Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَِّّ ◌َّهِ إِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٢) شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ أنه (قَالَ) ولفظ البخاريّ: ((أن أنساً قال))، فقال في ((الفتح)): كذا في جميع الروايات، ليس فيه تصريح بتحديث أنس لسليمان التيميّ، وأعلّه الإسماعيليّ بأن سليمان لم يسمعه من أنس، واعتمد على رواية المقدَّميّ، عن معتمر، عن أبيه، أنه بلغه عن أنس بن مالك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: كذا ذكر الحافظ تعقّب الإسماعيليّ، ولم يتعرّض للجواب عنه، والذي نقوله: إن الشيخين لا يُخرجان في ((صحيحيهما)) حديثاً، إلا وقد ثبت لديهما اتصاله، وخلوّه من أيّ علّة، ولا سيّما إذا اتّفقا على إخراجه، كهذا الحديث، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (قِيلَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ﴾ قال الحافظ تَُّهُ: لم أقف على اسم القائل. (لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبَيِّ)؛ أي: ابن سَلُولَ الْخَزرجِيّ المشهور بالنفاق. (قَالَ) أنس (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب النبيّ وََّ (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى ابن أُبيّ، وقوله: (وَرَكِبَ حِمَاراً) جملة حاليّة بتقدير ((قد)) عند البصريين، ودون تقدير عند الكوفيين. (وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ)؛ أي: ذهبوا معه بََّ، (وَهِيَ)؛ أي: الأرض التي انطلق وَ﴿ فيها، وإن لم يَجْر لها ذِكرٌ، إلا أن السياق يدلّ عليها. (أَرْضٌ سَبِخَةٌ)؛ أي: لا تُنبت شيئاً؛ لِمُلوحتها، يقال: سَبِخَتِ الأرضُ سَبَخاً، من باب تَعِبَ، فهي سَبِخَةٌ بكسر الباء، ويجوز إسكانها تخفيفاً، وأسبخت بالألف لغةٌ، ويُجمع المكسور على لفظه، سَبِخَاتٍ، مثلُ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، ويُجمع الساكن على سِبَاخِ، مثلُ كَلْبٍ وكِلابٍ، وموضع سَبَخٌ، وأرضٌ سَبَخَةٌ بفتح الباء أيضاً؛ أي: مَلِحَةٌ، قاله الفيّومِيّ ◌َّهُ(٢) وقال في ((الفتح)): قوله: ((سَبِخَةٌ)) : - بفتح السين المهملة، وكسر الموحّدة، بعدها خاء معجمة -؛ أي: ذات سِبَاخ، وهي الأرض التي لا تُنبت، وكانت تلك صفة الأرض التي مَرّ بها النبيّ بَّ إذ ذاك، وذَكَر ذلك؛ للتوطئة (١) ((الفتح)) ٦/ ٥٧٢ - ٥٧٣، كتاب ((الصلح)) رقم (٢٦٩١). (٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٣/١. ٣٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير لقول عبد الله بن أُبَيّ إذ تأذى بالغبار. (فَلَمَّا أَتَاهُ)؛ أي: عبد الله بن أبيّ، (النَّبِيُّ وَهِ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي)؛ أي: تنحّ، وابعُدْ عن مجلسي، و((اليك)) اسم فعل أمر، منقول من الجارّ والمجرور، (فَوَ اللهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ) ((النَّتْنُ)) - بفتحِ النون، وسكون التاء، وفتحها -: ضدّ الْفَوح، قال المجدّ تَخْذُهُ: النَّتْنُ: ضدُّ الْفَوحِ، نَتُنَ؛ كَكَرُم، وضَرَبَ نَتَانةً، وأنتنَ،َ فهو مُنْتِنٌ، ومِنْتِنُ، بكسرهما، وبضمّتين، وگَقِنْدِیلٍ. انتهى(١) . وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: نَتْنَ الشيءُ بالضمّ نُتُونَةٌ، ونَتَانَةً، فهو نَتِينٌ، مثلُ قَرِيبٍ، ونَتَنَ نَتْناً، من باب ضَرَبَ، ونَتِنَ يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌّ، من باب تَعِبَ، وأنْتَن إنتاناً، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمّ التاء إتباعاً للميم قليلٌ. انتهى(٢). (قَالَ) أنس ◌َه (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ تَّتُ: لم أقف على اسمه أيضاً، وزعم بعض الشراح أنه عبد الله بن رواحة، ورأيت بخط القطب أن السابق إلى ذلك الدمياطيّ، ولم يذكر مُستنده في ذلك، فتتبعت ذلك، فوجدت حديث أسامة بن زيد - يعني: الحديث الذي قبل هذا - بنحو قصة أنس، وفيه أنه وقعت بين عبد الله بن رواحة، وبين عبد الله بن أُبَيّ مراجعة، لكنها في غير ما يتعلق بالذي ذُكِر هنا، فإن كانت القصة مُتَّحِدةً احتَمَلَ ذلك، لكن سياقها ظاهر في المغايرة؛ لأن في حديث أسامة أنه وَ هل أراد عيادة سعد بن عبادة، فمَرَّ بعبد الله بن أُبَيّ، وفي حديث أنس هذا أنه وَ اهـ دُعِي إلى إتيان عبد الله بن أُبيّ، ويَحْتَمِل اتّحادهما بأن الباعث على توجهه العيادةُ، فاتَّفَق مروره بعبد الله بن أبيّ، فقيل له حينئذ: لو أتيته، فأتاه، ويدلّ على اتحادهما أن في حديث أسامة: ((فلما غَشِيت المجلسَ عَجَاجُ الدابة خَمَّر عبد الله بن أُبَيّ أنفه بردائه)). انتهى(٣). (وَاللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَطْيَبُ رِيحاً مِنْكَ، قَالَ) أنس (فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ)؛ أي: ابن أُبيّ، (رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، (١) ((القاموس المحيط)) ص ١٢٦٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٩٢. (٣) ((الفتح)) ٥٧٢/٦ - ٥٧٣، كتاب ((الصلح)) رقم (٢٦٩١). ٣٨٣ (٣٨) - بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّنَّهِإِلَى اللهِ، وَصَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُنَافِقِينَ - حديث رقم (٤٦٥٢) زاد في رواية البخاريّ: ((فشتمه)). (قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ) قال القرطبيّ تَخْتُ: والطائفة التي غَضِبت لعبد الله بن أبيّ كان