Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) معاذ))، قال: ((فشاوره، فقال له: تَوَجَّهْ إليه، واشْكُ إليه الحاجة، وسله أن يُسلفكم طعاماً)). (قَالَ) ابن مسلمة (ائْذَنْ لِي، فَلأَقُلْ) اللام فيه لام الأمر، ولذا مُزم بها الفعل؛ أي: أتكلّم بشيء مما يسُرّ كعباً، ولفظ البخاريّ: ((فَأُذَنْ لي أن أقول شيئاً)). وقال النوويّ ◌َخْلُهُ: قوله: ((ائذن لي، فلأقل)): معناه: ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحةً، من التعريض وغيره، ففيه دليل على جواز التعريض، وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح، ويَفْهَم منه المخاطَب غير ذلك، فهذا جائز في الحرب وغيرها، ما لم يَمنع به حقّاً شرعياً. انتهى(١). (قَالَ) وَهِ (قُلْ)))؛ أي: تكلّم بما تراه مصلحة مؤدّية إلى قتله، قال في ((الفتح)): كأنه استأذنه أن يفتعل شيئاً يحتال به، ومن ثَمَّ بوَّب عليه البخاريّ في ((الصحيح))، فقال: ((باب الكذب في الحرب))، وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصّة أنهم استأذنوا أن يَشْكُوا منه، ويعيبوا رأيه، ولفظه: ((فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حاربتنا العرب، وَرَمَتْنا عن قوس واحدة))، وعند ابن إسحاق بإسناد حسن، عن ابن عباس ﴿ها: ((أن النبيّ وَّ مَشَى معهم إلى بقيع الغرقد، ثم وَجَّههم، فقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم)). (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: كلّم ابن مسلمة كعباً بكلام يستحسنه، وقوله: (وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن ابن مسلمة ذكر الذي بينه وبين كعب من المودّة، والصداقة القديمة حتى يطمئنّ إليه، ولا يرتاب في كونه يريد قتله، (وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ)؛ يعني: النبيّ ◌َلـ (قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً)، ولفظ البخاريّ: «قد سألنا صدقةً))، وفي رواية الواقديّ: ((سألنا الصدقة، ونحن لا نَجِد ما نأكل))، وفي مرسل عكرمة: ((فقالوا: يا أبا سعيد إن نبيّنا أراد منا الصدقة، وليس لنا مالٌ نصدقه))، (وَقَدْ عَنَّانَا) - بالعين المهملة، وتشديد النون الأولى -، من العَناء، وهو التعب. وقال في ((العمدة)): قوله: (وقد عَنّانا)) - بفتح النون المشدّدة -؛ أي: أتعبنا، وهذا من التعريض الجائز، بل من المستحبّ؛ لأن معناه في الباطن: (١) ((شرح النوويّ)) ١٦١/١٢. ٠ ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير أَذَّبنا بآداب الشريعة التي فيها تَعَبُّ، لكنه تَعَبُّ في مرضاة الله تعالى، فهو محبوب لنا، والذي فَهِم المخاطَب منه هو العناء الذي ليس بمحبوب. انتھی(١). (فَلَمَّا سَمِعَهُ)؛ أي: سمع كعب هذا الكلام من ابن مسلمة (قَالَ: وَأَيْضاً)؛ أي: وزيادةً على ذلك، وقد فَسَّره بعد ذلك قوله: (وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ) - بفتح المثناة، والميم، وتشديد اللام، والنون - من الْمَلال؛ أي: تتضجّرون منه أكثر (٢) من هذا الضجر(٢). وقال في ((العمدة)): قوله: ((وأيضاً والله لتملّنه))؛ أي: والله بعد ذلك تزيد ملالتكم عنه، وتتضجّرون عنه أكثر، وأزيد من ذلك. [فإن قلت]: هذا غَدْرٌ، فكيف جاز؟. [قلت]: حاشا؛ لأنه نَقَضَ العهد بإيذائه رسول الله وَّر، وقال المازريّ: نَقَض عهد رسول الله بَّهَ، وهجاه، وأعان المشركين على حربه. [فإن قلت]: آمنه محمد بن مسلمة؟. [قلت]: لم يصرح له بأمان في كلامه، وإنما كلّمه في أمر البيع والشراء، والشکایة إلیه، والاستیناس به، حتى تمكّن من قتله. وقيل: في قتل محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف دلالةٌ أن الدعوة ساقطة ممن قَرُب من دار الإسلام. وكانت قضية محمد بن مسلمة في رمضان، وقيل: في ربيع الأول، والأول أشهر، في السنة الثالثة من الهجرة. انتهى(٣). وعند الواقديّ: ((أن كعباً قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خِذلانه، والتخلِّي عنه، قال: سَرَرْتني)). (قَالَ) ابن مسلمة (إِنَّا) معشر الأنصار (قَدِ اتَّبَعْنَاهُ)؛ أي: النبيّ وَّه (الآنَ)؛ أي: في الوقت الحاضر، والمراد أن اتّباعهم له ما طال عهده، (وَنَكْرَهُ) بفتح الراء، من باب تَعِبَ، (أَنْ نَدَعَهُ) - بفتح النون والدال -؛ أي: نتركه، (حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ (١) ((عمدة القاري)) ٩٥/٢٢، و((شرح النوويّ)) ١٦١/١٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦١/١٢ - ١٦٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٩٥/٢٢. ٤٠٣ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ)؛ أي: هل يتمّ أم لا؟، وقد أتمّ الله دينه، وأعلى كلمته، وكَبَت أعداءه، ولله الحمد والمنّة. (قَالَ) ابن مسلمة (وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفاً) زاد في رواية البخاريّ: ((وحدّثنا عمرو غير مرّة، فلم يذكر: وَسْقاً، أو وسقين))، قال الكرماني: قائل ذلك سفيان، ووقع في رواية عُروة: ((وأُحِبّ أن تسلفنا طعاماً، قال: أين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا الرجل، وعلى أصحابه، قال: ألم يَأْنِ لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل؟)). [تنبيه]: وقع في هذه الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعباً بذلك هو محمد بن مسلمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائلة، وأومأ الدمياطيّ إلى ترجيحه، ويَحْتَمِل أن يكون كلٌّ منهما كَلّمه في ذلك؛ لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته، وفي مرسل عكرمة في الكل بصيغة الجمع: ((قالوا))، وفي مرسل عكرمة: ((وائذن لنا أن نُصيب منك، فيطمئنّ إلينا، قال: قولوا ما شئتم))، وعنده: ((أَمّا مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر))، وذكر ابن عائذ: ((أن سعد بن معاذ بعث محمداً ابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ)). انتهى(١). (قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟)؛ أي: فأيَّ شيء تُعطوني رَهْناً على التمر الذي تريدونه؟ والرهن لغةً: الثبوت والاستقرار، وشرعاً: جَعْلُ عينٍ ماليّةٍ وثيقةً بِدَيْن لازم، أو آيل إلى اللزوم(٢). (قَالَ) ابن مسلمة (مَا تُرِيدُ) ((ما)) موصولة مفعول الفعل مقدّر، دلّ عليه السابق؛ أي: نرهنك الشيءَ الذي تريده، ويُحْتَمِل أن تكون استفهاميّةً؛ أي: أي شيء تريد أن نرهنك إياه؟. (قَالَ) كعب (تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أترهنوني نساءكم؟ ويَحْتَمِل أن يكون خبراً بمعنى الأمر؛ أي: ارهنوني نساءكم. (قَالَ) ابن مسلمة (أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ)؛ أي: صورةً، والنساء يَمِلْن إلى الصُّوَر الحِسَان. وقال في ((الفتح)): لعلهم قالوا له ذلك تَهَكُّماً، وإن كان هو في نفسه كان جميلاً. انتهى. (١) ((الفتح)) ٩/ ٩٧ - ٩٨. (٢) ((التوقيف على مهمّات التعريف)) للمناويّ (ص٣٧٦). ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة لحمله على التهكّم، كما يظهر من مجموع الروايات، فليُتنبّه. (أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟) استفهام إنكاريّ، وفي رواية ابن سعد من مرسل عكرمة: ((ولا نأمَنُك، وأيُّ امرأة تمتنع منك لجمالك؟))، وفي مرسل آخر: ((وأنت رجل حُسَّان، تُعْجِب النساء))، و((حُسّان)) بضم الحاء، وتشديد السين. (قَالَ) كعب (لَهُ)؛ أي: لمحمد بن مسلمة، (تَرْهَنُونِي (١) أَوْلَادَكُمْ؟ قَالَ) ابن مسلمة (يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُشتم. وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((يُسَبّ ابن أحدنا ... إلخ)): هكذا هو في الروايات المعروفة في مسلم وغيره: ((يُسَبّ)) - بضم الياء، وفتح السين المهملة - من السّبّ، وحَكَى القاضي عياض عن رواية بعض رواة كتاب مسلم (٢): (يَشِبّ)) - بفتح الياء، وكسر الشين المعجمة - من الشباب، والصواب الأول. (٣) انتھی (٣). (فَيُقَالُ: رُهِنَ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: جُعل رهناً، (فِي وَسْقَيْنِ) - بفتح الواو، وكسرها: سنّون صاعاً، أو حِمْلُ بعير، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ : الْوَسْقُ: حِمْلُ بعير، يقال: عنده وَسْقٌ من تمرٍ، والجمع: وُسُوقٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوسٍ، وأوسقتُ البعير بالألف، ووَسَقته أَسِقُهُ، من باب وَعَدَ لغة أيضاً: إذَا حَمَّلته الوَسْقَ، قال الأزهريّ: الوَسْقُ ستّون صاعاً بصاع النبيّ وََّ، والصاع خمسة أرطال وثُلُثُ، والوَسْقُ على هذا الحساب مائة وستّون مَنَاً، والْوَسْقُ ثلاثة أقفِزةٍ، وحَكَى بعضهم الكسر لغةً، وجمعه أوساقٌ، مثلُ حِمْلِ وأَحْمال. (٤) انتھی(٤) . (١) وفي نسخة: ((أترهنوني)). (٢) وعبارة ((إكمال المعلم)) ١٧٧/٦): وقوله: ((يُسَبّ ... إلخ)) كذا لكافّتهم بالسين المهملة، من السبّ، وعند الطبريّ: ((يَشِبُّ)) بالشين المعجمة، من الشباب، والوجه الأول. انتهى. (٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٧، و((شرح النوويّ)) ١٦٢/١٢. (٤) ((المصباح المنير)) ٦٦٠/٢. ٤٠٥ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) وقوله: (مِنْ تَمْرٍ) بيان لـ(وسق))، (وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأَمَةَ) - بتشديد اللام، وسكون الهمزة - وقوله: (ويَعْنِي: السِّلَاحَ) بيّن في رواية البخاريّ أن العناية من ابن عيينة، ولفظه: ((قال سفيان: يعني: السلاح))، قال في ((الفتح)): كذا قال، وقال غيره، من أهل اللغة: اللأمة: الدِّرْعُ، فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكلّ على البعض. انتهى(١). وقال الفيّوميّ: اللأمة: بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها: الدِّرْعُ، والجمع: لَأُمّ، مثلُ تَمْرة وتَمْر، ولُؤَمٌ، مثلُ غُرَفٍ، لكنّه غير قياسٍ، واستألم: لَبِس لأ مته. انتهى(٢). وفي مرسل عكرمة: ((ولكنا نَرْهَنُك سلاحنا، مع علمك بحاجتنا إليه، قال: نعم))، وفي رواية الواقديّ: ((وإنما قالوا ذلك؛ لئلا يُنكر مجيئهم إليه بالسلاح)). (قَالَ) كعبٌ (فَنَعَمْ) ارهنوني لَأُمتكم، (وَوَاعَدَهُ)؛ أي: واعد ابن مسلمة كعباً (أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ) بن أوس بن معاذ (وَأَبِي عَبْسٍ) - بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة ــ (ابْنِ جَبْرٍ) - بفتح الجيم، وسكون الموحّدة - (وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ) - بكسر الموحّدة، وسكون السين المعجمة -. وقال النوويّ تَخُّْ: أما الحارث: فهو الحارث بن أوس ابن أخي سعد بن عُبادة، وأما أبو عَبْس: فاسمه عبد الرحمن، وقيل: عبد الله، والصحيح الأول، وهو ابن جَبْر - بفتح الجيم، وإسكان الباء - كما ذكره في الكتاب، ﴿، شهد بدراً، وسائر ويقال: ابن جابر، وهو أنصاريٌّ، من كبار الصحابة المشاهد، وكان اسمه في الجاهلية عبد العزى، وهو وقع في معظم النسخ: ((وأبو عَبْس)) بالواو، وفي بعضها: ((وأبي عَيْس)) بالياء، وهذا ظاهر، والأول صحيح أيضاً، ويكون معطوفاً على الضمير في: ((يأتيه)). انتهى(٣). وفي رواية البخاريّ: ((فجاء ليلاً، ومعه أبو نائلة)) - بنون، وبعد الألف تحتانية، وقيل: بالهمزة بعد الألف، واسمه: سلكان بن سلامة ــ ((وكان أخاه (١) ((الفتح)) ٩ / ٩٧ - ٩٨. