Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ
المشركون إلى أثقالهم، فقال النبيّ وَّ لأصحابه: ((إن رَكِبوا، وجعلوا الأثقال
تتبع آثار الخيل، فهم يريدون البيوت، وإن رَكِبُوا الأثقال، وتجنبوا الخيل فهم
يريدون الرجوع))، فتبعهم سعد بن أبي وقاص، ثم رجع، فقال: رأيت الخيل
مجنوبة، فطابت أنفس المسلمين، ورجعوا إلى قتلاهم، فدفنوهم في ثيابهم،
ولم يغسلوهم، ولم يصلوا عليهم، ويَكَى المسلمون على قتلاهم، فَسُرّ
المنافقون، وظهر غَشّ اليهود، وفارت المدينة بالنفاق، فقالت اليهود: لو كان
نبيّاً ما ظهروا عليه، وقالت المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا.
(المسألة الرابعة): في بيان ما ذكره أهل العلم من الْحِكَم الجليلة،
والفوائد النبيلة في قصّة غزوة أُحُد:
(اعلم) أن العلماء قالوا: كان في قصة أُحُد، وما أصيب به المسلمون
فيها من الفوائد، والْحِكَم الربانية، أشياء عظيمة:
١ - (منها): تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي؛
لِمَا وقع من ترك الرُّماة موقفهم الذي أمرهم الرسول وَل﴿ أن لا يبرحوا منه.
٢ - (ومنها): أن عادة الرسل أن تُبْتَلَى، وتكون لها العاقبة، كما تقدم في
قصّة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في
المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميّز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائماً لم
يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين؛ لتمييز
الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيّاً عن المسلمين، فلمّا
جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول، عاد
التلويح تصريحاً، وعَرَفَ المسلمون أن لهم عدوّاً في دُورهم، فاستعدُّوا لهم،
وتحرّزوا منهم.
٣ - (ومنها): أن في تأخير النصر في بعض المواطن هَضْماً للنفس،
وكسراً لشَمَاختها، فلما ابْتُلِي المؤمنون صبروا، وجَزِع المنافقون.
٤ - (ومنها): أن الله تعالى هيّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لا
تبلغها أعمالهم، فقيّض لهم أسباب الابتلاء والمحن؛ لِيَصِلوا إليها .
٥ - (ومنها): أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء، فساقها إليهم.
٦ - (ومنها): أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
بها ذلك من كفرهم، وبغيهم، وطغيانهم في أذى أوليائه، فمَخَّصَ بذلك ذنوب
المؤمنين، ومَحَقَ بذلك الكافرين(١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٢] (١٧٨٩) - (وَحَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيه
أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فِي سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ، قَالَ: ((مَنْ
يَرُدُّهُمْ عَنَّا، وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟))، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ،
فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضاً، فَقَالَ: (مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا، وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُوَ
رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟))، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ
حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ لِصَاحِبَيْهِ: ((مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ
بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
[تنبيه]: قوله: (الأَزْدِيُّ) قال النوويّ تَُّ: هكذا هو في جميع النسخ:
(الأزديّ))، وكذا قاله البخاريّ في ((التاريخ))، وابن أبي حاتم في كتابه،
وغيرهما، وذكره ابن عديّ، والسمعانيّ، فقالا: هو قيسيّ، فقد ذكر البخاريّ
أخاه أُمَيّة بن خالد، فنسبه قيسيّاً، وذكره الباجيّ، فقال: القيسيّ الأزديّ، قال
القاضي عياض: هذان نسبان في الظاهر مختلفان؛ لأن الأزد من اليمن، وقيس
من مَعَدّ، قال: ولكن قيس هنا ليس قيس عَيلان، بل قيس بن ثوبان، من الأزد،
فتصح النسبتان، قال القاضي: وقد جاء مثل هذا في ((صحيح مسلم)) في زياد بن
رَبَاح القيسيّ، ويقال: رياح، كذا نَسَبَه مسلم في غير موضع: القيسيّ، وقال في
((النذور)): التيميّ، قيل: لعله من تيم بن قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل، فيجتمع
النسبان، وإلا فتيم قريش لا تجتمع هي وقيس، هذا كلام القاضي(٢).
(١) راجع: ((الفتح)) ٩/ ١١٠ - ١١١، كتاب ((المغازي)).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٦٢.

