Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٦) مصدر، رَشَقَ: إذا رمى، وأما الرُّشْق بالكسر، فهو اسم للسهام التي تَرميها الجماعة دفعةً واحدةً، قال النوويّ تَخْتُ: وضَبَط القاضي الرواية هنا بالكسر، وضبطه غيره بالفتح، كما ذكرنا أوّلاً، وهو الأجود، وإن كانا جَيِّدين، وأما قوله في الرواية التي بعد هذه: ((فَرَموه بِرِشْق، من نبل))، فهو بالكسر، لا غير، والله أعلم، قال أهل اللغة: يقال: رَشَقَه يَرْشُقُه، من باب نصر، ثلاثيّاً، وأرشقه، رُباعيّاً، والثلاثيّ أشهر، وأفصح. انتهى(١). وقال الفيّومِيّ تَخْذُّهُ: رَشَقْتُهُ بالسهم رَشْقاً، من باب قتل، وأرشقته بالألف لغةٌ: رميته به، والرِّشْقُ بالكسر: الوجهُ من الرمي، إذا رَمَى القومُ بأجمعهم جميعَ السهام، وحينئذ يقال: رَمَى القومُ رِشْقاً، وقال ابن دُريد: الرُّشْقُ: السهام نفسها التي تُرمَى، والجمع: أَرْشَاقٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمال، وربّما قيل: رَشَقته بالقول، وأرشقته. انتهى(٢). (مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ)؛ أي: رميهم، (فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ)؛ أي: في ذلك الموضع الذي أصابهم الرشق، وفي بعض النسخ: ((هنالك))، (إِلَی رَسُولِ اللهِ وَ﴿)؛ أي: منهزمين، ومتوجّهين إلى رسول الله وَّ، وقد بُيّن في هذه الرواية سبب انهزامهم، وهو كثرة عدد عدوّهم، وشدّة بأسهم، بحيث لا يستطيعون المدافعة عنهم، وقال في ((الفتح)): والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدوّ كانوا ضُعفهم في العدد، وأكثر من ذلك، وكذلك بيّن السبب في رواية شعبة الثالثة: ((وكانت هوازن يومئذ رُماةً، وإنا لَمّا حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام))، وكذلك بيّن في رواية زكريّا التالية: ((وهم قومٌ رُماةٌ، فرموهم برِشْقٍ من نَبْلٍ، كأنها رِجْل من جراد، فانكشفوا)). وذكر ابن إسحاق من حديث جابر وغيره في سبب انكشافهم أمراً آخر، وهو أن مالك بن عوف سبق بهم إلى حنين، فأعَدُّوا، وتَهَيَّؤا في مضايق الوادي، وأقبل النبيّ وَّله وأصحابه حتى انحطّ بهم الوادي في عَماية الصبح، فثارت في وجوههم الخيل، فشَدّت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين. وفي حديث أنس رظه الآتي عند مسلم وغيره، من رواية سليمان التيميّ، (١) (شرح النوويّ)) ١١٨/١٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٨/١. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير عن السُّمَيط السّدوسيّ، عن أنس قال: ((افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حُنيناً، قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، صفّوا الخيل، ثم المقاتلة، ثم النساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النَّعم، قال: ونحن بشر كثير، وعلى ميمنة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرَّت الأعراب، ومن نَعْلَم من الناس)). وفي رواية للبخاريّ من رواية هشام بن زيد، عن أنس: قال: ((أقبلت هوازن، وغطفان بذراريهم، ونَعَمهم، ومع رسول الله وَّه عشرة آلاف، ومعه الظُّلَقاء، قال: فأدبروا عنه حتى بَقِي وحده ... )) الحديث. قال الحافظ تَُّهُ: ويُجْمَع بين قوله: ((حتى بَقِي وحده))، وبين الأخبار الدالة على أنه بقي معه جماعة، بأن المراد: بقي وحده متقدِّماً، مقبلاً على العدوّ، والذين ثبتوا معه، كانوا وراءه، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدُمونه في إمساك البغلة، ونحو ذلك، ووقع في رواية أبي نعيم في ((الدلائل)) تفصيل المائة: بضعة وثلاثون من المهاجرين، والبقية من الأنصار، ومن النساء أم سليم، وأم حارثة. انتهى(١). وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ بِّهِ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ) جملةٍ في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطْلِبِ) بن هاشم، وهو ابن عم النبيّ وَّر، وكان فيمن ثبت معه وَله، وتقدّمت ترجمته قريباً. وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة، قال: (لَمّا فَرّ الناس يوم حنين، جعل النبيّ وَّل يقول: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُظَّلِبْ فلم يبق معه إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: عليّ، والعباس، بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، قال: وليس يُقبل نحوه أحد إلا قُتل. ورَوَى الترمذيّ من حديث ابن عمر ها بإسناد حسن قال: ((لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولِّين، وما مع رسول الله وَل﴿ مائة رجل))، قال (١) ((الفتح)) ٤٢٦/٩ - ٤٢٧ رقم (٤٣١٤). ١٠٣ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٦) الحافظ: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد مَن ثبت يوم حنين. ورَوَى أحمد، والحاكم، من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: ((كنت مع النبيّ وَّ﴿ يوم حنين، فوَلَّى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلاً، من المهاجرين، والأنصار، فكنا على أقدامنا، ولم نُوَلِّهم الدُّبُر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة))، وهذا لا يخالف حديث ابن عمر، فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين. وأما