Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(٥) - بَابُ جَوَازِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ - حديث رقم (٤٥٢٩)
الحذر في الحرب، والنَّدْبُ إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن
أن ينعكس الأمر عليه.
قال النوويّ: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن،
إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان، فلا يجوز.
وقال ابن العربيّ: الخداع في الحرب يقع بالتعريض، وبالْكَمِين، ونحو
ذلك.
وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه
آكد من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو
كقوله: ((الحجّ عرفة)).
وقال ابن الْمُنيِّر: معنى ((الحربُ خدعة))؛ أي: الحرب الجيدة لصاحبها،
الكاملة في مقصودها، إنما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر
المواجهة، وحصول الظّفَر مع المخادعة، بغير خطر.
[تنبيه]: ذكر الواقديّ أن أول ما قال النبيّ وَلّ: ((الحرب خدعة)) في
غزوة الخندق، ذكر هذا في ((الفتح)) (١) .
وقال العلّامة ابن الملقّن تَخْذُ: وضبط الأصيليّ ((خُدْعة)) بضم الخاء،
وسكون الدال، وعن يونس ضم الخاء، وفتح الدال، وعن عياض فتحهما،
وقال القزّاز: فتح الخاء وسكون الدال لغة النبيّ وَلايَ(٢)، ولغته أفصح اللغات،
وقالوا: الْخَدْعة: المرة الواحدة من الْخِداع، فمعناه: أن من خُدِعِ فيها مرةً
واحدةً عَطِبَ، وهَلَكَ، ولا عَوْدة له.
وقال ابن سيده في ((العويص)): من قال: خدعة أراد: تَخْدَع أهلها، وفي
((الواعي))؛ أي: تُمَنِّيهم بالظفر والغلبة، ثم لا تفي لهم، وقال: ومن قال:
خُدَعة أراد: هي تَخْدع، كما يقال: رجل لُعَنةٌ: يُلْعَن كثيراً، وإذ خَدَع أحد
الفريقين صاحبه في الحرب، فكأنها خَدَعت هي.
(١) ((الفتح)) ٢٨٢/٧ - ٢٨٣، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٣٠).
(٢) كون هذه اللغة لغة النبيّ وَ﴿ يحتاج إلى إثباته بنقل صحيح، فليُتأمل.

٣٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
وقال قاسم بن ثابت في كتابه ((الدلائل)): كَثُر استعمالهم لهذه الكلمة،
حتى سَمّوا الحرب خدعةً.
وحَكَى مكيّ، ومحمد بن عبد الواحد: لغة خامسةً: خِدْعة بكسر الخاء،
وسكون الدال، وحکاها ابن قتيبة عن يونس.
وقال المطرزيّ: الأفصح بالفتح؛ لأنه لغة قريش، واعترضه ابن
درستويه، فقال: ليست بلغة قوم دون قوم، وإنما هي كلام الجميع؛ لأنها المرة
الواحدة من الخداع، فلذلك فُتِحَت.
وقال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن رسول الله ◌َ و كان يختار هذه
الْبِنْيَة، ويستعملها كثيراً؛ لأنها بلفظها الوجيز تعطي معنى البنيتين الأخريين،
ويُعطي أيضاً معناها: استَعْمِل الحيلة في الحرب ما أمكنك، فإذا أعيتك الحيل
فقاتِل، فكانت هذه اللغة على ما ذكرنا مختصرة اللفظ، كثيرة المعنى، فلذلك
كان ◌َّ يختارها .
قال اللحيانيّ: خَدَعت الرجل أَخْدَعُه خَدْعاً، وخِدْعاً، وخَدِيعة، وخَدَعَة:
إذ أظهرتَ له خلاف ما تُخفي، وأصله: كلّ شيء كتمته، فقد خَدَعته، ورجل
خَدّاع، وخَدُوعٍ، وَخَدَعٌ، وخَدِيعة، وخُدَعَةٌ: إذا كان خِبّاً (١).
وفي ((المحكم)): الْخَدْع، والخديعة: المصدر، والخِدع والْخِداع:
الاسم، ورجل خَيْدَع: كثير الخداع.
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: فأما إذا قلنا: لم يكن للعدوّ عهد فينبغي أن يُتَحَيّل
على العدوّ بكل حيلة، وتُدار عليهم كلُّ خديعة، وعليه يُحمل قوله وَلّ:
(الحرب خَدْعة)) - بفتح الخاء، وسكون الدال ـ وهي لغة النبيّ وَّ، وهي
مصدر ((خَدَعَ)) المحدود بالتاء، كغَرْفَة، وخَطْوة - بالفتح فيهما -، ومعناه: أن
الحرب تكون ذات خدعة، فوُضع المصدر موضع الاسم؛ أي: ينبغي أن
يُستَعْمَل فيها الخداع، ولو مرَّة واحدة.
قال: وقد روي هذا الحرف (خُدْعَة)) بضم الخاء، وسكون الدال، وهو
اسم ما يفعل به الخداع، كاللُّغْبة لِمَا يُلعب به، والضُّحْكة لِمَا يُضْحَك منه،
(١) بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الباء الموحّدة: الْخدّاع.