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٦٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٦٠/٢. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير من الرضاعة))؛ يعني: كان أبو نائلة أخًا كعب، وذكروا أنه كان نديمه في الجاهلية، فكان يركن إليه، وقد ذكر الواقديّ أن محمد بن مسلمة أيضاً كان أخاه، زاد الحميدي في روايته: ((وكانوا أربعةً سَمَّى عمرو منهم اثنين)). ووقع في رواية الحميديّ: ((قال: فأتاه، ومعه أبو نائلة، وعباد بن بشر، وأبو عَبْس بن جَبْر، والحارث بن معاذ إن شاء الله))، قال الحافظ: كذا أدرجه، ورواية عليّ ابن المدينيّ مفصّلة، ونسب الحارث بن معاذ إلى جدّه، ووقعت تسميتهم كذلك في رواية ابن سعد، فعلى هذا فكانوا خمسة، ويؤيده قول عباد بن بشر، من قصيدة في هذه القصّة [من الوافر]: فَشَدَّ بِسَيْفِهِ صَلْتاً عَلَيْهِ فَقَطَّعَهُ أبو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ بِأَنْعَمِ نِعْمَةٍ وَأَعَزِّ نَصْرٍ وَكَانَ اللهُ سَادِسَنَا فَأُبْنَا وهو أَولى مما وقع في رواية محمد بن محمود: ((كان مع محمد بن مسلمة أبو عَبْس بن جَبْر، وأبو عَتِيك))، ولم يذكر غيرهما، وكذا في مرسل عكرمة: ((ومعه رجلان، من الأنصار)). ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرّةً ثلاثةً، وفي الأخرى خمسةً. انتهى(١). (قَالَ: فَجَاءُوا، فَدَعَوْهُ لَيْلاً)، ووقع عند الخراساني في مرسل عكرمة: («فلما كان في القائلة أتوه، ومعهم السلاح، فقالوا: يا أبا سعيد، فقال: سامعاً دعوتَ))، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: قوله في ((القائلة)) مخالف لِمَا في ((الصحيح)) من أنهم أتوه ليلاً، وما في ((الصحيح)) أصحّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَنَزَلَ) كعب (إِلَيْهِمْ) إلى هؤلاء النفر الذي دعوه ليلاً، (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو) بن دينار: (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ)، وفي بعض النسخ: ((قالت امرأته))، قال الحافظ تَّتُهُ: لم أقف على اسمها. (إِنِّي لأَسْمَعُ صَوْتاً كَأَنَّهُ صَوْتُ دَم)؛ أي: صوت طالب دم، أو صوت سافك دم، هكذا فسّروه، ٤ .(٢) قاله النوويّ(٢). (١) ((الفتح)) ٩٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٢/١٢. ٤٠٧ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَّهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) وفي رواية البخاريّ: ((قالت: أسمع صوتاً يقطر منه الدم))، وفي رواية الكلبيّ: ((فتعلَّقت به امرأته، وقالت: مكانك، فوالله إني لأرى حُمرة الدم مع الصوت))، وبيّن الحميديّ في روايته، عن سفيان أن الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصّة هو العبسيّ، وأنه حدّثه بذلك عن عكرمة مرسلاً، وعند ابن إسحاق: ((فَهَتَفَ به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعُرْس، فوثب في مِلْحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت له: أنت امرؤ مُحَارَبٌ، لا تنزل في هذه الساعة، فقال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائماً ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف من صوته الشّ))، وفي مرسل عكرمة: ((أخذت بثوبه، فقالت: أُذَكِّرك اللهَ أن لا تنزل إليهم، فوالله إني لأسمع صوتاً يقطر منه الدم)). (قَالَ) كعب (إِنَّمَا هَذَا) الذي دعاني، (مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً)؛ أي: وهو ابن أخته، وصديقه لا يخاف منه شيئاً، (وَرَضِيعُهُ)؛ أي: رضيع محمد بن مسلمة، وقوله: (أَبُو نَائِلَةَ) بدل من ((رضِيعُهُ))، واسمه سِلْكان - بكسر السين المهملة، وسكون اللام - ابن سلامة بن وقش الأنصاريّ الأشهليّ، ويقال: سِلْكان لقبٌ، واسمه سَعْد، شَهِد أُحُداً، وكان من الرُّماة المذكورين من أصحاب النبيّ وَّل، وكان شاعراً(١). [تنبيه]: قوله: ((أبو نائلة)) بلا واو، هكذا وقع في النسخة الهنديّة، وكذا في النسخة التي عليها شرح الأبيّ، وهو الصواب، وهو بدل من ((رضيعه))، كما أسلفته آنفاً، فهو رضيع محمد بن مسلمة، ووقع في معظم النسخ: ((وأبو نائلة)) بالواو، قال النوويّ تَخُّْهُ: هكذا هو في جميع النسخ، قال القاضي عياض ◌َخْتُهُ: قال لنا شيخنا القاضي الشهيد: صوابه أن يقال: ((إنما هو محمد، ورضيعه أبو نائلة))، وكذا ذكر أهلُ السِّيَر، أن أبا نائلة كان رضيعاً لمحمد بن مسلمة، ووقع في ((صحيح البخاريّ)): ((ورَضِيعي أبو نائلة))، قال: وهذا عندي له وجه إن صَحّ أنه كان رضيعاً لكعب، فله وجهٌ، والمعروف ما (٢) ذكرنا. انتھی(٢). (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٢٩/٢٥. (٢) ((إكمال المعلم)) ١٧٧/٦ - ١٧٨، و(شرح النوويّ)) ١٦٢/١٢. ٤٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال الجامع عفا الله عنه: قول عياض تَخَّتُهُ: ((إن صحّ)) فيه نظر لا يخفى، فإن صحّته مما لا ارتياب فيه، فقد ذكره البخاريّ في ((صحیحه)) به مرّتین، فقال: ((فجاءه ليلاً، ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة))، وقال أيضاً: ((إنما هو محمد بن مسلمة، وأخي أبو نائلة))، وفي لفظ: ((ورضيعي أبو نائلة)» . والحاصل أن أبا نائلة كان أخاً من الرضاعة لكلّ من كعب، ومحمد بن مسلمة، والله تعالى أعلم. (انَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ) بالبناء للمفعول، (إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلاً لأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ)؛ أي: ابن مسلمة لأصحابه، (إِنِّي إِذَا جَاءَ) كعب (فَسَوْفَ أَمُدُ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ)؛ أي: لأِشمّ منه ريح الطيب، (فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ)؛ أي: تمكّنت من إمساك رأسه بعد شمّ الريح، (فَدُونَكُمْ) اسم فعل، بمعنى خذوه، وأراد به: أن يقتلوه. (قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحْ)؛ أي: والحال أنه متوشّح، يقال: توشّح بثوبه، وهو أن يُدخله تحت إبطه الأيمن، ويُلقيَه على منكبه الأيسر، كما يفعله المُخْرِم، قاله الأزهريّ، واتَّشَحَ كذلك، قاله الفيّوميّ (١). (فَقَالُوا)؛ أي: محمد بن مسلمة، وأصحابه، (نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ) في رواية ابن سعد: ((وكان حديثَ عهد بعُرس))، وفي مرسل عكرمة: ((فقال: يا أبا سعيد أَذْنِ مني رأسك أشمّه، وأمسح به عيني، ووجهي)). (قَالَ) كعب (نَعَمْ) تجدون مني ريح الطيب؛ لأنه (تَحْتِي فُلَانَةُ) لا يُعرف اسمها، (هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ)، وفي رواية البخاريّ: ((عندي أعطر نساء العرب، وأكمل العرب))، وعند الأصيليّ: ((وأجمل)) - بالجيم، بدل الكاف ـ وهي أشبه، وفي مرسل عكرمة: ((فقال: هذا عِظْرُ أمّ فلان))؛ يعني: امرأته، وفي رواية الواقديّ: ((وكان كعب يَدَّهِنُ بالمسك الْمُفَتَّت، والعنبر، حتى يتلبّد في صُدْغيه))، وفي رواية أخرى: ((وعندي أعطر سيّد العرب))، وكأن سيد تصحيف من نساء، فإن كانت محفوظةً، فالمعنى: أعطر نساء سيّد العرب، على الحذف(٢). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٦١. (٢) ((الفتح)) ٩٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧). ٤٠٩ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) (قَالَ) ابن مسلمة: (فَتَأْذَنُ لِي) بتقدير الاستفهام؛ أي: أفتأذن لي؟، (أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ؟) وفي رواية البخاريّ: ((أتأذن لي أن أشُمّ رأسك؟)). (قَالَ) كعب (نَعَمْ، فَشُمَّ) بضمّ أوله، أمْرٌ من الشمّ، (فَتَنَاوَلَ)؛ أي: أخذه رأسه (فَشَمَّ) بالبناء للفاعل؛ أي: شمّ رأسه، زاد في رواية البخاريّ: ((ثم أشمَّ أصحابه))، (ثُمَّ قَالَ ابن مسلمة: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟)؛ أي: أرجع إلى شمّه مرّة أخرى، زاد في رواية البخاريّ: ((قال: نعم))؛ أي: قال كعب: نعم عُدْ إليه مرّةً أخرى. (قَالَ) الراوي (فَاسْتَمْكَنَ)؛ أي: تمكّن ابنُ مسلمة (مِنْ رَأْسِهِ)؛ أي: من إمساك رأس كعب حتى يمكّن أصحابه من قتله، (ثُمَّ قَالَ) ابن مسلمة: (دُونَكُمْ)؛ أي: خذوه، وبادروا إلى قتله، و((دونكم)) اسم فعل، بمعنى: خُذوا، كما ذكره ابن مالك تَخْتُ في ((الخلاصة)): وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ ((عَلَيْكَا)) وَهَكَذَا ((دُونَكَ)) مَعْ ((إِلَيْكًا)) (قَالَ) الراوي: (فَقَتَلُوهُ) زاد في رواية البخاريّ: ((ثم أتوا النبيّ ◌َّـ فأخبروه)). وفي رواية عروة: ((وضربه محمد بن مسلمة، فقتله، وأصاب ذُباب السيف الحارثَ بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بِجُرُف بُعَاث تخلّف الحارث، ونَزَف، فلما افتقده أصحابه رجعوا، فاحتملوه، ثم أقبلوا سِرَاعاً، حتى دخلوا المدینة)). وفي رواية الواقديّ: ((أن النبيّ وَّ تَفَلَ على جرح الحارث بن أوس، فلم يؤذه))، وفي مرسل عكرمة: ((فَبَزَق فيها، ثم ألصقها، فالتحمت))، وفي رواية ابن الكلبيّ: ((فضربوه حتى بَرَد، وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود، فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله (َّر، ففاتوهم)). وفي رواية ابن سعد: ((أن محمد بن مسلمة لمّا أخذ بقرون شَعْره، قال لأصحابه: اقتلوا عدوّ الله، فضربوه بأسيافهم، فاختَلَفت عليه، فلم تُغن شيئاً، قال محمد: فذكرت مِعْولاً كان في سيفي، فوضعته في سُرّته، ثم تحاملت عليه، فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح، وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير، مرتین)). وقوله: ((فأخبروه))؛ أي: أخبروا النبيّ وَّ بخبر قتله، وفي رواية عروة: ٤١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ((فأخبروا النبيّ بَّهُ، فَحَمِد الله تعالى))، وفي رواية ابن سعد: ((فلما بَلَغُوا بقيع الغرقد كَبَّروا، وقد قام رسول الله وَّر تلك الليلة يصلي، فلما سَمِع تكبيرهم كَبَّر، وعَرَف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه، فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورَمَوا رأسه بين يديه، فحَمِد الله على قتله)»، وفي مرسل عكرمة: ((فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبيّ وَّر، فقالوا: قُتِل سيدنا غِيلةً، فَذَكَّرهم النبيّ وَّهِ صنيعه، وما كان يُحَرِّض عليه، ويؤذي المسلمين))، زاد ابن سعد: ((فخافوا، فلم ينطقوا))(١). وفي كتاب ((شرف المصطفى)) أن الذين قتلوا كعباً حملوا رأسه في الْمِخْلاة، فقيل: إنه أول رأس حُمل في الإسلام، وقيل: بل رأس أبي عزّة الْجُمَحيّ الذي قال له النبيّ ◌َله: ((لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين))، فقتله، واحتمل رأسه إلى المدينة في رُمْح، وأما أول مسلم حُمل رأسه في الإسلام، فعمرو بن الْحَمِق، وله صحبة. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ◌ًّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٥٥/٤٠] (١٨٠١)، و(البخاريّ) في ((الرهن)) (٢٥١٠) و((الجهاد)) (٣٠٣١ و٣٠٣٢) و((المغازي)) (٤٠٣٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٧٨/٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٢/٥)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٣٤٦/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٩٢/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧/ ٤٠ و٩/ ٨١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال السهيليّ تَظُّ: في قصة كعب بن الأشرف جواز قتل المعاهَد، إذا سبّ النبيِّ نَّهِ، خلافاً لأبي حنيفة. (١) ((الفتح)) ٩٩/٩ - ١٠٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧). (٢) ((عمدة القاري)) ٩٥/٢٢. ٤١١ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) وتعقّبه الحافظ، فقال: وفيه نظرٌ، وصنيع البخاريّ في ((الجهاد)) يُعطي أن كعباً كان محارِباً، حيث ترجم لهذا الحديث: ((الفتك بأهل الحرب))، وترجم له أيضاً: ((الكذب في الحرب)). انتهى(١). وقال النوويّ تَُّهُ: اختَلَف العلماء في سبب مخادعة محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف بالحيلة التي ذكرها، وجوابه، فقال الإمام المازريّ: إنما قتله كذلك؛ لأنه نقض عهد النبيّ وَّ، وهجاه، وسَبَّه، وكان عاهده أن لا يُعِين عليه أحداً، ثم جاء مع أهل الحرب مُعِيناً عليه، قال: وقد أَشْكَل قَتْلُه على هذا الوجه على بعضهم، ولم يَعرف الجواب الذي ذكرناه. وقال القاضي عياض: قيل هذا الجواب، وقيل: لأن محمد بن مسلمة لم يُصَرِّح له بأمان في شيء من كلامه، وإنما كلِّمه في أمر البيع والشراء، واشتكى إليه، وليس في كلامه عهد، ولا أمان، قال: ولا يحل لأحد أن يقول: إن قَتْله كان غدراً، وقد قال ذلك إنسان في مجلس عليّ بن أبي طالب حظّه، فَأَمَرَ به عليّ، فضرب عنقه(٢)، وإنما يكون الغدر بعد أمان موجود، وكان كعب قد نقض عهد النبيّ رَّ، ولم يُؤَمِّنه محمد بن مسلمة، ورُفقته، ولكنه استأنس بهم، فتمكنوا منه من غير عهد، ولا أمان، وأما ترجمة البخاريّ على هذا الحديث بـ((بابُ الفتك في الحرب))، فليس معناه الغدر، بل الفتك: هو القتل على غِرّة، وغَفْلة، والْغِيلة نحوه. انتهى(٣). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((مَنْ لكعب بن الأشرف)) كعب هذا: رجل من بني نبهان من طيّء، وأمه من بني النضير، وكان شاعراً، وكان قد عاهد النبيّ وَ ﴿ أن لا يُعِين عليه، ولا يتعرض لأذاه، ولا لأذى المسلمين، فنقض العهد، وانطلق إلى مكة إثر وقعة بدر، فجعل يبكِّي من قُتل من الكفار، ويحرِّض على رسول الله وَل﴾، وهو الذي أغرى قريشاً وغيرهم حتى اجتمعوا (١) ((الفتح)) ٩/ ١٠٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧). (٢) هذا يحتاج إلى صحّة ثبوته، ولم يذكر عياض سنده، حتى ننظر فيه، والله تعالى أعلم بصحّته. (٣) راجع: ((إكمال المعلم)) ١٧٦/٦ - ١٧٧، و((شرح النوويّ)) ١٦٠/١٢ - ١٦١. ٤١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير لغزوة أُحد، ثم إنه رجع إلى بلده، فجعل يهجو رسول الله رَحقول، ويؤذيه، والمسلمين، فحينئذ قال رسول الله وَله: ((من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله ( #)»، فأغرى بقتله، ونبّه على علة ذلك، وأنه مستحق للقتل، ولا يَظُنّ أحد أنه قُتِل غدراً، فمن قال ذلك قُتِل، كما فعله عليّ بن أبي طالب ظه، وذلك أن رجلاً قال ذلك في مجلسه، فأمر علي بضرب عنقه، وقال آخر: في مجلس معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة، وأنكر على معاوية سكوته، وحلف أن لا يُظله وإِيَّاه سَقْف أبداً، ولا يخلو بقائلها إلا قَتَله(١). قال القرطبيّ: ويظهر لي: أنه يُقتل، ولا يستتاب؛ لأن ذلك زندقة إن نَسَب الغدر للنبيّ وَّ، فأما لو نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أَمَّنوه، ثم غدروه، لكانت هذه النسبة كذباً محضاً؛ لأنه ليس في كلامهم معه ما يدلّ على أنهم أَمّنوه، ولا صرحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك لَمَا كان أماناً؛ لأن النبيّ ◌َّو إنما وجّههم لقتله، لا لتأمينه، ولا يُجار على الله تعالى، ولا على رسوله ، ولو كان ذلك لأدى إلى إسقاط الحدود، وذلك لا يجوز بالإجماع، وعلى هذا فيكون في قتل من نَسَب ذلك لهم نَظَر، وتردد، وسببه: هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبيّ وَّ؛ لأنه قد صوَّب فعلهم، ورَضِيَ به، فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر، ومَن صَرَّح بذلك قُتل، أو لا يلزم ذلك؟؛ لأنه لم يصرح به؛ وإنما هو لازم على قوله، ولعله لو تنبه لذلك الإلزام لم يصرح بنسبة الغدر إليهم، ويكون هذا من باب التكفير بالمآل، وقد اختُلِف فيه، والصحيح: أنه لا يُكَفَّر بالمآل، ولا بما يلزم على المذاهب، إلا إذا صرح بالقول اللازم، وإذا قلنا: إنه لا يُقتل، فإنه لا بد من تنكيل ذلك القائل، وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد، والإهانة العظيمة. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذَّهُ(٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): جواز اغتيال من بلغته الدعوة من الكفّار، وتبييته من غير دعاء إلى الإسلام. (١) يُحتاج إلى ثبوت سند القصّتين، فليُتنبّه. (٢) ((المفهم)) ٦٥٩/٣ - ٦٦٠. ٤١٣ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) ٣ - (ومنها): أن فيه جواز الكلام الذي يُحتاج إليه في الحرب، ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته. قال القرطبيّ تَخْذّلهُ: قول محمد بن مسلمة وظه: ((إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عَنّانا)): ليس فيه تصريح بأمان، بل هو كلام ظَهَر لكعب منه أن محمد بن مسلمة ليس مُحَقّقاً، ولا مخلصاً في اتباع النبيّ وَّر، ولا في الكون معه، ولذلك أجابه بقوله: وأيضاً والله لتمَلُّنَّه، وكلام محمد من باب المعاريض، وليس فيه من الكذب، ولا من باب الباطل شيء، بل هو كلام حقّ، فإن محمداً بَّوَ رجل، لكن أيُّ رجل؟ وقد أراد صدقةً من أمته، وأوجبها عليهم، وقد عنَّاهم بالتكاليف؛ أي: أتعبهم، لكن تعباً حصل لهم به خير الدنيا والآخرة، وإذا تأملت كلام محمد هذا؛ علمت أن محمد بن مسلمة من أقدر الناس على البلاغة، واستعمال المعاريض، وعلى إعمال الحيلة، وأنه من أكمل الناس عقلاً ورأياً. انتهى(١). ٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على قوّة فطنة امرأة كعب بن الأشرف، وصحة حديثها وبلاغتها في إطلاقها أن الصوت يقطر منه الدم، قاله في ((الفتح) (٢). وقال القرطبيّ تَظّثُهُ: قول امرأة كعب: ((إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم))؛ أي: صوت طالب دم، كانت هذه المرأة من شياطين الإنس، أو تكلم على لسانها شيطان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]، وإلا فمن أين أدركت هذا؟ بل هذا من نوع ما وقع للزَّباء في قصتها مع قَصِير حين جاءها بالصَّناديق فيها الرِّجال، فأوهمها أن فيها تجارةً، فلما رأتها أنشدت [من الرجز]: أجَنْدَلاً(٣) يَحْمِلنَ أم حَدِيدًا؟ مَا لِلجِمالِ مَشِيُهَا وَئِيدا؟ أمِ الرِّجَالَ جُثَّماً فُعُودا؟ أم صَرَفَاناً(٤) بَارِداً شَدِيدا؟ (١) ((المفهم)) ٦٦١/٣. (٢) ((الفتح)) ٩/ ١٠٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧). (٣) ((الجندل)): الحجارة والصخر. (٤) ((الصرَفان)): ضرب من أجود أنواع التمر، وهو أيضاً الرصاص، والموت. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وكذلك كان. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤١) - (بَابُ غَزْوَةٍ خَيْبَرَ) قال السيّد محمد مرتضى الزبيديّ كَّثُ: ((خَيْبَرُ)): كصَيْقَلِ حِصْنٌ معروفٌ، قُرب المدينة المشرّفة، على ثمانية بُرُد منها إلى الشام، سُمّي باسم رجل من العماليق، نزل بها، وهو: خيبر بن قانية بن عَبِيل بن مهلان بن إِرَم بن عَبيل، وهو أخو عاد، وقال قوم: الخيبر بلسان اليهود: الْحِصْن، ولذا سُمِّيت خبائر أيضاً، وخيبر: اسمٌ للولاية، وكانت به سبعة حصون، حولها مَزارع، ونخل، وهذه الحصون السبعة أسماؤها: شِقٌّ، ووَطِيحٌ، ونَطَاهُ، وقُوصٌ، وسُلالِمُ، وگَتِيبةُ، وناعِمٌ. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): ((خَيْبَرُ)) - بمعجمة، وتحتانية، وموحّدة - بوزن جَعْفَر، وهي مدينة كبيرة، ذات حُصون ومزارع، على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام، وذكر أبو عبيد البكريّ أنها سُمِّيت باسم رجل من العماليق، نزلها . قال ابن إسحاق: خرج النبيّ ◌َّ في بقية المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر. ورَوَى يونس بن بُكير في ((المغازي)) عن ابن إسحاق في حديث الْمِسْوَر ومروان قالا: انصرف رسول الله وسلم من الحديبية، فنزلت عليه ((سورة الفتح)) فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] - يعني: خيبر -، فقَدِم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرّم. وذكر موسى بن عقبة في ((المغازي)) عن ابن شهاب: أنه رَيقر أقام بالمدينة عشرين ليلةً، أو نحوها، ثم خرج إلى خيبر. (١) («المفهم)) ٦٦١/٣ - ٦٦٢. (٢) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٦٨/٣. ٤١٥ (٤١) - بَابُ غَزْوَةٍ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٦) وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس : «أقام بعد الرجوع من الحديبية عشر ليال))، وفي مغازي سليمان التيميّ: ((أقام خمسة عشر يوماً))، وحَكَى ابن التين عن ابن الحصار: أنها كانت في آخر سنة ستّ، وهذا منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم. قال الحافظ تَخْتُ: وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن مَن أَطلق سنة ستّ بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقيّ، وهو ربيع الأول. وأما ما ذكره الحاكم عن الواقديّ، وكذا ذكره ابن سعد: أنها كانت في جمادى الأولى، فالذي رأيته في ((مغازي الواقدي)): أنها كانت في صفر، وقيل: في ربيع الأول، وأغرَبُ من ذلك ما أخرجه ابن سعد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُه قال: ((خرجنا مع النبيّ وَّه إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان ... )) الحديث، وإسناده حسنٌ، إلا أنه خطأ، ولعلها كانت إلى حُنَين، فتصحَّفت، وتوجيهه بأن غزوة حُنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج النبيّ وَّر فيها في رمضان جزماً، والله أعلم. وذكر الشيخ أبو حامد في ((التعليقة)): أنها كانت سنة خمس، وهو وَهَمٌ، ولعله انتقال من الخندق إلى خيبر. وذكر ابن هشام أنه ◌َ﴿ استَعْمَل على المدينة نُميلة - بنون، مصغّراً - ابن عبد الله الليثيّ، وعند أحمد، والحاكم، من حديث أبي هريرة ◌َبه أنه سِبَاع بن عُرْفُطة، وهو أصح. انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٦] (١٣٦٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّة - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ غَزَا خَيْبَرَ، قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ، وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ وَّهِ فِي زُقَاقٍ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ (١) ((الفتح)) ٢٩٥/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤١٩٥). ٤١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير فَخِذَ نَبِّ اللهِ وَّهِ، وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ وَهِ، وَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذٍ نَبِيِّ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمِ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ))، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَّالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ - قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسَ -. قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قريباً. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٤ - (أَنَسُ) بن مالك هبه، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ؛ كالأسانيد الأربعة الماضية، وهو (٣٢٢)، وهو مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثمّ بغداديّ، وفيه أنس ◌َُّه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد تقدّم قريباً. شرح الحديث: ◌َّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ غَزَا خَيْبَرَ) تقدّم الخلاف في تاريخ (عَنْ أَنَس) غزوها قريباً. (قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا)؛ أي: خارجاً منها (صَلَاةَ الْغَدَاةِ) فيه جواز إطلاق ذلك على صلاة الصبح، خلافاً لمن كرهه. (بِغَلَسِ) - بفتحتين -: ظلام آخر الليل، (فَرَكِبَ) - بكسر الكاف -، من باب تَعِبَ، (نَبِيُّ اللهِ وََّ)؛ أي: ركب مركوبه، وعن أنس به قال: كان رسول الله وَله يوم قريظة والنضير على حُمُر، ويوم خيبر على حمار مخطوم بَرَسَن لِيفٍ، وتحته إَكَاف من ليف، رواه البيهقيّ، والترمذيّ، وقال: وهو ضعيف، وقال ابن كثير: والذي ثبت في ((صحيح البخاريّ))، عن أنس: ((أن رسول الله وَّلو أجري في زُقاق خيبر، حتى انحسر الإزار عن فخذه))، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس، لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحاً، فهو محمول على أنه ركبه في بعض ٤١٧ (٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٦) الأيام، وهو محاصِرها. انتهى(١). (وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النّجّار، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدراً وما بعدها، مات ظُله سنة (٣٤)، تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠. وقوله: (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) جملة في محلّ نصب على الحال، و((الرديف)): هو الذي تحمله خلفك على ظهر دابتك. (فَأَجْرَى نَبِيُّ اللهِ وَ ﴿)؛ أي: مركوبه، فمفعول ((أجرى)) محذوف، (فِي زُقَاقٍ خَيْبَرَ) - بضمّ الزاي، وتخفيف القاف؛ كغُراب -: السّكّةُ، ويؤنّث، جمعه زُقّانٌ، وأزِقّةٌ، قاله المجد (٢)، وقال الفيّوميّ: الزُّقَاقُ: دون السّكّة، نافذةً كانت، أو غير نافذة، قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنّثون الزُّقاق، والطريق، والسبيل، والسوق، والصراط، وتميم تُذكّر، والجمع: أَزِقَةٌ، مثلُ غُراب وأغرِبَةٍ. انتهى(٣). (وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ لَّهِ، وَانْحَسَرَ)؛ أي: انكشف (الإِزَارُ)؛ أي: إزاره وَل، وهو - بكسر الهمزة -: ما يَستُر أسافل البدن(٤)، وقال الفيّوميّ: الإزار معروف، والجمع في القلّة: آزرةٌ، وفي الكثرة: أُزُرٌ، بضمّتين، مثلُ حمار وأحمرة، وحُمُرٍ، ويذكّر، ويؤنث(٥). (عَنْ فَخِذٍ نَِيِّ اللهِ وَّ) فيه حجة لمن يقول: إن الفخذ ليست بعورة، وسيأتي تمام البحث قريباً. (وَإِنِّي لأَرَى بَيَاضَ فَخِذٍ نَبِيِّ اللهِ نَّهِ، فَلَمَّا دَخَلَ) النبيّ ◌َ (الْقَرْيَةَ)؛ أي: خيبر، وهذا مُشعر بأن ذلك الزقاق كان خراج القرية، (قَالَ) وَِّ («اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ) من باب تَعِبَ، يقال: خَرِبَ المنزلُ، فهو خَرَاب، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أخْرَبْتُهُ، وخَرَّبته، وهو ضد العُمْرَان، وأما خَرَبَ، يَخْرُبُ، كقَتَلَ، يَقْتُل، خِرَابَةً، بالكسر، إذا سَرَق، كما في ((المصباح))، فلا يناسب هنا. (خَيْبَرُ)؛ أي: صارت خراباً، وهل ذلك على سبيل الخبرية، فيكون ذلك من (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٤/٤. (٢) ((القاموس المحيط)» ص٥٦٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٥٤/١. (٤) ((التوقيف على مهمّات التعريف)) ص٥٢. (٥) ((المصباح المنير)) ١٣/١. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير باب الإخبار بالغيب، أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمّا رآهم خرجوا بمساحيهم، ومَكاتِلهم؟ وذلك من آلات الهدم، ويجوز أن يكون أخذه من اسمها، وقيل: إن الله تعالى أعلمه بذلك(١). (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْم) قال الجوهريّ: ساحة الدار: ناحيتها، والجمع: ساحاتٌ، وسُوحٌ، وسَّاحٌ أيضاً، مثلُ بَدَنة وبُدْن، وخَشَبة وخَشَب، فأصل ساحة: سَوَحَةٌ، قُلبت الواو ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة: الفضاء بين المنازل، ويُطْلَق على الناحية، والجهة والبناء(٢). (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)))؛ أي: بئس وقت القوم المنذَرين، و((صباحُ)) فاعل ((ساء))، والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: صباحهم، ويَحْتَمِل أن يكون (صباحُ)) مخصوصاً بالذّمّ، والفاعل ضمير يعود إليه، والتمييز مقدرٌ؛ أي: ساء هو؛ أي: صباحُهُم صباحاً، وقال