Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأً - حديث رقم (٤٤٧٩) شاهداً، فلئلا يكون قاضياً أولى، فأما الخبر فأخبر بوقوع كونهم أمراء، لا بمشروعيته، والنزاع في صحة توليته، لا في وجودها . [الشرط الثالث]: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميّاً، فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يَحكم بقول المقوِّمين. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اَللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، ورَوَى بُريدة، عن رسول الله وَّله أنه قال: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل عَلِم الحقّ فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جارَ في الحكم فهو في النار))، حديث صحيحٌ، رواه أبو داود، وابن ماجه، والعاميّ يقضي على جهل، ولأن الحُكم آكد من الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميّاً مقلِّداً فالحُكم أولى. [فإن قيل]: فالمفتي يجوز أن يُخبِر بما سَمِع. [قلنا]: نعم، إلا أنه لا يكون مفتياً في تلك الحال، وإنما هو مخبِر، فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه، من أهل الاجتهاد، فيكون معمولاً بخبره، لا بفتياه، ويخالف قول معرفته المقولين؛ لأن ذلك لا يُمْكن الحاكم معرفته بنفسه، بخلاف الحكم. إذا ثبت هذا فمِن شَرْط الاجتهاد معرفة ستة أشياء: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والاختلاف، والقياس، ولسان العرب: أما الكتاب فيحتاج أن يَعرف منه عشر أشياء: الخاص والعام، والمُطلَق والمقيَّد، والمحكَم والمتشابِهِ، والمُجمَل والمفسَّر، والناسخ والمنسوخ، في الآيات المتعلقة بالأحكام، وذلك نحو خمسمائة، ولا يلزمه معرفة سائر القرآن. وأما السُّنَّة فيحتاج إلى معرفته ما يتعلق منها بالأحكام، دون سائر الأخبار، من ذكر الجنة والنار والرقائق، ويحتاج أن يَعرف منها ما يَعرف من ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية الكتاب، ويزيد معرفة التواتر والآحاد، والمرسَل والمتصل، والمسنَد والمنقطع، والصحيح والضعيف، ويحتاج إلى معرفة ما أُجمع عليه وما اختلف فيه، ومعرفة القياس وشروطه، وأنواعه، وكيفية استنباطه الأحكام، ومعرفة لسان العرب فيما يتعلق بما ذكرنا؛ ليتعرف به استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسُّنَّة، وقد نصّ أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه . [فإن قيل]: هذه شروط لا تجتمع، فكيف يجوز اشتراطها؟. [قلنا]: ليس من شرطه أن يكون محيطاً بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام، من الكتاب والسُّنَّة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا، فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﴿ها خليفتا رسول الله وَّر، ووزيراه، وخير الناس بعده في حال إمامتهما يُسألان عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السُّنَّة، يَسألا الناس فيُخْبَران، فسئل أبو بكر عن ميراث الجَدَّة، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم لك في سُنَّة رسول الله وَّرِ شيئاً، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس، ثم قام، فقال: أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله وَّل في الجَدَّة، فقام المغيرة بن شعبة، فقال: أشهد أن رسول الله وَل أعطاها السدس. وسأل عمر عن إملاص المرأة، فأخبره المغيرة بن شعبة، أن النبيّ وَال قضى فيه بِغُرّة. ولا يُشترط معرفة المسائل التي فرّعها المجتهدون في كُتُبهم، فإن هذه فروع فَرّعها الفقهاء بعد حيازة منصب الاجتهاد، فلا تكون شرطاً له، وهو سابق عليها، وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهداً في كل المسائل، بل من عرف أدلة مسألة، وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها، وإن جهل غيرها كمن يعرف الفرائض وأصولها، ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع، ولذلك ما من إمام إلا وقد توقف في