيْعَاتٌ بالسكون، ويُحرَّك في لغة هُذيل، وتُطلق على
المبايعة، والطاعة(٢)، وهي المرادة هنا، وهي بيعة الرضوان. (فِي أَصْلِ
الشَّجَرَةِ) هي الشجرة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا ®﴾ [الفتح: ١٨]. (قَالَ) سلمة: (فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ) بنصب ((أوّل))
على الظرفيّة لـ((بايعتُ))، (ثُمَّ) بعد مبايعتي (بَايَعَ) وَ ﴿ِ الناس (وَبَايَعَ) بعدهم
آخرين، (حَتَّى إِذَا كَانَ) بَّهِ (فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ)؛ أي: في مبايعتهم (قَالَ) ◌ِّ
(بَايِعْ يَا سَلَمَةُ))، قَالَ) سلمة (قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُلَكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ،
قَالَ) وَلِ (وَأَيْضاً)))؛ أي: وبايعْ كذلك مرّة ثانيةً.
[فائدة]: قوله: ((أيضاً)) منصوب على المصدريّة، يقال: آض يئيض أيْضاً؛
كباع يبيع بيعاً: إذا رجع، فقولهم: افعَلْ ذلك أيضاً، معناه: افعله عَوْداً إلى
تقدّم، قاله الفيّوميّ(٣).
وقال ابن عابدين تَّقُ: قولهم: ((أيضاً)) هو مصدر آض يَئِيض أَيْضاً،
كباع، تحرّكت الياء، وانفتح ما قبلها، فقُلبت ألفاً، وأصل يثيض: يَيْئِضُ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/١٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٣/١.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٩/١.

٤٨٩
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
بوزن يَفْعِلُ، نُقلت حركة الياء إلى الهمزة، وأما إعرابه، فذكر ابن هشام في
رسالة تعرّض فيها للمسألة: إن جماعة توهّموا أنه منصوب على الحال من
ضمير ((قال))، وأن التقدير: وقال أيضاً؛ أي: راجعاً إلى القول، وهذا لا
يحسن تقديره إلا إذا كان هذا القول صدر من القائل بعد صدور القول السابق
له، وليس ذلك بشرط، بل تقول: قلت اليوم كذا، وقلته أمس أيضاً، وكتبت
اليوم، وكتبت أمس أيضاً، قال: والذي يظهر لي أنه مفعول مطلقٌ حُذف
عامله، أو حالٌ حُذف عاملها وصاحبها؛ أي: أَرْجِعُ إلى الإخبار رُجوعاً، ولا
أقتصر على ما قدّمتُ، أو أُخبر راجعاً، فهذا هو الذي يستمرّ في جميعِ
المواضع، ومما يؤنسك بأن العامل محذوفٌ أنك تقول: عنده مالٌ، وأيضاً
علمٌ، فلا يكون قبلها ما يصلح للعمل فيها، فلا بدّ حينئذ من التقدير.
(واعلم): أنها إنما تُستعمل في شيئين، بينهما توافقٌ، ويغني كلّ منهما
عن الآخر، فلا يجوز: جاء زيدٌ أيضاً، ولا جاء زيد، ومضى عمرو أيضاً، ولا
اختصم زيد وعمرو أيضاً. انتهى ملخّصاً(١).
(قَالَ) سلمة (وَرَآنِي رَسُولُ اللهِهِ عَزِلاً) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: ضبطوه
بوجهين: أحدهما: فتح العين، مع كسر الزاي، والثاني: ضمّهما، وقد فسّره
في الكتاب بالذي لا سلاح معه، ويقال له أيضاً: أعزل، وهو أشهر استعمالاً.
انتھی
(٢)
وقال القرطبيّ تَخْذُ: ((عزلاً)): الرواية فيه هنا، وفي الحرف الآتي بعده:
بفتح العين، وكسر الزاي، قال بعض اللغويين: الصواب: أعزل، ولا يقال:
عَزِلٌ، وقيّده بعضهم: عُزُلاً - بضم العين والزاي - وكذا ذكره الهرويّ، كما
يقال: ناقة عُلُط، وجمل فُنُق، والجمع: أَعزال، كما يقال: جُنُبٌ وأَجنابٌ،
وماء سُدُمٌّ، ومياه أَسدام، والأعزل: الذي لا سلاح معه. انتهى(٣).
