Indexed OCR Text
Pages 161-180
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٤)
١٦١
لوقوعه عند جميع المسلمين، لم يخالف فيه سوى شِرْذِمة يسيرة من الروافض
ونحوهم، كما أن رضا الرقيق بالعتق غير معتبر، ولو تضرر به، ولكن إذا
تضررت المرأة بذلك، وكان قد بقي شيء من طلاقها أُمر الزوج بارتجاعها،
كما أمر النبيّ وَل ﴿ ابن عمر بارتجاع زوجته؛ تلافياً منه لضررها، وتلافياً منه لِمَا
وقع منه من الطلاق المحرَّم، حتى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرَّم،
وليتمكن من طلاقها على وجه مباح، فتحصل إبانتها على هذا الوجه.
وقد رُوي عن أبي الزبير، عن ابن عمر ﴿ها أن النبيّ وَّ ردَّها عليه، ولم
يرها شيئاً. وهذا مما تفرد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم، مثل ابنه
سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاوس، ويونس بن جبير،
وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وغيرهم.
وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير، من المحدثين،
والفقهاء، وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات، فلا يقبل تفرده، فإن في رواية
الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبيّ وَّ هِ حَسَب عليه الطلقة، من وجوه
كثيرة، وكان ابن عمر يقول لمن سأله عن طلاق المرأة في الحيض: إن كنت
طلقت واحدة أو اثنتين، فإن رسول الله ﴿ أمرني بذلك؛ يعني: بارتجاع
المرأة، وإن كنت طلقتها ثلاثاً، فقد عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.
وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى، لم يتابَع عليها، وهو قوله: ثم
تلا رسول الله وَه: ﴿بَّأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ وَأَحْصُواْ أَلْبِدَّةَ﴾
[الطلاق: ١]، ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر، وإنما رَوَى عبد الله بن
دينار، عن ابن عمر، أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث، وهذا هو
الصحيح.
وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثاً، وأن
النبيّ ◌َ﴿ إنما رَدّها عليه؛ لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض، وقد روى ذلك
عن أبي الزبير أيضاً، من رواية معاوية بن عمار الدُّهْنِيّ عنه، فلعل أبا الزبير
اعتقد هذا حقّاً، فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه.
ورَوَى ابنُ لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير، فقال عن جابر: إن ابن
عمر طلق امرأته، وهي حائض، فقال النبيّ وَّ ر: ((ليراجعها، فإنها امرأته))،
١٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد، وتفرّد بقوله: ((فإنها امرأته))، وهي لا
تدُلُّ على عدم وقوع الطلاق، إلا على تقدير أن يكون ثلاثاً، فقد اختُلِفَ في
هذا الحديث على أبي الزبير، وأصحابُ ابن عمر الثقاتُ الحفاظُ العارفون به
الملازمون له لم يُختَلف عليهم فيه.
فرَوَى أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدّثني من لا
أتهمهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثاً، وهي حائض، فأمره النبيّ وَّ أن
يراجعها، فجعلت لا أتهمهم، ولا أعرف الحديث، حتى لقيت أبا غلاب،
يونسَ بنَ جبير، وكان ذا ثَبْتٍ، فحدّثني أنه سأل ابن عمر، فحدّثه أنه طلقها
واحدة، أخرجه مسلم (١)، وفي رواية قال ابن سيرين: فجعلت لا أعرف
للحديث وجهاً، ولا أفهمه.
وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات، من غير أهل الفقه والعلم،
أن طلاق ابن عمر كان ثلاثاً، ولعل أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك كان نافع
يُسئل كثيراً عن طلاق ابن عمر: هل كان ثلاثاً أو واحدة؟، ولمَّا قَدِمَ نافع
مكة، أرسلوا إليه من مجلس عطاء، يسألونه عن ذلك؛ لهذه الشبهة، واستنكار
ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يَعرِف قائلاً معتبراً، يقول: إن الطلاق
المحرَّم غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له.
قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، وسئل عمن قال: لا يقع
الطلاق المحرَّم؛ لأنه يخالف ما أُمر به، فقال: هذا قول سوء رديء، ثم ذكر
قصة ابن عمر، وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.
وقال أبو عبيدة: الوقوع هو الذي عليه العلماء مُجْمِعون في جميع
الأمصار، حجازهم، وتهامهم، ويَمَنهم، وشأمهم، وعراقهم، ومِصرهم.
وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يُحفَظ قوله، من أهل العلم، إلا ناساً من
أهل البدع، لا يُعتَدُّ بهم.
وأما ما حكاه ابن حزم عن ابن عمر، أنه لا يقع الطلاق في الحيض،
مُستنِداً إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الْخُشَنِيّ الأندلسي: حدثنا
(١) (صحيح مسلم)) ٣١٩/٥ - ٣٢٠ بشرح النوويّ.
١٦٣
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدٌّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٥)
محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، في الرجل يُطَلِّق امرأته، وهي حائض، قال: لا تعتد بها.
وبإسناده عن خِلَاس نحوه، فإن هذا الأثر قد سقط عن آخره لفظةٌ، وهي:
قال: لا يُعتد بتلك الحيضة، كذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، في كتابه عن
عبد الوهاب الثقفيّ، وكذا رواه يحيى بن معين، عن عبد الوهاب أيضاً، قال:
هو غريب لا يحدث به إلا عبد الوهاب.
ومراد ابن عمر: أن الحيضة التي تُطلق فيها المرأة لا تَعْتَدُّ بها المرأة
قُرْءاً، وهذا هو مراد خِلاس وغيره.
