Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(٧) - بَابُ كَرَاهَةٍ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ - حديث رقم (٤٤٨٢)
والفعل مرفوع، والنفي بمعنى النهي. (يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ)))
وفي رواية البخاريّ: ((لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين، وهو غضبان)»، وفي رواية
الشافعيّ، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير بسنده: ((لا يقضي
القاضي، أو لا يحكم الحاكم بين اثنين، وهو غضبان))، ولم يذكر القصة.
والْحَكَم - بفتحتين -: هو الحاكم، وقد يُطلق على القَيِّم بما يُسْنَد إليه.
قال المهلَّب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى
غير الحقّ فُمُنِعٍ، وبذلك قال فقهاء الأمصار.
وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب؛ لِمَا يحصل
بسببه من التغير الذي يَخَلّ به النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه،
قال: وعَدّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر، كالجوع،
والعطش المُفْرِطَيْن، وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب، تعلقاً يَشغله عن
استيفاء النظر، وهو قياسُ مَظِنّة على مظنة، وكأن الحكمة في الاقتصار على
ذِكر الغضب؛ لاستيلائه على النفس، وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره.
وقد أخرج البيهقي بسند ضعيف، عن أبي سعيد رفعه: ((لا يقض القاضي
إلا وهو شبعان، ريّان)).
وقول الشيخ: وهو قياس مظنة على مظنة صحيح، وهو استنباط معنى دل
عليه النص، فإنه لَمّا نُهِيَ عن الحكم حالة الغضب، فُهم منه أن الحكم لا
يكون إلا في حالة استقامة الفكر، فكانت علة النهي المعنى المشترك، وهو
تغيّر الفكر، والوصف بالغضب يسمى علة، بمعنى أنه مشتمل عليه، فأُلحق به
ما في معناه، كالجائع، قال الإمام الشافعيّ تَُّ في ((الأم)): أَكْرَهُ للحاكم أن
يحكم، وهو جائع، أو تَعِبُ، أو مشغول القلب، فإن ذلك يغيّر القلب. قاله
في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
-
(المسألة الأولى): حديث أبي بكرة تُبه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٦٥٠/١٦ - ٦٥١، كتاب ((الأحكام)) رقم (٧١٥٨).

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٨٢/٧ و٤٤٨٣] (١٧١٧)، و(البخاريّ) في
((الأحكام)) (٧١٥٨)، و(أبو داود) في ((الأقضية)) (٣٥٨٩)، و(الترمذيّ) في
((الأحكام)) (١٣٣٤)، و(النسائيّ) في ((آداب القضاة)) (٥٤٠٨ و٥٤٢٣) وفي
((الكبرى)) (٥٩٦ و٥٩٨٣)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٣٣١٦)، و(الشافعيّ)
في ((مسنده)) (١٧٧/٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٨٦٠)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٧٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧/ ٢٣٣)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٦/٥ و٣٨ و٤٦ و٥٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٦٣
و٥٠٦٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٩٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٦٨/٤ و١٦٩ و١٧٠)، و(البزّار) في («مسنده)) (٨٨/٩)، و(الطحاويّ) في
((شرح معاني الآثار)) (٨٤٥/٢ و٨٤٦)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٠٥/٤ -
٢٠٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٤/١٠ و١٠٥)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنّة)) (٢٤٩٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نهي الحاكم أن يحكم في حال الغضب؛ لأنه يمنعه من
النظر في الحقّ، واستيفائه، وقد قاس العلماء كلّ ما أشبهه في اختلال الفكر،
وتشويش النظر، كالجوع، والعطش، والشِّبَع المُفْرِط، وغلبة النعاس، ونحو
ذلك.
٢ - (ومنها): أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ، في وجوب العمل
بها، وأما في الرواية فمنع منها قوم إذا تجردت عن الإجازة، والمشهور
الجواز. نَعَم الصحيح عند الأداء أن لا يُطلق الإخبار، بل يقول: كتب إليّ، أو
كاتبني، أو أخبرني في كتابه، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث))،
حيث قال :
يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
فَهْيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا
يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا
صِحَّتُهَا بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ
أَوْ لَا فَقِيلَ لَا تَصِحُّ وَالأَصَحّ
كَاتِبِهِ وَشَاهِداً بَعْضٌ شَرَطْ
وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطَّ

١٤٣
(٧) - بَابُ كَرَاهَةٍ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ - حديث رقم (٤٤٨٢)
ثُمَّ لْيَقُلْ («حَدَّثَنِي)» («أَخْبَرَنِي)» كِتَابَةً وَالْمُظْلِقِينَ وَهِّنِ
٣ - (ومنها): أن فيه ذكرَ الحكم مع دليله في التعليم، ويجيء مثله في
الفتوى.
٤ - (ومنها): شفقة الأب على ولده، وإعلامه بما ينفعه، وتحذيره من
الوقوع فيما يُنگر.
٥ - (ومنها): نشر العلم للعمل به، والاقتداء، وإن لم يُسأل العالم عنه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الحاكم في حال
الغضب، ونحوه:
قال العلّامة ابن قدامة ◌َّتُهُ: لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه، في
أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي، وهو غضبان، كَرِه ذلك شُريح، وعمر بن
عبد العزيز، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وكتب أبو بكرة إلى عُبيد الله بن أبي
بكرة، وهو قاض بسجستان: أن لا تحكم بين اثنين، وأنت غضبان، فإني
سمعت رسول الله 8* يقول: ((لا يحكم أحد بين اثنين، وهو غضبان))، متفق
عليه، وكتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الأشعريّ ﴿ه: ((إياك والغضب،
والقَلَق، والضَّجَرَ، والتأذي بالناس، والتنكر لهم عند الخصومة، فإذا رأيت
الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه))، ولأنه إذا غضب تغيّر عقله، ولم يستوف
رأيه وفكره، وفي معنى الغضب: كُلُّ ما شَغَل فِكْره، من الجوع المفرط،
والعطش الشديد، والوجع المزعج، ومدافعة أحد الأخبثين، وشدة النعاس،
والهمّ، والغمّ، والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم؛ لأنها تمنع حضور
القلب، واستيفاء الفكر الذي يُتوصّل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في
معنى الغضب المنصوص عليه، فتجري مجراه. انتهى كلام ابن قُدامة كَذِثُهُ(١)،
وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم: هل يَنْفُذُّ حكم الحاكم حالة
الغضب، أم لا؟:
-
(١) ((المغني)) ٢٥/١٤.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
قال ابن قدامة كَّتُهُ: فإن حَكَم في الغضب، أو ما شاكله، فحُكي عن
القاضي أنه لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وقال في ((المجرَّد)): ينفذ قضاؤه، وهو مذهب الشافعيّ؛ لما رُوي أن النبيّ ◌َّلـ
اختصم إليه الزبير، ورجل من الأنصار، في شِرَاج الْحَرّة، فقال النبيّ ◌َّل
للزبير: ((اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك))، فقال الأنصاري: آن كان ابن
عمتك؟ فغضب رسول الله وَله، وقال للزبير: ((اسق، ثم احبس الماء حتى يبلغ
الجُدُر))، متفق عليه، فحَكَم في حال غضبه. وقيل: إنما يمنع الغضب الحاكمَ
إذا كان قبل أن يتضح له الحكم في المسألة، فأما إن اتضح الحكم، ثم عَرَض
الغضب لم يمنعه؛ لأن الحق قد استبان قبل الغضب، فلا يؤثّر الغضب فيه.
انتھی(١).
وقال في ((الفتح)): لو خالف، فحكم في حال الغضب صحّ، إن صادف
الحق مع الكراهة، هذا قول الجمهور، وقد تقدم أنه ويله، قضى للزبير بشراج
الْحَرَّة، بعد أن أغضبه خصم الزبير، لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره؛
لِعِصْمته ◌َ﴿، فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضى، قال النوويّ في
حديث اللقطة: فيه جواز الفتوى في حال الغضب، وكذلك الحكم وينفذ،
ولكنه مع الكراهة في حقّنا، ولا يُكره في حقه وَّر؛ لأنه لا يُخاف عليه في
الغضب ما يُخاف على غيره، وأبعدَ من قال: يُحْمَل على أنه تكلم في الحكم
قبل وصوله في الغضب إلى تغيّر الفكر، ويؤخذ من الإطلاق أنه لا فرق بين
مراتب الغضب، ولا أسبابه، وكذا أطلقه الجمهور، وفصّل إمام الحرمين،
والبغويّ، فقَيَّدا الكراهية بما إذا كان الغضب لغير الله، واستغرب الروياني هذا
التفصيل، واستبعده غيره؛ لمخالفته لظواهر الحديث، وللمعنى الذي لأجله نُهي
عن الحكم حال الغضب.
وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب؛ لثبوت النهي
عنه، والنهي يقتضي الفساد، وفضّل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد
أن استبان له الحكم فلا يؤثّر، وإلا فهو محل الخلاف، وهو تفصيل معتبر.
(١) ((المغني)) ٢٥/١٤ - ٢٦.

١٤٥
(٧) - بَابُ كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ - حديث رقم (٤٤٨٣)
وقال ابن الْمُنَيِّر: أدخل البخاريّ حديث أبي بكرة الدالّ على المنع، ثم
حديث أبي مسعود الدالّ على الجواز؛ تنبيهاً منه على طريق الجمع، بأن يُجعل
الجواز خاصّاً بالنبيّ وَّر؛ لوجود العصمة في حقه، والأمن من التعدي، أو أن
غضبه إنما كان للحق، فمن كان في مثل حاله جاز، وإلا مُنع، وهو كما قيل
في شهادة العدوّ: إن كانت دنيوية رُدّت، وإن كانت دينية لم تُرَدّ، قاله ابن دقيق
العيد وغيره. انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال: لا ينفذ
حكمه إن حكم في حال الغضب؛ لأن النهي للتحريم، وهو يقتضي الفساد،
ولا يقاس بالنبيّ ◌َ ل غيره في ذلك؛ لأنّ غضبه وَّ كرضاه، بخلاف غيره، قال
القرطبيّ كَُّ: ولا يُعارَضُ هذا الحديث بحكم النبيّ وَّ للزبير بإمساك الماء
إلى أن يبلغ الجُدُر، وقد غَضِب من قول الأنصاريّ: آن كان ابن عمّتك؟؛ لأن
النبيّ وَّ معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه ورضاه، وصحّته
ومرضه، ولذلك قال: ((اكتبوا عنّي في الغضب والرضا))، ولذلك نفذت
أحكامه، وعُمل بحديثه الصادر في حال شدّة مرضه، ونَزْعه، كما نفذ في حال
صحّته ونشاطه. انتهى كلام القرطبيّ كَظْثُهُ، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً(١).
والحاصل أن الأرجح كون النهي في حديث الباب للتحريم، وأن حُكم
الحاكم في حال غضبه لا ينفذ، ولا يقاس غير النبيّ وَّ به؛ للفرق الظاهر بينه
وبين غيره، ممن يستفزّه الغضب والهوى، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٨٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح)، وحَدَّثَنَا
شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (ح)، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ (ح)، وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ
(ح)، وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي ◌ِلَاهُمَا، عَنْ شُعْبَةَ (ح)، وحَدَّثَنَا أَبُو
(١) ((المفهم)) ١٧٠/٥ - ١٧١.

١٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر:
١ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣)، وقد قارب الثمانين (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، من كبار
[٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت،
رأس الطبقة [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ،
ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٧ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العَنْبريّ، أبو المثنّى
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٨ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
٩ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرىء، ثقةٌ عابدٌ [٩]
(ت٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٤/١١.
١٠ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧]
(ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
والباقون ذُكروا في الباب، وفي الأبواب الثلاثة الماضية.

١٤٧
(٧) - بَابُ كَرَاهَةٍ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ - حديث رقم (٤٤٨٣)
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ... إلخ)؛ يعني: أن هؤلاء
الخمسة، وهم: هشيم، وحمّاد بن سلمة، وسفيان الثوريّ، وشعبة، وزائدة
رووا هذا الحديث عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،
عن أبيه، عن النبيّ وَّر، بمثل ما رواه أبو عوانة عنه.
[تنبيه]: رواية هشيم، عن عبد الملك ساقها النسائيّ تَظُّ في ((الكبرى))،
فقال :
(٥٩٦٢) - أخبرنا عليّ بن حُجْر، قال: أنا هشيم، عن عبد الملك بن
عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال النبيّ وَلقوله: ((لا
يقضي القاضي بين اثنين، وهو غضبان)). انتهى(١).
ورواية سفيان الثوريّ، عن عبد الملك، ساقها أبو داود ◌َّلُهُ في ((سننه))،
فقال :
(٣٥٨٩) - حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن
عُمير، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أنه كتب إلى ابنه، قال: قال
رسول الله وَل: ((لا يقضي الْحَكَم بين اثنين، وهو غضبان)). انتهى(٢).
ورواية شعبة، عن عبد الملك، ساقها البخاريّ تَخّْثُ في ((صحيحه))،
فقال :
(٦٧٣٩) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا عبد الملك بن عُمير، سمعت
عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: كَتَبَ أبو بكرة إلى ابنه، وكان بسجستان، بأن
لا تقضي بين اثنين، وأنت غضبان، فإني سمعت النبيّ وَ﴿ يقول: ((لا يَقْضِيَنّ
حَكَمٌ بين اثنين، وهو غضبان)). انتهى(٣).
وأما رواية حماد بن سلمة، وزائدة بن قُدامة، فلم أجد من ساقهما
بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٧٤/٣.
(٣) ((صحيح البخاريّ)) رقم (٦٧٣٩).
(٢) ((سنن أبي داود)) ٣٠٢/٣.

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
(٨) - (بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٨٤] (١٧١٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوٍْ
الْهِلَالِيُّ، جَمِيعاً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدِّ)).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ) الْخَزّاز، أبو محمد البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ
[١٠] (ت٢٣٢) على الصحيح (م س) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص٣٠٣.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ،
أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٤ - (أَبُوهُ) سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزهريّ المدنيّ
القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه، من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ُها المتوفّاة سنة (٥٧)، تقدّمت في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبغداديين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ
عن تابعيّ، عن عمّته، وفيه القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة المشهورين
بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه عائشة ﴿ّا من المكثرين السبعة، روت من
الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.

١٤٩
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٤)
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ)
شرطيّة، (أَحْدَثَ)؛ أي: ابتدع، أو أظهر، واخترع، قال الفيّوميّ كَُّ: حَدَثَ
الشيءُ حدُوثاً، من باب قعد: تجدّد وجوده، فهو حادثٌ، وحَدِيثٌ، ومنه
يقال: حَدَثَ به عيبٌ: إذا تجدّد، وكان معدوماً قبل ذلك، ويتعدّى بالألف،
فيقال: أحدثته، ومنه: ((محدثات الأمور))، وهي التي ابتدعها أهل الأهواء.
انتهى(١). وقال القرطبيّ: أي: من اخترع في الشرع ما لا يشهد له أصل من
أصوله، فهو مفسوخٌ، لا يُعمل به، ولا يُلتفتُ إليه. انتهى(٢).
(فِي أَمْرِنَا)؛ أي: في شأننا، فالأمر واحد الأمور، أو فيما أَمَرْنا به،
فالأمر واحد الأوامر، أُطلق على المأمور به، والمراد على الوجهين: الدِّين
القيّم، ووَصَف الأمر بقوله: (هَذَا) إشارةً إلى أن أمر الإسلام كَمُلَ واشتهر،
وشاع، وظهر ظهور المحسوس، بحيث لا يخفى على كلّ ذي بصر وبصيرة،
كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ
دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، فمن رام الزيادة عليه فقد حاول أمراً غير مرضيّ؛ لأنه
من قصور فهمه رآه ناقصاً.
وقوله: (مَا لَيْسَ مِنْهُ) ((ما)) موصولة مفعول ((أحدث))؛ أي: أحدث الشيء
الذي ليس منه: أي: من أمر الدِّين، وأشار إلى أن إحداث ما له أصل في
الكتاب والسُّنّة ليس بمردود، كأن يُجدّد سُنَّة أُميتت، وتناساها الناس، أو
أحدث شيئاً يشهد له الكتاب والسُّنّة، مما لا يشمله تعريف البدعة الشرعيّة،
كَجَمْع الصدّيقِ ظُ القرآن، وجَمْع عمر ◌َلُّه الناس على إمام واحد في قيام
رمضان .
(فَهُوَ)؛ أي: ذلك المحدَث (رَةِ)) - بفتح، فسكون -؛ أي: مرود، من
إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل خَلْق ومخلوق، ونَسْخ ومنسوخ، وكأنه
قال: فهو باطل، غير مُعْتَدّ به. قاله في ((الفتح))(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ١٢٤/١.
(٣) ((الفتح)) ٦٤٢/٥.
(٢) («المفهم)) ١٧١/٥.