وقوله: (يَعْنِي: لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ) تفسير من بعض الرواة لـ((عَزلٍ)). (قَالَ)
سلمة (فَأَعْطَانِ رَسُولُ اللهِ وَالِ حَجَفَةً، أَوْ دَرَقَةً) - بفتحتين فيهما - و((أو)) للشك
(١) ((الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة)) لابن عابدين تخثم ٣٣١/٢ -٣٣٢.
(٣) ((المفهم)) ٦٧٠/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/١٢.

٤٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
من الراوي، والحجفة: الترس، وإنما يكون من عِيدان، والدّرق من الجلود،
قاله القرطبيّ(١).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: الْحَجَفَةُ: التُّرْسُ الصغير، يُطارق بين جلدين،
والجمع: حَجَفٌ، وحَجَفَاتٌ، مثلُ قَصَبَةٍ، وقَصَبٍ، وقَصَبَات. انتهى (٢).
وقال المجد كَّهُ: الْحَجَفُ: محرّكةً: التُّرْسُ، من جلود بلا خشب، ولا
عَقَبٍ، قال: والدّرَقَةُ - محرّكةً: الْحَجَفَةُ، جمعها: دَرَقُ، وأَدراقٌ، ودِراقٌ.
= (٣)
انتھی
٠
(ثُمَّ بَابَعَ) وَِّ بقيّة الناس، (حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ) إِ ((أَلَا
تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ))، قَالَ) سلمة (قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ،
وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ: ((وَأَيْضاً)))؛ أي: وبايِعْ كذلك مرّةً ثالثةً. (قَالَ: فَبَايَعْتُهُ
الثَّالِئَةَ) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ: تخصيصه وَ ﴿ سلمة بتكرار البيعة ثلاثاً؛ تأكيد في
حقّه، لِمَا عَلِم من خصاله، وكثرة غَنائه، كما قد ظهر منه على ما يأتي(٤).
وقال بعضهم(6): فيه فضيلة ظاهرة لسلمة بن الأكوع ظه، وفي
مبايعته وّر له ثلاث مرّات إشارة إلى أنه سيحضر ثلاثة مشاهد يكون له فيها بلاء
حسنٌ، وقد كان الأمر ذلك، فقد اتّصل بالحديبية غزوة ذي قَرَد، واتّصل بها
فتح خيبر، وكان له في كلّ منها غَنَاءٌ عظيم، وبلاءٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ لِي: ((يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ؟ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟))، قَالَ)
سلمة (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرُ) بن الأكوع ◌َظُهُ (عَزِلاً)؛ أي: بلا
سلاح، (فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا)؛ أي: آثرته بها على نفسي؛ عملاً بقوله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَّ
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. (قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) تعجّباً
مما صنع، حيث آثر عمه على نفسه بما أعطاه النبيّ وَلفر مع شدّة حرص الناس
على مثل ذلك، (وَقَالَ) بِهِ ((إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأَوَّلُ)؛ أي: الرجل، المتقدّم
زمانه، الظاهر أن هذا من المَثَل السائر، و((الأول)) بالرفع على الفاعليّة، وأعربه
(١) ((المفهم)) ٦٧٠/٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٢٦٧ و٤٢٦.
(٥) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٢٣٢/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٢٢.
(٤) (المفهم)) ٣/ ٦٧٠.

٤٩١
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
بعضهم بالنصب على الظرفيّة؛ أي: في الزمن الأول، والأول هو الظاهر،
والمعنى أن شأنك هذا يُشبه معنى قول القائل في الزمان السابق: اللهم
أبغني ... إلخ، وفي رواية أحمد في ((مسنده)): ((إنك كالذي قال)) (١)، ولم يذكر
لفظ الأول. (اللَّهُمَّ أَبْغِنِي) بقطع الهمزة، ووصلها، من أبغاه، وبغاه، رباعيّاً،
وثلاثيّاً؛ أي: طلَب له؛ أي: اطلب لي، والمراد: ارزُقني، قال القرطبيّ:
يقال: بَغَيتُ الشيءَ من فلان، فأبغانيه؛ أي: أعطاني ما طلبته. انتهى (٢).