٢٨٣
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٢)
وقد سبق بيان ضبط هَدّاب هذا مَرّات، وأنه بفتح الهاء، وتشديد الدّال،
وأنه يقال له: هُذْبة، بضم الهاء، قيل: هُذْبة اسم، وهَدَّاب لقَبِّ، وقيل:
عكسه. انتهى(١).
٢ - (عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ) بن عبد الله بن زُهير بن عبد الله بن أبي مليكة زُهير بن
عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، أبو
الحسن البصريّ، أصله من مكة، وهو المعروف بعليّ بن زيد بن جدعان،
يُنسب أبوه إلى جدّ جدّه، ضعيف [٤].
روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن البصريّ،
وغيرهم.
وروى عنه قتادة، ومات قبله، والحمادان، وزائدة، والسفيانان،
وسفيان بن حسين، وشعبة، قال ابن سعد: وُلد وهو أعمى، وكان كثير
الحديث، وفيه ضَعف، ولا يُحتجّ به، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس
بالقويّ، وقد روى عنه الناس، وقال حنبل عن أحمد: ضعيف الحديث، وقال
معاوية بن صالح عن يحيى: ضعيف، وقال العجليّ: كان يتشيع، لا بأس به،
وقال مرةً: يُكتب حديثه، وليس بالقويّ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ صالح
الحديث، وإلى اللِّين ما هو، وقال الْجُوزَجانيّ: واهي الحديث، ضعيف، وفيه
ميل عن القصد، لا يُحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: ليس بقويّ، وقال أبو
حاتم: ليس بقويّ، يُكتب حديثه، ولا يحتجّ به، وهو أحب إلي من يزيد بن
زياد، وكان ضريراً، وكان يتشيع، وقال الترمذيّ: صدوق، إلا أنه ربما رفع
الشيء الذي يوقفه غيره، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال ابن خزيمة: لا أحتج
به؛ لسوء حفظه، وقال ابن عديّ: لم أر أحداً من البصريين وغيرهم امتنع من
الرواية عنه، وكان يغلو في التشيع، ومع ضَعفه يُكتب حديثه، وقال الحاكم أبو
أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال الدارقطنيّ: أنا أقف فيه، لا يزال عندي فيه
لين، وقال معاذ بن معاذ، عن شعبة: حدّثنا عليّ بن زيد قبل أن يَختلط، وقال
أبو الوليد وغيره، عن شعبة: ثنا عليّ بن زيد، وكان رَفّاعاً، وقال سليمان بن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٧/١٢.

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
حرب، عن حماد بن زيد: ثنا عليّ بن زيد، وكان يقلب الأحاديث، وفي
رواية: كان يحدّثنا اليوم بالحديث، ثم يحدّثنا غداً، فكأنه ليس ذلك، وقال
عمرو بن عليّ: كان يحيى بن سعيد يتقي الحديث عن عليّ بن زيد، حدّثنا عنه
مرةً، ثم تركه، وقال: دَعْهُ، وكان عبد الرحمن يحدّث عن شيوخه عنه، وقال
أبو معمر القَطِيعيّ، وقال يزيد بن زريع: رأيته، ولم أحمل عنه؛ لأنه كان
رافضيّاً، وقال أبو سلمة: كان وهيب يضعّف عليّ بن زيد، قال أبو سلمة:
فذكرت ذلك لحماد بن سلمة، فقال: ومن أين كان يَقْدِر وهيب على مجالسة
عليّ؟ إنما كان يجالس عليّ وجوه الناس، وقال ابن الجنيد: قلت لابن معين:
عليّ بن زيد اختلط؟ قال: ما اختلط قطّ، وقال خالد بن خِدَاش، عن حماد بن
زيد: سمعت سعيد الْجُريري يقول: أصبح فقهاء البصرة عُميان: قتادة، وعليّ بن
زيد، وأشعث الحدّاني.
قال الحضرميّ: مات سنة (١٢٩)، وقال خليفة: مات سنة (٣١).
أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والأربعة، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، أخرج له مقروناً بثابت.
والباقون تقدّموا قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخُّْ، وهو (٣١١) من رباعيّات الكتاب، وأنه
مسلسل بالبصريين، من أوله إلى آخره، وفيه أنس ظُه، وتقدّم الكلام عليه
قريباً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أُفْرِدَ) بالبناء للمفعول؛ أي:
جُعل منفرداً، يقال: فَرَدَ يَفْرُدُ، من باب قَتَلَ: صار فَرْداً، وأفردته بالألف:
جعلته كذلك، قاله الفيّوميّ(١). (يَوْمَ أُحُدٍ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: يوم غزوة
أُحُد، وقوله: (فِي سَبْعَةٍ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه كائناً في جملة
(١) ((المصباح المنير)) ٤٦٦/٢ - ٤٦٧.

٢٨٥
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٢)
سبعة (مِنَ الأَنْصَارِ)، وقوله: (وَرَجُلَيْنِ) بالجرّ عطفاً على سبعة، (مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا
رَهِقُوهُ)؛ أي: غَشيه العدوّ، ولَحِقوه، وهو مكسور الهاء ثلاثيّاً، ويقال: أرهقه
رباعيّاً، بمعناه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، قال
ابن الأعرابيّ: رَهِقْتُهُ، وأرهقته بمعنى واحد، ذكره القرطبيّ(١).
وقال النوويّ: قوله: ((فلما رَهِقُوه)) هو بكسر الهاء؛ أي: غَشُوهِ، وقَرُبُوا
منه، يقال: أرهقه؛ أي: غَشِيه، قال صاحب ((الأفعال)): رَهِقْتُهُ، وأرهقته؛
أي: أدركته، قال القاضي عياض في ((المشارق)): قيل: لا يُستعمل ذلك إلا
في المكروه، قال: وقال ثابتٌ: كلُّ شيء دَنَوْتَ منه، فقد رَهِقْتَه، والله أعلم.
(٢)
انتھی(٢).
(قَالَ) بَِّ ((مَنْ يَرُدُّهُمْ)؛ أي: المشركين الذي رَهِقُوه، (عَنَّا، وَلَهُ الْجَنَّةُ،
أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال (هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟»، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول، (ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضاً)؛ أي: غَشُوه مرّةً
أُخرى (فَقَالَ) وَِّ ((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّ، وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُوَ رَفِقِي فِي الْجَنَّةِ؟))، فَتَقَدَّمَ
رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ)، وفي
(سيرة ابن هشام)): قال ابن إسحاق: وقال رسول الله وَّ﴿ حين غَشِيه القوم:
((مَن رجلٌ يشري لنا نفسه؟))، قال: فقام زياد بن السَّكَن في نفر خمسة من
الأنصار، وبعض الناس يقول: إنما هو عُمارة بن يزيد بن السكن، فقاتلوا دون
رسول الله وَّ رجلاً، ثم رجلاً، يُقتَلون دونه، حتى كان آخرَهم زيادٌ، أو
عمارةُ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين، فأجهضوهم
عنه(٣)، فقال رسول الله وَّر: ((أدنوه مني))، فأدنوه منه، فوَسَّده قَدَمَه، فمات،
وخدّه على قدم رسول الله وَّ. انتهى(٤).
وقال ابن عبد البرّ كَُّ في ترجمة زياد بن السكن: رَوَى ابن المبارك،
عن محمد بن إسحاق بسنده، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن: أن
رسول الله ﴿ لَمّا لحمه القتال يوم أُحد، وخَلَص إليه، ودنا منه الأعداء ذَبّ
(١) ((المفهم)) ٦٤٨/٣.
(٣) أي: نَخَّوْهم عنه، وغلبوهم.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١٤٧.
(٤) ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٨٠.