وقد رُوي ذلك أيضاً عن جماعة من السلف منهم: زيد بن ثابت،
وسعيد بن المسيِّب، فَوَهِم جماعة من المفسرين وغيرهم، كما وَهِم ابن حزم،
فحكوا عن بعض من سمَّينا أن الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سبب وَهْمِهم.
والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَخْتُهُ، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، وقد
سبق تمام البحث في مسألة الطلاق هذه في محلّه من ((كتاب الطلاق))، فراجعه
تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٨٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً
عَنْ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ
الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ، لَهُ ثَلَاثَةٌ
مَسَاكِنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا، قَالَ: يُجْمَعُ ذَلِكَ كُّهُ فِي مَسْكُنٍ وَاحِدٍ،
ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ
أَمْرُنَا، فَهُوَ رٌَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) القيسيّ، أبو عامر الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
١٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ الزُّهْرِيُّ) الْمَخْرَميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٧٠) (خت م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣١٨/٢٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ، لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ
كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا، قَالَ: يُجْمَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَسْكِنٍ وَاحِدٍ).
قال الحافظ تَّقُ: وقد رويناه في ((كتاب السُّنّة)) لأبي الحسين بن حامد
من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الواحد، وفيه قصّة، قال: ((عن سعد بن
إبراهيم قال: كان الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب أوصى بوصية،
فجعل بعضها صدقة، وبعضها ميراثاً، وخلط فيها، وأنا يومئذ على القضاء،
فما دَرَيتُ كيف أقضي فيها؟ فصليت بجنب القاسم بن محمد، فسألته، فقال:
أَجِزْ من ماله الثلث وصية، ورُدَّ سائر ذلك ميراثاً، فإن عائشة حدثتني))، فذكره
بلفظ إبراهيم بن سعد.
قال: وفي هذه الرواية دلالة على أن قوله في رواية مسلم: ((يُجمَع ذلك
كله في مسكن واحد))، هو بقية الوصية، وليس هو من كلام القاسم بن محمد،
لكن صَرّح أبو عوانة في روايته بأنه كلام القاسم بن محمد، وهو مشكل جِدّاً،
فالذي أوصى بثلث كل مسكن أوصى بأمْر جائز اتفاقاً، وأما إلزام القاسم بأن
يُجمَع في مسكن واحد ففيه نظر؛ لاحتمال أن يكون بعض المساكن أغلى قيمةً
من بعض، لكن يَحتَمِل أن تكون تلك المساكن متساويةً، فيكون الأَولى أن تقع
الوصية بمسكن واحد من الثلاثة، ولعله كان في الوصية شيء زائد على ذلك
يوجب إنكارها، كما أشارت إليه رواية أبي الحسين بن حامد. قال: وقد
استشكل القرطبيّ، شارح مسلم ما استشْكَلْته، وأجاب عنه بالحمل على ما إذا
أراد أحد الفريقين من الورثة، أو الموصى لهم القسمةَ، وتمييز حقّه، وكانت
المساكن بحيث يُضمّ بعضها إلى بعض في القسمة، فحينئذ تقوّم المساكن قيمة
التعديل، ويُجمع نصيب الموصَى لهم في موضع واحد، ويبقى نصيب الورثة
فيما عدا ذلك بحسب مواريثهم. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ كَذَهُ(١).
(١) ((الفتح)) ٦٤٢/٥.
١
١٦٥
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٥)
قال الجامع عفا الله عنه: وعبارة القرطبيّ هكذا: وفُتيا القاسم بن محمد
فيمن له مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، بأنَّه: يُجْمَع ذلك كلُّه في
مسكن واحد، فيه إشكال؛ إذ هي مخالفة لِمَا أوصى به الموصي، والأصل
اتّباع أقواله والعمل بظاهرها؛ فإنَّه كالمشرِّع، ففتيا القاسم ليس على ظاهرها،
وإنما هي محمولة على ما إذا أراد أحد الفريقين من الورثة، أو الموصى لهم
القسمة، وتمييز حقه، وكانت المساكن متقاربة، بحيث يُضَمّ بعضها إلى بعض
في القسمة، فحينئذ تقوَّم تلك المساكن قيمة التعديل، وتُقسم بينهم، فيُجمع
نصيب الموصى لهم في موضع واحد يشتركون فيه بحسب وصاياهم، ويبقى
نصيب الورثة فيما عدا ذلك، بحسب مواريثهم.
[فإن قيل]: فقد استحالت الوصية عن أصلها .
[فالجواب]: أن ذلك بحسب ما أدّت إليه سُنَّة القسمة عند الدُّعاء إليها،
فإن الموصي لو أوصى بثلت كل مسكن، ومنع من القَسْم لم يُلْتَفَت إلى منعه،
وكان ذلك المنع مردوداً، وهو الذي استدلَّ على ردِّه القاسم بقوله وَلقال: ((من
أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردِّ»، فلو لم يطلب أحدٌ من الفريقين قسمة،
أو كانت المساكن لا يُضمُّ بعضها إلى بعض لبُعدها، وتباين اختلافها بقي كلُّ
واحد منهم على نصيبه حَسَب ما وُصِّي له به، وهذا كلَّه مذهب مالك. انتهى
كلام القرطبيّ كَّهُ(١).
وقال الحافظ ابن رجب نَّثُ: مراد القاسم أن تغيير وصية الموصي إلى
ما هو أحب إلى الله، وأنفع جائز، وقد حُكي هذا عن عطاء، وابن جريج.
وربما يستدل بعض من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا
أَوْ إِثْمَّا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْءٍ﴾ [البقرة: ١٨٢]، ولعله أخذ هذا من جَمْعِ
العتق، فإنه صحّ أن رجلاً أعتق ستة مماليك عند موته، فدعاهم النبيّ وَّر،
فجزّأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة، أخرجه مسلم.