٣٦٣
(٥) - بَابُ جَوَازِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ - حديث رقم (٤٥٢٩)
فكأنه لِمَا وُقِع فيها الخداع خُدِعتْ هي في نفسها، وروي: ((خُدَعة)) بضم
الخاء، وفتح الدال؛ أي: هي التي تفعل ذلك فتخدع أهلها، على ما تقدم،
وفُعْلة: تأتي بمعنى الفاعل، كضُحْكة، وهُزْأة، ولُمْزة، للذي يفعل ذلك، والله
تعالى أعلم، انتهى(١).
وقال ابن العربيّ: الخديعة في الحرب تكون بالتورية، وتكون بالکمین،
وتكون بخُلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرَّم،
والكذب حرام بالإجماع، جائز في مواطن بالإجماع، أصلها الحرب، أَذِنَ الله
فيه، وفي أمثاله؛ رِفْقاً بالعباد؛ لِضَعفهم، وليس للعقل في تحريمه، ولا في
تحليله أثر، إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم الكذب كما يقوله المبتدعون
عقلاً، ويكون التحريم صفةً نفسيةً، كما يزعمون ما انقلب حلالاً أبداً،
والمسألة ليست معقولةً، فتستحقَّ جواباً، وخفي هذا على علمائنا. انتهى (٢).
وقال الطبريّ: إنما يجوز في المعاريض دون حقيقة الكذب، فإنه لا
يحلّ، وقال النوويّ: الظاهر إباحة حقيقة الكذب، لكن الاقتصار على التعريض
أفضل.
وقال بعض أهل السير: قال النبيّ وَّ ر ذلك يوم الأحزاب لمّا بعث
نعيم بن مسعود أن يخذّل بين قريش، وغطفان، ويهود، ومعناه: أن المماكرة
في الحرب أنفع من المكاثرة والإقدام على غير علم، ومنه قيل: نفاذ الرأي في
الحرب أنفع من الطعن والضرب.
وقال المهلَّب: الخداع في الحرب جائز، كيف ما يمكن، إلا بالأيمان،
والعهود، والتصريح بالأيمان، فلا يحل شيء من ذلك.
وقال الطبريّ: وإنما يجوز من الكذب في الحروب ما يجوز من غيرها
من التعريض، مما يُنحى به نحو الصدق، مما يحتمل المعنى الذي فيه الخديعة
والغدر والألغاز، لا القصد إلى الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه؛ لأن
ذلك حرام، قال المهلّب: مثل أن يقول لمبارز له: حِزَام سرجك قد انحلّ؛
ليشغله عن الاحتراس منه، فيجد فُرصة في ضربه، وهو يريد أن حزام سرجه قد
(١) ((المفهم)) ٥٢١/٣ - ٥٢٢.
(٢) ((عارضة الأحوذيّ)) ٧/ ١٧١ - ١٧٢.

٣٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
انحلّ فيما مضى من الزمان، أو يخبره بخبر يقطعه من موت أميره، وهو یرید
موت المنام، أو الدِّين، ومن ذلك ما روي عن النبيّ وَالقول أنه كان إذا أراد غزوةً
ورَّی بغیرها. انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما تقدّم عن النوويّ من أن الظاهر
إباحة حقيقة الكذب في الحرب، إذا لم يمكن التعريض والتورية، هو الأظهر؛
عملاً بظواهر النصوص، وهي كثيرة:
فمنها: ما أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) عن أم كلثوم بنت عقبة بن
أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأُوَل اللاتي بايعن النبيّ وَّ، أنها سمعت
رسول الله ◌َ، وهو يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول
خيراً، وينمي خيراً))، قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخّص في شيء مما يقول
الناس: كذِبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل
امرأته، وحديث المرأة زوجها)).
ومنها: ما أخرجه الترمذيّ وحسّنه، من حديث أسماء بنت يزيد
بوج}
رضي
مرفوعاً: ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يُحدِّث الرجل امرأته؛ ليرضيها،
والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس)).
ومن ذلك: ما جاء في قصّة قتل كعب بن الأشرف من قول محمد بن
مسلمة حين أمره النبيّ وَ ل﴿ بقتله قال للنبيّ وَّر: ائذن لي فأقول، قال: ((قل))،
فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحاً، وتلويحاً .
ومنها: ما أخرجه أحمد، وابن حبان، من حديث أنس رظُه في قصة
الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائيّ، وصححه الحاكم، في استئذانه
النبيّ ◌َ ل﴿ أن يقول عنه ما شاء؛ لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة،
وأذن له النبيّ وَّل، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين، وغير
ذلك مما هو مشهور في ذلك(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) ((التوضيح شرح الجامع الصحيح)) لابن الملقنّ تختتم ٢٢٤/١٨.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٨٤/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٣١).