٢٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
عنه المصعب بن عمير، حتى قُتل، وأبو دُجانة سماك بن خَرَشة، حتى كثرت
فيه الجراح، وأصيب وجه رسول الله وَلچ، وثلمت رَباعيته، وكُلمت شفته،
وأصيبت وَجْنَته، وكان رسول الله وَّ قد ظاهر يومئذ بين درعين، فقال
رسول الله وَ﴾: (مَن رجلٌ يبيع لنا نفسه؟))، فوَثَب إليه فتية من الأنصار خمسة،
منهم زياد بن السكن، فقاتلوا، حتى كان آخرهم زياد بن السكن، فقاتل حتى
أثبت، ثم ثاب إليه ناس من المسلمين، فقاتلوا عنه، حتى أجهضوا عنه العدوّ،
فقال رسول الله وَ﴿ لزياد بن السكن: ((ادْنُ مني)) - وقد أثبتته الجراحة - فوسّده
رسول الله پڼ قدمه، حتى مات عليها .
قال: وأخرج هذا الخبر الطبريّ بسنده، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن
السكن قال: فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس
يقول: إنما هو عمارة بن زياد السكن. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ لِصَاحِبَيْهِ)؛ يعني: بهما القرشيين المذكورين في
أول الحديث، ((مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا))) قال النوويّ تَخْتُ: الرواية المشهورة
فيه: ((ما أنصفنا)) بإسكان الفاء، و((أصحابَنَا)) منصوب، مفعول به، هكذا
ضبطه جماهير العلماء، من المتقدمين، والمتأخرين، ومعناه: ما أنصفت
قريشٌ الأنصار؛ لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرجت الأنصار واحداً
بعد واحد، وذكر القاضي عياض وغيره: أن بعضهم رواه: ((ما أنصَفَنا)) بفتح
الفاء، والمراد على هذا: الذين فَرُّوا من القتال، فإنهم لم يُنصفوا؛ لفرارهم.
انتھی(٢).
وقال في ((المشارق)): ((ما أنصفنا أصحابنا)) كذا رويناه عن الأسديّ،
بسكون الفاء، وفتح الباء، ورواه بعضهم: ((أنصفَنا أصحابُنا)) بفتح الفاء، ورفع
الباء، والصواب الرواية الأولى، ومساق الخبر يدلّ على ترجيح هذه الرواية.
انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الاستيعاب)) لابن عبد البرّ تخذفُ ١/ ١٥٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٧/١٢ - ١٤٨.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٣٥٧/٢.

٢٨٧
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٢)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظه هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَتهُ(١) .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٣٢/٣٥] (١٧٨٩)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٧/ ٣٧٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٦/٣)، و(عبد بن حُميد) في
((مسنده)) (٤٠٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧١٨)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٣٣٠/٤)، و(ابن أبي عاصم) في ((الجهاد)) (٥٥٤/٢)، و(أبو يعلى)
في ((مسنده)) (٦٧/٦ و٦٨/٧ و٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤/٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أصاب النبيّ وَّه في سبيل الله تعالى، حيث تكالب
عليه الأعداء، ورَهِقُوه، يريدون إلحاق الضرر به، ولكنّ الله رشّ وعده
بالعصمة، حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ الآية [المائدة: ٦٧].
٢ - (ومنها): بيان ما حصل للمسلمين من الابتلاء في أُحُد، حيث تركوا
النبيّ وَّ مع تسعة من الصحابة، وولّوا مدبرين؛ لأمر قضاه الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان فضل الأنصار السبعة، حيث استُشهدوا في الدفاع عن
٠
رسول الله
٤ - (ومنها): أن الحكمة فيما جرى بأُحد أن الله تعالى أجرى سُنَّته في
رسله، وأتباعهم بأن يدالُوا مرّة، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة،
فإنهم لو انتصروا دائماً دخل معهم المؤمنون، وغيرهم، ولم يتميز الصادق من
غيره، ولو انتُصِر عليهم دائماً لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت
حكمة الله تعالى أن جَمَع لهم بين الأمرين؛ ليتميّز من يتبعهم، ويطيعهم للحقّ،
وما جاءوا به، ممن يتبعهم على الظهور، والغلبة خاصة.
ثم أن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان: هل قاتلتموه؟
(١) بل لم يُخرجه من أصحاب الكتب الستّة إلا هو.