وقال المجد ◌َُّهُ: بَغَته أبغيه، بُغاءً، وبُغّى، وبُغيةً بضمّهنّ، وبِغْيةً
بالكسر: طلبته، قال: وأبغاه الشيءَ: طلبه له؛ كبغَاهُ إيّاه، كرَمَاهُ، أو أعانه
على طلبه. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من عبارة المجد تَّتُهُ المذكورة ــ حيث
قال: وأبغاه الشيءَ؛ كبغاه إياه - أن ((أبغني)) هنا يجوز بقطع الهمزة، ووَصْلها،
فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(حَبِيباً) منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ((أبغني))، (هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ
نَفْسِي))) هذا إشارة إلى أن سلمة آثر عمه على نفسه بما أعطاه النبيّ وَّ ر مع
احتياجه إليه، فصار كمن يدعو الله تعالى أن ييسّر له رجلاً حبيباً يكون أحبّ
إليه من نفسه، ففيه من مدح سلمة بالإيثار ما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا) من المراسلة؛ أي: أرسلوا إلينا، وأرسلنا
إليهم في شأن الصلح، قال النوويّ كَلَّهُ: هكذا هو في أكثر النسخ: ((راسلونا))
من المراسلة، وفي بعضها: ((رَاسُّونا)) بضم السين المهملة المشدّدة، وحَكَى
القاضي عياض فَتْحها أيضاً، وهما بمعنى راسلونا، مأخوذ من قولهم: رَسَّ
الحديث يَرُسُهُ: إذا ابتدأه، وقيل: من رَسَّ بينهم؛ أي: أصلح، وقيل: معناه:
فاتحونا، من قولهم: بلغني رَسُّ من الخبر؛ أي: أوله، ووقع في بعض النسخ:
((وَاسَوْنا)» بالواو؛ أي: اتفقنا نحن وَهُم على الصلح، والواو فيه بدل من
الهمزة، وهو من الأسوة. انتهى (٤).
(١) ((مسند الإمام أحمد)) ٤٩/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص ١٢٠.
(٢) ((المفهم)) ٣/ ٦٧٠.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/١٢.

٤٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال القرطبيّ تَّهُ: قوله: ((راسلونا الصلح)) هذه رواية العذريّ، وهي
من الرسالة، ورواه جماعة: ((راسُونا)) بسين مهملة مشدّدة مضمومة، وهو من
رَسَّ الحديث يَرُسّهُ: إذا ابتدأه، ورسستُ بين القوم: أصلحت بينهم، ورسا لك
الحديثَ رَسْواً: إذا ذَكَر لك منه طرفاً، ورُوي: ((راسَونا)) بفتح السين لابن
ماهان، قال عياضٌ: ولا وجه لها. انتهى(١).
(الصُّلْحَ)؛ أي: طلب الصلح، وفي بعض النسخ: ((بالصلح))، (حَتَّى مَشَى
بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ) ((في)) هنا بمعنى ((إلى))؛ أي: مشى بعضنا إلى بعض، ومنه
قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]؛ أي: إلى أفواههم، أو
هي بمعنى ((مع))، فيكون المعنى: مشى بعضنا مع بعض (٢). (وَاصْطَلَحْنَا)؛ أي:
اتّفقنا على أن لا الحرب بيننا وبينهم عشر سنين. (قَالَ) سلمة (وَكُنْتُ تَبِيعاً)؛
أي: خادماً (لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم
التيميّ المدنيّ، أحد العشرة المبشرين بالجنّة، استُشهد ◌ُه يوم الجمل سنة
(٣٦) تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٠٩/٢. (أَسْقِي فَرَسَهُ) بفتح الهمزة،
وضمّها، من سقى ثلاثيّاً، وأسقى رباعيّاً، (وَأَحُسُّهُ)؛ أي: أحُكّ ظهره
بالْمِحَسّة؛ لأزيل عنه الغبار ونحوه، قال الجوهريّ دَّثُ: و ((المِحَسّة)) بكسر
الميم: الْفِرْجَونُ(٣)، وقال المجد تَُّ في مادّة ((فَرْجَنَ)): الْفِرْجَونُ، كَبِرْذَوْنٍ:
الْمِحَسَّةُ، وفَرْجَنَ الدابّة: حسّها به. انتهى (٤).
(وَأَخْدُمُهُ) بضمّ الدال، وكسرها، من بابي نصر، وضرب. (وَآكُلُ مِنْ
طَعَامِهِ) ثم بيّن سبب خدمته لطلحة، وأكله من طعامه بقوله: (وَتَرَكْتُ أَهْلِي،
وَمَالِي، مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ◌َِ﴿)؛ يعني: أن سبب عدم كفايته نفسه بماله أنه
ترك ماله في بلده، وهاجر بلا مال، فاحتاج إلى أن يكون تابعاً لطلحة
(قَالَ) سلمة (فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ)؛ أي: على ترك الحرب مدّة
الصلح، (وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)؛ أي: اختلط المسلمون بالمشركين آمنين
بسبب ما جرى من الصلح، (أَتَّيْتُ شَجَرَةً، فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا)؛ أي: كنسته،
(١) ((المفهم)) ٦٧٠/٣ - ٦٧١.