٣٦٥
(٥) - بَابُ جَوَازِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ - حديث رقم (٤٥٢٩)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ,
(المسألة الثانية): في تخريجه:
ـيّ هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٢٩/٥] (١٧٣٩)، و(البخاريّ) في ((الجهاد))
(٣٠٣)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦٣٦)، و(الترمذيّ) في ((الجهاد))
(١٦٧٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٣/٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٦٩٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٣٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٥٣٠/١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٨/٣)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه))
(٣٦٧/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٠/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(١٨٢٦ و١٩٦٨ و٢١٢١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٦٤/١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٧٦٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٠/٧ و١٥٠/٩)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٦٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه تحريضاً على الخداع في الحرب، وأنه متى لم يفعل
ذلك خدعه خصمه، وكان ذلك سبباً لانتكاس الأمر عليه، فلا يهمل خديعة
غريمه، فإنه إن لم يخدعه خدعه هو، قال النووي: واتفق العلماء على جواز
خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو
أمان فلا يحلّ. انتهى.
والحكمة في الإتيان بالتاء الدالة على الوحدة، فإن كان الخداع من جهة
المسلمين فكأنه حضهم على ذلك، ولو مرة واحدة، وإن كان من جهة الكفار
فمعناه التحذير من خداعهم، ولو وقع ذلك منهم مرة واحدة فإنه قد ينشأ عن
تلك المرة الهزيمة، ولو حصل الظفر قبلها ألف مرة، فلا ينبغي التهاون بذلك
لِمَا ينشأ عنه من المفسدة، ولو قلَّ الخداع من العدو، والله أعلم (١).
٢ - (ومنها): أن الترمذيّ تَخْلُ بَوَّب على هذا الحديث بقوله: ((باب ما
جاء في الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب)). قال وليّ الدين
(١) ((طرح التثريب)) ٢١٤/٧ - ٢١٥.

٣٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
العراقيّ كَُّ: وليس في هذا الحديث ذكر الكذب، فإن أُريد المعاريض
والتورية فلا تخلو الخديعة من ذلك، وإن أُريد الكذب الصريح، فقد تخلو
الخديعة عنه، فمن المعاريض ما في ((سنن أبي داود)) عن كعب بن مالك: ((أن
النبيّ ◌َّ كان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها، وكان يقول: ((الحرب خدعة))، وما
في ((سنن النسائيّ) عن مسروق، قال: سمعت علي بن أبي طالب تَظُه يقول في
شيء: صدق الله ورسوله، قلت: هذا شيء سمعته، فقال: قال رسول الله الآتى:
((الحرب خدعة))، وقد ورد الترخيص في الكذب في الحرب، رواه الأئمة
الخمسة، من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم، عن
النبيّ وَ ﴿ أنه قال: ((ليس بالكاذب من أصلح بين الناس ... )) الحديث، وفيه:
((ولم أسمعه يرخِّص في شيء مما يقول الناس: إنه كذب إلا في ثلاث: في
الحرب، والإصلاح ... )) الحديث، وروى الترمذيّ من حديث أسماء بنت
يزيد، قالت: قال رسول الله وقالله: ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث
الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس»،
وقال محمد بن جرير الطبريّ: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض،
دون حقيقة الكذب، فإنه لا يحل، وقال النوويّ: الظاهر إباحة حقيقة نفس
الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل، والله أعلم. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى استعمال الرأي في الحروب، ولا شك
في احتياج المحارب إلى الرأي والشجاعة، وإن احتياجه إلى الرأي أشدّ من
احتياجه إلى الشجاعة، ولهذا اقتصر النبيّ وَطهور هنا على ما يشير إليه فهو كقوله:
((الحج عرفة))(٢)، ((والندم توبة))(٣)، وقال الشاعر [من الكامل]:
هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشَّجْعَانِ
بَلَغَتْ مِنَ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانٍ(٤)
فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسِ مَرَّةً
(١) ((طرح التثريب)) ٢١٥/٧.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب ((السنن)).
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان.
(٤) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢١٥/٧ - ٢١٦.