٢٨٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سِجَال، يُدال علينا المرّة،
وندال عليه الأخرى، قال: كذلك الرسل تُبْتَلَى، ثم تكون لهم العاقبة(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٣] (١٧٩٠) - (حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، يُسْأَلُ عَنْ جُرْحٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ
أُحُدٍ، فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِنَّهِ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى
رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِنَّهِ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّ كَثْرَةً، أَخَذَتْ
قِطْعَةَ حَصِيرٍ، فَأَحْرَقَتْهُ، حَتَّى صَارَ رَمَاداً، ثُمَّ أَلْصَقَّتْهُ بِالْجُرْحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت١٨٤)، أو
قبل ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥/ ٢٩٠.
٣ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ،
مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠)، أو قبلها، أو بعدها (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣١٣/٥٠.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ،
أبو العبّاس المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٨٨) أو بعدها،
وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف لَّهُ؛ كسابقه، ولاحقه، وهو (٣١٢) من
رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل
المدينة، وأن صحابيّه آخر من مات من الصحابة ﴿﴿ بالمدينة على بعض
الأقوال، والله تعالى أعلم.
(١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ١٩٦/٣.

٢٨٩
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٣)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) ﴿يَا (يُسْأَلُ)
بالبناء للمفعول، وفيّ الرواية التالية: ((عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد،
وهو يُسأل عن جُرح رسول الله وَل 9))، وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عُيينة،
عن أبي حازم، سمع سهل بن سعد الساعديَّ، وسأله الناس، وما بيني وبينه
أحد: بأيّ شيءٍ دُووي ◌ُجُرح رسول الله بَلي؟))، ووقع في رواية الحميديّ عن
سفيان: ((اختَلَف الناس بأيّ شيء دُووي جرح رسول الله وَمِيرٍ؟)).
(عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) الجُرْح بالضمّ: اسم من جَرَحَه يَجْرَحه،
جَرْحاً، من بابَ نَفَعَ، (يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: جُرِحَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله
قوله: (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وفي الرواية التالية: ((فقال: أَمَ، والله إني لأعرف
من كان يغسل جُرح رسول الله وَّر، ومن كان يسكب الماء، وبماذا دُووي
جرحه ... ))، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((فقال: ما بقي أحدٌ أعلم به مني،
كان عليّ يجيء بترسه فيه ماءٌ))، فذكره.
وإنما قال سهل به: ((ما بقي أحد ... إلخ))؛ لأنه كان آخر من بقي من
الصحابة ﴿ بالمدينة، كما صرّح به البخاريّ في ((النكاح))، ولفظه: ((فسألوا
سهل بن سعد الساعديّ، وكان من آخر من بقي من أصحاب النبيّ وَّر بالمدينة)).
وقوله: ((وكان من آخر من بقي من الصحابة بالمدينة)) فيه احتراز عمن
بقي من الصحابة بالمدينة، وبغير المدينة، فأما المدينة فكان بها في آخر حياة
سهل بن سعد محمود بن الربيع، ومحمد بن لبيد، وكلاهما له رؤية، وعُدّ في
الصحابة، وأما من الصحابة الذين ثبت سماعهم من النبيّ وَّر فما كان بقي
بالمدينة حينئذ إلا سهل بن سعد، على الصحيح، وأما بغير المدينة، فبقي
أنس بن مالك ظُه بالبصرة، وغيرُه بغيرها، قاله في ((الفتح))(١).
[تنبيه]: كان بين وقعة أحد، وبين إخبار سهل بن سعد ◌ًا بذلك أكثر
من ثمانين سنةً، قاله في ((الفتح))(٢).
(١) ((الفتح)) ٧٠٦/١١، كتاب ((النكاح)) رقم (٥٢٤٨).
(٢) ((الفتح)) ٦٠٤/١ - ٦٠٥، كتاب ((الطهارة)) رقم (٢٤٣).