منها منافقون على رأي عبد الله، ومنها مؤمنون، حَمَلهم على ذلك بقية حميّة الجاهلية، ونزغة الشيطان، لكن لَطَفَ الله تعالى بهم، حيث أبقى عليهم اسم المؤمنين بقوله: ﴿وَإِن طَيِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِينَ أُقْتَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩]؛ ليراجعوا بصائرهم، ويطهروا ضمائرهم. انتهى(١). (قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر بالجيم والراء، وفي رواية الكشميهنيّ: ((بالحديد)) بالمهملة والدال، والأول أصوب، ووقع في حديث أسامة: ((فلم يَزَل النبيّ وَ ﴿ يُخَفِّضهم، حتى سكتوا))(٢). (وَبِالْأَّيْدِي، وَبِالنِّعَالِ)، وفي بعض النسخ: ((والنعال)) بحذف الجارّ. (قَالَ: فَبَلَغَنَا) قال في ((الفتح)): قائل ذلك هو أنس بن مالك ظُه، بَيّنه الإسماعيليّ في روايته المذكورة، من طريق المقدَّميّ، فقال في آخره: ((قال أنس: فأُنبئت أنها نَزَلت فيهم))، قال الحافظ: ولم أقف على اسم الذي أنبأ أنساً بذلك، ولم يقع ذلك في حديث أسامة، بل في آخره: وكان النبيّ وَّ وأصحابه يَعْفُون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى ... إلى آخر الحديث. انتهى(٣). (أنَّهَا) الضمير للقصّة، وهو الضمير الذي يُسمّى بضمير الشأن إذا كان للمذكّر، وهو الضمير الذي تفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك تَخْذّتُهُ في ((الكافية)» : وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا بِجُمْلَةٍ كَـ((إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى)) (نَزَلَتْ فِيهِمْ)؛ أي: في الطائفتين المتغاضبتين المتضاربتين بالجريد والنعال، وقوله: (﴿وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمََّ﴾ [الحجرات: ٩]) فاعل (نَزَلت)) محكيّ؛ لقصد لفظه. (١) ((المفهم)) ٦٥٨/٣. (٢) ((الفتح)) ٦/ ٥٧٢ - ٥٧٣، كتاب ((الصلح)) رقم (٢٦٩١). (٣) ((الفتح)) ٦/ ٥٧٢ - ٥٧٣، كتاب ((الصلح)) رقم (٢٦٩١). ٣٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير [تنبيه]: استَشْكَلَ ابن بطال تَخْذَلُهُ نزول الآية المذكورة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ الآية في هذه القصّة؛ لأن المخاصمة وقعت بين من كان مع النبيّ وَّر من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أُبيّ، وكانوا إذ ذاك كُفّاراً، فكيف يَنزل فيهم ﴿طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا سيما إن كانت قصّة أنس وأسامة مُتَّحِدةً، فإن في رواية أسامة: فاستَبَّ المسلمون والمشركون؟ . أجاب الحافظ تَّقُ بأنه يُمكِن أن يُحْمَل على التغليب، مع أن فيها إشكالاً من جهة أخرى، وهي أن حديث أسامة صريحٌ في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن يُسْلِم عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، والآية المذكورة في (الحجرات))، ونزولها متأخرٌ جدّاً، وقتَ مجيء الوفود، لكنه يَحْتَمِل أن تكون آية الإصلاح نزلت قديماً، فيندفع الإشكال. انتهى كلام الحافظ تَُّهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك (المسألة الثانية): في تخريجه: ه هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٥٢/٣٨] (١٧٩٩)، و(البخاريّ) في ((الصلح)) (٢٦٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٧/٣ و٢١٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٢٥/٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٤٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨/ ١٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َّالله من الصفح، والحلم، والصبر على الأذى في الله، والدعاء إلى الله، وتأليف القلوب على ذلك. ٢ - (ومنها): أن ركوب الحمار لا نقص فيه على الكبار، وكان ركوبه وَليقول على سبيل التشريع، فقد رَكِبَ مرّةً فرساً لأبي طلحة في فزع كان بالمدينة، ورَكِب يوم حنين بغلته؛ ليثبت المسلمون إذا رأوه عليها، ووقف بعرفة على ٣٨٥ (٣٩) - بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ - حديث رقم (٤٦٥٣) راحلته، وسار منها إلى مزدلفة، وهو عليها، ومن مزدلفة إلى منى، وإلى مكة(١). ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿ه من تعظيم رسول الله وَل قوله والأدب معه، والمحبة الشديدة له. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي لمن يشير على الكبير بشيء، أن يورده بصورة العَرْض عليه، لا الجزم، فقد قال الصحابة للنبيّ وٍَّ: ((لو أتيت عبد الله بن أُبيّ)). ٥ - (ومنها): جواز المبالغة في المدح؛ لأن الصحابيّ أطلق أن ريح الحمار أطيب من ريح عبد الله بن أُبيّ، فلم يُنكره النبيّ وَّه، بل أقرّه عليه. ٦ - (ومنها): إباحة مشي التلامذة، والشيخ راكب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣٩) - (بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ) تقدّم أن اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، كانت قريش تكنيه أبا الحكم، وكناه النبيّ ◌َ ل ◌ّ أبا جهل، ولذا قال الشاعر: وَاللهُ كَنَّاهُ أَبَا جَهْلٍ النَّاسُ كَنَّوْهُ أَبَا حَكَمٍ وهو فرعون هذه الأمة(٢). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٣] (١٨٠٠) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أبو جَهْلِ؟))، فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ، حَتَّى بَرَكَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: أَنْتَ أبو جَهْلِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلِ قَتَلْتُمُوهُ؟ - أَوْ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ - قَالَ: وَقَالَ أبو مِجْلَزِ: قَالَ أبو جَهْلِ: فَلَوْ غَيْرُ أَّارٍ قَتَلَنِي؟). (١) ((عمدة القاري)) ٣٩٤/٢٠. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٥٨/٣. ٣٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣)، وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف؛ كسابقه، وكالأسانيد الثلاثة الآتية بعده، وهو (٣١٩) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فمروزيّ، وأنه مسلسلٌ بالتحديث. شرح الحديث: عَنْ سُلَيْمَانَ بن طرخان التَّيْمِيِّ، نزل في بني تيم، فُنُسب إليهم، وليس منهم، فهو من المنسوب إلى خلاف الظاهر، كما قال السيوطيّ تَّثُ في ((ألفيّة الحديث)): وَنسَبُوا الْبَدْرِيَّ وَالْخُوزِيّا لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالشَّيْمِيَا (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) ◌َهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: (يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أبو جَهْلٍ؟))) وقع في رواية الإسماعيليّ، من طريق يحيى القطان، عن سليمان التيميّ، أن أنساً سمعه من ابن مسعود ولفظه: ((عن أنس، قال النبيّ وَله يوم بدر: من يأتينا بخبر أبي جهل؟ قال - يعني: ابن مسعود -: فانطلقت، فإذا ابنا عفراء قد اكتنفاه، فضرباه، فأخذت بلحيته ... )) الحديث. قال النوويّ ◌َّلُهُ: سبب سؤال النبيّ وَلّه عنه أن يعرف أنه مات؛ ليستبشر المسلمون بذلك، وينكفّ شرّه عنهم. انتهى(١). (فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ) وفي رواية ابن خُزيمة، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٠/١٢. ٣٨٧ (٣٩) - بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ - حديث رقم (٤٦٥٣) في ((المستخرج)): ((فقال ابن مسعود: أنا، فانطلق))، (فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ) هما معاذ، ومعوّذ، وقيل: هما معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ ابن عفراء، وعفراء والدة معاذ، واسم أبيه الحارث، وأما معاذ بن عمرو بن الجموح فليس اسم أمه عفراء، وإنما أُطلق عليه تغليباً، ويَحْتَمِل أن تكون أم معوذ أيضاً تُسَمَّى عفراء، أو أنه لمّا كان لمعوّذ أخ يسمى معاذاً بِسْم الذي شَرِكه في قتل أبي جهل ظنه الراوي أخاه. وقد أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق، حدّثني ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعتهم يقولون: وأبو جهل في مثل الحرجة (١)، أبو الحكم لا يُخْلَص إليه، فجعلته من شأني، فعَمَدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربةً أطنت قدمه، وضربني ابنه عكرمةُ على عاتقي، فطرح يدي، قال: ثم عاش معاذ إلى زمن عثمان، قال: ومرّ بأبي جهل معوّذ ابن عفراء، فضربه، حتى أثبته، وبه رَمَقٌ، ثم قاتل معوّذ حتى قُتِل، فَمَرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل، فوجده بآخر رَمَقٍ، فذكر ما تقدم. فهذا الذي رواه ابن إسحاق يجمع بين الأحاديث، لكنه يخالف ما في ((الصحيح)) من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه رأى مُعاذاً، ومعوّذاً شدّا عليه جميعاً حتى طرحاه، وابن إسحاق يقول: إن ابن عفراء هو معوّذ، وهو بتشديد الواو، والذي في ((الصحيح)) معاذ، وهما أخوان، فَيَحْتَمِل أن يكون معاذ ابن عفراء شدّ عليه مع معاذ بن عمرو، كما في ((الصحيح))، وضربه بعد ذلك معوّذ حتى أثبته، ثم حَزَّ رأسه ابن مسعود، فتُجمع الأقوال كلها، وإطلاق كونهما قتلاه يخالف في الظاهر حديث ابن مسعود أنه وجده، وبه رَمَقٌ، وهو محمول على أنهما بلغا به بضربهما إياه بسيفيهما منزلة المقتول، حتى لم يبق به إلا مثل حركة المذبوح، وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود، فضرب عنقه، والله أعلم. وأما ما وقع عند موسى بن عقبة، وكذا عند أبي الأسود، عن عروة، أن ابن مسعود وجد أبا جهل مصروعاً، بينه وبين المعركة غيرُ كثير، متقنعاً في (١) ((الحرجة)): الشجر الْمُلْتَفّ. ٣٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الحديد، واضعاً سيفه على فخذه، لا يتحرك منه عضو، وظنّ عبد الله أنه ثبت جراحاً، فأتاه من ورائه، فتناول قائم سيف أبي جهل، فاستله، ورفع بيضة أبي جهل عن قفاه، فضربه، فوقع رأسه بين يديه، فيُحْمَل على أن ذلك وقع له معه بعدَ أن خاطبه بما تقدم، والله أعلم. انتهى(١). وقوله: (حَتَّى بَرَكَ) بالكاف، من البُرُوك، قال النوويّ تَخَذَتُهُ: هكذا هو في بعض النسخ: ((بَرَكَ)) بالكاف، وفي بعضها: ((بَرَدَ)) بالدال، فمعناه بالكاف: سَقَط إلى الأرض، وبالدال: مات، يقال: بَرَدَ: إذا مات، قال القاضي عياض: رواية الجمهور: ((بَرَدَ))، ورواه بعضهم بالكاف، قال: والأول هو المعروف، قال النوويّ: واختار جماعة محققون الكاف، وأن ابني عفراء تركاه عَقِيراً، ولهذا كَلَّم ابن مسعود ظُبه، كما ذكره مسلم، وله معه كلام آخر كثيرٌ مذكور في غير مسلم، وابن مسعود به هو الذي أجهز عليه، واحتَزَّ رأسه. انتھی(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى بَرَدَ)) - بفتح الموحّدة، والراء -؛ أي: مات، هكذا فسروه، ووقع في رواية السمرقنديّ في مسلم: ((حتى بَرَكَ)) - بكاف، بدل الدال ـ؛ أي: سَقَطَ، وكذا هو عند أحمد، عن الأنصاريّ، عن التيميّ، قال عياض: وهذه الرواية أولى؛ لأنه قد كَلَّم ابن مسعود ◌َُّه، فلو کان مات کیف کان یکلمه؟ انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((حتى بَرَدَ))؛ أي: صار في حالة من مات، ولم يبق فيه سوى حركة المذبوح، فأُطلق عليه باعتبار ما سيؤول إليه، ومنه قولهم للسيوف: بَوَاردُ؛ أي: قواتل، وقيل لمن قُتِل بالسيف: بَرَدَ؛ أي: أصابه متن الحديد؛ لأن طبع الحديد البرودة، وقيل: معنى قوله: (بَرَدَ))؛ أي: فَتَرَ، وسَكَنَ، يقال: جَدَّ في الأمر حتى بَرَدَ؛ أي: فتر، وبَرَدَ النبيذُ؛ أي: سَكَن غَلَیانُهُ. انتهى(٣). (١) ((الفتح)) ٣١/٩ - ٣٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٦٢). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٠/١٢. (٣) ((الفتح)) ٢٩/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٦٢). ٣٨٩ (٣٩) - بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ - حديث رقم (٤٦٥٣) (قَالَ) أنس (فَأَخَذَ) ابن مسعود (بِلِحْيَتِهِ)؛ أي: بلحية أبي جهل، (فَقَّالَ) ابن مسعود: (أنْتَ) بمدّ الهمزة، أصله أأنت، وهو مبتدأ، خبره قوله: (أَبُو جَهْلٍ؟)، وإنما خاطبه ابن مسعود ظُبه بذلك مُقرّعاً له، ومتشفّياً منه؛ لأنه كان يؤذيه بمكة أشدّ الأذى. وفي رواية للبخاريّ: ((فقال: أنت أبا جهل))، قال في ((الفتح)): قوله: ((أنت أبا جهل)) كذا للأكثر، وللمستملي وحده: ((أنت أبو جهل))، والأول هو المعتمد في حديث أنس هذا، فقد صَرَّح إسماعيل ابن عُلية، عن سليمان التيميّ بأنه هكذا نَطَق بها أنس، وقد أخرجه ابن خزيمة، ومن طريقه أبو نعيم، عن محمد بن المثنى، شيخ البخاري فيه، فقال فيه: ((أنت أبو جهل))، وكأنه من إصلاح بعض الرواة، وكذلك نَطَق بها يحيى القطان، أخرجه الإسماعيليّ، من طريق المقدّميّ، عن يحيى القطان، عن التيميّ، فذكر الحديث، وفيه: ((قال: أنت أبا جهل))، قال المقدّميّ: هكذا قالها يحيى القطان، وقد وُجِّهت الرواية المذكورة بالحمل على لغة من يُثبت الألف في الأسماء الستة في كل حالة؛ کقوله : إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا قال الجامع عفا الله عنه: اللغة المشهورة في الأسماء الستّة أن تُعرب بالواو رفعاً، نحو ((هذا أبوك))، وبالألف نصباً، نحو ((رأيت أباك))، وبالياء جرّاً، نحو ((مررت بأبيك))، ويجوز إعرابها بالنقص، نحو: هذا أبٌّ، ورأيت أباً، ومررتُ بأبٍ، ويجوز أيضاً إعرابها إعراب المقصور بالألف مطلقاً، نحو: هذا أبا محمد، ورأيت أبا محمد، ومررتُ بأبا محمد، ومنه البيت، فقوله: ((وأبا أباها))، فـ((أبا)) مضاف، ((أباها)) مضاف إليه مجرور بالإضافة بكسرة مقدّرة على الألف، منع من ظهورها التعذّر، وإلى هذا كلّه أشار ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة)) بقوله: وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحْبَةً أَبَانًا ((أبٌ)) ((أخٌ)) ((حَمٌ)) كَذَاكَ و((هَنُ)) وَفي ((أَبٍ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ و((الفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَظْهَرُ ٣٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال: وقيل: هو منصوب بإضمار ((أعني))، وتَعَقَّبه ابن التين بأن شرط هذا الإضمار أن تكثر النعوت. وقال الداوديّ: كأن ابن مسعود تعمَّد اللحن؛ لِيُغيظ أبا جهل؛ كالمصغّر له، وما أبعد ما قال. وقيل: إن قوله: ((أنت)) مبتدأ محذوف الخبر، وقوله: ((أبا جهل)) مُنَادَى محذوف الأداة، والتقدير: أنت المقتول يا أبا جهل، وخاطبه بذلك مُقَرِّعاً له، ومتشفِّياً منه؛ لأنه كان يؤذيه بمكة أشدّ الأذى. وفي حديث ابن عباس، عند ابن إسحاق، والحاكم: ((قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رَمَقٍ، فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: أخزاك الله يا عدوّ الله، قال: وبما أخزاني؟ هل أعمد رجل قتلتموه؟))، قال: وزعم رجال من بني مخزوم أنه قال له: لقد ارتقيت يا رُويعَ الغنم، مُرْتَقَّى صَعْباً، قال: ثم احتززت رأسه، فجئت به رسول الله صل﴾، فقلت: هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، فقال: والله الذي لا إله إلا هو؟ فحلف له)). وفي زيادة المغازي، روايةٍ يونس بن بكير، من طريق الشعبيّ، عن عبد الرحمن بن عوف، نحو الحديث الذي بعده، وفيه: «فحَلَف له، فأخذ رسول الله وَلول بيده، ثم انطَلَق حتى أتاه، فقام عنده، فقال: الحمد لله الذي أعزّ الإسلام وأهله))، ثلاث مرات(١). (فَقَالَ) أبو جهل (وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟) اختُلف في معنى كلام أبي جهل هذا على قولين : [أحدهما]: أنه أراد لا عارَ عليّ في قتلكم إياي، كأنه قال: هل هناك عارٌ على رجل قتله مثلكم؟، فالاستفهام للإنكار؛ يعني: أنه ليس عليه عارٌ، بل شرف له؛ لأن قومه قتلوه، ويريد بقومه قريشاً، وذلك أن النبيّ وَلّ وأصحابه المهاجرين من قريش، وابنا عفراء اللذان قتلاه، وإن كانا من الأنصار، إلا أنهما جاءا معه و ، فكانا تابعين له، فكأن الذين قتلوه هم قومه. (١) ((الفتح)) ٣٠/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٣٩٦١). ٣٩١ (٣٩) - بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ - حديث رقم (٤٦٥٣) فغرض أبي جهل التبجّح، والافتخار بقتله، وأنه لا يراه عاراً عليه؛ لأن قومه قتلوه. [والثاني]: أنه يريد بهذا الكلام التأسّف، والتحزّن حيث قتله غير كفئه، وهو الأنصار، وهذا هو ظاهر ما فسّر به القاضي عياض تَخْتُ، وعبارته: ((أي: هل عليّ عارٌ، غير قتلكم إياي))، ومعناه: أنه يرى أن لا عار عليه إلا قتلهم له؛ أي: فقَتْلهم له عار عليه، لا شرف له، وهو عكس المعنى السابق، ويؤيّد هذا التفسير ما يأتي في رواية أبي مِجْلَز، حيث قال: ((فلو غيرُ أكّار قتلني))، والمعنى الأول أنسب للفظ: ((فوق))، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوْ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، وهو سليمان التيميّ، فقد أخرج الحديث البخاريّ في ((المغازي)) من طريق ابن عُليّة، حدّثنا سليمان التيميّ، حدّثنا أنس ظُه قال: قال رسول الله وَ ﴿ يوم بدر: ((من يَنظُر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فقال: آنت أبا جهل؟ قال ابن علية: قال سليمان: هكذا قالها أنس، قال: أنت أبا جهل، قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟، قال سليمان: أو قال: قتله قومه))، الحديث. (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: ((قال سليمان - أي: التيميّ -))، (وَقَالَ أبو مِجْلَزٍ) بكسر الميم، وإسكان الجيم، وفتح اللام، آخره زاي، هو لاحق بن حُميدُ بن سعيد السّدُوسيّ البصريّ، مشهور بكنيته، من كبار [٣] (ت٦ أو ١٠٩) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٤٧/٥٦. (قَالَ أبو جَهْل: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي؟) قال في ((الفتح)): هذا - يعني: قول أبي مِجْلَز - مرسلٌ، و((الأَّار)) - بتشديد الكاف ــ: الزّرّاع(١)، وعَنَى بذلك أن الأنصار أصحاب زرع، فأشار إلى تنقيص من قَتَله منهم بذلك. وحاصل ما أشار إليه أبو جهل أن الأنصار أهل فِلاحة، وكان معوّذ (١) وقال في ((هدي الساري)) ١/ ٨٠: ((الأَكّار: هو الزرّاع، مأخوذ من الأُكْرة - بضم، فسكون، وهي الحفرة بجانب النهر؛ ليصفو ماؤها، وأَكَّرْتُ الأرض: إذا شققتها للحرث، وأشار بذلك إلى الأنصار؛ لأنهم أصحاب زرع. انتهى. ٣٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ومعاذ ابنا عفراء اللذان تولّيا قتله من الأنصار، فلو كان قَتَله أحد من القرشيين لكان أحبّ إليه، وأعظم لشأنه. [تنبيه]: ذكر القاضي عياض تظلّثُ أنه وقع في بعض نسخ مسلم بلفظ: (لو غيرُك كان قتلني))، وهو تصحيف من الأول، والمعروف الأول. انتهى(١). [فائدة]: (لو)) في قوله: ((فلو غير أكّار قتلني)) شرطيّة، وهي تختصّ بالفعل، كـ((إن)) الشرطيّة، فلا تدخل على الاسم وقد أسلفنا الآن تقدير جوابها، إلا إذا كان معمولاً لمحذوف يُفسّره ما بعده؛ كقول الشاعر [من الطويل]: أَخِلَّايَ لَوْ غَيْرُ الْحِمَامِ أَصَابَكُمْ عَتَبْتُ وَلَكِنْ مَا عَلَى الدَّهْرِ مَعْتَبُ أي: لو أصابكم غير الحمام(٢)، والتقدير في هذا الحديث: ((فلو قتلني غير أكّار ... إلخ))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٥٣/٣٩ و٤٦٥٤] (١٨٠٠)، و(البخاريّ) في (المغازي)) (٣٩٦٢ و٣٩٦٣ و٤١٢٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧) ٣٦٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٢٩/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١١٥/٧ و١٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٨٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/ ٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّهُ من التطلّع، والانتظار إلى هلاك فرعون هذه الأمة أبي جهل، وذلك لثقته بوعد الله رَّت له بهلاكه، وهلاك أمثاله، حيث قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٢]. (١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٥. (٢) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ١٩٧/٢. ٣٩٣ (٣٩) - بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ - حديث رقم (٤٦٥٤) ٢ - (ومنها): مشروعيّة إظهار الاستبشار بهلاك عدوّ الإسلام والمسلمين، ويكون من باب الشكر لله . ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه أبو جهل أخزاه الله من شدّة عداوته للمسلمين. ٤ - (ومنها): مسابقة عبد الله بن مسعود إلى البحث عن أبي جهل، لَمّا قال النبيّ وَله: ((من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟))، وذلك لأنه كان يؤذيه حين كان بمكة أشدّ الأذيّة، فقد ذكر ابن هشام في ((سيرته))، ما حاصله: ((فمرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله وَ﴿ أن يُلْتَمَس في القتلى، وقد قال لهم رسول اللّه ◌َلري ـ فيما بلغني -: انظروا، إن خَفِي عليكم في القتلى إلى أثر جُرح في ركبته، فإني ازدحمت يوماً أنا وهو على مَأْدُبة لعبد الله بن جُذْعان، ونحن غلامان، وكنت أشفّ منه بيسير، فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجُحِش في إحداهما جَحْشاً لم يزل أثره به، قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رَمَق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضَبَثَ بي(١) مَرَّةً بمكة، فآذاني ولَكَزَني، ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني؟، أَعْمَد من رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: قلت: لله ولرسوله 38، قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول: قال لي: لقد ارتقيت مُرْتَقَى صَعْباً يا رويع الغنم، قال: ثم احتَززتُ رأسه، ثم جئت به رسول الله وَل﴾، فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله وَله: ((آللهِ الذي لا إله غيره؟)) - قال: وكانت يمين رسول الله (38 - قال: قلت: نعم، والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله وَ﴿، فحَمِد الله)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسرٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ يَعْلَمُ لِي مَا فَعَلَ أبو جَهْلٍ؟))، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَوْلِ أَبِي مِجْلَزٍ، كَمَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ). (١) أي: قبض عليّ، ولزمني. (٢) ((سيرة ابن هشام)) ٦٣٥/١. ٣٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رجال هذا الإسناد: أربعة : ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عمر بن حفص بن عُمر بن عُبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، وقيل: إن حفصاً جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، والسند من رباعيّات المصنّف ◌َظّتُهُ؟ كسابقيه، ولا حقيه. [تنبيه]: رواية معتمر بن سليمان، عن أبيه هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٤٠) - (بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ) قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيّاً، من بني نَبْهان، وهم بطن من طيّء، وكان أبوه أصاب دماً في الجاهلية، فأتى المدينة، فحالف بني النضير، فشَرُف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الْحُقَيق، فولدت له كعباً، وكان طويلاً، جسيماً، ذا بطن، وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخَرَج إلى مكة، فنزل على ابن وَدَاعَة السهميّ، والد المطلب، فهجاه حَسّان، وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية، فطردته، فرجع كعب إلى المدينة، وتشبّب بنساء المسلمین، حتى آذاهم. ورَوَى أبو داود، والترمذيّ، من طريق الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن كعب بن الأشرف كان شاعراً، وكان يهجو رسول الله وَثه، ويُحَرِّض عليه كفار قريش، وكان النبيّ ◌َّ قَدِم المدينة، وأهلها أخلاط، فأراد رسول الله ◌َ و استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشدّ الأذى، فأمر الله رسوله وَّهُ والمسلمين بالصبر، فلما أَبَى كعب أن يَنْزِع عن أذاه، أمر رسول الله وَّ* سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً؛ ليقتلوه. ٣٩٥ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ وذكر ابن سعد أن قَتْله كان في ربيع الأول، من السنة الثالثة. انتهى(١). وقال ابن إسحاق: وكان من حديث كعب بن الأشرف: أنه لما أُصيب أصحاب بدر، وقَدِمَ زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، بِشَيرَيْن، بعثهما رسول الله وله إلى من بالمدينة من المسلمين، بفتح الله رَّ عليه، وقَتْل مَن قُتِل من المشركين، كما حدّثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة الظَّفَريّ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عُمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، كلٌّ قد حدّثني بعض حديثه، قالوا: قال كعب بن الأشرف - وكان رجلاً من طَيِّئ، ثم أحد بني نَبْهان، وكانت أمه من بني النضير - حين بلغه الخبر: أحَقُّ هذا؟ أترون محمداً قتل هؤلاء الذين يُسَمِّي هذان الرجلان؟ - يعني: زيداً وعبد الله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لَبَظْنُ الأرض خير من ظهرها . فلما تيقن عدوّ الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهميّ، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته، وأكرمته، وجعل يُحَرِّض على رسول الله وَّةِ، ويُنشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش، الذين أصيبوا ببدر فقال [من الكامل]: وَلِمِثْلٍ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ لَا تَبْعَدُوا إِنّ الْمُلُوكَ تُصَرّعُ قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِیَاضِهِمْ إلى آخر الأبيات. فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتِ الْأَنْصَارِيّ ◌َظُبهِ، فَقَالَ: مِنْهُ وَعَاشَ مُجَدّعاً لَا يَسْمَعُ أَبَكَى لِكَعْبٍ ثُمّ عُلّ بِعَبْرَةٍ قَتْلَى تَسُحّ لَهَا الْعُيُونُ وَتَدْمَعُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِبَطْنٍ بَدْرٍ مِنْهُمْ شِبْهَ الْكُلَيْبِ إِلَى الْكُلَيْبَةِ يَتْبَعُ فَابْكِي فَقَدْ أَبَكَيْتَ عَبْداً رَاضِعاً وَأَهَانَ قَوْماً قَاتَلُوهُ وَصُرّعُوا وَلَقَدْ شَفَى الرّحْمَنُ مِنّا سَيّداً (١) ((الفتح)) ٩٦/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧). ٣٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وَنَجَا وَأُقْلِتَ مِنْهُمْ مَنْ قَلْبُهُ شَغَفٌ يَظَلّ لِخَوْفِهِ يَتَصَدّعُ ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشَبَّب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله وَّر كما حدّثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة: ((مَن لي بابن الأشرف؟))، فقال له محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك))، فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثاً لا يأكل، ولا يشرب، إلا ما يُعَلِّق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله وَّر، فدعاه، فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال: يا رسول الله قلت لك قولاً، لا أدري، هل أَفِيَنَّ لك به أم لا؟ فقال: ((إنما عليك الجهد))، فقال: يا رسول الله إنه لا بُدّ لنا من أن نقول، قال: «قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حِلّ من ذلك))، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسِلْكان بن سلامة بن وَقْش، وهو أبو نائلة، أحد بني عبد الأشهل، وكان أخَا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعَبّاد بن بشر بن وَقْش، أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عَبْس بن جَبْر، أحد بني حارثة، ثم قَدَّمُوا إلى عدوّ الله كعبٍ بن الأشرف، قبل أن يأتوه سِلْكانَ بنَ سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدوا شعراً، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة، أريد ذِكرها لك، فاكتم عني؛ قال: أَفْعَلُ، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاءً من البلاء، عادَتْنا به العرب، ورَمَتْنا عن قوس واحدة، وقَطَعت عنا السبل، حتى ضاع العيال، وجُهِدت الأنفس، وأصبحنا قد جُهِدنا وجُهِد عيالنا، فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنت أُخبرك يا ابن سلامة، أن الأمر سيصير إلى ما أقول، فقال له سِلْكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعاماً، ونَرْهنك، ونُوَثِّق لك، ونحسن في ذلك، فقال: أترهنونني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاءٌ، وأراد سِلْكان أن لا يُنكر السلاح إذا جاءوا بها؛ قال: إن في الحلقة لوفاءً، قال: فرجع سلكان إلى أصحابه، فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا، فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله جلالته . ٣٩٧ (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ قال ابن هشام: ويقال: ((أترهنونني نساءكم؟))، قال: كيف نرهنك نساءنا، وأنت أشبّ أهل يثرب، وأعطرهم، قال: أترهنونني أبناءكم؟ قال ابن إسحاق: فحدّثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((أن النبيّ وَّر مشى معهم إلى بقيع الغرقد، ثم وجّههم، فقال: انطلقوا على اسم الله؛ اللهم أعِنْهم))، ثم رجع رسول الله وَّه إلى بيته، وهو في ليلة مُقْمِرة، وأقبلوا حتى انتهوا إلى حِصنه، فهَتَف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعُرس، فوَثَب في مِلْحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائماً لَمَا أيقظني؛ فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشرّ، قال: يقول لها كعب: لو يُدعى الفتى لِطَعْنة لأجاب، فنزل، فتحدّث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قال: هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى شِعب العجوز، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شَامَ يده في فَوْد رأسه، ثم شمّ يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيباً أعطر قط، ثم مشى ساعةً، ثم عاد لمثلها، حتى اطمأنّ، ثم مشى ساعةً، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفَوْد رأسه، ثم قال: اضربوا عدوَّ الله، فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم، فلم تُغْن شيئاً، قال محمد بن مسلمة: فذَكَرت مِغْولاً في سيفي، حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئاً، فأخذته، وقد صاح عدوّ الله صيحةً لم يبق حولنا حصنٌ إلا وقد أُوقدت عليه نار، قال: فوضعته في ثَنَّته، ثم تحاملت عليه، حتى بلغت عانته، فوقع عدوّ الله، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجُرح في رأسه، أو في رجله، أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد بني قريظة، ثم على بُعاث، حتى أسندنا في حَرّة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعةً، ثم أتانا يتبع آثارنا، قال: فاحتملناه، فجئنا به رسول الله صل* آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلّمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدوّ الله، وتَفَل على جُرح صاحبنا، فرجع، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا، وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهودي، إلا وهو يخاف على نفسه. انتهى (١). (١) ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٥٤. ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَّفُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٥٥] (١٨٠١) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى: ((مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ أَذَى اللهَ وَرَسُولَهُ))، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتْحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: اتْذَنْ لِي، فَلأَقُلْ، قَالَ: ((قُلْ))، فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ، وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً، وَقَدْ عَنَّانَا، فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضاً وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ، حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفاً، قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟ قَالَ: مَا تُرِيدُ، قَالَ: تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ؟، قَالَ: أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ، أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِي (١) أَوْلَادَكُمْ؟ قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا، فَيُقَالُ: رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللْأَمَةَ - يَعْنِي: السِّلَاحَ(٢) - قَالَ: فَتَعَمْ، وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ، وَأَبِي عَبْسٍ بْنِ جَبْرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ: فَجَاءُوا، فَدَعَوْهُ لَيْلاً، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ عَمْرِو: قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ(٣): إِنِّي لِأَسْمَعُ صَوْتاً كَأَنَّهُ صَوْتُ دَم، قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعُهُ أبو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلاً لأَجَابَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَدُونَكُمْ، قَالَ: فَلَمَّا نَزَّلَ، نَزَّلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحْ، فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ، قَالَ: نَعَمْ، تَحْتِي فُلَانَةُ، هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، قَالَ: فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ، فَشَمَّ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ، قَالَ: فَقَتَلُوهُ). (١) وفي نسخة: ((أترهنوني)). (٢) هو قول سفيان الراوي، كما عند البخاريّ في ((الرهن)). (٣) وفي نسخة: ((قالت امرأته)). (٤٠) - بَابُ قَتْلِ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ، طَاغُوتِ الْيَهُودِ - حديث رقم (٤٦٥٥) ٣٩٩ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ - بن مَخْرَمَة - الزُّهْرِيُّ) البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٦) (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٨١٥/٢٦. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم، تقدّم قريباً. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلّميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ًا، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف نَّهُ؛ كالأسانيد الثلاثة الماضية، وكالسند اللاحق، وفيه جابر بن عبد الله فيها الصحابيّ ابن الصحابيّ، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ)؛ يعني: متن الحديث لعبد الله بن محمد الزهريّ، شيخه الثاني، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانٌ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، وعند أبي نعيم، من طريق الحميديّ، عن سفيان: ((حدّثنا عمرٌو))، قال: (سَمِعْتُ جَابِراً)؛ أي: ابن عبد الله ﴿ها، (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ؟)؛ أي: من الذي ينتدب إلى قتله؟ (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنه (قَدْ آذَى اللهَ مَلَ (وَرَسُولَهُ))) بالے بشعره الوقح البذيّ، وفي رواية محمد بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن جابر، عند الحاكم، في ((الإكليل)): ((فقد آذانا بشِعْره، وقَوَّى المشركين))، وأخرج ابن عائذ، من طريق الكلبيّ: ((أن كعب بن الأشرف قَدِمَ على مشركي قريش، فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين))، ومن طريق أبي الأسود، عن عروة: ((أنه كان يهجو النبيّ وَّ والمسلمين، ويُحَرِّض قريشاً عليهم، وأنه لَمّا قَدِم على قريش، قالوا له: أديننا أهدى، أم دين محمد؟ قال: دينكم، فقال النبيّ وَله: من لنا بابن الأشرف؟، فإنه قد استعلن بعداوتنا)). ٤٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وذَكَر في ((فوائد عبد الله بن إسحاق الخرسانيّ))، من مرسل عكرمة، بسند ضعيف إليه لقتل كعب سبباً آخر، وهو أنه صنع طعاماً، وواطأ جماعة من اليهود أنه يدعو النبيّ وَ﴿ إلى الوليمة، فإذا حَضَر فَتَكُوا به، ثم دعاه، فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل بما أضمروه، بعد أن جالسه، فقام، فستره جبريل بجناحه، فخرج، فلمّا فَقَدوه تفرقوا، فقال حينئذ: من ينتدب لقتل كعب؟ ويمكن الجمع بتعدد الأسباب، قاله في ((الفتح)) (١). (فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) - بفتح الميم، واللام - ابن سلمة بن خالد بن عديّ بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس، حليف لبني عبد الأشهل، شَهِد بدراً، والمشاهد كلَّها مع رسول الله وَّت، ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين، وقيل: ستّ وأربعين، وقيل: سنة سبع وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين سنةً، وصَلَّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ أمير المدينة، وكان من فضلاء الصحابة، واستخلفه النبيّ وَّ على المدينة في بعض غزواته، وقيل: إنه استخلفه في غزوة قرقرة الكدر، وقيل: إنه استخلفه عام تبوك، واعتَزَلَ الفتنة، واتّخذ سيفاً من خشب، وجعله في جَفْن، وذَكَرَ أن النبيّ ◌َ ﴿ أمره بذلك، ولم يشهد الْجَمَلَ، ولا صفّين، وأقام بالرَّبَذَة(٢)، وهو أكبر مَنْ اسمه محمد من الصحابة ﴿ه، تقدّمت ترجمته في ((القسامة)) ٤٣٨٩/١١. (يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، (أَنْ أَقْتُلَهُ؟)، وفي مرسل عكرمة: ((فقال محمد بن مسلمة: هو خالي)). (قَالَ) وَيتو (نَعَمْ)))؛ أي: أحبّ أن تقتله، وفي رواية محمد بن محمود: ((فقال: أنت له))، وفي رواية ابن إسحاق: ((قال: فافعل إن قدرت على ذلك))، وفي رواية عروة: ((فسكت رسول الله مَ *، فقال محمد بن مسلمة: أقرّ صامت))، ومثله عند سَمُوْيَه في ((فوائده))، فإن ثبت احْتَمَل أن يكون سكت أوّلاً، ثم أَذِنَ له، فإن في رواية عروة أيضاً أنه قال له: ((إن كنت فاعلاً، فلا تَعْجَلْ حتى تُشاور سعد بن (١) ((الفتح)) ٩٦/٩ - ٩٧، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧). (٢) ((عمدة القاري)) ١٧٧/١٧، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٣٧).