مسائل، وقيل: من يجيب في كل مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم ((لا أدري)) أصيبت مَقَاتِله. وحُكي أن مالكاً سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، ولم يُخرِجه ذلك عن كونه مجتهداً، وإنما المعتبَر أصول هذه الأمور، وهو مجموع مدوَّن ١٢٣ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك، ورُزق فهمه، كان مجتهداً، له الفتيا، وولاية الحكم إذا وَلِيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن قدامة تَذَتُهُ(١)، وهو بحث نفيس جدّاً. والله تعالى أعلم. وقال الشوكانيّ تَخّْثُ: قال أبو عليّ الكرابيسيّ، صاحب الشافعيّ، في ((كتاب أدب القضاء)) له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافاً، أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين مَنْ بَانَ فضله، وصدقه، وعلمه، وورعه، وأن يكون عارفاً بكتاب الله، عالماً بأكثر أحكامه، عالماً بسنن رسول الله وَلفته، حافظاً لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالماً بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين، يَعرف الصحيح من السقيم يتتبّع النوازل من الكتاب، فإن لم يجد ففي السُّنَّة، فإن لم يجد عَمِل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن، ثم بالسُّنَّة، ثم بفتوى أكابر الصحابة عَمِل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم، والمشاورة لهم، مع فضل، وورع، ويكون حافظاً للسانه ونُطقه وفرجه، فهماً لكلام الخصوم، ثم لا بد أن یکون عاقلاً، مائلاً عن الهوى، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يُطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم. وقال المهلّب: لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى نفسه أهلاً لذلك، بل أن يراه الناس أهلاً له. وقال ابن حبيب، عن مالك: لا بد أن يكون القاضي عالماً عاقلاً، قال ابن حبيب: فإن لم يكن عِلمٌ فعقلٌ ووَرَع؛ لأنه بالورع يقف، وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده، فإذا طلب العقل لم یجده. انتھی. وتعقّبه الشوكانيّ، قائلاً: ماذا يصنع الجاهل العاقل عند ورود مشكلات المسائل؟ وغاية ما يفيده العقل التوقف عند كل خصومة تَرِدُ عليه، وملازمة سؤال أهل العلم عنها، والأخذ بأقوالهم، مع عدم المعرفة لحقّها من باطلها، وما بهذا أمر الله عباده، فإنه أمر الحاكم أن يحكم بالحق، وبالعدل، وبالقسط، وبما أنزل، ومن أين لمثل هذا العاقل العاطل عن حلية الدلائل، أن يعرف (١) («المغني) ١٤/ ١٢ - ١٦. ١٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية حقية هذه الأمور؟ بل من أين له أن يتعقل الحجة إذا جاءته من كتاب أو سُنَّة، حتى يحكم بمدلولها؟ ثم قد عُرف اختلاف طبقات أهل العلم في الكمال والقصور، والإنصاف والاعتساف، والتثبت والاستعجال، والطيش والوقار، والتعويل على الدليل، والقنوع بالتقليد، فمن أين لهذا الجاهل العاقل معرفة العالي من السافل، حتى يأخذ عنه أحكامه، وينيط به حَلَّه وإبرامه؟ فهذا شيء لا يُعرف بالعقل، باتفاق العقلاء، فما حالُ هذا القاضي إلا كَحالٍ من قال فيه من قال : كَبَهِيمَةٍ عَمْيَاءَ قَادَ زِمَامَهَا أَعْمَى عَلَى عِوَجِ الطَّرِيقِ الْحَائِرِ انتهى كلام الشوكانيّ تَخْتُهُ(١) وهو تحقيق حسن جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في: هل كلّ مجتهد مصيبٌ؟: قال النوويّ تَخُّْ: اختَلَفَ العلماءُ في أن كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد؟ وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى، والآخر مخطئ، لا إثم عليه؛ لِعُذره، والأصح عند الشافعيّ وأصحابه أن المصيب واحد، وقد احتجت الطائفتان بهذا الحديث، أما الأولون القائلون: كل مجتهد مصيب، فقالوا: قد جُعِل للمجتهد أجرٌ، فلولا إصابته لم يكن له أجر، وأما الآخرون، فقالوا: سمّاه مخطئاً، ولو كان مصيباً لم يسمّه مخطئاً، وأما الأجر فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد، قال الأولون: إنما سماه مخطئاً؛ لأنه محمول على من أخطأ النص، أو اجتهد فيما لا يَسُوغ فيه الاجتهاد، كالمجمع عليه وغيره، وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في الفروع، فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد، بإجماع من يُعْتَدّ به، ولم يخالف إلا عبد الله بن الحسن العنبريّ، وداود الظاهريّ، فصوّبا المجتهدين في ذلك أيضاً، قال العلماء: الظاهر أنهما أرادا المجتهدين من المسلمين، دون الكفار، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخْذَتُهُ(٢). (١) ((نيل الأوطار)) ٢٧٦/٨ - ٢٧٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٤/١٢. ١٢٥ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) وقال أبو بكر ابن العربي تَّتُهُ: تعلق بهذا الحديث من قال: إن الحقّ في جهة واحدة؛ للتصريح بتخطئة واحد لا بعينه، قال: وهي نازلة في الخلاف عظيمة. وقال المازريّ كَّفُهُ: تمسّك به كلٌّ من الطائفتين: من قال: إن الحق في طرفين، ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، أما الأُولى: فلأنه لو كان كلٌّ مصيباً، لم يُطلق على أحدهما الخطأ؛ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة، وأما المصوِّبة، فاحتجوا بأنه بَّهَ، جعل له أجراً، فلو كان لم يُصِب لم يؤجَر، وأجابوا عن إطلاق الخطإ في الخبر على مَن ذَهِل عن النص، أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه، من القطعيات فيما خالف الإجماع، فإن مثل هذا إن اتفق له الخطأ فيه فُسخ حكمه وفتواه، ولو اجتهد بالإجماع، وهو الذي يصح عليه إطلاق الخطأ، وأما من اجتهد في قضية، ليس فيها نص، ولا إجماع، فلا يُطلق عليه الخطأ. وأطال المازريّ في تقرير ذلك، والانتصار له، وختم كلامه بأن قال: إن من قال: إن الحق في طرفين، هو قول أكثر أهل التحقيق، من الفقهاء، والمتكلمين، وهو مروي عن الأئمة الأربعة، وإن حُكي عن كل منهم اختلاف فيه. قال الحافظ تَّتُهُ: والمعروف عن الشافعيّ نَّثُ الأول. انتهى (١). وقال القرطبيّ في ((المفهم)): الحكم المذكور ينبغي أن يختص بالحاكم بين الخصمين؛ لأن هناك حقّاً معيَّناً في نفس الأمر، يتنازعه الخصمان، فإذا قُضِي به لأحدهما بَطَل حقّ الآخر قطعاً، وأحدهما فيه مُبطل لا محالة، والحاكم لا يطّلع على ذلك، فهذه الصورة لا يُختَلَف فيها أن المصيب واحد؛ لكون الحقّ في طرف واحد، وينبغي أن يختص الخلاف بأن المصيب واحد؛ إذ كل مجتهد مصيب بالمسائل التي يُستخرج الحقّ منها بطريق الدلالة. انتهى، وإلى هذه المسألة أشار السيوطيّ كَّتُهُ في ((الكوكب الساطع))، حيث قال: عَقْلِيَّةٍ وَمُنْكِرُ الإِسْلَامِ وَاحِدٌ الْمُصِيبُ فِي أَحْكَامِ وَقَدْ رَأَى الْجَاحِظُ ثُمَّ الْعَنْبَرِيّ مُخْطٍ أَثِيمٌ كَافِرٌ لَمْ يُعْذَرِ إِنْ يَكُ مُسْلِماً وَقِيلَ مُظْلَقَا لَا إِثْمَ فِي الْعَقْلِيِّ ثُمَّ الْمُنْتَقَى (١) (فتح)) ٢٥٩/١٥. ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية وَقِيلَ زَادَ الْعَنْبَرِي كُلٌّ مُصِيبْ كُلٌّ لِذِي صَاحِبَي النُّعْمَانِ فَذَانِ قَالَا إِنَّ حَكْمَ اللهِ وَالأَوَّلُونَ ثَمَّ أَمْرٌ لَوْ حَكَمْ أَصَابَ لَا حُكْماً وَلَا انْتِهَاءَ وَالأَكْثَرُونَ وَاحِدٌ وَفِيهِ أَمَارَةٌ وَقِيلَ لَا وَالْمُعْتَمَدْ وَأَنَّ مَنْ أَخْطَأَهُ لَا يَأْثَمُ وَفَرْدٌ الْمُصِيبُ بِالإِجْمَاعِ وَنَفْيُ إِثْم مُخْطِيٍ ذُو الانْتِقَاَ وَفِي الَّتِي لَا قَاطِعٌ فِيهَا مُصِيبْ وَالْبَازِ وَالشَّيْخِ وَبَاقِلَّانِي تَابِعُ ظَنِّهِ بِلَا اشْتِبَاهِ كَانَ بِهِ مَنْ لَمْ يُصَادِفْهُ اتَّسَمْ بَلِ اجْتِهَاداً فِيهِ وَابْتِدَاءَ لِلَّهِ حُكْمٌ قَبْلَهُ عَلَيْهِ كُلِّفَ أَنْ يُصِيبَهُ مَنِ اجْتَهَدْ بَلْ أَجْرُهُ لِقَصْدِهِ مُنْحَتِمُ مَعْ قَاطِعِ وَقِيلَ بِالِنِّزَاعِ وَإِنْ يُقَصِّرْ فَعَلَيْهِ اتُّفِقَاً قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح ما ذهب إليه الأكثرون، وهو