٢٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
[تنبيه آخر]: ذكر ابن عائذ، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، حدّثني
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن الذي رَمَى رسول الله وَّهِ بأَحد، فجرحه في
وجهه، قال: خُذها مني، وأنا ابن قمئة، فقال: ((أقمأك الله))(١)، قال: فانصرف
إلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافاها على ذِرْوة جبل، فدخل فيها، فَشَدَّ عليه
تيسها، فنَطَحه نَطْحَةً أدراه من شاهق الجبل، فتقطع(٢).
(وَكُسِرَتْ) بالبناء للمفعول أيضاً، ونائب فاعله قوله: (رَبَاعِيَتُهُ) - بفتح
الراء، وتخفيف الموحّدة -: هي السنّ التي تلي الثنية، من كل جانب،
وللإنسان أربع رَبَاعِيَات، قاله النوويّ(٣).
وقال الفيّوميّ: ((الرباعية بوزن الثمانية: السنّ التي بين الثنيّة والناب،
والجمع رَبَاعيات بالتخفيف أيضاً)). انتهى(٤).
(وَهُشِمَتِ) بالبناء للمفعول أيضاً، قال الفيّوميّ: الْهَشْمُ: كسرُ الشيء
اليابس، والأجوف، وهو مصدرٌ، من باب ضرب، ومنه الهاشمة، وهي الشَّجَّة
التي تَهْشِم العظم. انتهى (٥)، وقوله: (الْبَيْضَةُ) مرفوع على أنه نائب الفاعل،
وهي بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة، ثم ضاد معجمة - وهي الْخُوذَة بالضمّ؛
أي: الْمِغْفر، وقوله: (عَلَى رَأْسِهِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كون البيضة
كائنةً على رأس النبيّ ◌َّ.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): مجموع ما ذُكِر في الأخبار - أي: مما أصاب
النبيّ وَ﴿ يوم أُحد - أنه: شُجّ وجهه، وكُسرت رباعيته، وجُرحت وجنته،
وشفته السفلى، من باطنها، ووَهَى مَنْكِبه، من ضربة ابن قَمِئة، وجُحِشت
ر کبته .
ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: ضُرِب وجهُ النبيّ
ميلا
(١) أي: أذلّك، يقال: قَمَأَ، كجَمَعَ، وكَرُم قمأةً، وقَماءةً، وقُمْأةً بالضمّ، والكسر:
ذَلَّ، وصَغُرَ، وأقمأه: صَغّره، وأذلّه، قاله في ((القاموس)) ص١٠٨٨.
(٢) ((الفتح)) ١٥٢/٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٧٥).
(٣) (شرح النوويّ)) ١٤٨/١٢.
(٥) ((المصباح المنير)) ٦٣٨/٢.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢١٦/١.

٢٩١
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٣)
يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرّها كلَّها، وهذا مرسل قويّ، ويَحْتَمِل
أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها، أو المبالغة في الكثرة. انتهى(١).
(فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ﴾ ◌َّا، أم الحسنين، سيّدة نساء هذه
الأمة، تزوّجها عليّ رَظُه في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفّيت بعد وفاة
رسول الله وَله بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل.
وقد أوضح سعيد بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، فيما أخرجه الطبرانيّ
من طريقه، سبب مجيء فاطمة ﴿ّا إلى أُحُد، ولفظه: ((لَمّا كان يومُ أُحد،
وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن
خرج، فلما رأت النبيّ ◌َ ﴿ اعتنقته، وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد
الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئاً من حصير، فأحرقته بالنار، وگَمَّدته(٢) به،
حتى لَصِقَ بالجرح، فاستمسك الدم.
وله من طريق زهير بن محمد، عن أبي حازم: ((فأَحْرَقت حصيراً، حتى
صارت رماداً، فأخذت من ذلك الرماد، فوضعته فيه، حتى رقأ الدم))، وقال
في آخر الحديث: ((ثم قال يومئذ: اشتَدَّ غضب الله على قوم دَمَّوا وجه
رسوله))، ثم مكث ساعة، ثم قال: ((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون))(٣).
(تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) مَ لُه المتوفّى سنة أربعين من
الهجرة، وتقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ٢/٢. (يَسْكُبُ) بضمّ الكاف، من باب
نصر؛ أي: يصبّ، يقال: سَكَبَ الماءُ سَكْباً، وسُكُوباً: انصبّ، وسَكَبه غيره،
يتعدّى، ولا يتعدّى(٤)، وما هنا من المتعدّي، ومفعوله محذوف؛ أي: يصبّ
الماءَ، وفي رواية للبخاريّ: ((وعليّ يسكُبُ الماء بالمِجَنّ))، (عَلَيْهَا)؛ أي: على
(١) راجع: ((الفتح)) ١٥١/٩، كتاب ((المغازي)) (٤٠٧٣).
(٢) قال في ((القاموس)): ((الْكِمَادُ، ككتاب: خِرْقة، وسِخَةٌ، تُسخّن، وتوضع على
الْمَوْجُوع، يَشتفي بها من الريح، ووجع البطن؛ كالكمادة، وتكميد العضو: تسخينه
بها)). انتهى.
(٣) ((الفتح)) ٩/ ١٥٢، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٧٥).
(٤) ((المصباح)) ٢٨١/١.

٢٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
فاطمة ﴿ّا، والمراد أنه يصبّ على موضع غسلها. (بِالْمِجَنِّ) - بكسر الميم،
وفتح الجيم، وتشديد النون -: التُّرْس، (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ) ﴿ُّهَا (أَنَّ الْمَاءَ لَا
يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّ كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد
المهملتين -: هي البَاريّة، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بريد وبُرُد، وتأنيثها بالهاء
عاميّ، قاله الفيّوميّ (١). (فَأَحْرَقَتْهُ، حَتَّى صَارَ رَمَاداً، ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ) ووقع
عند ابن ماجه، من وجه آخر، عن سهل بن سعد ظُه: ((أحرقت له حين لم
يرقأ قطعة حصير، خَلَقٍ، فوضعت رماده عليه))، (فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ)؛ أي: توقّف
خروجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٣٣/٣٥ و٤٦٣٤ و٤٦٣٥] (١٧٩٠)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٤٣) و((الجهاد)) (٢٩٠٣ و٢٩١١ و٣٠٣٧)
و((المغازي)) (٤٠٧٣ و٤٠٧٥) و((النكاح)) (٥٢٤٨) و((الطبّ)) (٥٧٢٢)،
و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٨٥)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٦٤)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٢٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٠/٥ و٣٣٤)،
و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٦٧/١)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢/
٣٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢٨/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٥٧٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٨٩٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٥٠١/١)، و(الرويانيّ) في («مسنده)) (١٩٧/٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٠/٩) و((دلائل النبوّة)) (٢٥٩/٣ - ٢٦٠ و٢٦١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قد يصابون ببعض
العوارض الدنيوية، من الجراحات، والآلام، والأسقام؛ لِيَعْظُم لهم بذلك
(١) ((المصباح المنير)) ١٣٨/١ - ١٣٩.