٣٦٧
(٥) - بَابُ جَوَازِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ - حديث رقم (٤٥٣٠)
٤ - (ومنها): ما قال أبو العباس القرطبيّ تَّتُهُ - بعد تقريره ما تقدم -:
إن معناه الحضّ على استعمال الخداع في الحرب، ولو مرة واحدة، ويَحْتَمِل
أن يكون معناه: أن الحرب تتراءى لأخفّ الناس بالصورة المستحسنة، ثم
تتجلى عن صورة مستقبحة، كما قال الشاعر [من الكامل]:
الْحَرْبُ أَوَّلَ مَا تَكُونَ فَتِيَّةً تَسْعَى بِبِزَّتِهَا لِكُلِّ جَهُولٍ
وقال الآخر [من الكامل]:
وَالْحَرْبُ لَا يَبْقَى لِجَا
حِمِهَا(١) الثَّحَيُّلُ وَالْمِرَاحُ
وفائدة الحديث على هذا ما قاله في الحديث الآخر: ((لا تتمنوا لقاء
العدو، واسألوا الله العافية)). انتهى(٢).
وتعقّبه وليّ الدين تَُّ، فقال: وهذا احتمال بعيد؛ لأنه يُفهم ذم
الحرب، والحديث إنما سيق في معرض مدحها، والتحيّل فيها بالمخادعة، فإن
صح هذا الاحتمال في ذمها، فذاك في الفتن والحروب بين المسلمين الناشئة
عن التنافس في الدنيا، والله أعلم. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٠] (١٧٤٠) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْم، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبٍِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْحَرْبُ خُدْعَةٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْم) هو: محمد بن عبد الرحمن بن
حكيم بن سَهْم، نُسب لجدّه الأنطاكيّ، تَقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م) من أفراد
المصنّف تقدم في ((الصلاة)) ٤٠ / ١٠٦٩.
(١) الجاحم: الموقد.
(٣) ((طرح التثريب)) ٢١٦/٧.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٢/٣.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) المروزيّ الإمام الثبت الحجة الفقيه المشهور
[٨] (ت١٨١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريباً.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبٍِّ) تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، وشرح الحديث تقدّم في
الحديث الماضي.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٣٠/٥] (١٧٤٠)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)»
(٣٠٢٨ و٣٠٢٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٢/٢ و٣١٤)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٢١٠/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٠/٩)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦) - (بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللَّقَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣١] (١٧٤١) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ -
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ قَالَ: ((لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ
الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ (١) فَاصْبِرُوا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال الْهُذَليّ، نزيل مكة، ثقةٌ
حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
(١) وفي نسخة: ((وإذا لقيتموهم)).

٣٦٩
(٦) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالأَمْرِ بِالصَّيْرِ عِنْدَ اللُّقَاءِ - حديث رقم (٤٥٣١)
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكسيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٣ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو الْقَيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له
غرائب [٧] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٦ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هرمز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٢.
و((أبو هريرة ﴿به)) ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ربه أحفظ من روى
الحدیث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َرِ قَالَ: (لَا) ناهية، ولذا جزم الفعل
بعدها، (تَمَنَّوْا) بفتح التاء المثنّاة، أصله: تتمنّوا، فحذفت منه إحدى التاءین،
كما قال في «الخلاصة»:
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـلتَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
(لِقَاءَ الْعَدُوِّ) من إضافة المصدر إلى مفعوله بعد حذف الفاعل، والأصل:
لقاءكم العدوّ.
قال النوويّ تَخُّْ: إنما نَهَى عن تمني لقاء العدو؛ لِمَا فيه من صورة
الإعجاب، والاتكال على النفس، والوثوق بالقوّة، وهو نوع بَغْي، وقد
ضَمِن الله تعالى لمن بُغِيَ عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدوّ،
واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم، وتأوله بعضهم على النهي عن
التمني في صورة خاصّة، وهي إذا شك في المصلحة فيه، وحصول ضرر، وإلا

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
فالقتال كله فضيلة وطاعة، والصحيح الأول، ولهذا تَمّمه وَّه بقوله:
((واسألوا الله العافية)). انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْلُ: قيل: إن فائدة هذا النهي عن لقاء العدوّ أن لا
يُستَخَفّ أمر العدو، فيتساهل في الاستعداد له، والتحرز منه، وهذا لِمَا فيه من
المكاره، والْمِحَن، والنَّكَال، ولذلك قال متصلاً به: ((واسألوا الله العافية))،
وقيل: لِمَا يُخاف من إدالة العدو، وظَفَرِه بالمسلمين، وقد رُوي في هذا
الحديث: ((فإنهم يُنْصَرون كما تُنصرون))، وقيل: لِمَا يؤدي إليه من إذهاب حياة
النفوس التي يزيد بها المؤمن خيراً، ويُرجَى للكافر فيها أن يتراجع، وكل ذلك
مُحْتَمِل، والله تعالى أعلم.
ولا يقال: فلقاء العدو وقتاله طاعة يحصل منه إما الظفر بالعدو، وإما
الشهادة، فكيف يُنْهَى عنه؟ وقد حضّ الشرع على تمنّي الشهادة، ورغَّب فيه،
فقال: ((من سأل الله الشهادة صادقاً من قلبه، بَلَّغه الله منازل الشهداء، وإن
مات على فراشه))؟(٢).
لأنا نقول: لقاء العدوّ، وإن كان جهاداً، وطاعةً، ومُحَصِّلاً لأحد
الأمرين، فلم يُنه عن تمنّيه من هذه الجهات، وإنما نُهِي عنه من جهات تلك
الاحتمالات المتقدِّمة، ثم هو ابتلاء، وامتحان، لا يُعرف عن ماذا تُسْفِر
عاقبته، وقد لا تحصل فيه لا غنيمة، ولا شهادة، بل ضد ذلك.
وتحريره: أن تمنّي لقاء العدوّ المنهي عنه غير تمنّي الشهادة المرَغَّب فيه؛
لأنه قد يحصل اللقاء، ولا تحصل الشهادة، ولا الغنيمة، فانفصلا.
قال: وقد فَهِم بعض العلماء من هذا الحديث كراهة المبارزة، وبهذا قال
الحسن، ورُوي عن عليّ ◌َظُهُ أنه قال: ((يا بُنَيّ! لا تدع أحداً إلى المبارزة،
ومن دعاك إليها فاخرج إليه، فإنه باغ، وقد ضَمِن الله نَصْر من بُغي عليه)).
وقال ابن المنذر: أجمع كلُّ من أحفظ عنه على جواز المبارزة، والدَّعوة
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١٢.
(٢) رواه أحمد (٢٤٤/٥)، ومسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذيّ (١٦٥٣)،
والنسائيّ (٣٦/٦ - ٣٧) من حديث سهل بن حُنيف ◌ُه.

٣٧١
(٦) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللُّقَاءِ - حديث رقم (٤٥٣١)
إليها، وشرط بعضهم فيها إذن الإمام، وهو قول الثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد،
وإسحاق: ولم يشترطه غيرهم، وهو قول مالك، والشافعيّ، واختلفوا، هل
يُعِين المبارَز غيره أم لا؟ على قولين. انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قال ابن بطال: حكمة النهي عن لقاء العدوّ أن المرء
لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال
الصديق ظُه: لأن أُعافَى، فأشكرَ أحبّ إليّ من أن أُبْتَلَى، فأصبر.
وقال غيره: إنما نهي عن تمني لقاء العدوّ؛ لِمَا فيه من صورة الإعجاب،
والاتكال على النفوس، والوثوق بالقوّة، وقلة الاهتمام بالعدوّ، وكل ذلك يباين
الاحتياط، والأخذ بالحزم.
وقيل: يُحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة، أو حصول
الضرر، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة، ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله وقال :
((وسلوا الله العافية)).
وأخرج سعيد بن منصور، من طريق يحيى بن أبي كثير، مرسلاً: ((لا
تَمَنَّوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون، عسى أن تُبْتَلَوْا بهم)).
وقال ابن دقيق العيد: لَمّا كان لقاء الموت من أشقّ الأشياء على النفس،
وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحقّقة، لم يُؤْمَن أن يكون عند الوقوع
كما ينبغي، فيكره التمني لذلك، ولِمَا فيه لو وقع من احتمال أن يخالف
الإنسان ما وَعَدَ من نفسه، ثم أَمَرَ بالصبر عند وقوع الحقيقة. انتهى.
واستُدِلّ بهذا الحديث على منع طلب المبارزة، وهو رأي الحسن
البصريّ، وكان عليّ رَظُه يقول: لا تَدْعُ إلى المبارزة، فإذا دُعِيت فأجب،
تُنْصَرْ؛ لأن الداعي باغ. انتهى(٢) .
(فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ) وفي بعض النسخ: بالواو، (فَاصْبِرُوا))) وفي حديث
عبد الله بن أبي أوفى الآتي: ((لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا
لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنّة تحت ظلال السيوف)).
(١) «المفهم)) ٥٢٣/٣ - ٥٢٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٠/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٢٥).

٣٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
قال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فاصبروا)) هذا حثّ على الصبر في القتال،
وهو آكد أركانه، وقد جمع الله من آداب القتال في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٤٥
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَِّينَ
٤٦
وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم بَطَرًا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ
اللّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٤٥ - ٤٧] (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
. هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٣١/٦] (١٧٤١)، و(البخاريّ) معلّقاً في
((الجهاد)) (٣٠٢٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٨٩/٨)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٢١٦/٤، ٢١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٢/٩)، وفوائد
الحديث تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٢] (١٧٤٢) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابٍ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ،
مِنْ أَصْحَّابِ النَّبِيِّ نَِّ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، فَكَتَبَ إِلَّى عُمَرَ بْنِ
عُبَيْدِ اللهِ، حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ، يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ فِي بَعْضٍ أَيَّامِهِ
الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ، حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا،
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ
الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ))).
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٥/١٢.

