Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ (١١) - بَابُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ خَاصَّةً - حديث رقم (٤٥٤٥) عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا تُؤْمِنَ ◌ِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٣]، ويدل على هذا أيضاً: ظاهر هذا الحديث، وقد كان فيهم على ما حكاه ابن إسحاق نار تحكم بينهم عند تنازعهم، فتأكل الظالم، ولا تضر المظلوم، وقد رفع الله تعالى كل ذلك عن هذه الأمة، وأحل لهم غنائمهم، وقربانهم، رفقاً بهم، ورحمة لهم، كما قال ◌َر: ((ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيَّيها لنا))، وجعل ذلك من خصائص هذه الأمة؛ كما قال: ((فلم تحل الغنائم لأحدٍ قبلنا))، وقد جاء في الكتب القديمة: أن من خصائص هذه الأمة: أنهم يأكلون قربانهم في بطونهم، وما جرى لهذا النبيّ ◌َ﴿ مع قومه في أخذ الغلول آية شاهدة على صدقه، وعلى عظيم مكانته عند ربِّه، وفي حديثه أبواب من الفقه لا تخفى على فطن. انتهى كلام القرطبيّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظ له هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٤٥/١١] (١٧٤٧)، و(البخاريّ) في ((فرض الخمس)) (٣١٢٤) و((النكاح)) (٥١٥٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨٨٧٨ و١١٢٠٨ و١٣٠٩٩)، و(صحيفة همّام بن منبه) (١٢٣)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (٩٤٩٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٨/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٨٠٧ و٤٨٠٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٣٩/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٢٦/٤ - ٢٢٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٠/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قال المهلّب كَثُ: في هذا الحديث أن فِتَن الدنيا تدعو النفس إلى الْهَلَع، ومحبة البقاء؛ لأن من ملك بُضْع امرأة، ولم يدخل بها، أو (١) ((المفهم)) ٥٣٣/٣ - ٥٣٤. ٤٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير دخل بها، وكان على قرب من ذلك، فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها، ويجد الشيطان السبيل إلى شَغْل قلبه عما هو عليه من الطاعة، وكذلك غير المرأة من أحوال الدنيا . قال الحافظ: وهو كما قال، لكن تقدم ما يعكر على إلحاقه بما بعد الدخول، وإن لم يطل بما قبله، ويدلّ على التعميم في الأمور الدنيوية ما وقع في رواية سعيد بن المسيِّب من الزيادة: ((أو له حاجة في الرجوع)). ٢ - (ومنها): أن الأمور المهمة لا ينبغي أن تُفَوَّض الا لحازم، فارغ البال لها؛ لأن من له تعلق ربما ضعفت عزيمته، وقَلَّت رغبته في الطاعة، والقلب إذا تفرق ضعف فعل الجوارح، وإذا اجتمع قَوِيَ. ٣ - (ومنها): أن مَن مضى كانوا يغزون، ويأخذون أموال أعدائهم، وأسلابهم، لكن لا يتصرفون فيها، بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النار من السماء، فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا تنزل، ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول. ٤ - (ومنها): بيان ما قد منّ الله تعالى على هذه الأمة، ورَحِمَها؛ لشرف نبيها ◌َو عنده، فأحل لهم الغنيمة، وستر عليهم الغلول، فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول، فلله الحمد على نِعَمِهِ تترى. ٥ - (ومنها): أن فيه معاقبةَ الجماعة بفعل سفهائها . ٦ - (ومنها): أن أحكام الأنبياء قد تكون بحسب الأمر الباطن، كما في هذه القصّة، وقد تكون بحسب الأمر الظاهر، كما في حديث: ((إنكم تختصمون إليّ ... )) الحديث. ٧ - (ومنها): أن فيه إشعاراً بأن إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت الفضل. ٨ - (ومنها): بيان اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة، وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِعْتُمْ حَلَلًا طَتِبَأْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٩]، فأحل الله لهم الغنيمة، وقد ثبت ذلك في ((الصحيح)) من حديث ابن عباس ظها، قال الحافظ تَعْدَثُهُ: وأول غنيمة خُمِّسَت غنيمة السريّة التي خرج فيها عبد الله بن جَخْش، وذلك قبل بدر بشهرين، ويمكن الجمع بما ذكر ٤٢٣ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٦) ابن سعد أنه ولل أخَّر غنيمة تلك السريّة حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم بدر. انتھی. ٩ - (ومنها): أن ابن بطّال استدَلّ به على جواز إحراق أموال المشركين. وتُعُقِّب بأن ذلك كان في تلك الشريعة، وقد نُسِخ بحل الغنائم لهذه الأمة. وأجيب عنه بأنه لا يخفى عليه ذلك، ولكنه استَنْبَط من إحراق الغنيمة بأكل النار جواز إحراق أموال الكفار إذا لم يوجد السبيل إلى أخذها غنيمة، وهو ظاهر؛ لأن هذا القدر لم يَرِد التصريح بنسخه، فهو مُحْتَمِلٌ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم یَرِد ناسخه. ١٠ - (ومنها): أنه استَدَلّ به أيضاً على أن قتال آخر النهار أفضل من أوله. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن ذلك في هذه القصة إنما وقع اتفاقاً، كما تقدم، نعم في قصة النعمان بن مُقَرِّن مع المغيرة بن شعبة في قتال الْفُرْس التصريح باستحباب القتال حين تزول الشمس، وَتَهُبّ الرياح، فالاستدلال به يُغني عن هذا. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١٢) - (بَابُ الأَنْفَالِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْلُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٦] (١٧٤٨) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخَذَ أَبِي مِنَ الْخُمْسِ سَيْفاً، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ وَ﴿ِ، فَقَالَ: هَبْ لِي هَذَا، فَأَبَى، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿يَسْلُونَكَ عَنِ الْأَفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]). (١) ((الفتح)) ٣٨٦/٧ - ٣٨٧، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٢٤). ٤٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٣ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، مضطرب الرواية عن عكرمة، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٤ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (١٠٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤١/٢. ٥ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، الصحابي المشهور، مات ◌َظُه سنة (٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، وكان مجاب الدعوة، وهو آخر من مات من العشرة وظ﴿ه، مات بقصره بالعقيق، ثم نُقل إلى المدينة، ودفن بالبقيع. شرح الحديث: (عَنْ مُصْعَبٍ) بصيغة اسم المفعول، (ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص ◌َّهُ أنه (قَالَ: أَخَذَ أَبِي)؛ يعني: سعداً ظُه، وظاهر هذا أنه منقطع؛ لأن مصعب لم يحضر القصّة، لكن في سياق الروايات المطوّلة الآتية في ((الفضائل) ما يدلّ على أنه أخذه من أبيه، فتنبّه. وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((عن أبيه، قال: أخذ أبي)) هو من تلوين الخطاب، وتقديره: عن مصعب بن سعد، أنه حدّث عن أبيه بحديث قال فيه: قال أبي: أخذت من الخُمس سيفاً إلى آخره. (مِنَ الْخُمْسِ)؛ أي: خُمس الغنيمة التي حصلت لهم في غزوتهم، (سَيْفاً، ٤٢٥ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٦) فَأَتَّى بِهِ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَ: هَبْ لِي)؛ أي: أعطني (هَذَا) السيف، وفي الرواية التالية: ((فقال: يا رسول الله نقّلنيه))؛ أي: أعطنيه زائد على نصيبي من الغنيمة، وفي الرواية الآتية في ((الفضائل)): قال: ((وأصاب رسول الله وَ ل غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته، فأتيت به الرسول وَله، فقلت: نفّلني هذا السيف، فأنا من قد علمتَ حاله)). (فَأَبَّى)؛ أي: امتنع النبيّ بَّ من هبته له، بل قال له: ((رُدّه من حيث أخذته))، (فَأَنْزَلَ اللهُ وَتَ ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. قال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َُّ في ((المفهم)): هذا يقتضي أن يكون ثَمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث، ولذلك قال بعض أهل العلم: إن ((عن)) صلة، ولذلك قرأه ابن مسعود بغير ((عن)): (يسألونك الأنفال). وقال بعضهم: إن ((عن)) بمعنى ((مِنْ))؛ لأنه إنما سأل شيئاً معيَّناً، وهو السيف، وهو من الأنفال. و((الأنفال)): جمع نَفَل ـ بفتح الفاء - هنا؛ كجَمَل وأجمال، ولَبَن وألبان، وقد اختلف في المراد بالأنفال هنا في الآية؛ هل هي الغنائم؛ لأنها عطايا، أو هي مما يُنَفّل من الخُمس بعد القَسْم؟ وكذلك اختُلف في أخذ سعد لهذا السيف؛ هل كان أخذه له من القبض قبل القسم، أو بعد القسم؟ وظاهر قوله: ((ضعه حيث أخذته)) أنه قبل القسم؛ لأنه لو كان أخذه له بعد القسم لَأَمره أن يردّه إلى من صار إليه في القسم. انتهى (١). (﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾) قال القرطبيّ ◌َخُّْ: ظاهره إن حملنا الأنفال على الغنائم أن الغنيمة لرسول الله صل﴾، وليست مقسومة بين الغانمين، وبه قال ابن عباس وجماعة، ورأوا أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وظاهرها أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وقد رُوي عن ابن عباس أيضاً: أنها مُحْكَمة، غير منسوخة، وأن للأمام أن ينفِّل من الغنائم ما شاء لمن شاء؛ لِمَا يراه من المصلحة، وقيل: هي مخصوصة بما شذّ من المشركين إلى المسلمين من: عبدٍ، أو أمَةٍ، أو دابةٍ، وهو قول عطاء، والحسن، وقيل: المراد بها: إنفاذ السَّرايا. والأَولى: أن (١) ((المفهم)) ٥٤٥/٣. ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الأنفال المذكورة في هذه الآية هي ما ينفله الإمام من الخمس؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ﴾، ولا يصح الحكم بالنسخ؛ إذ الجمع بين الآيتين ممكن، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من النسخ، باتفاق الأصولیین. وقال مجاهد في الآية: إنها محكمة، غير منسوخة، وأن المراد بالأنفال: ما ينفله الإمام من الخمس. وعلى هذا: فلا نفل إلا من الخمس، ولا يتعيّن الخمس إلا بعد قسمة الغنيمة خمسة أخماس، وهو المعروف من مذهب مالك، وقد رُوي عن مالك: أن الأنفال من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيِّب، والشافعيّ، وأبي حنيفة، والطبري. وأجاز الشافعي النفل قبل إحراز الغنيمة، وبعدها، وهو قول أبي ثور، والأوزاعيّ، وأحمد، والحسن البصريّ. انتهى كلام القرطبيّ تَّهُ(١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. وقال القاضي عياض رَّتُهُ: الأظهر في قضيّة سعد هذه أنها كانت قبل نزول حُكم الغنائم، وإباحتها، وعليه يدلّ قوله في تمام الحديث الآخر: ((خُذْ سيفك، إنك سألتنيه، وليس لي، ولا لك، وقد جعله الله لي، وجعلته لك))، ويَحْتَمِل أن يكون بعد بيان الخمس، وقبل القسم، وهذا الخلاف في قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ هل هو منسوخ، أو لا؟ فقيل: إنه منسوخ، وأن معنى الآية: إن الغنائم كانت لرسول الله وَلّم خاصّةً، ثم نُسخ ذلك بأن جُعل أربعة أخماسها للغانمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. وَلِلَّسُولِ﴾، وقيل: محكمة، وأن للإمام أن ينفّل من رأس الغنيمة ما شاء لمن شاء، وهو عن ابن عبّاس أيضاً، وقيل: هي محكمة، والمراد بالأنفال الخمس، وهي مثل آية: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾، وقيل: هي محكمة، ومخصوصة، والمراد بها أنفال السرايا. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((المفهم)) ٥٣٦/٣. (٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٥٥ - ٥٦. ٤٢٧ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٦) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ربه هذا من أفراد المصنّف رَّلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٤٦/١٢ و٤٥٤٧] (١٧٤٨)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٧٤٠)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٨٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١١١٩٦)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨١/١ و١٨٥ - ١٨٦)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٧٨٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٩٩٢)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٧٤/٩ و٧٠/٢١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٧٤/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٧٩/٣ و١٩١/٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣١١/٣ و٣٢٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١/ ٦٦٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ٢٦٩ و٢٩١ و٢٨٥/٨ و٢٦/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم هل آية ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ منسوخة أم لا؟، واختلافهم أيضاً في معنى الأنفال: قال النوويّ تَخُّْ: اختلفوا في هذه الآية، فقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ﴾، وأن مقتضى آية الأنفال والمراد بها أن: الغنائم كانت للنبيّ وَّو خاصّة كلها، ثم جعل الله أربعة أخماسها للغانمين بالآية الأخرى، وهذا قول ابن عباس، وجماعة، وقيل: هي محكمة، وأن التنفيل من الخمس، وقيل: هي محكمة، وللإمام أن يُنَفِّل من الغنائم ما شاء لمن شاء، بحسب ما يراه، وقيل: محكمة مخصوصة، والمراد أنفال السرايا. انتهى. وذكر الحافظ ابن كثير كَُّ في ((تفسيره)) عن ابن عباس أنه قال: ((الأنفال)): الغنائم، كانت لرسول الله وَلقر خالصة، ليس لأحد منها شيء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حَيَّان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد أنها الغنائم. ٤٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وقال الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال: الغنائم، قال فيها لَبِيدُ: إِنَّ تَقْوَى رَبّنَا خيرُ نَفَل وَبِإِذْنِ اللهِ رَيتِي وَعَجَلْ وروى ابن جرير: عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن ((الأنفال))، فقال ابن عباس ﴿: الفرس من النَّفل، والسَّلَب من النّفَل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضاً. ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا؟ مَثَل صُبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب، ﴿به، إذا سئل عن شيء قال: لا آمرك ولا أنهاك، ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيّه وَ﴿ إلا زاجراً آمراً مُحِلّاً محرماً، قال القاسم: فَسُلِّطَ على ابن عباس رجل يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل يُنَفَّل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صَبِيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب، حتى سالت الدماء على عقبيه - أو على: رجليه - فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك(١). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس: أنه فسَّر النفل بما ينفّله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه، بعد قسم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله وَّ ر عن الخمس بعد الأربعة الأخماس، فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. وقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف، رواه ابن أبي حاتم عنهما. (١) تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٣١)، وصبيغ هو ((ابن عسل)) ويقال: ((ابن سهل)) التميمي. انظر قصته في: ((الإصابة)) ١٩٨/٢. ٤٢٩ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٦) وقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شَذّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة أو عبد أو أمة أو متاع، فهو نفل للنبيّ وَ ل﴿ يصنع به ما يشاء. وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء، وهو ما أُخذ من الكفار من غير قتال. وقال ابن جرير: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا علي بن صالح بن حيي قال: بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: السرايا. ويعني هذا: ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابن جرير أنها الزيادات على القَسْم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإمام أحمد بسنده عن سعد بن أبي وقاص ◌ُه قال: لمّا كان يوم بدر، وقُتل أخي عُمَيْر، وقَتلتُ سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، وكان يسمى ((ذا الكتيفة))، فأتيت به نبيّ الله وَّر، فقال: ((اذهب فاطرحه في القبض))، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله وَلقر: ((اذهب فخذ سيفك))(١). وروى الإمام أحمد أيضاً بسنده عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله، قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: ((إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه)). قال: فوضعته، ثم رجعت، قلت: عسى أن يُعْطَى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي! قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئاً؟ قال: ((كنتَ سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وهب لي، فهو لك))، قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرّسُولٌ﴾. ورواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طُرُق، وقال الترمذيّ: حسن صحیح. (١) («المسند» ١٨٠/١. ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير وهكذا رواه أبو داود الطيالسيّ عن سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات: أصبت سيفاً يوم بدر، فأتيت النبيّ وَله، فقلت: نَفْلْنِيه، فقال: ((ضعه من حيث أخذته)) مرتين، ثم عاودته فقال النبيّ وَلّى: ((ضعه من حيث أخذته))، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَفَالِّ﴾(١). وتمام الحديث في نزول: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وقوله تعالى: ﴿إِنََّا الْخَّرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ [المائدة: ٩٠] وآية الوصية، وقد رواه مسلم في ((صحیحه)) . وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضيبه قال: سألت عبادة عن الأنفال، فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت، حين اختلفنا في النَّفَل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ◌َّله، فقسمه رسول الله وَليه بين المسلمين عن بَوَاء - يقول: عن سواء(٢). وروى الإمام أحمد أيضاً عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع النبيّ، فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدوّ، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبّت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله وَّ﴿ لا يصيب العدوّ منه غِرَّةً، حتى إذا كان الليل، وفاءَ الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحقّ به منا، نحن منعنا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله رشدي: لستم بأحق منا، نحن أحدقنا برسول الله وَل﴾، وخِفنا أن يصيب العدو منه غِرّةً، فاشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسَْلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها رسول الله وَّل بين المسلمين. وكان رسول الله ◌َ﴿ إذا غار في أرض العدو نَفَّل الربع، فإذا أقبل راجعاً وَكُلُّ الناسِ نَفَّل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: (لِيَرُدّ قويّ المؤمنين على ضعيفهم))، ورواه الترمذيّ وابن ماجه، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن. (١) ((مسند الطيالسيّ)) برقم (٢٠٨). (٢) ((المسند)) (٣٢٢/٥). ٤٣١ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٦) ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه))، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وروى أبو داود، والنسائيّ، وابن جرير، وابن مردويه - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله وَتليفون: ((من صنع كذا وكذا، فله كذا وكذا))، فتسارع في ذلك شبان الرجال، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم، جاءوا يطلبون الذي جُعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءاً لكم، لو انكشفتم لفئتم إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ . وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام تَخَُّهُ، في كتاب ((الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها)): أما الأنفال: فهي المغانم، وكلّ نَّيْل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأُولى إلى النبيّ وَله، يقول الله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فقسمها يوم بدر على ما أراده الله من غير أن يخمّسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخُمس، فَسخت الأولى. قال ابن كثير: هكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، سواء، وبه قال مجاهد، وعكرمة والسُّدِّيّ، وقال ابن زيد: ليست منسوخة، بل هي محکمة . قال أبو عبيد: وفي ذلك آثار، والأنفال أصلها جمع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب، وجرت به السُّنَّة، ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فَعَله فاعل تفضلاً من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحلّه الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شيء خصه الله به تطوّلاً منه عليهم، بعد أن كانت المغانم محرمة على الأمم قبلهم، فنقّلها الله هذه الأمة فهذا أصل النفل. قال ابن كثير: شاهدُ هذا في ((الصحيحين)) عن جابر: أن رسول الله وَله قال: ((أُعطيت خمساً لم يُعْطَهُنّ أحد قبلي)) فذكر الحديث، إلى أن قال: ((وأُحلت لي الغنائم ولم تَحِل لأحد قبلي))، وذكر تمام الحديث. ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ثم قال أبو عبيد: ولهذا سُمِّ ما جَعَل الإمام للمقاتلة نَفَلاً، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغَنَاء عن الإسلام والنكاية في العدو. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي - كما تقدّم عن أبي العبّاس القرطبيّ تَخْتُ - أن الأنفال المذكورة في الآية هي ما ينفّله الإمام من الخمس بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية، فبهذا تُجمع الآيتان من غير دعوى النسخ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، أَصَبْتُ سَيْفاً، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ وَهَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ نَفِّلْنِهِ، فَقَالَ: ((ضَعْهُ))، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َّ: ((ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((ضَعْهُ))، فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ نَقِّلْنِيهِ، أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّ: ((ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهَ))، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد المعروف ببندار، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضاً قريباً. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ)؛ أي: من القرآن الكريم، قال النوويّ تَخُّْهُ: (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٥/٤ - ٩. ٤٣٣ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٧) لم يذكر هنا من الأربع إلا هذه الواحدة - يعني: قصّة السيف - وقد ذكر مسلم الأربع بعد هذا في ((كتاب الفضائل))، وهي برّ الوالدين، وتحريم الخمر، ﴿وَلَا تَطْرُهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وآية الأنفال. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قال الإمام مسلم كلُّ في ((كتاب فضائل أصحاب النبيّ ◌َلغات)»: (١٧٤٨) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قالا: حدّثنا الحسن بن موسى، حدّثنا زهير، حدّثنا سماك بن حرب، حدّثني مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه نزلت فيه آيات من القرآن. قال: حَلَفَتْ أمُّ سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل، ولا تشرب، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثَتْ ثلاثاً حتى غُشي عليها من الْجَهْد، فقام ابن لها يقال له: عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيِّ حُسْنَاً﴾، ﴿وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى﴾ وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٤، ١٥]، قال: وأصاب رسول الله ( 8* غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته، فأتيت به الرسول وَله، فقلت: نَفِّلني هذا السيف، فأنا مَن قد عَلِمْتَ حاله، فقال: ((رُدَّه من حيث أخذته))، فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في الْقَبَض لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، قال: فَشَدّ لي صوته: ((رُدّه من حيث أخذته))، قال فأنزل الله ◌َك: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال: ومَرِضتُ، فأرسلت إلى النبيّ وَلّ، فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال: فأبى، قلت: فالنصف، قال: فأبى، قلت: فالثلث، قال: فسكت، فكان بعدُ الثلثُ جائزاً، قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك، ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تُحَرَّم الخمر. قال: فأتيتهم، في حَشّ - والحش: البستان - فإذا رأس جَزور مشويّ عندهم، وزِقّ من خمر. قال: فأكلت، وشربت معهم. قال: فذُكرت الأنصارُ والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس، فضربني به، فجَرَح بأنفي، (١) (شرح النوويّ)) ٥٤/١٢. ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير فأتيت رسول الله وَله، فأخبرته، فأنزل الله رَك فيّ - يعني: نفسه - شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَفُرُ وَاَلْمَيْسِرُ وَالْأَنَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ [المائدة: ٩٠])). ( ... ) حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه قال: أُنزلت فيّ أربع آيات، وساق الحديث بمعنى حديث زهير، عن سماك، وزاد في حديث شعبة: ((قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شَجَرُوا فاها بعصاً، ثم أوجروها)). وفي حديثه أيضاً: ((فضرب به أنف سعد، ففزَرَه، وكان أنف سعد مفزوراً)). انتهى. وقوله: (فَأَتَّى بِهِ النَّبِيَّ وَّ) هذا عدول من التكلّم إلى الغيبة، وفي بعض النسخ: ((فأتيت)). وقوله: (نَقِّلْنِيهِ)؛ أي: أعطني إياه، قال لبيد [من المديد]: إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْشِي وَعَجَلْ ومنه سُمِّي الرَّجل نَوْفلاً؛ لكثرة عطائه، ويكون النَّفَل أيضاً للزيادة، ومنه نوافل الصلاة، وهي الزوائد على الفرائض(١). وقوله: (أَأُجْعَلُ) بالبناء للمفعول، والهمزة الأولى للاستفهام، هكذا وقع في نُسخ مسلم بلفظ: ((أَأُجْعَلُ))، ووقع في ((مختصر القرطبيّ)) بلفظ: ((أوَ أُجعل))، فقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((أوَ أُجعل كمن لا غَنَاء له)) الرِّواية الصحيحة بفتح الواو، ومن سكَّنها غَلِط؛ لأنها الواو الواقعة بعد همزة الاستفهام، ولا تكون إلا مفتوحة، وأما ((أو)) الساكنة فلا تكون إلا لأحد الشيئين، وهذا الاستفهام من سعد على جهة الاستبعاد، والتعجب من أن يُنَزَّل من ليس في شجاعته منزلته، لا على جهة الإنكار؛ لأنه لا يصح، ولا يحل الإنكار على النبيّ ◌َ﴾، لا سيما فيمن يكون في منزلة سعد، ومعرفته بحقّ النبيّ ێ، واحترامه له. و((الغَنَاء)) بفتح الغين، والمد: النفع. و((الغِنى)) - بكسر الغين والقصر -: (١) ((المفهم)) ٥٣٤/٣. ٤٣٥ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٨) كثرة المال. انتهى(١). وقوله: (كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟) بفتح الغين المعجمة، وبالمدّ: الكفاية؛ أي: أتجعلني كالناس الذين لا نفع، وكفاية لهم في الحرب؟. وقوله: (فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنَفَالِ﴾ الآية) تقدّم أنه وَّ لما نزلت الآية، وجعل الله تعالى الغنيمة له أعطى سعداً ظُّه ذلك السيف، وقال له: ((كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وُهب لي، فهو لك))، رواه أحمد(٢). والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنة. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٥٤٨] (١٧٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَهِ سَرِيَّةً، وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِلاً كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَي عَشَرَ بَعِيراً، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيراً، وَنُقِّلُوا بَعِيراً بَعِيراً). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم تقدّموا قريباً . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (٣٠٤) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث : (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) حَا أَنه (قَالَ: بَعَثَ)؛ أي: أرسل (النَّبِيُّ ◌َِّ سَرِيَّةً) - بفتح السين المهملة، وكسر الراء، وتشديد التحتانية -: هي التي تخرج بالليل، و((السارية)) التي تخرج بالنهار، وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها تُخفِي ذهابها، وهذا يقتضي أنها أُخِذت من السرّ، ولا يصح؛ لاختلاف المادّة، وهي قطعة من (١) ((المفهم)) ٥٣٥/٣. (٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٥٣٨) بإسناد صحيح. ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير الجيش، تَخْرُج منه، وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: ((مَنْسر)) (١) - بالنون، والمهملة - فإن زاد على الثمانمائة سُمّي: ((جيشاً))، وما بينهما يُسَمَّى: ((هبطة))، فإن زاد على أربعة آلاف يُسَمَّى: ((جَحْفَلاً))، فإن زاد، فـ((جيش جَرّار))، و((الخميس)): الجيش العظيم، وما افترق من السريّة يُسَمّى: ((بَعْثاً))، فالعشرة فما بعدها تسمى: ((حَفِيرةً))، والأربعون: ((عُصْبة))، وإلى ثلاثمائة: ((مقنب)) - بقاف، ونون، ثم موحّدة - فإن زاد سُمّي: ((جمرة)) - بالجيم - و((الكتيبة)): ما اجتمع، ولم ينتشر. ذكره في ((الفتح)) (٢). وقوله: (وَأَنَا فِيهِمْ) جملة في محلّ نصب على الحال (قِبَلَ نَجْدٍ) - بكسر القاف، وفتح الموحدة -؛ أي: في جهة نجد، و((نجد)) - بفتح النون، وسكون الجيم -: ما ارتفع من الأرض، والجمع: نُجود، مثلُ فلس وفُلُوس، وبالواحد سُمّي بلاد معروفة من ديار العرب، مما يلي العراق، وليست من الحجاز، وإن كانت من جزيرة العرب، قال في ((التهذيب)): كلُّ ما وراء الْخَنْدق الذي خَنْدقه كسرى على سواد العراق، فهو نجد إلى أن تميل إلى الحرّة، فإذا مِلتَ إليها، فأنت في الحجاز، وقال الصغانيّ: كلُّ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، فهو نجد. انتھی(٣). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): هكذا ذكر البخاريّ هذه السريّة بعد غزوة الطائف، والذي ذكره أهل المغازي أنها كانت قبل التوجه لفتح مكة، فقال ابن سعد: كانت في شعبان سنة ثمان، وذكر غيره أنها كانت قبل مُؤتة، ومُؤتة كانت في جمادى من تلك السنة، وقيل: كانت في رمضان، قالوا: وكان أبو قتادة أميرَها، وكانوا خمسة وعشرين، وغَنِمُوا من غطفان بأرض محارب مائتي بعير، وألفي شاة. انتهى (٤). (فَغَنِمُوا إِبِلاَّ كَثِيرَةً) وفي الرواية الآتية: ((فأصبنا إبلاً وغنماً))، (١) كمجلسٍ، ومِنْبَر. اهـ ((ق)). (٢) ((الفتح)) ٩/ ٤٧٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٣٨). (٣) ((المصباح المنير)) ٥٩٣/٢. (٤) راجع: ((الفتح)) ٩/ ٤٧٠، كتاب ((المغازي)) رقم (٤٣٣٨). ٤٣٧ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٨) (فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ) - بضمّ، فسكون -: جمع سهم، ويُجمع على أسهُم، وسِهام؛ أي: أنصباؤهم، والمراد: أنه بلغ نصيب كل واحد منهم هذا القدر، وتوهّم بعضهم أن ذلك جميع الأنصباء، قال النوويّ: وهو غلط، فقد جاء في بعض روايات أبي داود وغيره: أن الاثني عشر بعيراً كانت سُهمان كل واحد من الجيش والسرية، ونَفَّل السرية سوى هذا بعيراً بعيراً. انتهى(١). (اثْنَي عَشَرَ بَعِيراً) هكذا وقع ((اثني عشر)) بالياء، ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: ((اثنا عشر)) بالألف، قال النوويّ تَّتُهُ: هكذا هو في أكثر النسخ: ((اثنا عشر))، وفي بعضها: ((اثني عشر))، وهذا ظاهر، والأول أيضاً صحيح على لغة من يجعل المثنى بالألف، سواء كان مرفوعاً، أو منصوباً، أو مجروراً، وهي لغة أربع قبائل من العرب، وقد كثرت في كلام العرب، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِزَنِ﴾ الآية [طه: ٦٣]. انتهى(٢). (أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيراً) قال في ((الفتح)): هكذا رواه مالك بالشك، والاختصار وإبهام الذي نَفْلَهم، وقد وقع بيان ذلك في رواية ابن إسحاق، عن نافع، عند أبي داود، ولفظه: ((فخرجت فيها، فأصبنا نَعَماً كثيراً، وأعطانا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، ثم قَدِمنا على النبيّ وَ﴿، فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كلُّ رجل منا اثنا عشر بعيراً بعد الخمس)). وأخرجه أبو داود أيضاً من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، ولفظه: ((بعثنا رسول الله وَّ ر في جيش قِبَل نجد، وانبعث سرية من الجيش، وكان سُهْمان الجيش اثني عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ونفّل أهل السرية بعيراً بعيراً، فكانت سُهمانهم ثلاثة عشر بعيراً، ثلاثة عشر بعيراً)). وأخرجه ابن عبد البر من هذا الوجه، وقال في روايته أن ذلك الجيش كان أربعة آلاف، قال ابن عبد البرّ: اتَّفَق جماعة رواة ((الموطأ)) على روايته بالشكّ، إلا الوليد بن مسلم، فإنه رواه عن شعيب، ومالك جميعاً، فلم يشك، وكأنه حَمَل رواية مالك على رواية شعيب. قال الحافظ: وكذا أخرجه أبو داود، عن القعنبيّ، عن مالك، والليث، (١) (شرح النوويّ)) ٥٥/١٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٤/١٢. ٤٣٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير بغير شكّ، فكأنه أيضاً حَمَل رواية مالك على رواية الليث. قال ابن عبد البرّ: وقال سائر أصحاب نافع: ((اثني عشر بعيراً))، بغير شكّ، لم يقع الشك فيه إلا من مالك. انتهى(١). قوله: (وَنُقِلُوا بَعِيراً بَعِيراً) بلفظ الفعل الماضي مبنيّاً للمفعول، والنَّفَل - بفتحتين -: جمعه أنفال، مثلُ سَبَب وأسباب: زيادة يُزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، ومنه نَفْل الصلاة وهو ما عدا الفرض. وقال النوويّ كَّتُهُ: معنى قوله: ((نُفِّلوا بعيراً بعيراً)): أن الذين استحقّوا النفل نُفِّلوا بعيراً بعيراً، لا أن كل واحد من السرية نُفِل، قال أهل اللغة، والفقهاء: الأنفال: هي العطايا من الغنيمة، غير السهم المستحَقِّ بالقسمة، واحدها نَفَل - بفتح الفاء - على المشهور، وحُكِيَ إسكانها. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): واختلف الرواة في القَسْم والتنفيل، هل كانا جميعاً من أمير ذلك الجيش، أو من النبيّ وَلّ، أو أحدهما من أحدهما؟ فرواية ابن إسحاق صريحة أن التنفيل كان من الأمير، والقسم من النبيّ وَّر، وظاهر رواية الليث، عن نافع، عند مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش، وأن النبيّ وَلّ كان مقرِّراً لذلك، ومجيزاً له؛ لأنه قال فيه: ((ولم يغيّرَه النبيّ وَّ)، وفي رواية عبد الله بن عمر عنده أيضاً: ((ونفّلنا رسول الله وَلجه بعيراً بعيراً))، وهذا يمكن أن يُحْمَل على التقرير، فتجتمع الروايتان. قال النوويّ تَُّهُ: معناه: أن أمير السرية نَفّلهم، فأجازه النبيّ فجازت نسبته لكلّ منهما. انتهى(٣). وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: هذه السرية خرجت من جيش بعثهم رسول الله وَالو إلى نجد، فلما غَنِمت قسم ما غنمت على الجيش والسرية، فكانت سُهمان؛ كل واحد من الجيش والسَّرية اثني عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ثم زيد أهل السَّرية بعيراً بعيراً، فكان لكل إنسان من أهل السَّرية ثلاثة عشر بعيراً، ثلاثة (١) ((الفتح)) ٤١٠/٧ - ٤١١، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٣٤). (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٥/١٢. (٣) ((الفتح)) ٤١١/٧، كتاب ((فرض الخمس)) رقم (٣١٣٤). ٤٣٩ (١٢) - بَابُ الأَنْفَالِ - حديث رقم (٤٥٤٨) عشر بعيراً، بيّن ذلك ونَصّ عليه أبو داود من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر، ولهذا قال مالك، وعامة الفقهاء: إن السَّرية إذا خرجت من الجيش فما غنمته كان مقسوماً بينها وبين الجيش، ثم إن رأى الإمام أن ينفّلهم من الخُمس جاز عند مالك، واستُحبّ عند غيره، وذهب الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النفل من جملة الغنيمة بعد إخراج الخمس، وما بقي للجيش، وحديث ابن عمر يردّ على هؤلاء، فإنه قال فيه: فبلغت سُهماننا اثني عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ونفّلنا رسول الله وَله بعيراً بعيراً، وظاهر مساق هذه الرواية: أن الذي قسَّم بينهم، ونفّلهم، هو رسول الله وَلجر، حين رجعوا إليه، وفي رواية مالك، عن نافع: ((ونُقِّلُوا بعيراً بعيراً))، ولم يَذكر رسولَ الله وَّه ومن رواية الليث، عن نافع: ((ونُفِّلوا سوى ذلك بعيراً بعيراً، فلم يغيّره رسول الله (وَلّه))، وفي كتاب أبي داود من حديث محمد بن إسحاق، عن نافع، قال: ((فأصبنا نَعَماً كثيراً، فنفّلنا أميرنا بعيراً بعيراً، ثم قدمنا على رسول الله وَل﴿، فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجلٍ منا اثنا عشر بعيراً، اثنا عشر بعيراً، وما حاسَبَنا رسولُ الله ◌َّ بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل ثلاثة عشر بعيراً بنفله)). قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: وهذا اضطراب في حديث ابن عمر، على أنه يمكن أن تُحمل رواية من رفع ذلك إلى رسول الله وَير على أنه لمّا بلغه ذلك أجازه، وسوَّغه، والله تعالى أعلم. أو تكون رواية عبيد الله، عن نافع في الرَّفع وهماً، وبمقتضى رواية ابن إسحاق عن نافع قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد كما قدمناه آنفاً من مذهبهم، لكن محمد بن إسحاق كذّبه مالك، وضعّفه غيره. انتهى كلام القرطبيّ(١) . قال الجامع: ما قاله القرطبيّ في محمد بن إسحاق غير مقبول، فإن الجمهور على أنه ثقةٌ، وأما ما رُوي من تكذيب مالك له، فقد أجاب عنه العلماء بأنه من قبيل ما يصدر بين المتعاصرين، فلا يُقبل إلا ببيّنة واضحة، (١) ((المفهم)) ٥٣٧/٣ - ٥٣٨. ٤٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير ورحم الله تعالى الإمام الذهبيّ حيث يقول في ((ميزانه)): كلام النظراء والأقران ينبغي أن يُتأمّل. ويُتأنَّى فيه. انتهى (١)، فانتبه لهذه الدقائق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٤٨/١٢ و٤٥٤٩ و٤٥٥٠ و٤٥٥١ و ٤٥٥٢] (١٧٤٩)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٣١٣٤) و((المغازي)) (٤٣٣٨)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٧٤١ و٢٧٤٢ و٢٧٤٣ و٢٧٤٤ و٢٧٤٥)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٥٠/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٢/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٨/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٨٣٢ و٤٨٣٣ و٤٨٣٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده» (٢٣٠/٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣) ٢٤١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٠٧٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢/ ١٣٤٢٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٢/٦ و٣١٣)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٧٢٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حلّ الغنيمة لهذه الأمّة؛ رحمة من الله تعالى بها . ٢ - (ومنها): استحباب بعث السرايا، وما غَنِمَت تشترك فيه هي والجيش، إن انفردت عن الجيش في بعض الطريق، وأما إذا خرجت من البلد، وأقام الجيش في البلد فتختص هي بالغنيمة، ولا يشاركها الجيش. ٣ - (ومنها): إثبات التنفيل؛ للترغيب في تحصيل مصالح القتال، ثم الجمهور على أن التنفيل يكون في كل غنيمة، سواء الأولى وغيرها، وسواء غنيمة الذهب والفضة وغيرهما، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. (١) راجع: ((ميزان الاعتدال)) ٢٠٢/٢.