ما ذكره النوويّ في ((شرح مسلم)) أنه ثبت معه اثنا عشر رجلاً، فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه: العباس، وابنه الفضل، وعليّ، وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة، وأسامة بن زيد، وأخوه من أمه أيمن ابن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر، وعمر، فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذِكْرُ ابن مسعود في مرسل الحاكم، فهؤلاء عشرة، ووقع في شِعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط، وذلك قوله: وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةً لِمَا مَسَّهُ فِي اللهِ لَا يَتَوَجَّعُ وَعَاشِرُنَا وَافَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ ولعل هذا هو الثبت، ومن زاد على ذلك يكون عَجِلَ في الرجوع، فعُدّ فیمن لم ينهزم. وممن ذكر الزبير بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين أيضاً: جعفر بن أبي سفيان بن الحارث، وقثم بن العباس، وعتبة، ومُعَتِّب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقِيل بن أبي طالب، وشيبة بن عثمان الْحَجَبيّ، فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبيّ وَّ ليقتله، فأقبل عليه، فضربه في صدره، وقال له: قاتل الكفار، فقاتلهم حتى انهزموا . قال الطبريّ: الانهزام المنهيّ عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد للكثرة، فهو كالتحيُّر إلى فئة. انتهى(١). (يَقُودُ بِهِ) يقال: فَاد الرجلُ الفرسَ قَوْداً، من باب قال، وقِيَاداً بالكسر، (١) ((الفتح)) ٤٢٧/٩ - ٤٢٨. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقِيَادَةً، قال الخليل: القَوْدُ: أن يكون الرجل أَمَامَ الدابة، آخذاً بقِيَادها، والسَّوْق: أن يكون خلفها، فإن قَادَهَا لنفسه قيل: اقْتَادَهَا، ويُطلق على الخيل التي تُقَادُ بمقَاوِدِهَا، ولا تُركَب، قاله الأزهريّ، والمِقْوَدُ بالكسر: الحبلُ يُقادُ به، والجمع: مَقَاوِدُ، والقِيَادُ: مثل المِقْوَدِ، ومثله لِحَاف ومِلْحَفٌ، وإِزارٌ، ومِثْزرٌ. انتهى(١). وفي رواية زكريّا: ((وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته))، وفي رواية شعبة: ((وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها))، وفي رواية للبخاريّ: ((وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء)). (فَنَزَّلَ)؛ أي: بغلته، (فَاسْتَنْصَرَ)؛ أي: دعا الله تعالى بالنصر، فقال: ((اللهم أنزل نصرك))، وقع مصرَّحاً به في رواية زكريّا التالية. (وَقَالَ) وَِ ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ) قال النوويّ تَخَُّهُ: معناه: أنا النبيّ حقّاً، فلا أفِرّ، ولا أزول، وفي هذا دليل على جواز قول الإنسان في الحرب: أنا فلان، وأنا ابن فلان، ومثله قول سلمة به: أنا ابن الأكوع، وقول عليّ رُه : أنا الذي سَمَّتني أمي حَيْدَرَهْ، وأشباه ذلك، وقد صَرَّح بجوازه علماء السلف، وفيه حديث صحيح، قالوا: وإنما يُكره قول ذلك على وجه الافتخار، كفعل الجاهلية، والله أعلم. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبيّ، والنبيّ لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول، حتى أنهزم، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر حقّ، فلا يجوز عليّ الفرار، وقيل: معنى: ((لا كذب))؛ أي: أنا النبيّ حقّاً، لا كَذِبَ في ذلك. انتهى. [تنبيه]: قوله: ((أنا النبي لا كذب ... إلخ)) قال ابن التين: كان بعض أهل العلم يقوله بفتح الباء، من قوله: ((لا كذب))؛ لِيُخرجه عن الوزن. وقد أجيب عن مقالته ويس القر هذا الرجز بأجوبة: [أحدها]: أنه نَظْم غيره، وأنه كان فيه: أَنْتَ النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ (١) ((المصباح المنير)) ٥١٨/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/١٢. ١٠٥ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٦) فذكره بلفظ ((أنا)) في الموضعين. [ثانيها]: أن هذا رَجَز، وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود، فإن الرجز من البحور التي أسسها الخليل، ومشى عليها مَنْ بعده، فتنبّه. [ثالثها]: أنه لا يكون شعراً حتى يتم قطعةً، وهذه كلمات يسيرة، ولا تسمى شعراً. [رابعها]: أنه خرج موزوناً، ولم يَقصِد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة(١). وقال القاضي عياض: قال المازريّ: أنكر بعض الناس كون الرجز شعراً؛ لوقوعه من النبيّ وَّ، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُْ﴾ [يس: ٦٩]، وهذا مذهب الأخفش، واحتَجَّ به على فساد مذهب الخليل في أنه شعر، وجواب الخليل عن هذا أن الشعر هو ما قُصِد إليه، واعتَمَد الإنسان أن يوقعه موزوناً مُقَفَّى يقصد إلى القافية والرويّ، وقد يقع في ألفاظ العامّة كثير من الألفاظ الموزونة، ولا يقول أحد: إنها شعر، ولا صاحبها شاعر، فإن الجزار يقول في ندائه على اللحم: ((لحم الخروف بزبد أمه))، ولا يظنّ بالجزار أنه شاعر، قصد إلى عمل الشعر. وهكذا الجواب عما وقع في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَقَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعراً؛ لأنه لم تقصد تقفيته، وجعله شعراً، قال: وقد غَفَل بعض الناس عن هذا القول، فأوقعه ذلك في أن قال الرواية: أنا النبي لا كَذِبَ، بفتح الباء حرصاً منه على أن يَفْسُد الرويّ، فيُستغنى عن الاعتذار، وإنما الرواية بإسكان الباء. انتهى كلام القاضي (٢) عیاض(٢). قال النوويّ: وقد قال الإمام أبو القاسم عليّ بن أبي جعفر بن عليّ السعدي الصقليّ المعروف بابن القطاع في كتابه ((الشافي في علم القوافي)): قد (١) ((الفتح)) ٤٢٩/٩. (٢) ((إكمال المعلم)) ١٣١/٦. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رأى قوم منهم الأخفش، وهو شيخ هذه الصناعة بعد الخليل، أن مشطور الرجز، ومنهوكه ليس بشعر؛ كقول النبيّ وَل : اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ و قوله ټالاتى : وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ◌َى اللّه : وقوله أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وأشباه هذا. قال ابن القطاع: وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غَلَطّ بَيِّنٌ، وذلك لأن الشاعر إنما سُمّي شاعراً؛ لوجوه: منها أنه شَعَر القول، وقصده، وأراده، واهتدى إليه، وأتى به كلاماً موزوناً على طريقة العرب، مُقَفَّى، فإن خلا من هذه الأوصاف، أو بعضها لم يكن شعراً، ولا يكون قائله شاعراً، بدليل أنه لو قال كلاماً موزوناً على طريقة العرب، وقصد الشعر، وأراده ولم يُقَفِّه لم يُسَمَّ ذلك الكلام شعراً، ولا قائله شاعراً، بإجماع العلماء، والشعراء، وكذا لو قَفّاه، وقصد به الشعر، ولكن لم يأت به موزوناً لم يكن شعراً، وكذا لو أَتَى به موزوناً مقفَّى لكن لم يقصد به الشعر، لا يكون شعراً، ويدلّ عليه أن كثيراً من الناس يأتون بكلام موزون مقفى، غير أنهم ما قصدوه، ولا أرادوه، لا يسمى شعراً، وإذا تُفُقِّد ذلك وُجد كثيراً في كلام الناس، كما قال بعض السُّؤَّال: اخْتِمُوا صَلَاتَكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَة، وأمثال هذا كثيرة فدلّ على أن الكلام الموزون لا يكون شعراً إلا بالشروط المذكورة، وهي القصد وغيره مما سبق، والنبيّ وَّ لم يقصد بكلامه ذلك الشعر، ولا أراده، فلا يُعَدّ شعراً، وإن كان موزوناً. انتهى(١)، وهو تحقيق نفيس جدّاً، والله أعلم. وقال القرطبيّ كَّلُهُ: لا يقال: كيف يصح أن ينسب هذا الشعر للنبيّ وَل مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩]؟ لأنا نجيب عن ذلك بأوجه: (١) ((شرح النوويّ)) ١١٩/١٢. ١٠٧ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٦) [أحدها]: أن هذا قَصَد به السجع لا الشعر، فليس بشعر، قيل: قد قال الأخفش: إن هذا رجز، والرجز ليس من الشعر. [والثاني]: أنه وَ* لم يقصده نظماً ووزناً فيكونَ شعراً، فقد يأتي في الكلام والقرآن ما يتّزن بوزن الشعر وليس بشعر؛ كقوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ غَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وكثيراً ما يقع للعوام في كلامهم الكلام المقفى الموزون، وليس بشعر، ولا يسمى قائله شاعراً؛ لأنه لم يقصده، ولا شعر به، والشعر إنما سمي بذلك؛ لأن قائله يشعر به، ويقصده نظماً، ووزناً، وروياً، وقافية، ومعنى. [والثالث]: على تسليم أن هذا شعر فلا يلزم منه أن يكون النبيّ وَله عالِماً بالشعر، ولا شاعراً؛ فإن التمثّل بالبيت الندر، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره؛ لا يوجب أن يكون قائلها عالماً بالشعر، ولا يسمى شاعراً باتفاق العقلاء، وأما الذي نفى الله عن نبيه وَّل، فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفاً بشيء من ذلك بالاتفاق، ألا ترى أن قريشاً تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، فقال بعضهم: نقول: إنه شاعر، فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصناف الشعر، فوالله ما يشبه شيئاً منها، وما قوله بشعر، وقال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر، وكان أنيس من أشعر العرب، وهذا الوجه هو المعتمد في الانفصال، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))) إنما انتسب ◌َّ إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله، فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس؛ لِمَا رُزق من نباهة الذكر، وطول العمر، بخلاف عبد الله، فإنه مات شابّاً، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لَمّا قَدِم: ((أَيُّكُم ابن عبد المطلب؟))، وقيل: لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله، ويهدي الله الخلقَ على يديه، ويكون خاتم (١) ((المفهم) ٦١٩/٣ - ٦٢٠. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الأنبياء، فانتسب إليه؛ ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديماً لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة، وأراد النبيّ وَّ﴿ تنبيه أصحابه بأنه لا بُدّ من ظهوره، وأن العاقبة له؛ لِتَقْوَى قُلوبُهُم إذا عرفوا أنه ثابتٌ، غير منهزم. انتهى(١). وقال النوويّ كَّتُهُ: [فإن قيل]: كيف قال النبيّ ◌َّ: ((أنا ابن عبد المطلب))، فانتسب إلى جده دون أبيه، وافتخر بذلك، مع أن الافتخار في حقّ أكثر الناس من عمل الجاهلية؟. [فالجواب]: أنه وَلّ كانت شهرته بجده أكثر؛ لأن أباه عبد الله تُؤُفّي شابّاً في حياة أبيه عبد المطلب، قبل اشتهار عبد الله، وكان عبد المطلب مشهوراً شهرة ظاهرة شائعةً، وكان سيد أهل مكة، وكان كثيرٌ من الناس يدعون النبيّ وَّل ابنَ عبد المطلب، ينسبونه إلى جدّه؛ لشهرته، ومنه حديث ضمام بن ثعلبة في قوله: ((أيكم ابن عبد المطلب؟))