Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٣٣) - بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ - حديث رقم (٤٦٣٠)
(خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي)؛ أي: من المدينة إلى بدر، وقوله: (حُسَيْلٌ) بالرفع
على بدل، أو عطف بيان لـ((أبي))، قال النوويّ كَُّ: وهو: حُسَيل - بحاء
مضمومة، ثم سين مفتوحة مهملتين، ثم ياء، ثم لام - ويقال له أيضاً: حِسْل
- بكسر الحاء، وإسكان السين - وهو والدُ حُذَيفة، واليمان لقب له، والمشهور
في استعمال المحدثين أنه اليمان، بالنون، من غير ياء بعدها، وهي لغة قليلة،
والصحيح اليماني، بالياء، وكذا عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي
الموالي، وشدّاد بن الهادي، والمشهور للمحدثين حذف الياء، والصحيح
إثباتها . انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار ابن مالك تَُّهُ إلى هذه القاعدة في
(الخلاصة)) حيث قال:
لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ تُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّتْوِينِ مَا
نَحْوِ ((مُرٍ)) لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِینِ بِالْعَكْسِ وَفِي
وقال القاضي عياضٌ نَُّ: قوله: ((وأبي حُسيلٌ)) كذا صوابه مرفوعاً على
البدليّة، وهو اسم اليمان، والد حُذيفة ها، وهو رواية ابن أبي جعفر، ورواه
الصدفيّ، عن العذريّ: ((حسراً))، ورواه أبو بحر: ((حسيراً)) بالراء مكان
((حُسل))، وكلاهما وَهَمٌ، وإنما سُمّي اليمان؛ لأنه أصاب دماً في قومه، ففرّ
إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه اليمان؛ لحِلْفه اليمانية،
وقيل: بل سُمّي بذلك؛ لأنه اسم جدّه الأعلى، وهو حُذيفة بن حُسيل بن
جابر بن ربيعة بن عمرو بن اليمان الْعَبْسيّ. انتهى (٢).
وكتب الأبيّ تَظُّ بعد نقله كلام عياض هذا ما نصّه: يعني باليمانية:
الأنصار؛ لأنهم ليسوا من مَعَدّ، وتقدّم أن العرب عربان: يمنيّة، ومعَدّيّةٌ،
والمعديّة ما كان من ذرّيّة إسماعيل لعلا، واليمنيّة غيرهم. انتهى (٣).
(قَالَ) حذيفة ◌َُّهُ (فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ)، وفي رواية الحاكم في
((المستدرك)): ((أخذ حذيفةً وأباه المشركون قبل بدر، فأرادوا أن يقتلوهما،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/١٢.
(٣) ((شرح الأبيّ)) ١٢٩/٥.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٥٨/٦.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
فأخذوا عليهما عهد الله، وميثاقه، أن لا يعينان عليهم، فحلفا لهم،
فأرسلوهما، فأتيا النبيّ وَّه، فأخبرا، فقالا: إنا قد حلفنا لهم، فإن شئت قاتلنا
معك، فقال: ((نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم))(١)).
وفي رواية أبي عوانة: ((عن حذيفة قال: ما منعنا أن نشهد بدراً إلا أنّا
أقبلنا أنا وأبي؛ يعني: اليمان، نريد رسول الله وَلفل ببدر، فعارضنا كفار قريش،
فأخذونا، فقالوا: إنكم تريدون محمداً، قال: قلنا: ما نريده، قالوا: فأعطونا
عهد الله وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة، ولا تقاتلونا، فأعطيناهم عهد الله وميثاقه
لننصرفنّ إلى المدينة، قال: فأتينا النبيّ وَله، فأخبرناه بذلك، فقال: نستعين الله
عليهم، ونفي لهم بعهدهم، ارجعا إلى المدينة، فذلك الذي منعنا))(٢).
(قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّداً) وَلِّ؛ أي: نَصْره والقتال معه في بدر،
(فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ) فيه جواز الكذب، والتعريض للخائف؛
للضرورة، (فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ) - بكسر الميم -: العهد المؤكّد باليمين،
(لَنَنْصَرِفَنَّ)؛ أي: لنرجعنّ (إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ) في بدر، (فَأَتَيْئًا
رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ)؛ أي: قصّة ما جرى بيننا وبين كفّار قريش، من
العهد والميثاق على أن نرجع إلى المدينة، ولا نقاتل معه وَ ﴿، (فَقَالَ) ◌ِّ
((انْصَرِفَا) إلى المدينة، ولا تقاتلا معنا، ثمّ عّل ذلك بقوله: (نَفِي) مضارع
وفى، من باب رمى وفاءً، وفي بعض النسخ: ((فَفِيا)) بالتثنية لحُذيفة وأبيه ◌ًِّا،
((لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ)؛ أي: نؤدّي ما التزمتماه لهم بعدم مقاتلكتما معنا، (وَنَسْتَعِينُ اللهَ
عَلَيْهِمْ)))؛ أي: نطلب من الله ◌َ أن يُعيننا على قتالهم، فإنه وعدنا
بالنصر، حيث قال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الأَشْهَدُ
١٧١
[غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ
١٧٢
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ (
[الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، والله
١٧٣
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المستدرك على الصحيحين)) ٤٢٧/٣.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٣١٨/٤.

٢٦٣
(٣٣) - بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ - حديث رقم (٤٦٣٠)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة بن اليمان ﴿مّ هذا من أفراد
المصنّف رَخَذَتهُ(١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٣٠/٣٣] (١٧٨٧)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٤٥١/٦ و٣٦٣/٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١٧/٤ - ٣١٨)،
و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢١٤/٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٢٧/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٥/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الكذب في الحرب، وإذا أمكن التعريض في
الحرب، فهو أولى، ومع هذا يجوز الكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين
الناس، وكَذِب الزوج لامرأته، كما صرح به الحديث الصحيح.
أخرج مسلم في ((صحيحه)) من طريق ابن شهاب، عن حميد بن
عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أخبرته أنها
سمعت رسول الله ◌َ﴾، وهو يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس،
ويقول خيراً، وينمي خيراً)). قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَّص في شيء مما
يقول الناس: كذب، إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث
الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها .
وفي رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: ((قالت: ولم أسمعه
يرخّص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث)).
وأخرج ابن عديّ، عن عائشة ﴿ها قالت: قال رسول الله والقر: ((لا يصلح
الكذب إلا في ثلاث: الرجل يُرضي امرأته، وفي الحرب، وفي صلح بين الناس)).
وأخرج البيهقيّ، عن النوّاس بن سَمْعان رَُّه قال: قال رسول الله وَلّى :
((إن الكذب لا يصلح إلا في ثلاث: الحرب، فإنها خدعة، والرجل يُرضِي
امرأته، والرجل يصلح بين اثنين)).
(١) بل لم يُخرجه من أصحاب الكتب السّة غيره.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وأخرج البيهقيّ، عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله وسلم: (لا
يصلح الكذب إلا في ثلاث: الرجل يكذب لامرأته؛ لترضى عنه، أو إصلاح
بين الناس، أو يكذب في الحرب))(١).
٢ - (ومنها): مشروعيّة الوفاء بالعهد، قال النوويّ تَذَثُ: وقد اختَلَف
العلماء في الأسير يعاهد الكفار، أن لا يَهْرُب منهم، فقال الشافعيّ، وأبو
حنيفة، والكوفيون: لا يلزمه ذلك، بل متى أمكنه الهرب هرب، وقال مالك:
يلزمه. واتفقوا على أنه لو أكرهوه، فحلف لا يهرب لا يمين عليه؛ لأنه مُكرَه.
وأما قضية حذيفة، وأبيه، فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبيّ وَلـ
في غزوة بدر، فأمرهما النبيّ ◌َ ﴿ بالوفاء، وهذا ليس للإيجاب، فإنه لا يجب
الوفاء بترك الجهاد مع الإمام، ونائبه، ولكن أراد النبيّ وَّر أن لا يَشيع عن
أصحابه نقض العهد، وإن كان لا يلزمهم ذلك؛ لأن المُشِيع عليهم لا يذكر
تأويلاً. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٤) - (بَابُ غَزْوَةِ الأَخْزَابِ)
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف تَُّ أن يجمع حديث
حذيفة ظه هذا إلى حديث البراء بن عازب، وسهل بن سعد، وأنس بن
مالك ؤه الآتية بعد أبواب؛ لأنها كلّها في غزوة الأحزاب فجمعها في محلٌ
واحد هو الأنسب، والله تعالى أعلم.
و((الأحزاب)): بفتح الهمزة: جمع حِزْب بكسر الحاء المهملة، وسكون
الزاي، وهي الطائفة من الناس، وتُسمّى الخندق، فلها اسمان، قال في
((الفتح)): فأما تسميتها الخندق، فلأجل الخندق الذي حُفِر حول المدينة بأمر
فيما ذكر أصحاب المغازي،
،
النبيّ ◌َ﴾، وكان الذي أشار بذلك سلمان
(١) الأحاديث صحاح، راجع: ((السلسلة الصحيحة)) ٨٣/٢، و((صحيح الترمذيّ)) ٣٣١/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/١٢ - ١٤٥.

٢٦٥
(٣٤) - بَابُ غَزْوَةِ الأَخْزَابِ
منهم أبو معشر، قال: قال سلمان للنبيّ ◌َ﴾: إنا كنا بفارس إذا حُوصرنا
خَندقنا علينا، فأمر النبيّ وَ﴿ بحفر الخندق حول المدينة، وعَمِلَ فيه بنفسه؛
ترغيباً للمسلمين، فسارعوا إلى عمله، حتى فرغوا منه، وجاء المشركون،
فحاصروهم.
وأما تسميتها الأحزابَ؛ فلاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب
المسلمين، وهم: قريش، وغَطَفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى
في هذه القصّة صدر ((سورة الأحزاب)).
وذكر موسى بن عقبة في ((المغازي)) قال: خرج حُييّ بن أخطب بعد قتل
بني النضير إلى مكة يُحَرِّض قريشاً على حرب رسول الله وَلّ، وخرج كنانة بن
الربيع بن أبي الْحُقَيق يسعى في بني غطفان، ويَحُضّهم على قتال رسول الله وَله
على أن لهم نصفَ ثمر خيبر، فأجابه عيينة بن حصن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ
إلى ذلك، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خُويلد فيمن
أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش، فنزلوا بِمَرّ الظّهْران، فجاءهم من
أجابهم من بني سُليم مدداً لهم، فصاروا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله
تعالى الأحزاب.
وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عِدّتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون
ثلاثة آلاف، وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف.
وذكر موسى بن عقبة أن مُدّة الحصار كانت عشرين يوماً، ولم يكن بينهم
قتال إلا مُراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم، فكان
سبب موته، كما سيأتي.
وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نعيم بن مسعود الأشجعيّ ألقى
بينهم الفتنة، فاختلفوا، وذلك بأمر النبيّ ◌َلقو له بذلك، ثم أرسل الله عليهم
الريح، فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َّثُهُ: ((الأحزاب)): جمع حزب، وهو الجماعة من الناس،
والجملة من الشيء. وتحزّب الناس: اجتمعوا، والحزب من القرآن جملة
(١) ((الفتح)) ١٨٢/٩ - ١٨٣، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٨).