البيضاوي في ((تفسيره))؛ أي: فبئس صباحُ المنذرين صباحهم، واللام للجنس، والصباح مستعار من صباح الجيش المُبَيِّتِ الوقت نزول العذاب، ولمّا كثر الهجوم، والغارة في الصباح سَمّوا الغارة: صباحاً، وإن كان في وقت آخر. انتهى. وإنما قال: اللام للجنس؛ لأن ما بعد (بئس))، و((نعم)) يُشترط أن يكون شائعاً، ليكون فيه التفسير بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، فلو كان ((ساء))، بمعنى: قَبُحَ جاز كونها للعهد، أفاده الشهاب الخفاجيّ في ((حاشيته))(٣) . وفيه إقامة الظاهر مقام المُضْمَر؛ إذ الظاهر أن يقول: صباحهم؛ إيذاناً بكونهم مُنذَرِين، من قبلُ؛ أي: بَلَغَتْهم دعوته، فعاندوا، فاستحقوا الإغارة عليهم، أفاده سليمان الجمل في ((حاشيته على الجلالين))(٤). (قَالَهَا)؛ أي: قال هذه الْجُمَل (ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ)؛ أي: اليهود (إِلَى أَعْمَالِهِمْ)؛ أي: مواضع أعمالهم، أو خرجوا لأعمالهم التي كانوا (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٥/٤. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٥/٤. (٣) راجع: ((حاشية الشهاب الخفاجيّ على البيضاويّ)) ٢٩٢/٧. (٤) راجع: ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٥٥٩/٣. ٤١٩ (٤١) - بَابُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ - حديث رقم (٤٦٥٦) يعملونها، فـ((إلى)) بمعنى: اللام. (فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ) مرفوعٌ على أنه فاعل لفعل محذوف؛ أي: جاء محمد، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا محمد (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب الراوي عن أنس ◌َتْه: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أشار به إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة؛ يعني قوله: (وَالْخَمِيسَ) من أنس، وإنما سمعه من بعض أصحابه عنه، وهذه رواية عن مجهول؛ إذ لم يُعَيَّن هذا البعض من هو؟ قاله العينيّ. وقال الحافظ: يَحْتَمِل أن يكون بعض أصحاب عبد العزيز محمدَ بنَ سيرين؛ لأن البخاريّ أخرج من طريقه أيضاً، أو يكون ثابتاً البنانيّ؛ لأن مسلماً أخرجه من طريقه أيضاً. وتعقّبه العينيّ بأنه يَحْتَمِل أن يكون غيرهما، فعلى كل حال لا يخرج عن الجهالة . والحاصل أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا: جاء محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمدٌ، والخميس. وارتفاع ((الخميس)) لكونه معطوفاً على ((محمدٌ))، ويجوز أن تكون الواو فيه بمعنى ((مع))، على معنى: جاء محمدٌ مع الْخَمِيس؛ أي: الجيش. وزاد في رواية البخاريّ تفسير الخميس بقوله: ((يَعْنِي: الْجَيْشَ))، وهو مُدْرَجُ من تفسير عبد العزيز، أو ممن دونه. وسُمِّي الجيش خميساً؛ لأنه خمسة أقسام: مقدّمة، وساقة، وقَلْب، وجناحان، ويقال: ميمنةٌ، ومَيسرةٌ، وقَلْبٌ، وجناحان، وقال ابن سِيدَهْ: لأنه يُخَمِّس ما وَجَده، وقال الأزهريّ: الْخُمُس إنما ثبت بالشرع، وكانت الجاهلية يسمّونه بذلك، ولم يكونوا يعرفون الْخُمُس، فبان أن القول الأول هو الأَولى(١). (قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً) - بفتح العين المهملة، وإسكان النون -: هو القهر، يقال: أخذته عَنْوَةً؛ أي: قهراً، وقيل: أخذته عنوة؛ أي: عن غير طاعة، وقال ثعلب: أخذت الشيء عنوةً؛ أي: قهراً في عُنْفٍ، وأخذته عنوة؛ أي: صُلْحاً في رِفْقٍ. (١) راجع: ((الفتح)) ٨٧/٢، كتاب ((الصلاة)) رقم (٣٧١). ٤٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقال ابن التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها، وطاعة، بلا قتال، ونقله عن القَزّاز في ((جامعه))، فيكون هذا اللفظ من الأضداد. وقال أبو عُمر: الصحيح أن أرض خيبر كلها أُخذت عَنوةً، وقال المنذريّ: اختلفوا في فتح خيبر، هل كانت عنوةً، أو صلحاً، أو جَلا أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها أُخذت صلحاً، وبعضها عنوةً، وبعضها جلا أهلُها عنها؟ قال: وهذا هو الصحيح، وبهذا أيضاً يندفع التضادّ بين الآثار. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١ /٤٦٥٦ و٤٦٥٧ و٤٦٥٨] (١٣٦٥)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٣٧١) و((الأذان)) (٦١٠) و((صلاة الخوف)) (٩٤٧) و((الجهاد)) (٢٩٤٣ - ٢٩٤٤) و((المغازي)) (٤٢٠٠)، و(الترمذيّ) في ((السير)» (٤/ ١٢١)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٢٧١/١ - ٢٧٢) و((النكاح)) (١٣١/٦) و((الكبرى)) (٤٩٨/١ و١٦١/٣ و٣٣٥ و١٧٧/٥ - ١٧٨ و٢٠٠)، و(مالك) في (الموطأ)) (٤٦٨/٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٨٣/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مسنده)) (٣٦٧/١٢ - ٣٦٨ و٤٦١/١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠١/٣ - ١٠٢ و١٦٤ و١٨٦ و٢٠٦ و٢٦٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٤٥ و٤٧٤٦)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٠٨/٢ - ١٠٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٠٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٦/٣ و٣٥٢/٤ - ٣٥٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٣/٤ - ٩٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٧/٥) و((الأوسط)) (٩٨/٣ و٣٥٢/٨) و((الصغير)) (٣٢٥/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٠/٩ و١٠٨)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٧٠٢)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٥/٤.