، وقد كان مشتهراً عندهم أن عبد المطلب بَشَّر بالنبيّ وَ ، وأنه سيظهر، وسيكون شأنه عظيماً، وكان قد أخبره بذلك سيف بن ذي يزن، وقيل: إن عبد المطلب رأى رؤيا تدلّ على ظهور النبيّ ◌َّ، وكان ذلك مشهوراً عندهم، فأراد النبيّ ( 18 تذكيرهم بذلك، وتنبيههم بأنه وَلّ لا بُدّ من ظهوره على الأعداء وأن العاقبة له؛ لتَقْوَى نفوسهم، وأعلمهم أيضاً بأنه ثابت ملازم للحرب، لم يُوَلِّ مع من وَلَّى، وعرّفهم موضعه، ليرجع إليه الراجعون، والله أعلم. انتهى (٢). (ثُمَّ صَفَّهُمْ)؛ أي: ثمّ بعد أن نزل عن بغلته، واستنصر ربّه صفّ أصحابه؛ أي: جعلهم مصطفّين للقتال، فقاتلوا الكفّار، فهزمهم الله تعالى، كما أخبر الله رَت بذلك حيث قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاِنَ كَثِيرَةٌ وَيَوْمَ حَُيِيٌّ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ تُدْيِينَ ﴿٨َ ثُمَّ أَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ, عَ رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُودًا لَّوْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَّآءُ الْكَفِينَ [التوبة: ٢٦ ٢٥، ٢٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٤٢٩/٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٩/١٢ - ١٢٠. ١٠٩ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَّيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٦) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ظها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨ /٤٦٠٦ و٤٦٠٧ و٤٦٠٨ و٤٦٠٩] (١٧٧٦)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٨٦٤ و٢٨٧٤ و٢٩٣٠ و٣٠٤٢) و((المغازي)) (٤٣١٥ و٤٣١٦ و٤٣١٧)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد)) (١٦٨٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٨٨/٥ و١٩١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٢١/١٤ و٥٢٢ و٥٠٧/١٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤/ ٢٨٠ و٢٨١ و٢٨٩ و٣٠٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٧٠)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦٧/١)، و(الطبريّ) في (تفسيره)) (١٦٥٨٠ و١٦٥٨١)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٢٧١/٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٨٠/٤ و٢٨١ و٢٨٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٧١/٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٣٦٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣/٧ و٩/ ١٥٤ و١٥٥) و((دلائل النبوّة)) (١٧٧/١ و١٣٣/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٢٧٠٦) و((تفسيره)) (٢٧٨/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه حسنَ الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب. ٢ - (ومنها): جواز الانتساب إلى الآباء، ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب، دون غيرها . ٣ - (ومنها): جواز التعرّض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال: كان النبيّ وَ له متيقناً للنصر لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حقّ؛ لأن أبا سفيان بن الحارث، قد ثبت معه، آخذاً بلجام بغلته، وليس هو في اليقين مثل النبيّ وَ ◌ّر، وكذلك العبّاس، ومن ثبت معه ◌َّ في تلك الحالة، وقد استُشهد في تلك الحالة أيمن ابن أم أيمن، كما تقدمت الإشارة إليه في شعر العباس. ٤ - (ومنها): أن ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات؛ لأن ركوب ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الفحولة مَظِنّة الاستعداد للفرار والتولّي، وإذا كان رأس الجيش قد وَطَّن نفسه على عدم الفرار، وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أَدْعَى لأتباعه على الثبات. ٥ - (ومنها): أن فيه تشهيرَ الرئيس نفسه في الحرب؛ مبالغةً في الشجاعة، وعدم المبالاة بالعدوّ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٧] ( .. ) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ، فَقَالَ: أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِّ اللهِ نَّهِ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ، وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ، مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ قَوْمُ رُمَاةٌ، فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلِ، كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّى، وَأَبُو سُفْيَانَ بَنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ، وَدَعَا، وَاسْتَنْصَرَ، وَهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ اللَّهُمَّ نَزِّلْ(١) نَصْرََكَ))، قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي: النَّيَّ ◌َِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ (٢) الْمِصِّيصِيُّ(٣)) هو: أحمد بن جَنَاب بن المغيرة الْمِصِّيصيّ، أبو الوليد الْحَدَّثِيّ، يقال: إنه بغداديُّ الأصل، صدوقٌ [١٠]. روى عن عيسى بن يونس، والحكم بن ظُهير، وغيرهما. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ بواسطة، ويعقوب بن شيبة، وصاعقة، وأبو زرعة، والدَّراورديّ، وكتب عنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، وآخرون. (١) وفي نسخة: ((أنزِل)). (٢) بفتح الجيم، وتخفيف النون. (٣) بكسر الميم، وتشديد الصاد الأولى، هذا هو المشهور، ويقال أيضاً: بفتح الميم، وتخفيف الصاد، قاله النوويّ ١٢/ ١٢٠. وبالضبط الأول ضبطه ابن الأثير، وقال: نسبة إلى الْمِصِّيصة، مدينة على ساحل البحر. انتهى. ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٢١/٣. ١١١ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٧) قال صالح جَزَرَة: صدوقٌ، وقال الحاكم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي، وقال: هو صدوق، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٣٠). انفرد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٧٧٦) و(١٧٨٣) و(١٩٠٠) و(٢٤٤٨). ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فَيْروز الْهَمْدانيّ الْوَادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ يدلّس، وسماعه من أبي إسحاق بآخره [٦] (ت٧ أو٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلِ) بكسر الراء: اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة. وقوله: (كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ)؛ أي: كأنها قطعة من جراد، وكأنها شُبّهت برجل الحيوان؛ لكونها قطعة منه، قاله النوويّ(١). وقوله: (فَانْكَشَفُوا)؛ أي: انهزموا، وفارقوا مواضعهم، وكشفوها. وقوله: (فَتَزَلَ)؛ أي: نزل النبيّ وَّه عن بغلته إلى الأرض، وَدَعَا الله تَلَ، وَاسْتَنْصَرَه؛ أي: طلب منه النصر. وقوله: (اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرََكَ) بتشديد الزاي المكسورة، وفي بعض النسخ: ((أنزل)). وقوله: (كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ) قال النوويّ تَظْلَتُهُ: احمرار البأس: كناية عن شدّة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة، أو لاستعار الحرب، واشتعالها، كاحمرار الجمر، كما في الرواية السابقة: ((حَمِيَ الْوَطِيسُ))، وفيه بيان شجاعته وَّةَ، وعظيم وُثوقه بالله تعالى. انتهى(٢). وقوله: (نَتَّقِي بِهِ)؛ أي: نتستّر بالنبيّ وََّ، ونتّخذه وِقايةً، وهذا فيه كمال (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/١٢. (٢) (شرح النوويّ)) ١٢/ ١٢١. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير شجاعته وال، وأن من رآه امتلأ قلبه شجاعة، استمداداً منه وَّل و، ولذلك قال البراء ◌َُّه: ((وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ)). وقوله: (وَإِنَّ الشُّجَاعَ) مثلّث الشين، يقال: شَجُعَ بالضمّ شَجَاعَةً: قَوِيَ قلبه، واستهان بالحروب جَرَاءةً وإقداماً، فهو شَجِيعٌ، وشُجاعٌ، وبنو عُقَيل تفتح الشين؛ حملاً على نقيضه، وهو جَبَانٌ، وبعضهم يكسر؛ للتخفيف، قاله الفيّوميّ(١). وقوله: (لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ) اللام لام الابتداء؛ أي: الشخص الذي يوازيه، ويقابله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ وَ لَمْ يَفِرَّ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَيْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهـ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) ((أَنَا النَِّيُّ لَا كَذِبْ رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزِيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. (١) ((المصباح المنير)) ٣٠٥/١. ١١٣ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٨) ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) المعروف بِغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب، [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت الناقد، أو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ لَمْ يَفِرَّ) تقدّم أنه يجوز في رائه الكسر على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، والفتح على التخفيف، قال القرطبيّ تَخْذّله: هذا هو المعلوم من حاله وَلي، وحال الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من إقدامهم، وشجاعتهم، وثقتهم بوعد الله تعالى، ورغبتهم في الشهادة، وفي لقاء الله تعالى، ولم يثبت قط عن واحد منهم: أنه فرَّ، أو انهزم، ومن قال ذلك عن النبيّ وَّ﴿، فقال: فرَّ، أو انهزم قُتِل، ولم يُستَتَبْ؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه ﴿﴿ كان أسود، أو أعجمياً، فأنكر ما عُلِم من وصفه قطعاً، وكَذّب به، وذلك كفر، ولأنه قد أضاف إليه نقصاً وعيباً، وقد حكى أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه وَلته نقصاً أو عيباً، وقيل: يستتاب، فإن تاب، وإلا قُتِلَ. انتهى(١). وقوله: (وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ)؛ أي: لمّا هجمناهم، وواجهناهم بشدّة القتال. وقوله: (فَأَكْبَيْنَا عَلَى الْغَنَائِم)؛ أي: أقبلنا عليها، ولازمنها، يقال: أكبّ عليه: أقبل، ولزِمَ، كانكبّ، وكَبّه: قلبه، وصَرَعه، كأكبّه، وگبْگبه، فأكبّ، وهو لازمٌ متعدّ، قاله المجد وَظُّهُ(٢). وقال الفيّوميّ تَخْذِفُهُ: كَبَيْتُ الإناءَ كَبّاً، من باب قَتَلَ: قلبته على رأسه، وكَبَبْتُ زيداً كَبّاً أيضاً: ألقيته على وجهه، فأكَبَّ هو بالألف، وهو من النوادر التي تَعَدَّى ثلاثيُّها، وقَصَرَ رباعيُّها، وفي التنزيل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ﴿أَفَّنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، وأَكَبَّ على كذا بالألف: لازمه. انتهى(٣). (١) ((المفهم)) ٦٢٠/٣ - ٦٢١. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٠٩. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في كلام المجد أن أكبّ رباعيّاً يتعدّى ويلزم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَام)؛ أي: واجهونا، وكُرُّوا علينا برمي السهام بالكسر: جمع سهم، وهو واحدٌ مَن النّبْل، وقيل: السهم: نفس النصل(١). وقوله: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ) تقدّم في حديث العباس تَُّه: ((وكان على بغلةٍ له بيضاء، أهداها له فَرْوة بن نُفَائة الْجُذاميّ)»، وسيأتي في حديث سلمة بن الأكوع به: ((وكان على بغلته الشهباء))، ووقع عند ابن سعد، وتبعه جماعة ممن صنَّف السيرة: أنه وَ ال ﴿ كان على بغلته دُلْدُل. قال الحافظ تَُّ: وفيه نظر؛ لأن دُلْدُل أهداها له المقوقس، وقد ذكر القطب الحلبيّ أنه استَشْكَل عند الدمياطيّ ما ذكره ابن سعد، فقال له: كنت تبعته، فذكرت ذلك في السيرة، وكنت حينئذ سِيرِيّاً مَخْضاً، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف، قال القطب الحلبيّ: يَحْتَمِل أن يكون يومئذ ركب كُلّ من البغلتين، إن ثبت أنها كانت صَحِبته، وإلا فما في ((الصحيح)) أصحّ. قال الحافظ: ودلّ قول الدمياطيّ أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السِّير، وخالف الأحاديث الصحيحة، وأن ذلك كان منه قبل أن يتضلع من الأحاديث الصحيحة، ولخروج نُسَخ من كتابه، وانتشاره، لم يتمكن (٢) من تغييره. انتهى ٠ وقوله: (وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آَخِذٌ بِلِجَامِهَا) هذا ظاهر في أن الآخذ بلجام بغلته وَ ليو هو أبو سفيان بن الحارث، وقد تقدّم قول العبّاس ◌ُبُه: ((وأنا آخذ بلجام رسول الله وَيَرَ أَكُفُّها إرادةَ أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه))، فكيف الجمع بينهما؟. قلت: يُجمع بينهما بأن أبا سفيان كان آخذاً أوّلاً بزمامها، فلما رَكَضَها النبيّ وَّه إلى جهة المشركين خَشِي العباس، فأخذ بلجام البغلة يكُفّها، وأخذ أبو سفيان بالرِّكاب، وترك اللجام للعباس؛ إجلالاً له؛ لأنه كان عمه. (١) ((المصباح)) ٢٩٣/١. (٢) ((الفتح)) ٤٢٨/٩ - ٤٢٩، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣١٧). ١١٥ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦٠٩) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٦٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَتَمُّ حَدِيثاً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَادٍ) محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فرّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الحجة الفقيه الثبت الناقد الشهير، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٥. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، الإمام الفقيه الثبت الحجة، رأس الطبقة [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير سفيان. وقوله: (وَهُوَ أَقَلَّ مِنْ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن حديث سفيان أقلّ سياقاً من حديث الثلاثة المتقدّمين، وهم: يونس بن يزيد، وزكريّا بن أبي زائدة، وشعبة بن الحجاج، وكون حديثه أقل من حديثهم يتبيّن بما أذكره في التنبيه التالي - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (وَهَؤُلَاءِ أَتَمُّ حَدِيثاً) تصريح بما عُلم مما قبله، ومؤكّد له؛ يعني: أن هؤلاء الثلاثة أطول حديثاً من حديث سفيان الثوريّ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ تَكْثُهُ في ((صحيحه))، فقال: ١١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (٤٠٦١) - حدّثنا محمد بن كثير، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء ربه، وجاءه رجل، فقال: يا أبا عمارة، أتوليتَ يوم حنين؟ فقال: أما أنا فأشهد على النبيّ وَّ أنه لم يُوَلِّ، ولكن عَجِلَ سَرَعان القوم، فَرَشَقتهم هوازنُ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء، يقول: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ(١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَفُ أوّل الكتاب قال: [٤٦١٠] (١٧٧٧) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حُنَيْنَاً، فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمْتُ، فَأَعْلُو نَنِيَّةً، فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَأَرْمِيهِ بِسَهْم، فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ، فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَّنِيَّةٍ أُخْرَى، فَالْتَقَوْا هُمْ وَصَحَابَةُ النَّبِّ نَّهِ، فَوَلَّى صَحَابَةُ الَّبِيِّ ◌َّهِ، وَأَرْجِعُ مُنْهَزِماً، وَعَلَيَّ بُرْدَتَانٍ، مُتَّزِراً بِإِحْدَاهُمَا، مُرْتَدِياً