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
مجتمعة منه، ويوم الأحزاب: عبارة عن غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق،
وكانت في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال، وكان سببها: أن نفراً من
رؤساء اليهود انطلقوا إلى مكة مؤلبين على رسول الله ﴿يَا*، ومشجعین علیه،
فجمعوا الجموع، وحزّبوا الأحزاب، فاجتمعت قريش وقادتها، وغطفان
وقادتها، وفزارة وقادتها، وغيرهم من أخلاط الناس، وخرجوا بحدّهم وجدّهم
في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة، ولمّا سمع رسول الله وَّه بهم شاور
أصحابه، فأشار سلمان ظله بالخندق، فحفروا الخندق، وتحصنوا به، ثم إن
رسول الله * خرج من المدينة بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف، فبرز،
وأقام على الخندق، وجاءت الأحزاب، ونزلت من الجانب الآخر، ولم يكن
بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، غير أن فوارس من قريش اقتحموا الخندق،
فخرج عليُّ بن أبي طالب ظُه في فرسانٍ من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة
التي اقتحموا منها، فقتل عليٍّ عمرو بن وَدّ مبارزةً، واقتحم الآخرون بخيلهم
الخندق منهزمين إلى قومهم، ونقضت قريظة ما كان بينها وبين رسول الله وَله،
وعاونوا الأحزاب عليه، واشتد البلاء على أصحاب النبيّ وَّر؛ إذ جاء عدوّهم
من فوقهم، ومن أسفل منهم، فأقام المسلمون على تلك الحال قريباً من شهر
إلى أن خذل الله بين قريش وبين بني قريظة على يدي نعيم بن مسعود
الأشجعيّ، فاختلفوا، وأرسل الله عليهم ريحاً عاصفةً في ليالي شديدة البرد،
فجعلت تقلب أبنيتهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفأ قدورهم، حتى أشرفوا على
الهلاك، فارتحلوا متفرقين في كل وجه، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، وكفى الله
المؤمنين القتال.
ثم إن رسول الله وَلو خرج إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على
حكم سعد بن معاذ، كما تقدم. انتهى(١).
[تنبيه]: اختلف في أي سنة كانت الأحزاب؟ فقال موسى بن عقبة: كانت
في شوّال سنة أربع، قال في ((الفتح)): وتابع موسى على ذلك: مالكٌ، وأخرجه
أحمد عن موسى بن داود، عنه، وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة
(١) «المفهم)) ٣/ ٦٤٣ - ٦٤٤.

٢٦٧
(٣٤) - بَابُ غَزْوَةِ الأَخْزَابِ - حديث رقم (٤٦٣١)
خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي، ومال البخاريّ إلى قول موسى بن
عقبة، وقوّاه بما أخرجه من حديث ابن عمر ﴿ًا أنه عُرِض يوم أَحُد، وهو ابن
أربع عشرة، ويوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة، فيكون بينهما سنة واحدة،
وأُحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع.
قال الحافظ تَخْذَلُ: ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس؛ لاحتمال
أن يكون ابن عمر في أُحُد كان في أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في
الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقيّ.
قال: ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لَمّا رجع من
أُحد: موعدكم العامُ المقبلُ ببدر، فخرج النبيّ ◌َّ من السنة المقبلة إلى بدر،
فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه: إنما
يصلح الغزو في سنة الْخِصْب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عُسْفان، أو دونها،
ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.
وقد بَيَّن البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا
يَعُدّون التاريخ من المحرّم الذي وقع بعد الهجرة، ويُلغون الأشهر التي قبل
ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))، فذكر
أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في الثانية،
وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء
وَاهٍ، مخالف لِمَا عليه الجمهور، من جَعْل التاريخ من المحرّم سنة الهجرة،
وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأُحد في الثالثة، والخندق في الخامسة، وهو
المعتمد. انتهى(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّلُ أوّل الكتاب قال:
[٤٦٣١] (١٧٨٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً
عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِهِ،
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ خُذَيْفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ قَاتَلْتُ مَعَهُ،
(١) ((الفتح)) ١٨٣/٩ - ١٨٤، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٠٩٧).

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وَأَبْلَيْتُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ لَيْلَةَ
الأَحْزَابِ، وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ، وَقُرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي
بِخَبَرِ الْقَوْم؟ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ:
((أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْم؟ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا
أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا رَجُلٌ بَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْم؟ جَعَلَهُ الهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، فَسَكَتْنَا،
فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ: ((قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْم))، فَلَمْ أَجِدْ بُدّأَ إِذْ
دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قَالَ: ((اذْهَبْ فَأْتِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ)، فَلَمَّا
وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ، جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامِ، حَتَّىَ أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ
يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْماً فِي كَبِدِ اَلْقَوْسِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ
قَوْلَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((وَلَا تَذْحَرْهُمْ عَلَيَّ))، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ، وَأَنَا أَمْشِي
فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِي
رَسُولُ اللهِ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ، كَانَتْ عَلَيْهِ، يُصَلَِّ فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِماً، حَتَّى
أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: ((قُمْ يَا نَوْمَانُ(١)))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ) ابن راهویه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) ابن يزيد، أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، إلا أنه
يدلّس، ويرسل [٥] (ت٩٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٦ - (أَبُوهُ) يزيد بن شريك بن طارق التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ، يقال: إنه أدرك
الجاهليّة [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان ﴿ّ المذكور في السند الماضي.
(١) وفي نسخة: ((حتى أصبحت، قال: قم)).

٢٦٩
(٣٤) - بَابُ غَزْوَةِ الأَخْزَابِ - حديث رقم (٤٦٣١)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْدَثُ، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه،
فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، وفيه الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن
تابعيّ.
شرح الحديث :
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شريك، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ
حُذَيْفَةَ) بن اليمان ◌َهَا، (فَقَالَ رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه (١)، وذكر
ابن إسحاق في ((السيرة)) أنه رجل من أهل الكوفة. (لَوْ) شرطيّة، جوابها
((قاتلت))، قال في ((الخلاصة)):
(لَو)) حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلْ
إِيلَاؤُهُ مُسْتَقْبَلاً لَكِنْ قُبِلْ
(أدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه)؛ أي: حياته وجهاده في سبيل الله تعالى،
(قَاتَلْتُ) الكفّارِ (مَعَهُ) ◌ِ، (وَأَبْلَيْتُ) بالبناء للفاعل؛ أي: بالغت في ذلك،
واجتهدت فيه حتى يظهر منّي ما يُبْتَلَى؛ أي: ما يُختبر، وقد تقدّم أن أصل هذا
اللفظ الاختبار، وأن فيه لغتين، جمعهما زُهير في قوله [من الطويل]:
جَزَى اللهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ فَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو
وقد قيل: إن ((بلا)) في الخير، و((أبلى))، في الشر، قاله القرطبيّ كَُّ(٢).