(٣) ((الصحاح)) ص٢٣٣.
(٢) راجع: هامش (التركيّة)) ١٩٠/٥.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص ٩٨٢.

٤٩٣
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
وأزلته (فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا، قَالَ) سلمة (فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قال
صاحب ((التنبيه)): لا أعرفهم(١). (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي
رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ أي: يغتابونه، ويعيبون دينه، (فَأَبْغَضْتُهُمْ) لِمَا هم فيه من
الشرك، والوقيعة برسول الله وَله، (فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى)؛ أي: عملاً
بقول الله ﴿وَقَّدٌ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا
فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِةٍ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمُّ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ
وَاَلْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤)﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ
[الأنعام: ٦٨].
بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ (®
(وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ)؛ أي: على الشجرة، و((السلاح)) بالكسر: ما يُقاتَل به
في الحرب، ويدافع، والتذكير أغلب من التأنيث، فيُجمع على التذكير:
أسلحة، وعلى التأنيث: سلاحات، والسِّلْحُ، وزانُ حِمْل: لغة في السلاح (٢).
(وَاضْطَجَعُوا)؛ أي: ناموا تحت الشجر، (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ)؛ أي: في حال
نومهم، وقد علّقوا سلاحهم، (إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ
قُتِلَ ابْنُ زُنَيْم) - بزاي معجمة، ثم نون، وآخره ميم، مصغراً - الليثيّ، أو
الدِّيليّ، صحاًبيّ(٣).
أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: ((ذُكر لنا أن رجلاً من
أصحاب رسول الله وَ لقر يقال له: زُنيم اطَّلَع الثنية زمان الحديبية، فرماه
المشركون، فقتلوه، فبعث رسول الله وَ ﴿ خيلاً، فأَتَوا باثني عشر فارساً، فقال
لهم رسول الله وَّ: هل لكم عهدٌ، أو ذمة؟ قالوا: لا، فأرسَلَهم، فأنزل الله
في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤](٤).
قال الجامع عفا الله عنه: كذا ذكر بعض الشرّاح(٥) هنا هذه القصّة، لكنها
تخالف الذي في مسلم، فإنه ابن زنيم، والذي عند ابن حميد، وابن جرير أنه
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣١٨.
(٣) ((فتح المغيث)) ٢٢٣/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٤/١.
(٤) راجع: ((الدر المنثور)) ٥٢٧/٧.
(٥) هو صاحب ((تكملة فتح الملهم))، وتبعه الهرريّ.

٤٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
زُنيم، لا ابن زُنيم، ويَحْتَمِل أن يكون ممن اختلف فيه، هل هو ابن زُنيم، أو
زُنيم؟ ولكن الذي في ((الصحيح)) أصحّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: لم أجد ترجمة ابن زُنيم هذا، لا في ((الإصابة))، ولا في غيرها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي) أي: سللته من غِمده ظنّاً بأن المشركين نقضوا
الصلح، (ثُمَّ شَدَدْتُ)؛ أي: حَمَلتُ (عَلَى أُولَئِكَ الأَرْبَعَةِ) المضطجعين (وَهُمْ
رُقُودٌ) بالضمّ: جمع راقد؛ أي: نائمون، قال الفيّومِيّ ◌َُّ: رَقَدَ رَقْداً،
ورُقُوداً، ورُقَاداً: نام ليلاً كان أو نهاراً، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، والأول
هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾
[الكهف: ١٨]، قال المفسّرون: إذا رأيتهم حَسِبتهم أيقاظاً؛ لأن أعينهم مُفتّحةٌ،
وهم نيامٌ، ورَقَدَ عن الأمر: فَعَدَ، وتأخّر. انتهى (١).
(فَأَخَذْتُ) وفي نسخة: ((وأخذت)) بالواو، (سِلَاحَهُمْ) الذي علّقوه على
الشجرة، (فَجَعَلْتُهُ ضِغْئاً فِى يَدِي) ((الضِّغْثُ)) - بكسر الضاد، وسكون الغين
المعجمتين -: الْحُزْمة الْمُجتمعة من قُضبان، أو حشيش، ونحوه مما يُجمع في
اليد، قاله ابن الأثير(٢).