١٥٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
والمراد: أن ذلك الأمر واجب الردّ، فيجب على الناس ردّه، ولا يجوز
لأحد اتّباعه، والتقليد فيه. وقيل: ضمير ((فهو)) يعود إلى ((من))؛ أي: فذلك
الشخص مردود مطرود عن جملة أهل السُّنّة والجماعة، فيكون من الفرق الضالّة
التي تفترق إليها هذه الأمة، كما أخبر بذلك النبيّ وَّ فيما أخرجه ابن ماجه
وغيره بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك ◌ُبه، قال: قال رسول الله وَله :
((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في
النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار،
وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أمتي على ثلاث وسبعين
فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار))، قيل: يا رسول الله من هم؟
قال: ((الجماعة))(١).
وقال البيضاويّ كَّلُهُ: الأمر حقيقةٌ في القول الطالب للفعل، مجاز في
الفعل، والشأن، والطريق، وأُطلق هنا على الدِّين من حيث إنه طريقه، أو شأنه
الذي يتعلّق به، وهو مهتمّ بشأنه بحيث لا يخلو عن شيء من أقواله، وأفعاله،
والمعنى: أن من أحدث في الإسلام رأياً لم يكن له من الكتاب، والسُّنّة سند
ظاهر، أو خفيّ، ملفوظ، أو مستنبط، فهو مردود عليه.
وقال الطيبيّ تَظُّْهُ: في وَصْف الأمر بـ((هذا)) إشارة إلى أن الإسلام كمُلَ،
واشتهر، وشاع، وظهر ظهور المحسوس، بحيث لا يخفى على كلّ ذي بصر
وبصيرة، كقوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ
اُلْإِسْلَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، فمن رام الزيادة عليه حاول أمراً غير مرضيّ؛
لأنه من قصور فهمه رآه ناقصاً، فعلى هذا يناسب أن يقال: قوله: ((فهو)) راجع
إلى ((من))؛ أي: من ابتغى الزيادة على الكمال، فهو ناقص مطرود، وفي قوله:
((ما ليس منه)) إشارة إلى أن إحداث ما لا ينازع الكتاب والسُّنّة ليس بمذموم.
(١) رواه ابن ماجه في كتاب ((الفتن)) من ((سننه)) برقم (٣٩٩٢)، وفي سنده عباد بن
يوسف، روى عن جماعة، ووثّقه ابن حبّان، وغيره، راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٢/
٢٨٥. وراجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ٣/ ٤٨٠ رقم
(١٤٩٢).