٢٩٣
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٣)
الأجر، وتزداد درجاتهم رفعةً، وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره،
والعاقبة للمتقين، قال القاضي عياض كَثّلُهُ: ولِيُعْلَم أنهم من البشر، تصيبهم
مِحَنُ الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر؛ لِيُتَيَقَّنَ أنهم
مخلوقون، مربوبون، ولا يُفْتَتَن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، وتلبيس
الشيطان من أمرهم ما لَبَّسه على النصارى وغيرهم، حتى اعتقدوا في عيسى
أنه إله. انتهى (١).
٢ - (ومنها): جواز التداوي، ومعالجة الجراح، واتخاذ التُّرْس في
الحرب، وأن جميع ذلك لا يَقْدَح في التوكل؛ لصدوره من سيد المتوكلين وَله،
مع قول الله تعالى له: ﴿وَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِىِ لَا يَمُوتُ﴾ الآية [الفرقان: ٥٨].
٣ - (ومنها): أن فيه مباشرةَ المرأة لأبيها، وكذلك لغيره من ذوي
محارمها، ومداواتها لأمراضهم، وقد احتجّ البخاريّ كَّثهُ به على جواز إبداء
المرأة زينتها لأبيها، وكذا لسائر من ذُكر في آية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَِّهِنَ أَوْ ءَابَآِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبَبِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِرَ أَوْ
إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيِّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآَبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ
غَيْرِ أُوْلِ آلْإِرْبَةِ مِنَ الْرّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:
٣١]، وهو احتجاج واضحٌ.
٤ - (ومنها): أن فيه إشعاراً بأن الصحابة والتابعين كانوا يتّبعون أحوال
النبيّ ◌َّ في كل شيء حتى في مثل هذا، فإن الذي يُداوى به الجرح لا
يختلف الحكم فيه، إذا كان طاهراً، ومع ذلك فترددوا فيه، حتى سألوا مَن
شاهد ذلك، وهو سهل بن سعد
٥ - (ومنها): مشروعيّة التداوي برماد الحصير.
قال في ((الفتح)): وقد كان أبو الحسن القابسيّ يقول: وَدِدْنا لو علمنا
ذلك الحصير، مم كان؟ لنتخذه دواء لقطع الدم.
قال ابن بطال(٢): قد زعم أهل الطبّ أن الحصير كلّها إذا أُحرقت تُبطل
(١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٦٤.
(٢) راجع: ((شرح ابن بطّال على البخاريّ)) ٤٢٠/٩.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
زيادة الدم، بل الرماد كلّه كذلك؛ لأن الرماد من شأنه القبض، ولهذا ترجم
الترمذيّ لهذا الحديث: ((التداوي بالرماد)).
وقال المهلَّب: فيه أن قَطْع الدم بالرماد كان معلوماً عندهم، لا سيما إن
كان الحصير من دبس السعد، فهي معلومة بالقبض، وطيب الرائحة، فالقبض
يَسُدّ أفواه الجرح، وطيب الرائحة يُذهب بزهم الدم، وأما غسل الدم أوّلاً،
فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، أما لو كان غائراً، فلا يؤمَن معه
ضرر الماء إذا صُبّ فيه.
وقال الموفق عبد اللطيف: الرماد فيه تجفيفٌ، وقلة لَذْع، والمجفف إذا
كان فيه قُوّة لَّذْع ربما هيّج الدم، وجلب الْوَرَم(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٤] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - بَعْنِي: ابْنَ
عَبْدِ الرحمُنِ الْقَارِيَّ - عَنْ أَبِي حَازِمِ، أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ
جُرْحٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ: أَمَ وَاَللهِ، إِنِّي لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ، وَبِمَاذَا دُورِيَ(٢) جُرْحُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ
حَدِيثٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ، وَقَالَ مَكَانَ هُشِمَتْ: كُسِرَتْ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف
بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م « ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُ؛ كسابقيه، وهو (٣١٣) من رباعيّات الكتاب.
(١) ((الفتح)) ١٢١/١٣، كتاب ((الطبّ)) رقم (٥٧٢٢).
(٢) وفي نسخة: ((وبماذا دُوي، ثم ذكر)).