وقال الفيّوميّ كَُّ: ضَغَتْتُ الشيءَ ضَغْئاً، من باب نفع: جمعتُهُ، ومنه:
الضّغْتُ، وهو قَبْضَةُ حَشِيش، مختلطِ رطبُها بيابسها، ويقال: مِلْءُ الكفّ من
قْضْبانٍ، أو حَشِيشٍ، أو شَمَاريخَ، وفي التنزيل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا
تَحْتَثُ﴾ [ص: ٤٤] قيل: كان حُزْمَةً من أَسَلٍ، فيها مائة عُود، وهو قْضبانٌ،
دِقَاقٌ، لا وَرَقَ لها، يُعْمَل منه الْحُصُرُ، يقال: إنه حَلَف إن عافاه الله لَيَجلدنّها
مائة جلدةٍ، فَرَخَّص الله له في ذلك تَحِلةً ليمينه، ورفقاً بها؛ لأنها لم تقصد
معصيةً.
والأصل في ((الضِّغْثِ)) أن يكون له قُضبانٌ يَجمعها أصلٌ، ثم كَثُر حتى
استُعْمِل فيما يُجْمَعُ. انتهى(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٣٤/١ - ٢٣٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٦٢/٢.
(٢) ((جامع الأصول)) ٣١٩/٨.

٤٩٥
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
والمراد هنا: أنه أخذ سلاحهم بيده، وجمع بعضه إلى بعض حتى جعله
کالْحُزمة.
(قَالَ) سلمة (ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ) بتشديد الراء، من التكريم، (وَجْهَ
مُحَمَّدٍ نَّهِ) وهو الله ◌َ، (لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ)، وقوله: (إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي
فِيهِ عَيْنَاهُ) كناية عن ضرب رأسه؛ أي: إلا قطعت رأسه. (قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ
أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَِّ، قَالَ: وَجَاءَ عَمِّ عَامِرٌ)؛ أي: ابن الأكوع، (بِرَجُلٍ
مِنَ الْعَبَلَاتِ) - بفتح العين المهملة، والباء الموحّدة - قال الجوهريّ في
(الصحاح)): (الْعَبَلات)) - بفتح العين، والباء - من قريش، وهم أمية الصغرى،
والنسبة إليهم عَبَلَيّ، تَرُدُّه إلى الواحد، قال: لأن اسم أمهم عَبَلةُ(١).
وقال القاضي عياض: هم: أمية الأصغر، وأخواه: نوفل، وعبد الله بن
عبد شمس بن عبد مناف، نُسِبوا إلى أم لهم من بني تميم، اسمها عَبَلَة بنت
عبيد بن البراجم. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير: وعَبَلَةُ بنت عُبيد بن نافل بن قيس بن حنظلة بن مالك بن
زيد مناة بن تميم بن مُرّ، هي أم أُميّة الأصغر بن عبد شمس، إليها يُنسب
ولدها، يقال لهم: الْعَبَلات. انتهى(٣).
(يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزٌ) بميم مكسورة، ثم كافٍ، ثمّ راء مكسورة، ثمّ زاي(٤).
(يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَلَى فَرَسٍ، مُحَفَّفٍ) - بفتح الجيم، وفتح الفاء الأولى
المشدّدة -؛ أي: عليه تِجْفَافٌ، بكسر التاء، وهو ثوب كالْجُلّ، يُلْبَسُهُ الفرسُ؛
لِيقِیه من السلاح، وجمعه تجافیف(٥).
(فِي سَبْعِينَ)؛ أي: مع سبعين (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اختَلَفت الروايات في عدد
هؤلاء الذين أُسروا، فوقع في بعضها أنهم كانوا سبعين، وفي بعضها ثمانين،
وقيل غير ذلك، والذي في ((الصحيح)) هو الصحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: ((دَعُوهُمْ، يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ،
(١): ((شرح النوويّ)) ١٧٦/١٢ - ١٧٧.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣١٧/٢.
(٤) (شرح النوويّ)) ١٧٦/١٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٩٨/٦.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٧٧.

٤٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وَثِنَاهُ)؛ أي: أوله وآخره، قال القرطبيّ تَخُّ: الفجور هنا: نقض العهد، ورَوْمُ
غِرّة المسلمين، وقال النوويّ كَّتُهُ: أما الْبَدْء - فبفتح الباء، وإسكان الدال،
وبالهمز -؛ أي: ابتداؤه، وأما ثِنَاه، فوقع في أكثر النسخ: ((ثناه)) بثاء مثلَّثة
مكسورة، وفي بعضها: ((ثنياه)) - بضم الثاء، وبياء مثناة تحتُ، بعد النون -
ورواهما جميعاً القاضي عياض، وذكر الثاني عن رواية ابن ماهان، والأول عن
غيره، قال: وهو الصواب؛ أي: عودةٌ ثانيةٌ. انتهى.