وذهب فقهاء الحديث إلى هذا الحديث؛ لأن تكميل عتق العبد مهما
أمكن فهو أولى من تشقيصه، ولهذا شُرعت السراية والسعاية، إذا أعتق أحد
(١) ((المفهم)) ١٧١/٥ - ١٧٢.
١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
الشريكين نصيبه من عبد، وقال ◌َ له فيمن أعتق بعض عبده: «هذا هو عتيق كله
ليس لله شريك))(١).
وأكثر العلماء على خلاف قول القاسم، وأن وصية الموصي لا تُجمع،
ويُتَبع لفظه إلا في العتق خاصة؛ لأن المعنى الذي جُمع له فيه العتق موجود في
بقية الأموال، فيُعْمَل فيها بمقتضى وصية الموصي.
وذهب طائفة من الفقهاء في العتق على أنه يَعْتِق من كل عبد ثلثه، .
ويُستَسْعَون في الباقي، واتباع قضاء النبيّ وَّرِ أحق وأولى.
والقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصى له للورثة في المساكن كلها
ضرراً عليهم، فَيُدفع عنهم هذا الضرر، ويجمع الوصية في مسكن واحد،
فإن الله شرط في الوصية عدم المضارة؛ لقوله: ﴿غَيّرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾
[النساء: ١٢]، فمن ضارّ في وصيته كان عمله مردوداً عليه؛ لمخالفته ما شَرَط الله
تعالى في الوصية.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه القاسم: هو
الوجيه؛ لوضوح حجته؛ فإن الآية المذكورة ظاهرة في ذلك، فتأمل، والله
تعالى أعلم.
وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو أوصى بثلث مساكنه كلها، ثم
تَلِف ثلثا المساكن، وبقي منها ثلث أنه يُعطَى كلها للموصَى له. وهذا قول
طائفة من أصحاب أبي حنيفة. وحُكي عن أبي يوسف ومحمد، ووافقهم
القاضي أبو يعلى من الحنابلة خلافه، وبَنَوا ذلك على أن المساكن المشتركة
تُقسم بين المشتركين فيها قسمة إجبار، كما هو قول مالك، وظاهر كلام ابن
أبي موسى من الحنابلة، والمشهور عندهم أن المساكن المتعدّدة لا تُقسم قسمة
إجبار، وهو قول أبي حنيفة، والشافعيّ رحمهما الله.
وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أن
أحد الفريقين من الورثة، والموصى لهم طلب قسمة المساكن، فكانت متقاربة
بحيث يُضم بعضها إلى بعض في القسمة، فإنه يجاب إلى قسمتها على قولهم،
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في كتاب ((العتق) من ((سننه)) رقم (٣٩٣٣).
١٦٧
(٩) - بَابُ بَيَانِ خَيْرِ الشُّهُودِ - حديث رقم (٤٤٨٦)
وهذا التأويل بعيد، مخالف للظاهر. انتهى كلام ابن رجب ببعض تصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد ابن رجب ببعض المالكية القرطبيّ،
وقد سبق تأويله هذا، وعندي أنه لا بُعد في تأويله، فليُتأمّل بالإمعان، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾.
(٩) - (بَابُ بَيَانِ خَيْرِ الشُّهُودِ)
[٤٤٨٦] (١٧١٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ
أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ
بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ، الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الإمام الحجة، رأس
المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١
ص٣٧٨.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥]
(ت١٣٥)، وهو ابن (٧٠) سنة (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٧ / ٩١٦.
٤ - (أَبُوهُ) أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفّان الأمويّ الملقّب بالْمُظْرَف -
بضم الميم، وسكون الطاء المهملة، وفتح الراء - ثقةٌ شريف [٣] مات بمصر
سنة (٩٦) (م د ت س) تقدم في ((الحج)) ٣٣١٦/٨٢.
: ٦ - (ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيُّ) هو: عبد الرحمن بن أبي عمرة، واسمه
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ١٢٤/١ - ١٢٥.
١٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
عمرو بن مِحْصن الأنصاريّ النجّاريّ، يقال: وُلد في عهد النبيّ ◌َِّ، وقال ابن
أبي حاتم: ليست له صحبة. انتهى [٢] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)) ٤٧ /١٤٩٢.
٧ - (زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات بالكوفة سنة
(٦٨) أو (٧٠)، وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٨/٣٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالمدنیین، سوى شيخ المصنّف، فنیسابوريّ، وقد دخل
المدينة؛ للأخذ عن مالك، وفيه أربعة من التابعين المدنيين روى بعضهم عن
بعض: عبد الله، وأبوه، وعمرو بن عثمان، وابن أبي عمرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ) قال أبو عمر بن عبد البرّ تَخْلُ: اختُلِف
على مالك في أبي عمرة هذا في إسناد هذا الحديث، فقال فیه یحیی بن یحیی،
وابن القاسم، وأبو مصعب الزهريّ، ومصعب الزبيريّ: ((عن أبي عمرة
الأنصاريّ))، وقال القعنبيّ، ومَعْن بن عيسى، ويحيى بن بكير: ((عن ابن أبي
عمرة))، وكذلك قال ابن وهب، وعبد الرزاق، عن مالك، وسمَّياه، فقالا: ((عن
عبد الرحمن بن أبي عمرة))، فرفعا الإشكال، جَوَّدا في ذلك، وأصابا، وبعيد
أن يروي أبو عمرة الأنصاريّ مع كِبَر سنّه عن زيد بن خالد الجهنيّ، وأما رواية
ابنه عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه، فغير بعيدة، ولا مدفوعة، وعبد الرحمن بن
أبي عمرة من خيار التابعين بالمدينة. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَخْذَهُ(١).