٢٩٥
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٤)
وقوله: (أَمَ وَاللّهِ) ((أَمَ)) هي ((أما)) التي هي أداة استفتاح، وتنبيه، كـ((ألا))،
حُذفت ألفها؛ تخفيفاً، قال ابن هشام كَّتُهُ في ((مغنيه)): ((أما)) حرف استفتاح،
بمنزلة ((ألا))، وتكثر قبل القسم؛ كقوله [من الطويل]:
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ
وقد تُبدل همزتها هاء، أو عيناً قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف،
وحذفها، أو تحذف الألف مع ترك الإبدال، وإذا وقعت ((أَنْ)) بعد أما هذه
كُسِرت، كما تكسر بعد ((ألا)) الاستفتاحية. انتهى(١).
وقوله: (لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ ... إلخ) ((من)) موصولة مفعول ((أعرف)).
وقوله: (وَبِمَاذَا دُورِيَ جُرْحُهُ)؛ أي: وبأيّ شيء عُولج جرح النبيّ وَّه
فـ((ماذا)) استفهاميّة، مركبة من ((ما))، و((ذا))، ويَحْتَمِل أن تكون ((ما)) استفهاميّة،
و(ذا)) موصولةً، كما قال في ((الخلاصة)):
أَوْ ((مَنْ)) إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ
وَمِثْلُ ((مَا)) (ذَا)) بِعْدَ ((مَا)) اسْتِفْهَامِ
وقوله: (دُورِيَ)؛ كقُوتِل، مجهول دَاوَى، مكتوب بواوين، بلا إدغام،
ووقع في بعض النسخ: (دُويَ)) بواو واحدة، فتكون الأخرى محذوفة تخفيفاً،
كما حُذفت من داود في الخطّ (٢).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير يعقوب بن
عبد الرحمن.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ) هذا محلّ نظر، فإن هذا مذكور في
حديث عبد العزيز الماضي، في قوله: ((جُرح وجه رسول الله وَّت))، فكيف
یکون زائداً؟ فليُتأمّل.
[تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم ساقها
البخاريّ تَخْلُ في (صحيحه)) بسند المصنّف، فقال:
(٣٨٤٧) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب، عن أبي حازم، أنه سمع
سهل بن سعد، وهو يُسأل عن جرح رسول الله وَ﴿، فقال: أما والله إني
(١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١١٧/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/١٢ - ١٥٠.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
لأعرف، من كان يَغسل جرح رسول الله وَ طهور، ومن كان يسكب الماء، وبما
دُووي، قال: كانت فاطمة عل له بنت رسول الله وَ ﴿ تغسله، وعليّ بن أبي
طالب يسكب الماء بالْمِجَنّ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرةً،
أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها، وألصقتها، فاستمسك الدم، وكُسرت
رباعيته يومئذ، وجُرح وجهه، وكُسرت البيضة على رأسه. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أبو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
سَوَّادٍ الْعَامِرِبُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي
مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ مُطَرِّفٍ - كُلَّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ: أُصِيبَ وَجْهُهُ،
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُطَرِّفٍ: جُرِحَ وَجْهُهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثمّ المكيّ،
تقدّم قريباً .
٢ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ (٢) الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١]
(ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريباً.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل:
مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، قيل: إنه اختلط [٦]
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٤٩٦/٤.
(٢) بتشديد الواو.

٢٩٧
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٥)
مات بعد (١٣٠) وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في
((الإيمان)» ٨٧/ ٤٦٢.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١١] (ت٢٥١) (م ت س) تقدم في ((الصيام) ٢٥٣٥/٨.
٨ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الْجُمَحيّ
مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤) وله
ثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢.
٩ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) بن داود الليثيّ، أبو غسّان المدنيّ، نزيل عسقلان،
ثقةٌ [٧] مات بعد (١٦٠) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٥/٥٢.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين.
[تنبيه]: سند المصنّف الأول - أعني: سند ابن عيينة - من رباعيّات
المصنّف تَخْذَقُ، وهو (٣١٤) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ)؛ يعني: أن الأربعة، وهم: ابن أبي شيبة،
وزُهير، وإسحاق، وابن أبي عمر رووا هذا الحديث عن سفيان بن عيينة بسنده
الماضي .
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِم)؛ يعني: أن الثلاثة، وهم: ابن عيينة، وسعيد بن
أبي هلال، ومحمد بن مطرّف رووًّا هذا الحديث عن أبي حازم بسنده الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن أبي حازم لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم.
وأما رواية سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، فقد ساقها الطبرانيّ تَخَُّ
في ((المعجم الكبير))، فقال:
(٥٩٨٦) - حدّثنا أحمد بن رِشدين، وعبدان بن أحمد، قالا: ثنا عمرو بن
سوّاد السرحيّ، ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي
هلال، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: رأيت رسول الله وَله يوم
رُه بماء
أُحد، أصيب وجهه، وأصيبت رباعيته، وهُشمت بيضته، فأتاه عليّ
في مِجَنّ، فأتت فاطمة ﴿ّا، فغسلت عنه الدم، وأُحرق قطعة حصير، فجعلته

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
على جرحه. انتهى(١).
وأما رواية محمد بن مطرّف، عن أبي حازم، فقد ساقها أبو عوانة رَظُّ
في ((مسنده))، فقال:
(٦٨٦٤) - حدّثنا الصغانيّ، قال: أنبا ابن أبي مريم، قثنا أبو غسان
محمد بن مطرِّف، قال: حدّثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: هُشمت
البيضة على رأس رسول الله ﴿ يوم أُحُد، وكُسرت رَبَاعيته، وجُرح وجهه،
قال: فكانت فاطمة بنت رسول الله ﴿ تغسل عنه الدم، وعليّ بن أبي طالب
يأتيها بالماء، فلمّا أصاب الجرحَ الماءُ كثر دمه، فلم يرقأ الدم، حتى أَخَذت
قطعة حصير، فأحرقته، حتى عاد رماداً، ثم جعلته على الجرح، فرقأ الدم.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣٦] (١٧٩١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ
فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ، شَجُوا نَبِيَّهُمْ،
وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟))، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿لَيَسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءُ﴾).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ،
مدنيّ الأصل، وقد سكن المدينة مدَّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١)
بمكة (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْدَتُهُ؛ كالأسانيد الأربعة الماضية، وهو (٣١٥)
من رباعيّات الكتاب.
(١) ((المعجم الكبير)) ٦/ ١٩٧.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٣٢٨/٤.