وقال الفيّوميّ: ((الثِّنَى)) بالكسر، والقصر: الأمر يُعاد مرّتين(١)، وقال
المجد: ((ولا ثِنَى في الصدقة)): كـ((إلى))؛ أي: لا تؤخذ مرّتين في عام، أو لا
تؤخذ ناقتان مكان واحدة، أو لا رجوع فيها. انتهى (٢) .
(فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ليز)؛ أي: عن هؤلاء السبعين؛ ليتمّ أمر الصلح،
قال القاضي عياض: إنما فعل سلمة، وعمّه لمّا ذُكر من قتل المسلم بأسفل
الوادي، فرأوا أن الصلح قد انتقض، ولم يَنقضه وَّهِ: إما لأنه لم يتحقّق أن
المشركين قتلوه بعد الصلح، أو لم ير نقض الصلح بذلك؛ لِجَهل قاتله، قاله
الأبيّ(٣). (وَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ
بَعْدِ أَنْ أَنْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا [الفتح: ٢٤])، قال الإمام ابن جرير تَّهُ في
تفسير هذه الآية: يقول تعالى ذِكْرُهُ لرسوله ◌َله، والذين بايعوا بيعة الرضوان:
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾؛ يعني: أن الله كفّ أيدي المشركين الذين كانوا
خرجوا على عسكر رسول الله * ** بالحديبية، يلتمسون غِرّتهم؛ ليصيبوا منهم،
فبعث رسول الله وَله، فأُتي بهم أسرى، فَخَلَّى عنهم رسول الله وَّ، ومَنَّ
عليهم، ولم يَقْتلهم، فقال الله للمؤمنين: وهو الذي كفّ أيدي هؤلاء المشركين
عنكم، وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم. انتهى(٤).
وقال الحافظ ابن كثير تَخْتُ: قوله ◌َالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ
وَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٣)﴾ هذا
امتنان من الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كفّ أيدي المشركين عنهم، فلم
(١) ((المصباح المنير)) ٨٦/١.
(٣) ((شرح الأبيّ)) ١٤٨/٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٨٢.
(٤) ((تفسير الطبريّ)) ٢٦/ ٩٣.

٤٩٧
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
يَصِل إليهم منهم سُوءٌ، وكَفّ أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند
المسجد الحرام، بل صان كُلّاً من الفريقين، وأوجد بينهم صلحاً فيه خير
للمؤمنين، وعاقبةٌ لهم في الدنيا والآخرة، وقد تقدم في حديث سلمة بن
الأكوع ◌َظُبه حين جاؤوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوثقوهم بين يدي
رسول الله وَّل، فنظر إليهم، فقال: ((أَرْسِلُوهم، يكن لهم بدء الفجور وثِناهُ))،
قال: وفي ذلك أنزل الله رَبَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية.
وأخرج الإمام أحمد: عن أنس بن مالك ظُه قال: لمّا كان يومُ الحديبية
هَبَط على رسول الله وٍَّ وأصحابه ثمانون رجلاً، من أهل مكة بالسلاح، من
قِبَل جبل التنعيم، يريدون غِرّة رسول الله وَّر، فدعا عليهم، فأخذوا، قال
عفان: فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم
بِبْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾.
وأخرج أحمد أيضاً عن عبد الله بن مُغَفَّل المزني ظُه قال: كنا مع
رسول الله ◌َ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من
أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله ويلهو، وعلي بن أبي طالب ر ◌ُه،
وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله وَلاه لعليّ رضي الله: ((اكتب بسم الله
الرحمن الرحيم))، فأخذ سهيل بيده، وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب
في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب باسمك اللهم، وكتب: ((هذا ما صالح عليه
محمد رسول الله أهل مكة))، فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال: لقد ظلمناك
إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: اكتب: «هذا ما صالح عليه
محمد بن عبد الله))، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابّاً عليهم
السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله و38َ، فأخذ الله تعالى
بأسماعهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال رسول الله وَّ ل: ((هل جئتم في عهد
أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أماناً؟)) فقالوا: لا، فخَلَّى سبيلهم، فأنزل الله
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ
عَلَيْهِمْ﴾ الآية)(١).
(١) ((تفسير ابن كثير)) ١٩٣/٤.