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ) ◌َبه (أَنَّ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: أَلَا) أداة استفتاح
وتنبيه، (أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ) جمع شهيد، كظُرَفاء: جمع ظريف، ويُجمع
أيضاً على شُهُود، لكنه جَمْع شاهد، كحُضُور، جمع حاضر، وخُروج، جمع
خارج، ويعني بخير الشهداء: أكملهم في رتبة الشهادة، وأكثرهم ثواباً عند الله،
قاله القرطبيّ ◌َُّ(٢)، وقوله: (الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ) خبر لمحذوف؛ أي: هو
(١) ((الاستذكار)) ٧/ ١٠٠.
(٢) ((المفهم)) ١٧٢/٥.
١٦٩
(٩) - بَابُ بَيَانِ خَيْرِ الشُّهُودِ - حديث رقم (٤٤٨٦)
الذي يأتي بالشهادة، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن
سؤال مقدّر؛ أي: قالوا له: أخبرنا، فقال: هو الذي ... إلخ، (قَبْلَ أَنْ
يُسْأَلَهَا))) بالبناء للمفعول.
قال القرطبيّ دَّثُ: قوله: ((الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألَها))؛ يعني به:
الشهادة التي يجب أداؤها، وإن لم يُسْألَها؛ كشهادة بحقِّ لم يحضر مستحقّه،
أو بشيء يخاف ضياعه، أو فوته، أو بطلاق، أو عتق على من أقام على تصرُّفه
من الاستمتاع بالزوجة، واستخدام العبد، إلى غير ذلك، فيجب على من تحمَّل
شيئاً من ذلك أداء تلك الشهادة، ولا يقف أداؤها على أن تُسْأَلَ منه، فيضيع
الحقّ، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يعارض هذا
بقوله (18 في ((الصحيحين)): ((ثم يأتي من بعد ذلك قوم يشهدون، ولا
يُستشهدون))؛ لأن هذا محمولٌ على أحد وجهين:
أحدهما: أنه يراد به: شاهد الزور؛ فإنَّه يشهد بما لم يُستشْهَد؛ أي: بما
لم يُحَمَّله.
والثاني: أن يراد به: الذي يحمله الشَّرَهُ على تنفيذ ما يشهد به، فيبادر
بالشهادة قبل أن يُسْأَلَها، فهذه شهادة مردودة، فإن ذلك يدلُّ على هوى غالب
على الشاهد، ولا خلاف عندنا في هذا - إن شاء الله تعالى - وما ذكرناه أحسن
ما حُمِل عليه هذا الحديث.
وقد رُوي عن النَّخعيّ تَخْتُ أنَّه قال: المراد بالشهادة في هذا الحديث:
اليمين، واستَدَلَّ عليه بقوله: بَ لهر في بقيّة الحديث: ((تَسبِق يمين أحدهم شهادته،
وشهادته يمينه))، وفيه نظر، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
[فرع]: لا إشكال في أن من وجبت عليه شهادة على أحد الأوجه التي
ذكرناها، فلم يؤدِّها أنَّها جُرْحَةٌ، في الشَّاهد والشهادة، ولا فرق في هذا بين
حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، هذا قول ابن القاسم وغيره، وذهب
بعضهم: إلى أن تلك الشهادة إن كانت بحق من حقوق الآدميين كان ذلك
جُرْحَةً في تلك الشهادة نفسها خاصة، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك.
قال القرطبيّ: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يوجب جرحته: إنما هو فسقه
بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عُذْرٍ، والفسق يسلب أهلية الشهادة
١٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
مطلقاً، وهذا واضح. انتهى كلام القرطبيّ تَذْتُهُ(١).
وقال ابن عبد البرّ نَظُّ: قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول في تفسير
هذا الحديث: إنه الرجل تكون عنده الشهادة في الحقّ يكون للرجل، ولا يَعْلَم
بذلك قبلُ، فيُخبِر بشهادته، ويرفعها إلى السلطان، قال ابن وهب: وبلغني عن
يحيى بن سعيد، أنه قال: من دُعي لشهادة عنده، فعليه أن يجيب إذا عَلِم أنه
ينتفع بها الذي يشهد له بها، وعليه أن يؤديها، ومن كانت عنده شهادة لا يعلم
بها صاحبها فليؤدِّها قبل أن يسأل عنها، فإنه كان يقال: من أفضل الشهادات
شهادةُ رجل أدّاها قبل أن يُسألها .
قال أبو عمر: تفسير مالك لهذا الحديث حسن، وتفسير يحيى بن سعيد
نحوه، وأداء الشهادة بِرّ، وخير، وقيام بحقّ، فمن بَدَرَ(٢) إلى ذلك فله الفضل
على غيره، ممن لم يبدُر بها، قال الله رَك: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ الآية [المائدة:
٤٨]، ومعلوم أنه ربما نَسِي صاحب الشهادة شهادة عدل معلوم(٣) لا يدري أين
هو؟ ولا من هو؟، ويخاف ذهاب حقه، فإذا أخبره الشاهد العدل بأن له شهادةً
عنده فَرَّج كربه، وأدخل السرور عليه، وقد ثبت عن النبيّ وَّر أنه قال: ((ومن
نَفَّس عن مسلم كُربةً من كُرَب الدنيا نَفَّس الله عنه كربة من كُرَب الآخرة، والله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))، رواه مسلم.
قال: وقد روي عن النبيّ وَطّ من حديث عمران بن الحصين وغيره قال:
قال النبيّ وَّر: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي
قوم يتسمنون، ويحبون السِّمَن، يعطون الشهادة قبل أن يُسألوها))، متّفق عليه.