وقال في ((النهاية)): قال القتبيّ: يقال من الخير: أبليته إبلاءً، ومن الشرّ:
بَلَوتُهُ أَبْلُوهُ بَلاءً، والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشرّ معاً، من غير
فرق بين فعليهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلِشَرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
(٣)
انتھی
.
(فَقَالَ حُذَيْفَةُ) رَله منكراً على الرجل قوله هذا، (أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟)
هو على تقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أأنت تفعل ذلك؟؛ أي: من
القتال، والإبلاء، والمعنى: لست ممن يفعله، قال النوويّ ظُه: معنى كلام
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٣٠٩.
(٣) ((النهاية)) ١٥٥/١.
(٢) ((المفهم)) ٦٤٦/٣.

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
حذيفة ظبه أنه فَهِم من الرجل أنه لو أدرك النبيّ وَ* لبالغ في نُصرته، ولزاد
على الصحابة ﴿ه، فأخبره بخبره في ليلة الأحزاب، وقصدُهُ زجره عن ظنّه أنه
يفعل أكثر من فعل الصحابة ﴿. انتهى (١).
وقال ابن إسحاق نَّثُ في ((السيرة)): حدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن
كعب الْقُرَظيّ، قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا
عبد الله، أرأيتم رسول الله وَالله، وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال:
فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنّا نَجْهَد، قال: فقال: والله لو أدركناه ما
تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن
أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله مصر بالخندق ... فذكر الحديث(٢).
وقال القرطبيّ كَُّ: لَمَّا قال هذا الرجل هذا الكلام، ولم يستثن فيه،
فَهِمَ منه حذيفة ◌ُه الجزم، والقطع بأنه كذلك كان يفعل، فأنكر ذلك عليه،
وأخبره بما يَفْهَم منه أن أصحاب رسول الله ﴿ كانوا أقوى في دين الله،
وأحرص على إظهاره، وأحب في رسول الله وَّير، وأشجع منك، ومع ذلك فقد
انتهت بهم الشدائد، والمشاقّ إلى أن حصل منهم ما ذكره، وإذا كان هذا
فغيرهم بالضَّعف أولى.
وحاصله: أن الإنسان ينبغي له أن لا يتمنى الشدائد، والامتحان، فإنه لا
يدري كيف يكون حاله فيها، فإن ابتُلِي صبر، وإن عوفي شكر. انتهى(٣).
وقال الأبيّ كَّتُهُ: قوله: ((أنت تفعل ذلك؟)) إنكار على الرجل؛ لأنه فَهِمَ
منه أنه يزيد على الصحابة، فأخبره بخبر ليلة الأحزاب، قال: ويَحْتَمِل أنه إنما
أنكر عليه؛ لأنه أمر مغيّبٌ، لو حضَر لأمكن أن يعجز، كما سكت القوم، ولم
يجبه أحدٌ؛ لعظم المشقّة، مع أنهم أحرص الناس على عمل البرّ، لا سيّما وقد
ضمن رسول الله ﴿ أن يجعله الله تعالى معه يوم القيامة (٤).
(لَقَدْ رَأَيْتُنَا)؛ أي: رأيت أنفسنا أيها الصحابة، (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهْ لَيْلَةَ
(١) (شرح النوويّ)) ١٤٥/١٢.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ٢٣١/٢.
(٣) ((سيرة ابن هشام)) ٢٣١/٢، و((المفهم)) ٦٤٦/٣ - ٦٤٧.
(٤) راجع: ((شرح الأبيّ)) ١٣٠/٥.

٢٧١
(٣٤) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ - حديث رقم (٤٦٣١)
الأَحْزَابِ)؛ أي: ليلة من ليالي غزوة الأحزاب، وقوله: (وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ)
جملة في محلّ نصب على الحال، والريح: الْهَوَاءُ المسخّر بين السماء
والأرض، وهي مؤنّثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، ولذا أنّث وَصْفها هنا،
وقد تُذكّر على معنى الْهَوَاء، فيقال: هو الريح، وهَبَّ الريحُ، نقله أبو زيد،
وقال ابن الأنباريّ: الريح مؤنّثة، لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها، إلا
الإعصار، فإنه مذكّر.
[تنبيه]: (اعلم): أن ((الريح)) أصلها واو بدليل تصغيرها على رُوَيْحَةٍ،
ولكن قُلبت ياءً؛ لانكسار ما قبلها، والجمع: أَرْوَاحٌ، ورِيَاحٌ، وبعضهم يقول:
أَرْيَاحٌ بالياء على لفظ الواحد، وغَلّطه أبو حاتم، قال: وسألته عن ذلك،
فقال: ألا تراهم قالوا: رِيَاحٌ بالياء على لفظ الواحد، قال: فقلت له: إنما
قالوا: رِيَاحٌ بالياء؛ للكسرة، وهي غير موجودة في أَرْيَاحِ، فسَلَّمَ ذلك.
[تنبيه آخر]: الرِّيحُ أربع: الشَّمَالُ، وتأتي من ناحية الشام، وهي حارّة
في الصيف، بَارِعُ(١)، والْجَنُوبُ: تقابلها، وهي الريح اليمانية، والثالثة:
الصَّبًا، وتأتي من مطلع الشمس، وهي القَبول أيضاً، والرابعة: الدَّبُّورُ، وتأتي
من ناحية المغرب، أفاده الفيّوميّ كَّهُ(٢).