١٥١
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٤)
روى محيي السُّنّة عن يحيى بن سعيد: سمعت أبا عبيد رظُه يقول: جَمَعَ
النبيّ وَّر جميع أمر الآخرة في كلمة: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو
ردّ))، وجَمَع أمر الدنيا في كلمة: ((إنما الأعمال بالنيّات))، فإنهما يدخلان في
كلّ باب. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّ هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٨٤/٨ و٤٤٨٥] (١٧١٨)، و(البخاريّ) في
((الصلح)) (٢٦٩٧) وفي ((خلق أفعال العباد)) (ص٤٣)، و(أبو داود) في ((السُّنّة))
(٤٦٠٦)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٤٢٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٧٤/٦ و٢٤٠ و٢٧٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٦
و٢٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥٩٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١/
٢٥١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٢٤/٤ و٢٢٥ و٢٢٧)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (١٨/٤ -١٩)، و(ابن أبي عاصم) في ((السُّنّة)) (٥٢ - ٥٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١١٩/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (١٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن هذا الحديث قاعدة عظيمة، من قواعد الإسلام، وهو من
جوامع كَلِمِه ◌ِّرَ، فإنه صريح في ردّ كل البدع والمخترعات.
٢ - (ومنها): أنه وقع في الرواية التالية عند مسلم: ((من عمل عملاً ليس
عليه أمرنا فهو ردّ)). ففي هذه الرواية ردّ على من قد يعاند من بعض الفاعلين
في بدعة سُبق إليها، فإذا احتُجَّ عليه بالرواية الأولى، يقول: أنا ما أحدثت
شيئاً، فيُحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح بردّ كل المحدَثات، سواء أحدثها
الفاعل، أو سُبق بإحداثها، قاله النوويّ تَخْذَتْهُ(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٠٣/٢.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٢/ ٢٤٢.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وقال في ((الفتح)): واللفظ الثاني - وهو قوله: ((من عَمِلَ)) - أعم من اللفظ
الأول - وهو قوله: ((من أحدث)) - فيُحتَجُّ به في إبطال جميع العقود المنهية،
وعدم وجود ثمراتها المرتَبة عليها، وفيه ردُّ المحدَثات، وأن النهي يقتضي
الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين، فيجب ردّها. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن حكم الحاكم لا يغيّر ما في باطن الأمر؛
لقوله: ((ليس عليه أمرنا))، والمراد به أمر الدين.
٤ - (ومنها): أن الصلح الفاسد مُنتَقَضٌ، والمأخوذ عليه مُستَحَقّ الرد.
٥ - (ومنها): أن هذا الحديث دليلٌ لمن يقول من الأصوليين: إن النهي
يقتضي الفساد، ومن قال: لا يقتضي الفساد يقول: هذا خبر واحد، ولا يكفي
في إثبات هذه القاعدة المهمة، قال النوويّ دَخْتُ: وهذا جواب فاسد.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: فيه حجةٌ على أن النهي يدلّ على الفساد، وهو قول
جمهور الفقهاء. وذهب بعض المالكيّة، وأكثر المتكلّمين إلى أنه لا يدلّ على
الفساد، وإنما مدلوله المنع من إدخال المنهيّ عنه في الوجود فقط، وأما حُكمه
إذا وقع من فساد أو صحّة، فالنهي لا يدلّ عليه، ويُنظر دليل ذلك من خارج
النهي، وقد اختلف حال المنهيّات، فبعضها يصحّ إذا وقع، كالطلاق في
الحيض، وبعضها لا يصحّ، كبيع الملاقيح والمضامين، وبعضها يَختلف فيه
الفقهاء، كالبيع عند النداء. انتهى قول القرطبيّ كَذَتُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه جمهور الفقهاء من أن
النهي يقتضي الفساد، وهذا فيما إذا لم يدلّ دليلٌ على خلافه، كالنهي عن تلقّي
الجلب، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه))، وغيره عن أبي هريرة حظيبه مرفوعاً:
((لا تَلَقَوُا الجلب، فمن تلقّاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو
بالخيار))، فقد خيّر ◌َّ صاحبه بعد النهي بين أن يجيز البيع، وبين أن يُبطله،
فدلّ على أن النهي ليس للفساد، ومثله النهي عن التصرية، فقد أخرج مسلم
أيضاً عن أبي هريرة عظُبه مرفوعاً: ((ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ، فمن ابتاعها بعد
ذلك، فهو بخير النَّظَرين، بعد أن يَخْلُبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها
(١) ((الفتح)) ٦٤٢/٥.
(٢) ((المفهم)) ١٧١/٥.

١٥٣
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٤)
رَدّها، وصاعاً من تمر))، فقد خيّر ◌َ ﴿ المشتري بين الرضا، وبين الردّ مع صاع
من تمر، فدلّ على أن النهي ليس للفساد، وكذا كلّ نهي دلّ النصّ على عدم
اقتضائه الفساد، وما عدا ذلك كلّه على الفساد. والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن هذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من
قواعده، فإن معناه: من اختَرَع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله، فلا
يلتفت إليه.
قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يُعتَنى بحفظه، واستعماله في
إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك.
وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يُسمَّى نصف أدلة الشرع؛ لأن
الدليل يتركب من مقدمتين، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم، أو نفيه،
وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعيّ ونفيه؛ لأن منطوقه مقدمة
كلية في كل دليل ناف لحكم، مثل أن يُقال في الوضوء بماء نجس: هذا ليس
من أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود، فالمقدمة
الثانية ثابتة بهذا الحديث، وإنما يقع النزاع في الأُولى، ومفهومه: أن من عَمِل
عملاً عليه أمْرُ الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية: هذا عليه
أمر الشرع، وكل ما كان عليه أمر الشرع فهو صحيح، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا
الحديث، والأُولى فيها النزاع، فلو اتَّفَق أن يوجد حديث يكون مقدمة أُولى في
إثبات كل حكم شرعيّ ونفيه، لاستقَلَّ الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا
الثاني لا يوجد، فإذاً حديث الباب نصفُ أدلة الشرع، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد كتب الحافظ ابن رجب كَّثهُ في كتابه ((جامع
العلوم والحكم)) بحثاً نفيساً في هذا الحديث، أحببت إيراده هنا تتميماً للفائدة،
وتكميلاً للعائدة، قال رَظُّهُ :
هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، كما أن حديث: ((الأعمالُ
بالنيات)) ميزان للأعمال في باطنها، وهو ميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن
كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل
لا يكون عليه أمر الله تعالى ورسوله و 8 فهو مردود على عامله، وكل من