٢٩٩
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ - حديث رقم (٤٦٣٦)
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَێ کُسِرَتْ) بالبناء للمفعول،
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك
ونائب فاعله قوله: (رَبَاعِيَتُهُ) تقدّم أنه بفتح الراء، وتخفيف الموحّدة، وهو
السنّ التي تلي الثنيّة، من الجانبين.
وقال في ((الفتح)): والمراد بكسر الرباعية، وهي السن التي بين الثنية
والناب، أنها كُسرت، فذهب منها فِلْقة، ولم تُقْلَع من أصلها .
قال: وذكر ابن هشام في حديث أبي سعيد الخدريّ أن عتبة بن أبي
وقّاص هو الذي كسر رباعية النبيّ وَّ﴿ السفلى، وجَرَح شفته السفلى، وأن
عبد الله بن شهاب الزهريّ هو الذي شجّه في جبهته، وأن عبد الله بن قَمِئة
جرحه في وجنته، فدخلت حلقتان من حِلَق الْمِغْفَر في وجنته، وأن مالك بن
سنان مَصّ الدم من وجه رسول الله وَلجر، ثم ازدرده، فقال: ((لن تمسك النار)).
وروى ابن إسحاق من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: فما حَرَصت
على قتل رجل قطّ حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لِمَا صنع
برسول الله ◌َل# يوم أُحد.
وفي الطبرانيّ من حديث أبي أمامة قال: رَمَى عبد الله بن قَمِئة
رسول الله وَله يوم أحد فشجّ وجهه، وكسر رباعيته، فقال: خذها، وأنا ابن
قَمِئة، فقال رسول الله قمر - وهو يمسح الدم عن وجهه -: ((ما لك أقمأك الله))،
فسلط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه، حتى قطّعه قطعة قطعة (١).
(يَوْمَ أُحُدٍ) ظرف لـ((كُسرت))، (وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ) بالبناء للمفعول أيضاً،
يقال: شجّه شَجّاً، من باب نَصَرَ على القياس، وفي لغة من باب ضَرَب: إذا
شقّ جِلْده، ويقال: هو مأخوذ من شَجَّتِ السفينةُ البحرَ: إذا شقّته جاريةً،
والشَّجَةُ: الْجِراحة، وإنما تُسمّى بذلك إذا كانت في الوجه والرأس، والجمع:
شِجَاجٌ، مثلُ كَلْبَةٍ وكِلَابٍ(٢). (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ)
يفتح حرف المضارعة، وضمّ اللام؛ أي: يزيله، يقال: سَلَتت المرأة خِضَابها
(١) ((الفتح)) ٩/ ١٤١، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٦٩).
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٠٥/١.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
من يدها سَلْتاً، من باب نَصَر: نَحّته، وأزالته، وقوله: (وَيَقُولُ) جملة في محلّ
نصب على الحال، ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ) بضمّ حرف المضارعة، وكسر اللام، من
الإفلاح، يقال: أفلح الرجل: إذا فاز، وظَفِرَ، قاله الفيّوميّ(١)، وقال المجد:
الْفَلَحُ مُحَرَّكَةً، والفَلَاحُ: الفوز، والنجاةُ، والبقاء في الخير. انتهى(٢). (شَجُوا
نَبِيَّهُمْ) بَّهِ (وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ) وقوله: (وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟))) جملة في محلّ
نصب على الحال من ((نبيّهم))، وإنما جاز إتيان الحال من المضاف إليه؛ لكون
المضاف جزءاً له، قال في ((الخلاصة)):
إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
وَلَا تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ
أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلَا تَحِيفًا
أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيفًا
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((كيف يُفلح قوم ... إلخ)) هذا منه رَّو استبعاد
لتوفيق مَن فَعَل به ذلك.
قال: وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، تقريب
لِمَا استبعده، وإطماع في إسلامهم، ولمّا أطمع في ذلك، قال وَّ: ((اللهم
اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))، وإذا تأمل الفَطِن هذا الدعاء في مثل تلك الحال
[القلم: ٤]، فإنه رَلة لم يدع
٤
عَلِم معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
عليهم، فينتصر، ولم يقتصر على العفو، حتى دعا لهم، ولم يقتصر على الدعاء
لهم، حتى أضافهم لنفسه على جهة الشفقة، ولم يقتصر على ذلك، حتى جَعَل
لهم جهلهم بحاله كالعذر، وإن لم يكن عذراً، وهذا غاية الفضل والكرم التي
لا يشارَكُ فيها، ولا يوصل إليها. انتهى(٣).
(فَأَنْزَلَ اللهُ وَكَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾) قال الحافظ ابن كثير رَُّ:
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾؛ أي: بل الأمر كله إليّ، كما قال
تعالى: ﴿فَإِنََّا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ
هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى
مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقال محمد بن إسحاق في
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٨٠.
(٣) «المفهم)) ٦٥١/٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠٠٨.