(وَقُرِّ) - بضمّ القاف، وتشديد الراء -، قال المجد ◌َُّهُ: الْقُرّ بالضمّ:
البردُ، أو يُخَصُّ بالشتاء، قال: وقُرّ الرجل بالضمّ: أصابه الْقُرّ، وأقرّه الله
تعالى، فهو مقرورٌ، ولا تقل: قَرَّه، وقد قرّ يقرّ مثلّثة القاف. انتهى باختصار (٣).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: قَرَّ اليومُ - أي: من باب ضرب ـ: بَرَدَ، والاسم:
القُرُّ بالضم، فهو قَرٍّ تسميةً بالمصدر، وقَارٌّ، على الأصل؛ أي: باردٌ، وليلةٌ
قَرَّةٌ، وقَارَّةٌ، وفي المثل: ((وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا))؛ أي: وَلِّ شَرَّها مَن
تَوَلَّى خيرها، أو حَمِّلْ ثِقَلَكَ مَن ينتفع بك، وقَرَّتِ العين قُرَّةً بالضمّ، وقُرُوراً:
بَرَدَتْ سُروراً، وفي الكلّ لغة أخرى، من باب تَعِبَ. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: أفاد كلام الفيّومي المذكور أن يقرّ من بابي
(١) أي: حاملة للتراب.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٤١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٤٤/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٩٦/٢ - ٤٩٧.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
ضرب، وتَعِب، وما سبق عن المجد يدلّ على أنه مثلّث؛ أي: من باب نصر،
وضرب، وتَعِب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (رَجُلٌ) مبتدأ سوّغه
الوصف بما بعده، وخبره محذوف؛ أي: موجود (يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟)؛ أي:
المشركين الذين تحزّبوا لقتال المسلمين.
وقال الأبيّ كَُّ: قوله: ((ألا رجلٌ؟)) هو حضّ لحواشي الجيش، ليس
لأكابرهم؛ كأبي بكر وابنه، وأنظاره، حتى إنه لو أراد أبو بكر لنهاه، ولذا لم يُبادر
أكابر الصحابة إلى الإجابة، وما ذاك إلا؛ لأنهم فَهِموا أن المراد غيرهم، وإلا
فهم أسبق الناس إلى الخير، وأصبرهم على ارتكاب المشاقّ الدينيّة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الأبيّ كَُّ من أن قوله وَلّى: ((ألا
رجل ... إلخ)) لحواشي الجيش لا لأكابرهم تأويل حسن موافق لحال أكابر
الصحابة
لو ساعده النصّ، لكنك إذا تأملت إطلاق النصّ استبعدت ما
،
قاله، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وقوله: (جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) جملة في محلّ رفع صفة بعد صفة،
وهو بمعنى المضارع؛ أي: يجعله الله تعالى معي في الجنّة؛ أي: مصاحباً لي،
وملازماً لحضرتي، وكلُّ واحد منهما على منزلته في الجنّة، فإن منزلة النبيّ وَّلـ
لا يلحقها أحد، قاله القرطبيّ تَقْذُهُ(٢).
(فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُحِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ) هذا يدلّ على مدى شدّة المشقّة، والنصب
فجّ في تلك الغزوة، وإلا فإنهم كانوا أسرع الناس إجابة
الذي لحق بالصحابة
لرسول الله ◌َ، وأكثرهم شوقاً إلى الاستشهاد في سبيل الله، وأقواهم استعداداً
لاقتحام الأخطار والمتاعب في سبيل الله تعالى، ولم يكونوا ليتخلّفوا عما
يدعوهم إليه ◌َلقر بهذه البشارة العظيمة ثلاث مرّات، فسكوتهم في ذلك الحين
لا يمكن إلا إذا بلغوا من التعب والنصب نهايته، بما أدّاهم إلى حال الاضطرار
أجمعين(٣).
الشدید،
(١) (شرح الأبيّ)) ١٣٠/٥.
(٣) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١٩٠/٣.
(٢) («المفهم)) ٦٤٧/٣.

٢٧٣
(٣٤) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ - حديث رقم (٤٦٣١)
(ثُمَّ قَالَ) ◌َِ ((أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْم؟ جَعَلَهُ اللهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))،
فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ) وَهِ ((أَلَا رَجُلٌ بَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْم؟ جَعَلَهُ اللهُ
مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ) ◌ِ ((قُمْ يَا خُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا
بِخَبَرِ الْقَوْمِ))، فَلَمْ أَجِدْ بُدّاً) بضمّ الموحّدة؛ أي: غنّى، وكفاية، يقال: لا بُدّ
من كذا؛ أَي: لا مَحِيدَ عنه، ولا يُعرف استعماله إلا مقروناً بالنفي، قاله
الفيّمي(١).
والمعنى: لم أجد من يكفيني، ويقوم مقامي في ذلك، (إِذْ) تعليليّة؛ أي:
لأنه وَّهِ (دَعَانِي بِاسْمِي)؛ أي: عيّنني باسمي الخاصّ، وقوله: (أَنْ أَقُومَ) في تأويل
المصدر مجرور بـ((من)) مقدّرةً متعلّق بـابُدّاً))، (قَالَ: اذْهَبْ فَأَتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا
تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ) - بفتح التاء المثنّاة فوقُ، وسكون الذال المعجمة، وفتح العين
المهملة: يقال: ذَعَرته ذَعْراً، من باب نَفَعَ: أفزعته، والذُّعْرُ بالضمّ اسم منه(٢) .
وقال النوويّ كَّلُهُ: معناه: لا تُفزعهم، ولا تحرّكهم، فتُهيّجهم عليّ،
وقيل: معناه: لا تُنفّرهم، وهو قريب من المعنى الأول، والمراد: لا تحرّكهم
عليك، فإنهم إن أخذوك كان ذلك ضرراً عليّ؛ لأنك رسولي، وصاحبي.
(٣)
انتهى .
(فَلَمَّا وَلَّيْتُ)؛ أي: أدبرتُ وذهبت، (مِنْ عِنْدِهِ) وَ، (جَعَلْتُ)؛ أي:
شرعت، وأخذت (كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّام) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم -
قال المجد رَّتُهُ: ((الْحَمّامُ؛ كشدّاد: الَّدِّيماسُ (٤)، مذكّرٌ(٥)، جمعه حمّامات)).
(٦)
انتھی
(١) ((المصباح المنير)) ٢٠٨/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/١٢.
(٤) في ((القاموس)): الدَّيْمَاسُ - أي: بالفتح - ويُكسر: الْكِنُّ، والسَّرَبُ، والْحَمَّامُ. اهـ.