قال: وهذا ليس بمعارض لحديث مالك في هذا الباب، وقد فسَّر إبراهيم
النخعيّ هذا الحديث، فقال فيه كلاماً معناه: أن الشهادة ها هنا اليمين؛ أي:
يحلف أحدهم قبل أن يُستَحلَفَ، ويحلف حيث لا تراد منه يمين، واليمين قد
تسمى شهادة، قال الله تعالى: ﴿أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية [النور: ٦ و٨]: أي:
(١) ((المفهم)) ١٧٢/٥ - ١٧٣.
(٢) من باب قعد.
(٣) وقع في النسخة: ((شهادة فضل معلوماً))، والظاهر أنه تصحيف، فتأمل، والله تعالى
أعلم.
١٧١
(٩) - بَابُ بَيَانِ خَيْرِ الشُّهُودِ - حديث رقم (٤٤٨٦)
أربع أيمان. انتهى (١).
وقال في ((التمهيد)): قال أبو عمر: تفسير مالك ويحيى بن سعيد لهذا
الحديث أولى ما قيل به فيه، ولا يَسَعُ الذي عنده شهادة لغيره أن يكتمها، ولا
أن يسكت عنها، إلا أن يعلم أن حق الطالب يثبت، أو قد ثبت بغيره، فإن كان
كذلك فهو في سعة، وأداؤها مع ذلك أفضل، وسواء شهد أحد قبله، أو معه،
أو لم يشهد، إذا كان الحقّ مالاً؛ لأن اليمين فيه مع الشاهد الواحد.
وقال أيضاً: معنى هذا الحديث عندهم النهي عن قول الرجل: أشهد
بالله، وعليّ عهد الله، ونحو ذلك، والبدار إلى ذلك، وإلى اليمين في كل ما لا
يصلح، وما يصلح، وليس هذا الحديث من باب أداء الشهادة في شيء، وقد
سمّى الله رَك أيمان اللعان شهادات، فقال: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرَبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ﴾
[النور: ٦]، وهذا واضح يُغني عن الإكثار فيه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َقْذَهُ(٢).
وقال النوويّ تَّتُ: وفي المراد بهذا الحديث تأويلان:
أصحهما، وأشهرهما تأويل مالك، وأصحاب الشافعيّ أنه محمول على
من عنده شهادة الإنسان بحقّ، ولا يَعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه،
فيخبره بأنه شاهد له.
والثاني: أنه محمول على شهادة الْحِسْبة(٣)، وذلك في غير حقوق
الآدميين المختصة بهم، فمما تُقْبَل فيه شهادة الحسبة: الطلاقُ والعتق،
والوقف، والوصايا العامة، والحدود، ونحو ذلك، فمن عَلِم شيئاً من هذا
النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي، وإعلامه به، والشهادة، قال الله تعالى:
(١) ((الاستذكار)) ١٠٠/٧.
(٢) ((التمهيد)» ٢٩٥/١٧ - ٣٠١.
(٣) شهادة الحِسبة عرّفها الفقهاء بأنها عبارة عن أداء الشاهد شهادة تحمّلها ابتداء، لا
بطلب طالب، ولا بتقدّم دعوى مُدَّع، ومعنى حسبة: أي احتساباً لله تعالى، وطلباً
للأجر منه، فشاهد الحسبة لا يتقدّمه دعوى مدَّع، فيكون هو مدّعياً، كما هو شاهد
في نفس الوقت، وتُقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى الخالصة، مثل حدّ
الزنا، والشرب، وقطع الطريق، كما تُقبل في الزكاة، والعَتاق، والوصيّة للفقراء،
والوقف عليهم، وعلى المصالح العامّة، وفي الطلاق، والعدّة، وحرمة المصاهرة،
والخلع، والرضاع، وغيره. راجع: ((ردّ المحتار)) لابن عابدين ٥١٤/٤.
١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وكذا في النوع الأول يلزم مَن عنده شهادة
لإنسان لا يعلمها أن يُعلِمه إياها؛ لأنها أمانة له عنده.
وحُكِي تأويل ثالث: أنه محمول على المجاز، والمبالغة في أداء الشهادة
بعد طلبها، لا قبله، كما يقال: الجواد يعطي قبل السؤال؛ أي: يعطي سريعاً
عقب السؤال، من غير توقف.
قال العلماء: وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر في ذمّ من
يأتي بالشهادة قبل أن يُستشهَد في قوله {وَّهِ: ((يَشهدون، ولا يُستشهَدون))، وقد
تأول العلماء هذا تأويلات: أصحها: تأويل أصحابنا أنه محمول على من معه
شهادة الآدميّ عالم بها، فيأتي فيشهد بها قبل أن تطلب منه.
والثاني: أنه محمول على شاهد الزور، فيشهد بما لا أصل له، ولم
یستشهد .
والثالث: أنه محمول على من ينتصب شاهداً، وليس هو من أهل
الشهادة .
والرابع: أنه محمول على من يشهد لقوم بالجنة، أو بالنار، من غير
توقيف، وهذا ضعيف، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَُّ (١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الجهنيّ
المصنّف نظّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٨٦/٩] (١٧١٩)، و(أبو داود) في
((الأقضية)) (٣٥٩٦)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (٢٢٩٥ و٢٢٩٦)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٩٤/٣)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٦٤)،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/١٢.