بِالأُخْرَى، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِي، فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعاً، وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَله مُنْهَزِماً، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَْوَع فَزَعاً))، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ نَّهِ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: ((شَاهَتِ الْوُجُوهُ»، فَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْهُمْ إِنْسَاناً إِلَّ مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَاباً بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللهُ رَتْ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ لِ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ) أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. (١) ((صحيح البخاريّ)) ١٥٦٨/٤. ١١٧ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦١٠) ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، صدوق يغلط، في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. [فإن قيل]: كيف أخرج مسلم لعكرمة بن عمّار، وهو متكلّم فيه، وقد تفرّد برواية هذا الحديث عن إياس بن سلمة، فلم يتابعه عليه أحد؟. [أجيب]: بأنه إنما تُكلّم فيه في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فإن فيها اضطراباً، وأما روايته عن إياس بن سلمة، فقد أثنى عليها الإمام أحمد تَخْذّتُهُ، فقال في ((تهذيب التهذيب)): قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: عكرمة مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة، وكان حديثه عن إياس صالحاً. انتهى(١). ٤ - (إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ) بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١١٩) وهو ابن (٧٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. ٥ - (أَبُوهُ) سلمة بن عَمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَّلُهُ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأنه مسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره. شرح الحديث: (عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ الأسلميّ، أنه قال: ((حَدَّثَنِي أَبِي) سلمة بن الأكوع ◌َبه (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَل﴿) يقال: غزاه: إذا أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوَّ: إذا سار إلى قتالهم، وانتهابهم غَزْواً، وغَزَوَاناً، وغَزَاةً، قاله المجد رَّتُهُ(٢). (حُنَيْناً) تقدّم الكلام فيه قريباً، (فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ) هم هوازن، كما سبق. (تَقَدَّمْتُ)؛ أي: سبقت جيش المسلمين نحو العدوّ (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٣٣/٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ٩٤٧. ١١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير (فَأَعْلُو) مضارع علا، مرفوع، وإنما عبّر به، وإن المراد الماضي؛ لاستحضار صورة الحال، كأنه يشاهدها الآن، ففيه تأكيدٌ لخبره. وقوله: (ثَنِيَّةً) قال المجد ◌َّتُهُ: ((الثنيّةُ: الْعَقَبَةُ، أو طريقها، أو الجبل، أو الطريقة فيه، أو إليه)). انتهى(١). (فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ) يقال: استقبلتُ الشيءَ: واجهتُهُ، فهو مُستَقْبَلٌ، بفتح الباء، اسم مفعول(٢)، وقوله: (مِنَ الْعَدُوِّ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه(٣). (فَأَرْمِيهِ بِسَهْم) الكلام في ((أرميه)) كالكلام السابق في ((فأعلو))، فتنبّه. (فَتَوَارَى عَنِّي)؛ أي: اختفى منّي، (فَمَا دَرَيْتُ)؛ أي: علمتُ (مَا صَنَعَ)؛ أي: ذلك الرجل، وفي رواية ابن حبّان: ((فما دريتُ ما أصنع)) بالإسناد للمتكلّم، (وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ)؛ أي: العدوّ، (فَإِذَا هُْ قَدْ طَلَعُوا) هي ((إذا)) الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأني طلوعهم (مِنْ ثَنِيَّةٍ)؛ أي: طريق (أُخْرَى، فَالْتَقَوْا) بفتح القاف؛ لأن أصله التَّقَيُوا، فقلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، وقوله: (هُمْ) ضمير منفصل أتى به؛ ليمكنه العطف على الضمير المتّصل، وليس مفعولاً به، ولذا كُتبت في ((التقوا)) الألف الفارقة بين واو العطف، وواو الجمع. (وَصَحَابَةُ النَّبِيِّ وَلَّ) بفتح الصاد المهملة: جمع صاحب، وهو مرفوع بالعطف على الضمير الفاعل، (فَوَلَّى)؛ أي: أدبر عن القتال (صَحَابَةُ النَّبِيِّ وَِّ، وَأَرْجِعُ) مضارع بمعنى الماضي، كما تقدّم نكتة التعبير به قريباً؛ أي: ورجعت (مُنْهَزِماً)؛ أي: هارباً من العدوّ، وقوله: (وَعَلَيَّ بُرْدَتَانٍ) جملة حاليّة، كـ((منهزماً))، و((بُردتان)) تثنية بُرد، بضمّ، فسكون، قال المجد رَّتُهُ: ((الْبُرْدُ)) بالضمّ: ثوبٌ مخطّطٌ، جمعه أبراد، وأَبْرُدٌ، وبُرُودٌ، وأكسيةٌ يُلْتَحَف بها، الواحدة: بُرْدَةٌ بِهَاء. انتهى (٤). وقال الفيّوميّ رَُّهُ: ((الْبُرْدُ)): معروفٌ، وجمعه أبراد، وبُرُودٌ، ويُضاف للتخصيص، فيقال: بُرْدُ عصب، وبُرْد وَشْي، والْبُرْدة: كساء صغيرٌ، مربّعٌ، ويقال: كساء أسود صغير. انتهى (٥). (١) ((القاموس