(٥) وكونه مذكّراً هو الذي سيأتي عن ((القاموس))، وهو الذي مشى عليه في شرحه
(التاج))، وما قاله الفيّومي من أن تأنيثه هو الأغلب، نقل في ((التاج)) عن بعضهم
تغليطه، فليُراجع.
(٦) ((القاموس المحيط)) ص٣٢٣.

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: الْحَمّامُ مثقّلٌ: معروفٌ، والتأنيث أغلب، فيقال: هي
الْحَمّامُ، وجمعها حمّاماتٌ على القياس، ويُذَكَّر، فيقال: هو الْحَمّامُ.
(١)
انتهى(١).
وقال النوويّ تَّلُهُ: لفظة ((الحمّام)) عربية، وهو مُذَكَّر، مشتقّ من
الحميم، وهو الماء الحارّ.
ومعنى كلام حذيفة به هذا أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس، ولا
من تلك الريح الشديدة شيئاً، بل عافاه الله منه، ببركة إجابته للنبيّ بَّر، وذهابِهِ
فيما وجهّه له، ودعائه ◌َّيٍ له، واستمَرَّ ذلك اللطف به، ومعافاته من البرد،
حتى عاد إلى النبيّ وَّر، فلما رجع، ووصل عاد إليه البرد الذي يجده الناس،
وهذه من معجزات رسول الله وَ﴿، والله تعالى أعلم(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((كأنما أمشي في حَمَّام))؛ أي: لم يصبه شيء
من ذلك البرد ببركة طاعة رسول الله وَطير، وهي من كراماته، ألا ترى أنه لما
فَرَغ من ذلك العمل أخذه البرد كما كان أول مرة؟! انتهى(٣).
(حَتَّى أَتَيْتُهُمْ)؛ أي: القوم المتحزّبين، (فَرَأَيْتُ أَبًا سُفْيَانَ) صخر بن
حرب، (يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ) - بفتح الياء، وإسكان الصّاد -؛ أي: يُسخّنه،
ويُدنيه منها، وهو الصَّلا - بفتح الصاد، والقصر - والصِّلاء - بكسرها، والمد -،
قاله النوويّ(٤).
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: صَلِيَ بالنار، وصَلِيهَا صَلَى، من باب تَعِبَ: وَجَدَ
حَرّها، والصِّلاءُ، وزانُ كتاب: حرّ النار، وصَلَيْتُ اللحمَ أَصْلِيه، من باب
رَمَی: شَوَيْتُهُ. انتهى(٥).
وقال المجد تَّقُ: صَلَى اللَّحمَ يَصْليه صَلْياً: شَوَاه، أو ألقاه في النار
للإحراق؛ كأصلاه، وصَلَّاهُ، ويَدَه بالنار: سَخَّنَها، قال: وَصَلِيَ النارَ؛ كَرَضِيَ،
وبها صُلِيّاً، وصِلِيّاً، وصَلَاءً، ويُكسَرُ: قاسى حرّها. انتهى(١).
(١) ((المصباح المنير)) ١٥٢/١ - ١٥٣.
(٣) ((المفهم)) ٦٤٨/٣.
(٥) ((المصباح المنير)) ٣٤٦/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٢.
(٦) ((القاموس المحيط)» ص٧٥٢.

٢٧٥
(٣٤) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ - حديث رقم (٤٦٣١)
(فَوَضَعْتُ سَهْماً فِي كَبِدِ الْقَوْسِ)؛ أي: وسطها حيث يَقبِض الرامي، قال
الخليل: كَبِدُ كلِّ شيءٍ: وسطه (١). (فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ)؛ أي: أبا سفيان،
(فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ وَّ: ((وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ)))؛ أي: لا تُفزعهم،
وتُحرّكهم، (وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ)؛ أي: لكونه قريباً منه، وعند ابن هشام: ((قال:
فذهبت، فدخلت في القوم، والريح، وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تُقِرّ لهم
قِدْراً، ولا ناراً، ولا بناءً، فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش: لينظر امرؤ
من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من
أنت؟ قال: فلان بن فلان))(٢).
(فَرَجَعْتُ) إلى النبيّ ◌َِّهِ، وقوله: (وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّام) جملة في
محلّ نصب على الحال من الفاعل، (فَلَمَّا أَتَيْتُهُ) وَلِّ (فَأَخْبَرْتُهُ بِخَّبَرِ الْقَوْم)؛
أي: بما حصل لهم من البرد، والريح الشديد، وأزعجهم، وقد ذكر ابن هشام
ما حصل لهم، وما قاله أبو سفيان لجيشه في ذلك، فقال: ((ثم قال أبو سفيان:
يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مُقام، لقد هَلَك الْكُراعِ، والْخُفّ،
وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شِدّة الريح ما ترون، ما
تطمئنّ لنا قِدْرٌ، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناءُ، فارتحلوا، فإني
مرتحلٌ، ثم قام إلى جمله، وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به
على ثلاث، فوالله ما أَطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله وَلـ
إليّ: ((أن لا تُحدِث شيئاً حتى تأتيني))، ثم شئت، لقتلته بسهم، قال: وسَمِعت
غَطَفانُ بما فعلت قريش، فانشمَرُوا راجعين إلى بلادهم(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا ما أخبر الله رَ به بقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْاْ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اُلْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
٢٥)
[الأحزاب: ٢٥].
(وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ) - بضمّ القاف مبنيّاً للمفعول؛ أي: أصابني القُرّ؛ أي:
البرد، (فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ) قال النوويّ ◌َُّهُ: ((الْعَبَاءة))
(١) ((المفهم)) ٦٤٨/٣.
(٣) ((سيرة ابن هشام)) ٢٣٢/٢.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ٢٣١/٢.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
- بالمدّ -، والْعَبَاية بزيادة ياء، لغتان مشهورتان، معروفتان، والجمع: عَبَاءٌ
بحذف الهاء، وعباآتٌ أيضاً. انتهى(١).