١٧٣
(٩) - بَابُ بَيَانِ خَيْرِ الشُّهُودِ - حديث رقم (٤٤٨٦)
و(مالك) في ((الموطأ)) (٢/ ٧٢٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٦٤/٨)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٥/٤ و١٩٣/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٠٧٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٢/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٣٢/٥ و٢٣٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٢/٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٩/١٠)، و(البغويّ) في ((شِرح السُّنّة)) (٢٥١٣)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان خير الشهداء، وهم المذكورون في الحديث.
٢ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى الخير، وهو معنى قوله: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ
اُلْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقوله: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]،
وقوله: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
٣ - (ومنها): جواز شهادة السماع، وإن لم يقل المشهود له: أُشهدك
على هذا، ولا قال المشهود عليه: اشهد عليّ، فمن سمع شيئاً، وعَلِمه جاز له
أن يشهد به؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]،
وقوله : ﴿وَأَقِيمُوْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله: ﴿وَلَّذِيْنَ هُمْ بِشَهَدَتِهِمْ
[المعارج: ٣٣].
قَايِعُونَ
قال ابن عبد البرّ تَخْذَلُهُ: قد جعل رسول الله وَل ظهور شهادة الزور،
وكتمان شهادة الحقّ من أشراط الساعة، عائباً لذلك، ومُوَبِّخاً عليه، فإذا كان
كتمان شهادة الحقّ عيباً، وحراماً، فالبِدَار إلى الإخبار بها قبل أن يُسأل عنها
فيه الفضل الجسيم، والأجر العظيم - إن شاء الله تعالى. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾.
(١) (التمهيد)) ١٧/ ٢٩٧.
١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
(١٠) - (بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُنْكَرُ(١))
[٤٤٨٧] (١٧٢٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي
وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ وَِّ قَالَ: ((بَيْنَمَا
امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذُّتْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا:
إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ(٢)، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ،
فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِمَا السَّلامُ - فَأَخْبَرَتَاهُ،
فَقَالَ: اثْتُونِي بِالسِّكِّينِ، أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا - يَرْحَمُكَ اللهُ - هُوَ
ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى))، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطَّ
إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّ: الْمُدْيَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان
الفزاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
٣ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في
غير منصور بن المعتمر، ففيه لين [٦] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٩٩/٣١.
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٥ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) .
(١) كذا ترجم القرطبيّ كَّلُ في مختصره، زاد قوله: ((لا يُنْكَر))، وهي زيادة مفيدة،
فتنبه .
(٢) وفي نسخة: ((بابنك أنت)).
(١٠) - بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُنْكَرُ - حديث رقم (٤٤٨٧)
١٧٥
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو
أصحّ أسانيد أبي هريرة ظُبه عند بعضهم، وفيه أبو هريرة ◌ُله أحفظ من روى
الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهَ (عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ) أنه (قَالَ: ((بَيْنَمَا امْرَأَتَانٍ) قال
الحافظ: لم أقف على اسم واحدة من هاتين المرأتين، ولا على اسم واحد من
ابنيهما في شيء من الطرق، (مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا) وفي رواية ابن عجلان، عن أبي
الزناد عند النسائيّ: ((خرجت امرأتان، معهما صبيّان لهما))، وفي رواية
مسكين بن بُكير، عن شعيب: ((خرجت امرأتان، معهما ولداهما))، (جَاءَ
الذِّئْبُ) قال في ((القاموس)): الذئب - بالكسر -، ويُترك همزه: كلب البرّ،
جمْعُه أذوبٌ، وذِئابٌ، وذُؤبان بالضم، وهي بهاء. انتهى(١).
وقال في ((المصباح)): ((الذئب)): يُهمَز، ولا يُهمز، ويقع على الذكر
والأنثى، وربّما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع القلّة: أَذْؤُبِّ، مثلُ
فلس وأفلُس، وجمع الكثرة ذِئابٌ، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذياب
بالياء؛ لوجود الكسرة. انتهى (٢).
(فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا) وفي رواية ابن عجلان: ((فعدا الذئب على
إحداهما، فأخذ ولدها))، (فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا)؛ أي: قالت إحدى المرأتين
لصاحبتها: (إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ) الضمير المنفصل ذُكر لتأكيد المتّصل، (وَقَالَتِ
الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِك) وفي نسخة: ((بابنك أنت)). (فَتَحَاكَمَتَا) وفي رواية ابن
عجلان: ((فأصبحتا تختصمان في الصبيّ الباقي))، (إِلَى) النبيّ (دَاوُدَ) ◌َ*، وفي
رواية مسكين، عن شعيب: ((فاختصما إلى داود النبيّ وَلِ))، (فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى)
قيل: كان ذلك على سبيل الفُتيا منهما لا الحكم، ولذلك ساغ لسليمانعليَّلام أن
ينقضه، وتعقبه القرطبيّ كَّهُ بأن في لفظ الحديث: أنه قضى بأنهما تحاكما،
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٤٦٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢١٣/١.
١٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وبأن فتيا النبيّ وحكمه سواء، في وجوب تنفيذ ذلك. وقال الداوديّ: إنما كان
منهما على سبيل المشاورة، فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه. قال ابن
الجوزيّ: استويا عند داودعلّ في اليد، فقدّم الكبرى للسنّ.
وتعقّبه القرطبيّ، وحَكَى أنه قيل: كان من شرع داود معظلا أن يحكم
للكبرى، قال: وهو فاسد؛ لأن الكبر والصغر وصف طرديّ، كالطول
والقصر، والسواد والبياض، ولا أثر لشيء من ذلك في الترجيح، قال: وهذا
مما يكاد يُقطع بفساده، قال: والذي ينبغي أن يقال: إن داودالظلّ قضى به
الكبرى؛ لسببٍ اقتضى به عنده ترجيح قولها؛ إذ لا بينة لواحدة منهما، وكونه
لم يُعَيَّن في الحديث اختصاراً لا يلزم منه عدم وقوعه، فَيَحْتَمِل أن يقال: إن
الولد الباقي كان في يد الكبرى، وعجزت الأخرى عن إقامة البينة، قال:
وهذا تأويل حسن، جارٍ على القواعد الشرعية، وليس في السياق ما يأباه،
ولا يمنعه.