المحيط)) ص١٨٣. (٣) ((تنبيه المعلم)) ص٣٠٨. (٥) ((المصباح المنير)) ٤٣/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٨٨/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ص ٩٢. . ١١٩ (٢٨) - بَابٌ فِي غَزْوَةٍ حُنَيْنٍ - حديث رقم (٤٦١٠) وقوله: (مُتَّزِراً بِإِحْدَاهُمَا، مُرْتَدِياً بِالأُخْرَى) منصوبتان على الحال من الحال قبله، أعني: وعليّ بردتان، والمعنى: حال كوني جاعلاً إحداهما إزاراً، والأخرى رداء، (فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِي)؛ أي: انحلّ إزاري؛ لكوني مستعجلاً، (فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعاً)؛ أي: جمعت الإزار والرداء، وأمسكتهما؛ لئلا يسقطا، وهذا كناية عن كونه لم يجد فرصة لإعادتهما إلى ما كانا عليه، لشدّة الفزع، والله تعالى أعلم. (وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ) وقوله: (مُنْهَزِماً) حال من تاء المتكلّم، فالانهزام لسلمة، لا للنبيّ وَّ؛ لِمَا سبق في الروايات السابقة أنه وَّ لم يفرّ، بل ثبت، وكما يدلّ عليه قوله: (وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ)؛ أي: والحال أنه وَيه ثابت مستقرّ على بغلته الشهباء؛ أي: البيضاء. قال النوويّ كَُّهُ: قال العلماء: قوله: ((منهزماً)) حال من ابن الأكوع، كما صرّح أوّلاً بانهزامه، ولم يُرِد أن النبيّ وَّ انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم ◌ّ: إنه رََّ ما انهزم، ولم يَنْقُل أحد قطّ أنه وَّ انهزم في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يُعتقد انهزامه وَلآ، ولا يجوز ذلك عليه، بل كان العباس، وأبو سفيان بن الحارث آخذين بلجام بغلته، يَكفّانها عن الإسراع، والتقدم إلى العدوّ، وقد صرَّح بذلك البراء cuwr في حديثه السابق. انتهى (١)، وهو تحقيق حسنٌ جدّاً، والله أعلم. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قول سلمة رَُّه: ((ومررت على رسول الله ولايه منهزماً)) يُفْهَم منه ثبوت النبيّ ◌َّ، وتوجهه نحو الكفار، بل كان يركض بغلته نحوهم، ولمّا غشيه القوم، نزل عن البغلة، وثبت لهم قائماً، حتى تراجع الناس إليه عند نداء العباس، ولم يُسمع لأحد من الشجعان مثل هذا، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَْوَعِ فَزَعاً))؛ أي: خوفاً، أو المراد: الأمر الذي يُفزع منه، من إطلاق السبب، وَإرادة المسبّب، (فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ وََّ) بفتح الغين، وضمّ الشين المعجمتين، وأصله غَشِيُوا، بفتح (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/١٢. (٢) ((المفهم)) ٦٢١/٣. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الغين، وكسر الشين، وضمّ الياء، بوزن عَلِمُوا، فنُقلت ضمة الياء إلى الشين بعد سلب حركتها، ثم حُذفت الياء لالتقائها ساكنةً مع ضمير الجماعة، والمعنى: أن جماعة العدّو لَمَّا أحاطوا برسول الله ◌ِّ، ودنوا منه (نَزَّلَ عَنِ الْبَغْلَةِ) إلى الأرض، (ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ)؛ أي: أخذ كفّاً من تراب الأرض، وهذا لا يعارض ما سبق في حديث العبّاس ظُه من أنه وَله أخذ حصيات، فرمى بهنّ؛ لإمكان أن يكون فعل الاثنين، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ)؛ أي: بذلك التراب الذي أخذه من الأرض (وُجُوهَهُمْ)، يعني: أنه رماهم به، (فَقَالَ) وَ ﴿ِ عند رمي وجوههم («شَاهَتِ الْوُجُوهُ))؛ أي: قُبُحت، ورجعت خائبة مما قصدته، منهزمة مأسورة، ذليلةً، قال المجد وظّتُهُ: شاه وجهه شَوْهاً - أي: كقال - وشَوْهَةً: قَبُحَ، كَشَوِهَ، كَفَرِحَ، فهو أشوه. انتهى (١)، وقال الفيّوميّ تَخْذَثُ: والشَّوَهُ: قُبْحُ الخلقة، وهو مصدر، من باب تَعِبَ، ورجلٌ أشوهُ: قَبيح المنظر، وامرأة شَوْهاءُ، والجمع: شُوهٌ، مثل أحمر، وحمراء، وحُمْرٍ، وشاهت الوجوه: قَبُحت، وشوّهتها: قَبَّحتها. انتهى(٢). قال سلمة به: (فَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْهُمْ)؛ أي: هوازن العدوّ، (إِنْسَاناً إِلَّا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَاباً بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ) هذا من معجزاته وَلّ، حيث إن القبضة من التراب عمّت، وملأت وجوه آلاف من الكفّار، وهو معنى قوله رَك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَّ﴾ [الأنفال: ١٧]، (فَوَلَّوْا) بفتح اللام، كما تقدّم بيان تصريفه قريباً؛ أي: رجعوا وراءهم، وقوله: (مُدْبِرِينَ) حال مؤكّدة لعاملها، كما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]، قال في ((الخلاصة)): فِي نَحْوِ ((لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا)) وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا (فَهَزَمَهُمُ اللهُ وَّ) كما أخبر الله رَّ بذلك في قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِىِ مَوَاطِنَ كَثِيرَةٌ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ ثُمَّ أَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِينَ رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُدًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ [التوبة: ٢٥، ٢٦]. ٢٦ الْكَفِینَ (١) ((القاموس المحيط)) ص٧١٩. (٢) ((المصباح)) ٣٢٨/١.