وقال المجد رَغْتُ: (الْعَابَاءُ)): كساءٌ معروفٌ؛ كالعَبَاءة. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَّثُ: ((العباءة)) - بفتح العين، والمدّ ـ: هي الشملة، وهي
كساء يُشْتَمَل به؛ أي: يُلْتَفُّ فيه. انتهى(٣).
وفي رواية ابن هشام تَخُّْ: ((قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله وَلته،
وهو قائم يصلي في مِرْط لبعض نسائه مَرَاجل - قال ابن هشام: المراجل:
ضرب من وَشْي اليمن - فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطَرَح عليّ طَرَفَ
الْمِرْط، ثم ركعَ وسجد، وإني لفيه، فلما سلّم أخبرته الخبر. انتهى(٤).
(كَانَتْ عَلَيْهِ، يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِماً، حَتَّى أَصْبَحْتُ)؛ أي: دخلت في
الصباح حين طلع الفجر، (فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: ((قُمْ بَا نَوْمَانُ))(٥)) هو - بفتح
النون، وإسكان الواو، وهو كثير النوم، وأكثر ما يُستعمل في النداء، كما
استعمله هنا، قاله النوويّ رَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: ((نَوْمانُ)) من الأسماء التي لازمت النداء، وقد
ذكر بعضها ابن مالك تَّثُ في ((الخلاصة))، فقال:
(لُؤْمَانُ)) (نَوْمَانُ» كَذَا وَاظَّرَدَا
و((قُلُ)) بعْضُ مَا يَخْتَصُّ بِالنِّدَا
وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلَاثِي
فِي سَبِّ الانْثَى وَزَنُ ((يَا خَبَاثٍ))
وَلَا تَقِسْ وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ ((فُلُ))
وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ ((فُعَلُ))
وقال القرطبيّ كَّلهُ: نسبه إلى النوم؛ لأنه نام حتى دخل عليه وقت صلاة
الصبح(٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/١٢ بزيادة من ((المصباح)) ٣٩١/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٨٣٠.
(٤) ((سيرة ابن هشام)) ٢٣١/٢.
(٥) وفي نسخة: ((حتى أصبحت، قال: قم)).
(٦) ((المفهم)) ٦٤٨/٣.
(٣) ((المفهم)) ٦٤٨/٣.

٢٧٧
(٣٤) - بَابُ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ - حديث رقم (٤٦٣١)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة ظُبه هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦٣١/٣٤] (١٧٨٨)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٧١٢٥)، و(البزّار) في ((مسنده)) (١٨٠٩)، و(الحاكم) في
((المستدرك)) (٣١/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١٩/٤)، و(أبو نعيم) في
((الحلية)) (٣٥٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٨/٩ - ١٤٩) و((دلائل النبوة))
(٤٤٩/٣ - ٤٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن في إنكار حذيفة على الرجل قوله: ((لو أدركت
رسول الله ﴿ ... إلخ)) بيان أنه لا ينبغي أن يتمنّى الشدائد، والامتحانات؛
لأنه لا يدري كيف يكون حاله فيها؛ ولهذا المعنى قال النبيّ وَليقول: ((يا أيها
الناس، لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم، فاصبروا ... ))
الحديث، متّفقٌ عليه.
والحاصل أنه ينبغي للعبد أن لا يتمنّى الابتلاء، والامتحان؛ لما ذكرناه،
ولكن إذا ابتلي صبر، وثَبَت، ودعا الله تعالى أن يثبّته عليه، فإنه نَّنَ وعد
بذلك، فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآَخِرَةِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧].
٢ - (ومنها): بيان ما حلّ بالمسلمين في غزوة الأحزاب من شدّة الحال،
بحيث منعهم ذلك من استجابة دعوة النبيّ ◌َّل في الاستطلاع على العدوّ، مع
أنهم أحرص الناس على استجابته إلا أن شدّة الحال اضطرّهم إلى السكوت.
٣ - (ومنها): بيان فضل حذيفة ظله حيث عيّنه النبيّ وَلا شأن
الاستطلاع، وقد أخبرهم بأن من فعل ذلك يكون معه يوم القيامة.
٤ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ وَّله، وكرامة لحذيفة مض لله، وذلك أنه لما
استجاب لدعوته انطلق إلى القوم؛ كأنما يمشي في حمّام، مع شدّة البرد،
والريح، واستمرّ له ذلك إلى أن قضى مهمّته، وعاد إليه وَجه .

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٥ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للإمام، وأمير الجيش بعث الجواسيس،
والطلائع؛ لكشف خبر العدوّ.
٦ - (ومنها): جواز الصلاة في الصوف، قال النوويّ تَخْلُهُ: وهو جائز
بإجماع مَن يُعْتَدّ به، وسواء الصلاة عليه، وفيه، ولا كراهية في ذلك، قال
العبدريّ من أصحابنا: وقالت الشيعة: لا تجوز الصلاة على الصوف، وتجوز
فيه، وقال مالك: يُكره كراهة تنزيه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٣٥) - (بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ)
مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في ضبط ((لفظ أُحُدٌ))، واشتقاقه، قال الفيّوميّ تَظُّ:
((أُحُدٌ)) - بضمّتين -: جبَلٌ بقرب مدينة النبيّ وَّر، من جهة الشام، وكانت به
الوقعة المشهورة، في شوّال، سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف،
وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم الْبُقعة، فيُمنَع من الصرف، وليس هذا القول
بالقويّ. انتهى(٢).
وقال في ((التاج)): أُحُدٌ - بضمّتين - جبلٌ بالمدينة، وقال الزمخشريّ:
رأيت بخطّ المبرّد ((أُخْد)) بكون الحاء منوّناً، قال: وأنكره جماعة، وقالوا: إنه
لا يُسكّن إلا في الضرورة، ولعلّ رآه كذلك. انتهى بتصرّف(٣).
وقال في ((الفتح)): (أُحُدٌ)) - بضم الهمزة، والمهملة -: جبل معروف، بينه
وبين المدينة أقلّ من فرسخ، وهو الذي قال فيه وَلّ: «هذا جَبلٌ يُحبّنا،
ونحبّه))، كما سبق في ((كتاب الحجّ)).