٣٧٣
(٦) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ - حديث رقم (٤٥٣٢)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، تقدّم
قريباً .
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةً) بن أبي عيّاش المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (أَبُوِ النَّضْرِ) سالم بن أبي أُمّة، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْنَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ
الصحابيّ، شهِد الحديبية، وعُمِّر بعد النبيّ وَّ ر دهراً، مات سنة (٨٧)، وهو
، بالكوفة (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٧٢/٤١.
آخر من مات من الصحابة
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة، (عَنْ كِتَابٍ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ) القبيلة
المعروفة، (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْنَى) ◌َُه، وفي
رواية البخاريّ: ((عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، وكان
كاتبه ... )). ومن الغريب أن الحافظ في ((الفتح)) أعاد الضمير في ((كاتبه))
لعبد الله بن أبي أوفى، وقال: أي: أن سالماً كان كاتب عبد الله بن أبي
أوفى، وكذا قال العينيّ في ((العمدة)) (١)، متعقّباً الكرمانيّ حيث جعل الضمير
لعمر بن عبيد الله، وعندي أن هذا غلط، والصواب أن الضمير لعمر بن
عبيد الله، فسالم كان كاتباً لعمر بن عبيد الله؛ لأنه مولاه، وكان عمر أميراً في
حرب الخوارج، ومما يؤيّد كونه غلطاً: ما جاء في ((الفتح)) نفسه بعد أسطر،
أن سالماً كان كاتب عمر بن عبيد الله، فتبيّن أن الأول غلط بلا شكّ، فتنبّه،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٤/ ١٦١.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(فَكَتَبَ)؛ أي: عبد الله بن أبي أوفى حَظُه، (إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بن
معمر التيميّ، (حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ)؛ أي: إلى قتال الحروريّة، وهم
الخوارج الذين خرجوا بحروراء - بالمدّ ـ: قرية بقرب الكوفة، وهو أول مكان
خروجهم، كان عمر بن عبيد الله هذا أميراً على حرب الخوارج(١).
[تنبيه]: قال النوويّ تَّلهُ: قال الدارقطنيّ: هذا الحديث صحيح، قال:
واتفاق البخاريّ ومسلم على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة، والإجازة،
وقد جَوَّزوا العمل بالمكاتبة والإجازة، وبه قال جماهير العلماء، من أهل
الحديث، والأصول، والفقه، ومنعت طائفة الرواية بها، وهذا غلط، والله
أعلم، انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قال الدارقطنيّ ◌َُّ في ((التتبع)): أخرجا حديث
موسى بن عقبة، عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، قال: كتب إليه
عبد الله بن أبي أوفى، فقرأته ... الحديث، قال: وأبو النضر لم يسمع من ابن
أبي أوفى، فهو حجة في رواية المكاتبة.
وتُعُقّب بأن شرط الرواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرواية
صادرة إلى المكتوب إليه، وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم، إنما كتب إلى
عمر بن عبيد الله، فعلى هذا تكون رواية سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من
صُوَر الوجادة.
ويمكن أن يقال: الظاهر أنه من رواية سالم، عن مولاه عمر بن عبيد الله،
بقراءته عليه؛ لأنه كان كاتبه، عن عبد الله بن أبي أوفى، أنه كتب إليه، فيصير
حينئذ من صور المكاتبة.
قال: وفيه تعقّب على مَن صَنَّف في رجال ((الصحيحين))، فإنهم لم
يذكروا لعمر بن عبيد الله ترجمة، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وذكر له رواية عن
بعض التابعين، ولم يذكر فيه جَرْحاً. انتهى(٣).
(١) ((الفتح)) ٨٦/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨١٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٧/١٢.
(٣) ((الفتح)) ٨٦/٧، كتاب ((الجهاد)) رقم (٢٨١٨).