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
أحدث في الدين ما لم يأذن به الله تعالى ورسوله والقر فليس من الدين في
شيء.
قال: فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر
الشارع، فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره، فهو غير
مردود، والمراد بأمره ههنا: دينه وشرعه، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى:
((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد))، فالمعنى إذاً: أنّ من كان
عمله خارجاً عن الشرع، ليس متقيداً بالشرع، فهو مردود. وقوله: ((ليس عليه
أمرنا)) إشارةٌ إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام
الشريعة، فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها، بأمرها ونهيها، فمن كان عمله
جارياً تحت أحكام الشريعة، موافقاً لها، فهو مقبول، ومن كان خارجاً عن
ذلك فهو مردود، فأما العبادات فما كان منها خارجاً عن حكم الله تعالى
ورسوله * بالكلية فهو مردود على عامله، وعاملُه يدخل تحت قوله تعالى:
﴿َمْ لَهُمْ شُرَكَوْا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ اَلْذِيِنِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن
تقرَّب إلى الله بعمل لم يجعله الله تعالى ورسوله ◌َّاهو قربة إلى الله، فعمله باطل
مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية (١).
وهذا كمن تقرَّب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف
الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله
ورسوله 4* التقرب بها بالكلية. وليس ما كان قربة في عبادة، يكون قربة في
غيرها مطلقاً، فقد رأى النبيّ وَ ل﴿ رجلاً قائماً في الشمس، فسأل عنه، فقيل:
إنه نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، وأن يصوم، فأمره النبيّ وَّ أن
يقعد، ويستظل، وأن يتم صومه(٢).
فلم يجعل قيامه، وبروزه في الشمس قربة يوفّى بنذرهما، وقد رُوي أن
ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبيّ بَّر، وهو على المنبر، فنذر أن
يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ما دام النبيّ وَلَ يخطب؛ إعظاماً لسماع خطبة
(١) ((المكاء)): صفير الطير. و(التصدية)): التصويت بالتصفيق وغيره.
(٢) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) ٤٤٦/١٣، كتاب ((الأيمان والنذور)).

١٥٥
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٤)
النبيّ وَ﴾(١)، ولم يجعل النبيّ وَله ذلك قربةً يُوفَّى بنذره، مع أن القيام عبادة
في مواضع أُخَر، كالصلاة، والأذان، والدعاء بعرفة، والبروزُ للشمس قربةٌ
للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن، يكون قربة في كل
المواطن، وإنما يُتَّبَع في ذلك كلِّه ما وردت به الشريعة في مواضعها.
وكذلك من تقرب بعبادة، نُهي عنها بخصوصها، كمن صام يوم العيد، أو
صلی وقت النھي.
وأما من عَمِلَ عملاً أصله مشروع وقربة، ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع،
أو أَخَلّ فيه بمشروع، فهذا أيضاً مخالف للشريعة، بقدر إخلاله بما أخل به، أو
إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردوداً عليه أو لا؟ فهذا لا
يُطلق القول فيه بردّه ولا قبوله، بل يُنظر فيه: فإن كان ما أخل به من أجزاء
العمل، أو شروطه موجباً لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة مع القدرة
عليها، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود، أو بالطمأنينة فيهما، فهذا عمل
مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضاً، وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان
العمل، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها، ولا يجعلها
شرطاً، فهذا لا يقال: إن عمله مردود من أصله، بل هو ناقص.
وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع، فزيادته مردودة
عليه، بمعنى أنها لا تكون قربة، ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل
من أصله، فيكون مردوداً، كمن زاد ركعة عمداً في صلاته مثلاً، وتارة لا
يبطله، ولا يردّه من أصله، كمن توضأ أربعاً أربعاً، أو صام الليل مع النهار،
وواصل في صيامه. وقد يبدِّل ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه، كمن
ستر عورته في الصلاة بثوب محرَّم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب، أو صلى
في بقعة غَصْب، فهذا قد اختَلَف العلماء فيه: هل عمله مردود من أصله، أو
أنه غير مردود، وتبرأ به الذمة من عُهْدة الواجب؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس
بمردود من أصله، وقد حَكَى عبد الرحمن بن مهديّ عن قوم من أصحاب
الكلام، يقال لهم: الشمرية، أصحاب أبي شمر أنهم يقولون: إنه من صلى في
(١) أخرجه الطبرانيّ في ((الكبير)) ٣٢٠/١١ رقم (٣٢٠).

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
ثوب كان في ثَمَنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته، وقال: ما سمعت قولاً
أخبث من قولهم - نسأل الله العافية - وعبد الرحمن بن مهديّ من أكابر فقهاء أهل
الحديث، المطّلعين على مقالات السلف، وقد استنكر هذا القول، وجعله بدعة،
فدل على أنه لم يُعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا،
ويُشبه هذا: الحجُّ بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه،
ولكنه حديث لا يثبت(١). وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟.
وقريبٌ من ذلك: الذبح بآلة محرمة، أو ذبح من لا يجوز له الذبح،
كالسارق، فأكثر العلماء قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك. ومنهم من قال: هي
محرَّمة. وكذا الخلاف في ذبح المُحْرِم الصيد، لكن القول بالتحريم فيه أشهر
وأظهر؛ لأنه منهي عنه بعينه، فلهذا فرَّق من فرَّق من العلماء بين أن يكون
النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها، وبين أن لا يكون مختصاً بها فلا يبطلها،
فالصلاة بالنجاسة، أو بغير طهارة، أو بغير ستارة، أو إلى غير القبلة يبطلها؛
لاختصاص النهي بالصلاة، بخلاف الصلاة في الغصب، ويشهد لهذا أن الصيام
لا يبطله إلا ارتكاب ما نُهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنس الأكل والشرب
والجماع، بخلاف ما نُهي عنه الصائم لا بخصوص الصيام، كالكذب والغيبة
عند الجمهور. وكذلك الحج لا يبطله إلا ما نُهي عنه في الإحرام، وهو
الجماع، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات، كالقتل، والسرقة،
وشرب الخمر. وكذلك الاعتكاف إنما يبطل بما نُهي عنه فيه بخصوصه، وهو
الجماع، وإنما يبطل بالسُّكْر عند الأكثرين؛ لنهي السكران عن قربان المسجد،
ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾
[النساء: ٤٣] أن المراد: مواضع الصلاة، فصار كالحائض، ولا يبطل الاعتكاف
بغيره من ارتكابه الكبائر عند كثير من العلماء.
(١) أخرجه البزّار ٦/٢ ((كشف)) رقم (١٠٧٩)، وقال البزّار: فيه الضعف بيّنٌّ على
أحاديث سليمان، ولا يتابعه أحدٌ، وهو ليس بالقويّ. وذكره الهيثميّ في ((مجمع
الزوائد» ٢١٢/٣ - ٢١٣ وقال: رواه البزّار، وفيه سليمان بن داود اليماميّ، وهو
ضعيف. انتهى.