[فإن قيل]: فكيف ساغ لسليمان علَّلا نقض حكمه؟.
[فالجواب]: أنه لم يَعْمِد إلى نقض الحكم، وإنما احتال بحيلة لطيفة،
أظهرت ما في نفس الأمر، وذلك أنهما لمّا أخبرتا سليمان بالقصة، فدعا
بالسكين؛ ليشقّه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنما أراد
استكشاف الأمر، فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدالّ على عظيم
الشفقة، ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها: هو ابن الكبرى؛ لأنه عَلِمَ أنها آثرت
حياته، فظهر له من قرينة شفقة الصغرى، وعدمها في الكبرى، مع ما انضاف
إلى ذلك من القرينة، الدالة على صدقها ما هَجَم به على الحكم للصغرى،
ويَحْتَمِل أن يكون سليمان عليه ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، أو تكون
الكبرى في تلك الحالة، اعترفت بالحقّ، لَمّا رأت من سليمانالعل* الجد
والعزم في ذلك.
ونظير هذه القصة: ما لو حكم حاكم على مُدَّع مُنكِر بيمين، فلما مضى
لِيُحَلِّفه حضر من استخرج من المُنكِر ما اقتضى إقراره، بما أراد أن يحلف على
جحده، فإنه والحالة هذه يُحكم عليه بإقراره، سواء كان ذلك قبل اليمين أو
بعدها، ولا يكون ذلك من نقض الحكم الأول، ولكن من باب تبدّل الأحكام
١٧٧
(١٠) - بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُنْكَرُ - حديث رقم (٤٤٨٧)
بتبدل الأسباب. انتهى كلام القرطبيّ كَّلُهُ بتصرّف(١)، وهو بحث جيّد.
وقال ابن الجوزيّ(٢): استنبط سليمان عليّا لَمّا رأى الأمر مُحْتَمِلاً،
فأجاد، وكلاهما حكم بالاجتهاد؛ لأنه لو كان داود حكم بالنصّ، لَمَا ساغ
لسليمان أن يحكم بخلافه، قاله في ((الفتح))(٣).
(فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ثَلِّهِ فَأَخْبَرَتَاهُ) بالقصّة، وبما قضى به أبوه
داود علا، وفي رواية ابن عجلان: ((فمرّتا على سليمان ◌َلِّلا، فقال: كيف
أمرُكما؟ فقصّتا عليه))، وفي رواية مسكين، عن شعيب: ((فمرّتا على
سليمان عِلَّا، فقال: كيف قضى بينهما؟)). (فَقَالَ) سليمان علَّهُ: (اثْتُونِي
بِالسِّكِّينِ) - بكسر السين المهملة، وتشديد الكاف ـ: الْمُدْيَة، سُمّي بذلك لأنه
يُسكّن حركة المذبوح، وحكى ابن الأنباريّ فيه التذكير والتأنيث، وقال
السجستانيّ: سألت أبا زيد الأنصاريّ، والأصمعيّ، وغيرهما ممن أدركنا،
فقالوا: هو مذكّرٌ، وأنكروا التأنيث، وربّما أنّث في الشعر على معنى الشَّفْرَة،
وأنشد الفرّاء:
فَعَيَّتْ فِي السَّنَامِ غَدَاةَ قُرِّ بِسِكِينٍ مُؤَثَّقَةِ النِّصَابِ
ولهذا قال الزجّاج: السّكّين مذكّرٌ، وربّما أُنّث بالهاء، لكنه شاذّ، غير
مختار، ونونه أصليّةٌ، فوزنه فِعِّيل من التسكين، وقيل: النون زائدة، فهو
فِعْلِينٌ، مثلُ غِسْلينٍ، فيكون من المضاعف. أفاده الفيّوميّ كَّهُ(٤).
(أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا) وفي رواية ابن عجلان: ((أشقّ الغلام بينهما))، وفي رواية
مسكين: قال سليمان: ((أقطعه بنصفين: لهذه نصفٌ، ولهذه نصفٌ، قالت
الكبرى: اقطعوه، فقالت الصغرى: لا تقطعه، هو ولدها)). (فَقَالَتِ الصُّغْرَى:
لَا، يَرْحَمُكَ اللهُ) قال النوويّ تَخْلُهُ: معناه: لا تشقّه، وتمّ الكلام، ثم
استأنفت، فقالت: ((يرحمك الله، هو ابنها))، قال العلماء: يستحبّ أن يقال في
مثل هذا بالواو، فيقال: ((لا، ويرحمك الله)). انتهى(٥).
(١) ((المفهم)) ١٧٥/٥ - ١٧٦.
(٢) ((كشف المشكل)) ٥١٠/٣ - ٥١١.
(٣) ((الفتح)) ٤٥/٨، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٢٧).
(٤) ((المصباح المنير)) ٢٨٣/١.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٨/١٢ - ١٩.
١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وقال القرطبيّ تَخّثُ: ينبغي على هذه الرواية أن يقف قليلاً بعد ((لا))،
حتى يتبيَّن للسامع أن الذي بعده كلام مستأنف؛ لأنه إذا وصله بما بعده يَتوهم
السامع أنه دعا عليه، وإنما هو دعاء له، وقد روي عن أبي بكر الصديق
أنه قال لرجل سمعه يقول مثل ذلك القول: لا تقل هكذا، وقل: يرحمكم الله،
لا. قال: ويزول الإبهام في مثل هذا بزيادة واو، كأن يقول: لا ويرحمك الله.