٣٧٥
(٦) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللّقَاءِ - حديث رقم (٤٥٣٢)
(يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ فِي بَعْضٍ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ)؛ أي:
الكفّار في الغزو، (يَنْتَظِرُ، حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: ليطيب الوقت،
ويؤدّي الصلاة، وقال القرطبيّ كَظُّ: يعني أنه كان يؤخر القتال عن الهاجرة
إلى أن تميل الشمس؛ ليبرد الوقت على المقاتلة، ويخفّ عليهم حمل السلاح
التي يؤلم حملها في شدَّة الهاجرة؛ ولأن ذلك الوقت وقت الصلاة، وهو مظنَّة
إجابة الدعاء، وقيل: بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نُصر
بها، كما قال: ((نُصِرت بالصَّبا))، وفي حديث آخر: أنه وَّ كان ينتظر حتى
تزول الشمس، وَتَهُبّ رياح النصر. انتهى (١).
وقال النوويّ كَخُّهُ: وقد جاء في غير هذا الحديث أنه وَ و كان إذا لم
يقاتل أول النهار، انتظر حتى تزول الشمس، قال العلماء: سببه أنه أمكن
للقتال، فإنه وقت هبوب الريح، ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطاً،
وإقداماً على عدوهم، وقد جاء في ((صحيح البخاريّ)): ((أَخَّر حتى تَهُبّ
الأرواح، وتحضر الصلاة))، قالوا: وسببه فضيلة أوقات الصلوات، والدعاء
(٢)
عندها. انتهى(٢).
قال الطيبيّ نَخْلُهُ: وفي قوله: ((انتظر حتى مالت الشمس)) إشارة إلى الفتح
والنصرة؛ لأنه وقت هبوب الرياح، ونشاط النفوس، وقالوا: سببه فضيلة
أوقات الصلاة، والدعاء عندها، والوجه الجمع بينهما؛ لِمَا نُصّ عليه في
الحديث الآخر المخرَّج في ((صحيح البخاري)) من طريق النعمان بن مُقَرِّن،
قال: ((شهدت القتال مع رسول الله وَ﴾، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر
حتى تَهُبّ الأرياح، وتحضر الصلاة))، وفي رواية أبي داود: ((حتى تزول
الشمس، وتَهُبّ الرياح، وينزل النصر))، قال التوربشتيّ كَّلُهُ: مصداق ذلك
قوله وَله: ((نُصِرْتُ بالصبا))، وفيه استحباب الدعاء، والاستغفار عند القتال،
انتھی(٣) . .
(قَامَ)؛ أي: خطيباً (فِيهِمْ)؛ أي: في الصحابة الذين غزوا معه، (فَقَالَ:
(١) ((المفهم)) ٥٢٤/٣.
(٢) (شرح النوويّ)) ٤٦/١٢.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٩٨/٨، و((مرقاة المفاتيح)» ٤٧٨/٧.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) قال القاري: ولعلّ العدول عن يا أيها المؤمنون؛ ليعمّ
المنافقين (١). (لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ) تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث
الماضي، (وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ)؛ أي: أن يعافيكم من الفتن، والْمِحن، وقال
القاري: أي: اطلبوا منه كفاية شرّ الأعداء (٢)، قال النوويّ تَّتُهُ: وقد كثرت
الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع
جميع المكروهات، في البدن، والباطن، في الدِّين، والدنيا، والآخرة، اللهم
إني أسألك العافية العامة لي، ولأحبائي، ولجميع المسلمين. انتهى(٣).
(فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) تقدّم شرحه أيضاً، (وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ
ظِلَالِ السُّيُوفِ))) قال القاري تَخْتُ: أي: كون المجاهد بحيث تعلوه سيوف
الأعداء سبب للجنّة، أو المراد: سيوف المجاهدين، وإنما ذكر السيوف؛ لأنها
أكثر آلات الحرب. انتهى(٤).
وقال في ((النهاية)): هو كناية عن الدنوّ من الضراب في الجهاد حتى يعلوه
السيف، ويصير ظلّه عليه، والظلّ: الفيء الحاصل الحاجز بينك وبين الشمس؛
أيَّ شيء كان، وقيل: هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشمس، وما كان
بعده فهو الفيء. انتهى(٥) .
وقال النوويّ تَخْثُ: معناه: أن ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنّة
عند الضرب بالسيوف في سبيل الله تعالى، ومشي المجاهدين في سبيل الله،
فاحضروا فيه بصدق، واثبتوا. انتهى (٦).
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((الجنَّة تحت ظلال السيوف)): هذا من الكلام
النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعذوبته، وحسن
استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ المعسولة الوجيزة؛ بحيث يعجز
الفصحاء اللُّسْن البلغاء عن إيراد مثله، أو أن يأتوا بنظيره وشكله، فإنه استفيد
(١) ((المرقاة)) ٤٧٨/٧.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٧٨/٧.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٢.
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٧٨/٧.
(٥) ((النهاية)) في الحديث ١٥٩/٣، و((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٦٩٧/٨.
(٦) ((شرح النوويّ)) ٤٦/١٢.