١٥٧
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٤)
وقد خالف في ذلك طائفة من السلف منهم: عطاء، والزهري، والثوريّ،
ومالك، وحكي عن غيرهم أيضاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه بعض السلف هو
الظاهر. والله تعالى أعلم.
وأما المعاملات، كالعقود، والفسوخ، ونحوهما، فما كان منها مغيِّر
الأوضاع الشرعية، كجعل حد الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك، فإنه مردود من
أصله، لا ينتقل به المُلك؛ لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على
ذلك أن النبيّ ◌َ﴿ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفاً (١) على فلان، فزنى
بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فقال النبيّ وَّلو: ((المائة الشاة والخادم
ردّ عليك، وعلى ابنك مائة جلدة، وتغريب عام))(٢).
وما كان منها عقداً منهيّاً عنه في الشرع، إما لكون المعقود عليه ليس
محلّاً للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يحصل به للمعقود معه، أو عليه،
أو لكون العقد يَشغَل عن ذكر الله رحمك الواجب عند تضايق وقته، أو غير ذلك،
فهذا العقد هل هو مردود بالكلية، لا يَنتقِل به المُلك أم لا؟ هذا الموضع قد
اضطرب الناس فيه اضطراباً كثيراً، وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردود لا
يفيد الملك، وفي بعضها أنه يفيده، فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك.
والأقرب - إن شاء الله تعالى - أنه إن كان النهي عنه لحقّ الله تعالى، لا
يفيد الملك بالكلية، ومعنى أن يكون الحق لله أنه لا يسقط برضا المتعاقدين
عليه، وإن كان النهي عنه لحقّ آدمي معيَّن، بحيث يسقط برضاه به، فإنه يوقف
على رضاه به، فإن رضي لزم العقد، واستمر المُلك، وإن لم يَرْضَ به فله
الفسخ، فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يُعتبر رضاه بالكلية، كالزوجة والعبد في
الطلاق والعتاق، فلا عبرة برضاه ولا بسخطه، وإن كان النهي رفقاً بالمنهي
خاصة؛ لِمَا يلحقه من المشقة، فخالف وارتكب المشقة، لم يبطل بذلك عمله.
فأما الأول: فله صور كثيرة:
(منها): نكاح من يحرم نكاحه، إما لِعَيْنه كالمحرمات على التأبيد بسبب
(١) («العسيف)) كالأجير وزناً ومعنىّ.
(٢) متفقٌ عليه.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
أو نسب، أو للجمع، أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه، كنكاح
المعتدّة والمحرِمة، والنكاح بغير ولي، ونحو ذلك. وقد رُوي أن النبيّ وَله
فَرّق بين رجل وامرأة، تزوجها وهي حبلى، فردّ النكاح؛ لوقوعه في العدة(١).
(ومنها): عقود الربا، فلا يفيد المُلك، ويؤمر بردّها. وقد أمر النبيّ وَال
من باع صاع تمر بصاعين أن يردّه(٢).
(ومنها): بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، والكلب، وسائر ما
نهي عن بيعه مما لا يجوز بيعه.
وأما الثاني: فله صور عديدة:
(منها): إنكاح الولي ما لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها، لا بغير إذنها،
وقد ردّ النبيّ وَّ نكاح امرأة ثيِّب، زوّجها أبوها، وهي كارهة(٣).
وروي عنه وَّهُ أنه خيَّر امرأة زُوِّجَت بغير إذنها (٤).
وفي إبطال هذا النكاح، أو وقوفه على الإجازة، روايتان عن أحمد. وقد
ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرَّف لغيره في ماله بغير إذنه، لم يكن
تصرفه باطلاً من أصله، بل يُوقَفُ على إجازته: فإن أجازه جاز، وإن ردّه
بطل.
واستدلُّوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبيّ وَّ شاتين، وإنما كان
أمَرَهُ بأن يشتري شاة واحدة، ثم باع إحداهما، وقَبِلَ ذلك النبيّ وَّهِ، وخَصَّ
ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرف لغيره في ماله بإذن، إذا
خالف الإذن.
(ومنها): تصرف المريض في ماله كله، هل يقع باطلاً من أصله، أم
يوقف تصرفه في الثلث على إجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهور للفقهاء،
(١) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٢٤١/٢ - ٢٤٢ رقم (٢١٣١
و ٢١٣٢).
(٢) أخرجه مسلم ٦/ ٢٥ ((شرح النووي)) رقم (١٥٩٤/٧٩).
(٣) أخرجه البخاريّ ٢٤٤/١٠ رقم (٥١٣٨).
(٤) حديث صحيح، أخرجه أبو داود رقم (٢٠٩٨)، وأحمد ٢٧٣/١.