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: وقد اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ الآية على أقوال، هذا - يعني: في مسلم - أحدها، وهو
أصحّها. انتهى(١).
(قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَزَلْنَا مَنْزِلاً بَيْتَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ)
بكسر اللام، وفتحها لغتان: قبيلة يُنسبون إلى لحيان بن هُذيل بن مُدركة بن
إلياس بن مضر (٢). (جَبَلٌ)؛ يعني: أنهم نزلوا منزلاً قريباً من بني لحيان، بحيث
لا يحول بينهم إلا جبل واحد، (وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) قال النوويّ كَّتُهُ: هذه اللفظة
ضبطوها بوجهين، ذكرهما القاضي عياضٌ وغيره: أحدهما: ((وهُمُ المشركون))
بضم الهاء على الابتداء والخبر، والثاني: بفتح الهاء، وتشديد الميم؛ أي:
هَمُّوا النبيَّ ◌ََّ، وأصحابَه، وخافوا غائلتهم؛ لِقُربهم منهم، يقال: هَمَّني
الأمر، وأهمّني بمعنَّى، وقيل: هَمَّني: أَذَابَنِي، وأهمّني: أَغَمّني. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((وَهُم المشركون)) بضم الهاء، وتخفيف
الميم، وهي ضمير الجمع، وقد ضبطه بعض الشيوخ: ((وهَمَّ)) - بفتح الهاء،
وتشديد الميم؛ على أنه فعل ماض، و((المشركون)) فاعل به، قال عياض:
معناه: هَمَّ النبيَّ وَّهِ والمسلمين أمرُهُم؛ لئلا يَغْدِروا بهم، ويُبَيِّتوهم؛ لقربهم
منهم، يقال: هَمَّني الأمر، وأهمّني، ويقال: همَّني: أذابني، وأهمَّني: غَمَّني.
قال القرطبيّ: والأقرب أن يكون معناه: هَمَّ المشركون بالغدر، واستَشْعَر
المسلمون منهم بذلك. انتهى (٤) .
(فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ وِ ◌ّهِ لِمَنْ رَقِيَ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ، وقوله:
(هَذَا الْجَبَلَ) منصوب على المفعوليّة؛ لأن ((رقِيَ)) يتعدّى بنفسه، يقال: راقيتُ
السطح، والجبل: إذا عَلَوْتُه، ويتعدّى أيضاً بـ((في))، فيقال: رَقِيتُ في
السلّم(٥)، وقوله: (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ((رقِيَ)). (كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ
(١) ((المفهم)) ٣/ ٦٧٢.
(٢) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١٢٩/٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٧/١٢ - ١٧٨.
(٥) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٣٦/١.
(٤) ((المفهم)) ٣/ ٦٧٢.

٤٩٩
(٤٣) - بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ وَغَيْرِهَا - حديث رقم (٤٦٦٩)
لِلنَّبِيِّ وَّهُ وَأَصْحَابِهِ) ((الطَّلِيعة)) بفتح الطاء، وكسر اللام: القوم يُبعَثون أمام
الجيش، يتعرّفون طِلْعَ الْعَدُوّ بالكسر؛ أي: خَبَرَه، والجمع: طلائع، قاله
الفيّومِيّ(١). (قَالَ سَلَمَةُ) ◌َبه (فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ)؛ أي: للاطلاع على خبر بني
لحيان، (مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِهِ بِظَهْرِهِ) بفتح
الظاء، وسكون الهاء: هي الإبل تُعدّ للركوب، وحَمْل الأثقال، (مَعَ رَبَاح)
بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة، وهو مولى رسول الله وَل﴿، كما أوْضَحه هناً،
وله ذِكر في ((الصحيحين))، في حديث عمر بن الخطّاب وظُه في قصّة
اعتزاله 8* نساءه، وحديث سلمة ظُه هذا عند مسلم، وقال البلاذريّ: كان
أسود، وكان يستأذن عليه وَّله، ثم صيّره مكان يسار بعد قتله، فكان يقوم
بلقاحه(٢)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غُلَام رَسُولِ اللهِ وَ﴿) بالجرّ على البدلّة من ((رباح))، أو عطف
البيان منه. (وَأَنَا مَعَهُ) جملة حاليّة من (رباح)، (وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسٍ طَلْحَةَ) بن
عبيد الله الذي سبق ذِكره، (أُنَدِيهِ مَعَ الظَّهْرِ)؛ أي: أُورده الماءَ، فيشرب قليلاً،
ثم أرعاه، وأُورده، وهي التَّنْدِيَة، وأصلها للإبل، وقد تكون التندية في الفرس
بمعنى: التضمير، وهي: أن يَجري الفرس حتى يَعْرَق، ويقال لذلك العرق:
النَّدَى، قاله الأصمعيّ(٣).