٣٧٧
(٦) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللَّقَاءِ - حديث رقم (٤٥٣٢)
منه مع وجازته الحضُّ على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحضّ على
مقاربة العدو، واستعمال السّيوف، والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين
الزحف، بعضهم لبعض، حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدوّ، وبعضها
يرتفع عنهم؛ حتى كأن السيوف أظلَّت الضاربين بها، ويعني: أن الضارب
بالسيف في سبيل الله يدخله الله الجنة بذلك، وهذا كما قاله في الحديث
الآخر: ((الجنة تحت أقدام الأمهات))(١)؛ أي: مَن برَّ أمَّه، وقام بحقها، دخل
الجنَّة. انتهى كلام القرطبيّ كَذُ(٢).
(ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ◌َ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ) اسم فاعل من أنزل
الرباعيّ، والمراد: جنس الكتاب، أو هو القرآن الكريم، (وَمُجْرِيَ السَّحَابِ)
اسم فاعل من أجرى، رباعيّاً أيضاً، (وَهَازِمَ الأَحْزَابِ) اسم فاعل من هزم
الثلاثيّ، من باب ضرب، و((الأحزاب)): بفتح الهمزة: جمع حزب، وهم
الجمع والقطعة من الناس، ويعني بهم: الذين تحزبوا عليه في المدينة
فهزمهم الله تعالى بالريح.
وقال القاري تَخَُّ: قوله: ((وهازم الأحزاب))؛ أي: أصناف الكفّار
السابقين، من قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم(٣).
(اهْزِمْهُمْ)؛ أي: اكسر شوكة هؤلاء الكفّار، يقال: هَزَمتُ الجيشَ هَزْماً،
من باب ضرب: كسرته، والاسم: الهزيمة (٤).
(وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)؛ أي: ليكون لنا أجر الغزو بسبب المباشرة، ورَوَى
الإسماعيليّ في هذا الحديث، من وجه آخر: أنه وَّ دعا أيضاً، فقال: ((اللهم
أنت ربنا وربهم، ونحن عبيدك، وهم عبيدك، نواصينا ونواصيهم بيدك،
فاهزمهم، وانصرنا عليهم))، ولسعيد بن منصور، من طريق أبي عبد الرحمن
الحبليّ، عن النبيّ وَل ◌ّ مرسلاً نحوه، لكن بصيغة الأمر؛ عطفاً على قوله:
(١) حديث حسن، أخرجه النسائيّ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وأقرّه
المنذريّ.
(٢) ((المفهم)) ٥٢٥/٣ - ٥٢٦.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٣٨/٢.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٧٨/٧.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
((وسلوا الله العافية، فإن بليتم بهم، فقولوا: اللهم ... ))، فذكره، وزاد:
((وغُضُّوا أبصاركم، واحملوا عليهم على بركة الله))، قاله في ((الفتح))(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفق عليه .
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥٣٢/٦ و٤٥٣٣/٧ و٤٥٣٤ و ٤٥٣٥]
(١٧٤٢)، و(البخاريّ) في ((الجهاد)) (٢٨١٨ و٢٨٢٣ و٢٩٦٥ و٢٩٦٦ و٣٠٢٤)
و((المغازي)) (٤١١٥) و((التوحيد)) (٧٢٣٧)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٦٣١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٤٩/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٤/٤
و٦ /٤٧٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٥٣/٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢/
٨٧)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢١٨/٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٩٠/٨)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٦/٩ و١٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما قال في ((الفتح)): أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر
عليهم، فبالكتاب إلى قوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ الآية [التوبة:
١٤]، وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب، حيث يحرك
الريح بمشيئة الله تعالى، وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح، وحيث تمطر
تارةً، وأخرى لا تمطر، فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في
القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم
حيث يتفق قتلهم، وبعدمه إلى هزيمتهم، حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم،
وكلها أحوال صالحة للمسلمين، وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة
السابقة، وإلى تجريد التوكل، واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٧/ ٢٨١، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٢٤).
(٢) ((الفتح)) ٢٨٠/٧ - ٢٨١، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٢٤).

٣٧٩
(٦) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوٌّ، وَالأَمْرِ بِالصَّيْرِ عِنْدَ اللَّقَاءِ - حديث رقم (٤٥٣٢)
٢ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)) أيضاً: إن فيه التنبيهَ على عِظَم هذه
النعم الثلاث المذكورة في هذا الدعاء، فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة
الأخروية، وهي الإسلام، وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية، وهي
الرزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين، وكأنه قال: اللهم كما أنعمت
بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية، وحَفِظْتهما، فأبقهما(١).
٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز السَّجع في الدعاء إذا لم يُتَكَلَّف.
٤ - (ومنها): الحثّ على الصبر عند القتال.
٥ - (ومنها): الدعاء على المشركين بالهزيمة.
٦ - (ومنها): استحباب الدعاء عند اللقاء، والاستنصار، ووصية
المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه.
٧ - (ومنها): استحباب سؤال الله تعالى بصفاته الحسنى، وبنعمه
السالفة.
٨ - (ومنها): مراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة.
٩ - (ومنها): الحث على سلوك الأدب بالاعتماد على الله ◌ُعَلً، لا على
النفس والقوّة.
١٠ - (ومنها): أن الانتصار على الأعداء ليس بكثرة العَدَد، والْعُدَد،
وإنما هو بالالتجاء إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِهِزِ
اٌلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، فينبغي التوجّه إليه تعالى بالدعاء، والتضرّع، ولا
ينبغي الثقة بالقوّة، وقد أخبر الله تعالى بما حصل من سوء نتيجة الاعتماد على
ذلك، فقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ
ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى
٢٥
عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِنَ
رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ
[التبة: ٢٥، ٢٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
٢٦)
الْکَفِینَ
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾ .
(١) ((الفتح)) ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١، كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٢٤).

٣٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجهاد والسير
(٧) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٥٣٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى
الأَحْزَابِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ
اهْزِمْهُمْ، وَزَلْزِلْهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
مصنّف، وكان لا يتراجع عمّا كتبه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم،
أبو الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
والصحابيّ ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَّلهُ كالإسنادين التاليين، وهو (٢٩٩) وهو
أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْنَى) ◌َهُ أنه (قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى
الأَحْزَابِ) بالفتح: جمع حِزْب بكسر، فسكون؛ أي: القوم المتحزّبين،
والمجتمعين عليه، (فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ) أصله: يا ألله، فحُذفت ((يا))، وعُوّضت عنها
الميم، ولا يُجمع بينهما إلا في الشعر، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالأَكْثَرُ ((اللَّهُمَّ)) بِالشَّعْوِيضِ وَشَذَّ ((يَا اللَّهُمَّ)) فِي قَرِيضٍ