١٥٩
(٨) - بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ - حديث رقم (٤٤٨٤)
والخلاف في مذهب أحمد وغيره. وقد صح أن النبيّ وَّهَ رُفِع إليه أن رجلاً
أعتق ستة مملوكين له عند موته، لا مال له غيرهم، فدعا بهم، فجزّأهم ثلاثة
أجزاء، فأعتق اثنين، وأَرَقَّ أربعة، وقال له قولاً شديداً (١). ولعل الورثة لم
يجيزوا إعتاق الجميع، والله أعلم.
(ومنها): بيع المدلِّس ونحوه، كالمصرّاة، وبيع النَّجْش، وتلقي الرُّكبان،
ونحو ذلك، وفي صحته كله اختلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد. وذهب
طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه، والصحيح أنه يصح، ويوقف على
إجازة من حصل له ظُلم بذلك، فقد صح عن النبيّ وَّ ر أنه جعل مشتري
المصرّاة بالخيار، وأنه جعل للركبان الخيار، إذا هبطوا السوق(٢)، وهذا كله
يدل على أنه غير مردود من أصله.
وقد أُورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصراة، فلم يذكر عنه
جواباً .
وأما بيع الحاضر للبادي: فمن صححه جعله من هذا القبيل، ومن أبطله
جعل الحق فيه لأهل البلد كلهم، وهم غير منحصرين، فلا يتصور إسقاط
حقوقهم، فصار كحقّ الله رَبَت .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بالبطلان هو الظاهر؛
لعدم ورود نصّ يدلّ على صحّته، كما ورد في المصرّاة، ونحوه، والله تعالى
أعلم.
(ومنها): لو باع رقيقاً، يَحرُم التفريق بينهم، وفرَّق بينهم، كالأم وولدها،
فهل يقع باطلاً مردوداً، أم يقف على رضاهم بذلك؟. وقد رُوي أن النبيّ وَّ أمر
بردّ هذا البيع(٣). ونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم، ولو رضوا بذلك.
(١) أخرجه مسلم ١٥٤/٦ ((شرح النوويّ))، وأبو داود (٣٩٥٨)، والترمذيّ (١٣٦٤)،
والنسائيّ (١٩٥٨).
(٢) متّفقٌ عليه.
(٣) أخرجه أبو داود برقم (٢٦٩٦)، وفيه انقطاعٌ، وحسّنه الشيخ الألباني رحمه الله
تعالى، راجع: ((صحيح أبي داود)) ٥١٤/٢.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وذهب طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم، منهم النخعيّ، وعبيد الله بن
الحسن البصريّ، فعلى هذا يتوجه أن يصح، ويقف على الرضا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالبطلان هو الظاهر؛ للحديث
المذكور، والله تعالى أعلم.
(ومنها): لو خَصَّ بعض أولاده بالعطية دون بعض، فقد صح عن
النبيّ وَ ﴿ أنه أمر بشير بن سَعْد لَمّا خصَّ ولده النعمان بالعطية أن يردّه إليه،
ولم يدل ذلك على أنه لم ينتقل المُلك بذلك إلى الولد، فإن هذه العطية تصح،
وتقع مراعاةً، فإن ساوى بين الأولاد في العطية، أو استرد ما أعطي الولد
جاز، وإن مات ولم يفعل شيئاً من ذلك، فقال مجاهد: هو ميراث، وحُكي
عن أحمد نحوه، وأن العطية تبطل، والجمهور على أنها لا تبطل، وهل للورثة
الرجوع فيها أم لا؟ فيه قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالبطلان هو الظاهر؛ لظاهر
الحديث المذكور، والله تعالى أعلم.
(ومنها): الطلاق المنهيّ عنه، كالطلاق في زمن الحيض، فإنه قد قيل:
إنه قد نُهي عنه لحقّ الزوج، حيث كان يُخشَى عليه أن يعقبه فيه الندم، ومن
نُهي عن شيء رِفقاً به، فلم يَنتَهِ عنه، بل فعله، وتجشَّم مشقته، فإنه لا يُحكم
ببطلان ما أَتَى به، كمن صام في المرض، أو السفر، أو واصل في الصيام، أو
أخرج ماله، وجلس يتكفف الناس، أو صلى قائماً مع تضرره بالقيام للمرض،
أو اغتسل، وهو يخشى على نفسه الضرر والتلف، ولم يتيمم، أو صام الدهر
ولم يُفطر، أو قام الليل ولم يَنَم، وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على القول
بتحريمه .
وقيل: إنما نُهي عن طلاق الحائض؛ لحقّ المرأة؛ لِمَا فيه من الإضرار
بها بتطويل العدة، ولو رضيت بذلك، بأن سألته الطلاق بِعِوَض في الحيض،
فهل يزول بذلك تحريمه؟ فيه قولان مشهوران للعلماء، والمشهور من مذهب
الشافعية والحنبليّة أنه يزول التحريم بذلك. وإن قيل: إن التحريم فيه لحقّ
الزوج خاصة، فإذا أقدم عليه، فقد أسقط حقه فسقط، وإن عُلِّل بأنه لحقّ
المرأة لم يمنع نفوذه، ووقوعه أيضاً، فإن رضا المرأة بالطلاق غير معتبر؛