وقال السهيليّ كَُّ: سُمّيَ أُحُداً؛ لتوحّده، وانقطاعه عن جبال أخرى،
أو لِمَا وقَعَ من أهله من نَصْر التوحيد.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/٣.
(٣) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٨٨/٢.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٦/١.

٢٧٩
(٣٥) - بَابُ غَزْوَةٍ أُحُدٍ
ونقل السهيليّ عن الزبير بن بكار في فضل المدينة أن قبر هارونتُ لَّلامُ
بأُحد، وأنه قَدِمَ مع موسى علّلها في جماعة من بني إسرائيل حُجّاجاً، فمات
هناك.
قال الحافظ تَخُّْ: وسند الزبير بن بكار في ذلك ضعيف جدّاً، من جهة
شيخه محمد بن الحسن بن زبالة، ومنقطع أيضاً، وليس بمرفوع. انتهى (١).
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في وقت غزوة أحد:
قال في ((الفتح)): كانت عنده وقعة أُحُد في شوال سنة ثلاث، باتفاق
الجمهور، وشَذّ من قال: سنة أربع، قال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلةً خلت
منه، وقيل: لسبع ليال، وقيل: لثمان، وقيل: لتسع، وقيل: في نصفه، وقال
مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوُّزٌ؛ لأن بدراً كانت في رمضان باتفاق،
فهي بعدها بسنة وشهر لم يَكْمُل، ولهذا قال مرّةً أخرى: كانت بعد الهجرة
بأحد وثلاثين شهراً. انتهى(٢).
(المسألة الثالثة): في بيان سبب غزوة أُحُد:
(اعلم) أن سببها هو ما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه، وموسى بن عقبة،
عن ابن شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، وهذا مُلَخّص ما ذكره موسى بن
عقبة، في سياق القصّة كلِّها، قال: لمّا رجعت قريشٌ استجلبوا من استطاعوا
من العرب، وسار بهم أبو سفيان، حتى نزلوا ببطن الوادي، من قبل أُحُد،
وكان رجال من المسلمين أَسِفُوا(٣) على ما فاتهم من مشهد بدر، وتَمَنَّوا لقاء
العدوّ، ورأى رسول الله وَ له ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: ((رأيت البارحة
في منامي بَقَراً تُذْبَح، والله خيرٌ وأبقى، ورأيت سيفي ذا الْفَقَّار انقصم من عند
ظُبَته - أو قال -: به فُلُولٌ، فكرِهته، وهما مصيبتان، ورأيت أني في دِرْعِ
حَصِينة، وأني مُردف كبشاً))، قالوا: وما أوّلتها؟ قال: ((أوّلت البقر بَقْرَاً يكونَ
فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا،
فإن دَخَل القوم الأَزِقّة قاتلناهم، ورُمُوا من فوق البيوت))، فقال أولئك القوم:
(١) ((الفتح)) ١٠٨/٩ - ١٠٩ و١٥٩، كتاب ((المغازي)).
(٢) ((الفتح)) ١٠٩/٩، كتاب ((المغازي)).
(٣) من باب تَعِبَ؛ أي: حزِنُوا.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
يا نبي الله كنا نتمنّى هذا اليوم، وأبى كثير من الناس إلا الخروج، فلما صلى
الجمعة، وانصرف دعا باللَّأَمَة، فلبسها، ثم أَذَّن في الناس بالخروج، فنَدِم ذوو
الرأي منهم، فقالوا: يا رسول الله امكُث كما أمرتنا، فقال: ((ما ينبغي لنبيّ إذا
أَخَذَ لَأَمَةَ الحرب أن يرجع حتى يقاتل)).
فخرج بهم، وهم ألف رجل، وكان المشركون ثلاثة آلاف، حتى نزل
بأُحُد، ورجع عنه عبد الله بن أبي ابنُ سَلُول في ثلاثمائة، فبقي في سبعمائة،
فلما رجع عبد الله سقط في أيدي طائفتين من المؤمنين، وهما بنو حارثة، وبنو
سَلِمة، وَصَفّ المسلمون بأصل أُحد، وصفّ المشركون بالسَّبِخة، وتَعَبَّوا
للقتال، وعلى خيل المشركين، وهي مائة فرس خالد بن الوليد، وليس مع
المسلمین فَرَس.
وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأَمَّر رسولُ اللهِ وَ طه عبد الله بن
جبير على الرُّماة، وهم خمسون رجلاً، وعَهِد إليهم أن لا يتركوا منازلهم.
وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير، فبارز طلحة بن عثمان
فقتله، وحَمَل المسلمون على المشركين حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحَملت
خيل المشركين، فنضحتهم الرُّماة بالنَّبْل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر
المشركين، فانتبهوهم، فرأى ذلك الرماة، فتركوا مكانهم، ودخل العسكر،
فأبصر ذلك خالد بن الوليد، ومن معه، فحملوا على المسلمين في الخيل،
فمزقوهم، وصَرَخ صارخ: قُتل محمد، أخراكم، فعَطَّف المسلمون يقتل بعضهم
بعضاً، وهم لا يشعرون، وانهزم طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم،
ووقع فيهم القتل، وثبت نبيّ الله وَّ ر حين انكشفوا عنه، وهو يدعوهم في
أُخراهم، حتى رجع إليه بعضهم، وهو عند الْمِهْراس في الشِّعْب، وتوجه
النبيّ ◌َ﴿ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون، فَرَمَوا وجهه، فأدموه، وكسروا
رَبَاعيته، فَمَرّ مصعداً في الشِّعب، ومعه طلحة، والزبير، وقيل: معه طائفة من
الأنصار، منهم سهل ابن بيضاء، والحارث بن الصِّمّة، وشُغل المشركون بقتلى
المسلمين، يُمثِّلون بهم، يقطعون الآذان، والأنوف، والفروج، ويَبقُرون
البطون، وهم يظنون أنهم أصابوا النبيّ وَّر، وأشراف أصحابه، فقال أبو
سفيان، يفتخر بآلهته: اعْلُ هُبَل، فناداه عمر: الله أعلى وأجلّ، ورجع