وقال النووي تَّتُهُ: قوله: (أُنَدِّيهِ) هكذا ضبطناه بهمزة مضمومة، ثم نون
مفتوحة، ثم دال مكسورة مشدّدة، ولم يذكر القاضي في ((الشرح)) عن أحد من
رواة مسلم غير هذا، ونقله في ((المشارق)) عن جماهير الرواة، قال: ورواه
بعضهم، عن أبي الحذاء في مسلم: ((أُبَدِّيهِ)) بالباء الموحّدة بدل النون، وكذا
قاله ابن قتيبة؛ أي: أُخرجه إلى البادية، وأُبرزه إلى موضع الكلأ، وكلُّ شيءٍ
أظهرته فقد أبديته، والصواب رواية الجمهور بالنون، وهي رواية جميع
المحدِّثين، وقول الأصمعيّ، وأبي عبيد، في ((غريبه))، والأزهريّ، وجماهير
(١) ((المصباح المنير)) ٣٧٥/٢.
(٢) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٧٧/٢.
(٣) ((المفهم)) ٦٧٣/٣.

٥٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
أهل اللغة، والغريب، ومعناه: أن يورد الماشيةَ الماءَ، فتُسقَى قليلاً، ثم تُرسل
في المرعى، ثم تَرِد الماء، فتَرِد قليلاً، ثم تَرِد إلى المرعى، قال الأزهريّ:
أنكر ابن قتيبة على أبي عبيد، والأصمعيّ، كونهما جعلاه بالنون، وزعم أن
الصواب بالباء، قال الأزهريّ: أخطأ ابن قتيبة، والصواب قول الأصمعيّ.
انتھی(١).
(فَلَمَّا أَصْبَحْنَا)؛ أي: دخلنا في الصباح، وقوله: (إِذَا) هي الفجائيّة؛
أي: فاجأنا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ) هو عبد الرحمن بن عيينة بن حصن
الفزاريّ، وللطبرانيّ عن سلمة قال: ((خرجت بقوسي ونبلي، وكنت أرمي
الصيد، فإذا عيينة بن حِصْن قد أغار على لقاح رسول الله (وَلهر، فاستاقها))، ولا
تنافي؛ فإن كلّاً من عيينة، وعبد الرحمن بن عيينة كان في القوم، والله تعالى
أعلم.
(قَدْ أَغَارَ) قال المجد: أغار على القوم غارةً، وإغارةً: دَفَعَ عليهم
الخيل؛ كاستغار. (عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ أي: لقاحه التي كانت ترعى،
(فَاسْتَاقَهُ)؛ أي: ساقه، فالسين والتاء زائدتان، وقوله: (أَجْمَعَ) من ألفاظ
التوكيد المعنويّ، يأتي غالباً بعد التوكيد بـ«كُلّه))، نحو: جاء الركبُ كلّه أجمع،
وقد يأتي بلا ((كُلّ))؛ كقوله: جاء الجيش أجمع، وكما في الحديث هنا، فإنه
توكيد للمفعول في قوله: ((فاستاقه))، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
(جَمْعَاءَ)) ((أجْمَعِينَ)) ثُمَّ ((جُمَعَا))
وَبَعْدَ ((كُلِّ)) أَكَّدُوا بِـ(أجْمَعَا))
((جَمْعَاءُ)) ((أجْمَعُونَ)) ثُمَّ ((جُمَعُ))
وَدُونَ ((كُلِّ)) قَدْ يَجِيءُ ((أَجْمَعُ))
(وَقَتَلَ رَاعِيَهُ) لا يُعرف اسمه، وقول بعض الشرّاح: إنه يسار النوبيّ، فيه
نظر، فإنه في قصّة العرنيين، لا في هذه الغزوة، فتنبّه.
وذكر ابن القيّم ◌َّشُ أن الراعي رجل من عُسفان، وأنهم احتملوا امرأته،
قال: قال عبد المؤمن بن خلف: وهو ابن أبي ذرّ، قال ابن القيّم: وهو غريب
جدّاً. انتهى(٢) .
(قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ، فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، وَأَخْبِرْ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٨/١٢.
(٢) ((زاد المعاد)) ٢٤٨/٣.