وفيه حجة لمن قال: إن الأم تستحلف، والمشهور من مذهب مالك، والشافعيّ
أنه لا یصح. انتهى(١).
وفي رواية النسائيّ: ((لا تفعل، يرحمك الله)).
(هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى) سليمانِعَّهُ (بِهِ)؛ أي: بالولد (لِلصُّغْرَى))) وفي رواية
ابن عجلان: ((فقالت الصغرى: أتشقّه؟ قال: نعم، فقالت: لا تفعل، حظّي منه
لها، قال: هو ابنك، فقضى به لها)). وفي رواية مسكين: ((فقالت الصغرى:
((لا تقطعه، هو ولدها، فقضى به للّتي أبت أن يقطعه)).
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َلُله يعني: بالإسناد السابق، وليس تعليقاً، وقد وقع
كذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق ورقاء، عن أبي الزناد. قاله في
((الفتح)). (وَاللهِ إِنْ) هي النافية، وليست هي الشرطيّة؛ أي: ما (سَمِعْتُ
بِالسِّكِّينِ قَطَّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا: الْمُدْيَةَ) مثلثة الميم، قيل للسكين ذلك؛
لأنها تقطع مَدَى حياة الحيوان، كما أن السكين سمّي به؛ لكونه يسكّن حركة
المذبوح، كما تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٨٧/١٠ و٤٤٨٨] (١٧٢٠)، و(البخاريّ) في
((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٢٧) و((الرقاق)) (٦٤٨٣) ((والفرائض)) (٦٧٦٩)،
و(النسائيّ) في ((آداب القضاة)) (٥٤٠٤ و٥٤٠٥ و٥٤٠٦) وفي ((الكبرى)) (٥٩٥٧
(١) ((المفهم)) ١٧٧/٥، و((الفتح)) ٤٦/٨.
١٧٩
(١٠) - بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُنْكَرُ - حديث رقم (٤٤٨٧)
و٥٩٥٨ و٥٩٥٩ و٥٩٦٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٢/٢ و٣٤٠)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٣/٤ - ١٧٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٨/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان اختلاف المجتهدين، وأن المجتهد إذا رآى خلاف ما
رآه الآخر، له أن يخالفه، ولا يجوز أن يُقّده فيه.
٢ - (ومنها): بيان جواز حكم الحاكم بما يفهمه من القضيّة، قال أبو
العبّاس القرطبيّ تَخُّْ: وفيه من الفقه: استعمال الحكّام الْحِيَل التي تُستخرج
بها الحقوق، وذلك يكون عن قوّة الذكاء، والفطنة، وممارسة أحوال الخليقة،
وقد يكون في أهل التقوى فِراسة دينيّةٌ، وتوسّماتٌ نورانيّةٌ، وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء. انتهى.
وقال النووي تَخّلُ: إن سليمان عليّ فعل ذلك تحيّلاً على إظهار الحق،
فكان كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم، أن الحق لخصمه.
٣ - (ومنها): أن فيه المسألة المشهورة، وهي أن شَرْع من قبلنا شرعٌ لنا،
وهو محلّ خلاف، وهو مذهب المصنّف حيث أورد في هذا الباب قصّة داود
وسليمان بَّل ولم يورد غيره، وهو أيضاً مذهب البخاريّ، بل هو مذهب
المحدّثين حيث إنهم يوردون تحت ترجمة شرعيّة حديثاً من أحاديث بني
إسرائيل، ويحتجّون به، وهو الحقّ، على تفاصيل تقدّمت في مواضع كثيرة.
٤ - (ومنها): أن هذه القصة دلّت على أن الفطنةَ والفهم موهبة من الله،
لا يتعلق بكِبَر سنّ، ولا صِغَره.
٥ - (ومنها): أن الحقّ في جهة واحدة، وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم
بالاجتهاد، وإن كان وجود النص ممكناً لديهم بالوحي، لكن في ذلك زيادة في
أجورهم، ولعصمتهم من الخطإ في ذلك؛ إذ لا يُقَرُّون لعصمتهم على الباطل.
قاله في (الفتح))(١) .
وقال القرطبيّ تَخُّْ: وفي هذا الحديث أن الأنبياء لو* سُوّغ لهم الحكم
(١) ((الفتح)) ٤٥/٨.
١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
بالاجتهاد، وهو مذهب المحقّقين من الأصوليين، ولا يُلتفَت لقول من يقول:
إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النصّ، والأنبياء لا لا يفقدون النصّ، فإنهم
متمكّنون من استطلاع الوحي، وانتظاره؛ لأنا نقول: إذا لم يأتهم الوحي في
الواقعة صاروا كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم، والفرق
بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الغلط والخطإ، وعن
التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليسوا كذلك. انتهى(١).
٦ - (ومنها): أن فيه استعمالَ الحيل في الأحكام؛ لاستخراج الحقوق،
ولا يتأتى ذلك إلا بمزيد الفطنة، وممارسة الأحوال، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصٌ - يعني: ابْنَ
مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) وحَدَّثَنَا أُمَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْعِ، حَدَّثَنَا رَوْعٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثٍ وَرْقَاءَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوق
في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قدماء [١٠]
(ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (حَقْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ) العُقيليّ، أبو عمر، نزيل عسقلان، ثقةٌ
ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ،
إمام في المغازي [٥] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٤ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١)
(خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
(١) ((المفهم)) ١٧٦/٥.