ما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن المصيب واحد، وأن الآخر المخطىء معذور مأجور بأجر واحد؛ لاجتهاده، وقد حقّقت المسألة، وفصّلتها في ((التحفة المرضيّة))، وشَرْحها، فراجعها تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في الاجتهاد، والمجتهد على ما ذُكر في كتب أصول الفقه : الاجتهاد لغةً: بذل الجهد فيما فيه كُلْفة، وهو مأخوذ من جهاد النفس، وكدّها في طلب المراد، وفي الاصطلاح: بذل الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم، قاله في ((جمع الجوامع))، زاد ابن الحاجب: والمراد ببذل الوسع: بذل تمام الطاقة في النظر في الأدلّة بحيث تُحسّ النفس بالعجز عن الزيادة، وإلى هذا التعريف أشار في ((الكوكب الساطع)) بقوله: بَذْلُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ فِي تَحْصِيلِ ظَنُّ بِالأَحْكَامِ مِنَ الدَّلِيلِ فخرج بذل غير الفقيه، وبذل الفقيه لتحصيل قطع بحكم عقليّ. والمراد بالفقيه هنا: المتهّئ للفقه مجازاً شائعاً، ويكون بما يُحصَّله فقيهاً حقيقةً. والمجتهد: هو الفقيه، وشرطوا له أن يكون بالغاً عاقلاً، فقيه النفس؛ أي: شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، بحيث يكون له قدرة على التصرّف؛ ١٢٧ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) لأن غيره لا يتأتى له الاستنباط المقصود بالاجتهاد، عارفاً بالدليل العقليّ، وهو البراءة الأصليّة، وبأنا مكلّفون بالتمسّك به ما لم يَرِد ناقل عنه، متوسّطاً في معرفة الآلات من اللغة، والنحو إعراباً وتصريفاً، وأصول الفقه، والمعاني، والبيان؛ لتوقّف الاستنباط عليها، وأن يعرف من الكتاب والسُّنّة ما يتعلّق بالأحكام، ولا يُشترط حفظها، وقال السبكيّ: لا يكفي في المجتهد التوسط في العلوم المذكورة، بل لا بدّ أن تكون هذه العلوم مَلَكة له، ويكون مع ذلك قد أحاط بمعظم قواعد الشرع، ومارسها بحيث اكتسب قوّةً، يفهم بها مقاصد الشرع، قال: وأن يعرف مواقع الإجماع، كي لا يخرقه بالمخالفة، فخَرْقه حرام، وقال الشيخ وليّ الدين: ولا يُشترط حفظها، بل يكفي معرفته بأن ما أفتى به ليس مخالفاً للإجماع، إما بأن يَعلم موافقته لعالم، أو يظنّ أن تلك الواقعة حادثة لم يَسبق لأهل الأعصار المتقدّمة فيها كلام، وأن يعرف أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث الصحيحة من الضعيفة، والمتواتر من الآحاد، وحال الرواة جرحاً وتعديلاً، ومراتب الجرح والتعديل، ويكتفي في هذا وما قبله بالكتب المصنّفة في ذلك، والرجوع إلى أئمة هذا الشأن، ولا يُشترط معرفة تفاريع الفقه، ولا معرفة علم الكلام، ولا الحرية، ولا الذكورة، قيل: ولا العدالة. وبالجملة فالاجتهاد مرتبة صعبة المنال، عزيزة الإدراك، لا ينالها إلا من يسّر الله وَلَ عليه أسبابها، ولا ينبغي أن يدّعيه كلّ من انتسب إلى العلم، بل الواجب على من لم يتّصف بصفة الاجتهاد أن يقف عند حدّه، وهو أن يسأل العلماء، كما قال ◌َت: ﴿فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، ومع هذا فليس الاجتهاد محصوراً في فئة معيّنة، ولا في عصر معيّن، كما سيأتي تحقيقه قريباً، إن شاء الله تعالى. وإلى ما تقدّم من شروط المجتهد أشار في ((الكوكب الساطع)) حيث قال: الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَالْعَقْلَ احْدُدٍ ثُمَّ الْفَقِيهُ اسْمٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَقِيلَ الادْرَاكُ وَقِيلَ مَا انْتَهَى مَلَكَةٌ يُدْرَكُ مَعْلُومٌ بِهَا يَنْفِي الْقِيَاسَ لَوْ جَلِيّاً قَدْ رَأَوْا حَلَّ مِنَ الآلَاتِ وُسْطَى رُتَبِهْ إِلَى الضَّرُورِيِّ فَقِيهُ النَّفْسِ لَوْ يَدْرِي دَلِيلَ الْعَقْلِ وَالتَّكْلِیفَ بِهْ ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية مِنْ لُغَةٍ وَالنَّحْوِ وَالْمَعَانِي وَمِنْ كِتَابٍ وَالأَحَادِيثِ الَّتِي وَحَقَّقَ الشُّبْكِيُّ أَنَّ الْمُجْتَهِدْ أَحَاطَ بِالْمُعْظَمِ مِنْ قَوَاعِدِ وَلْيُعْتَبَرْ قَالَ لِفِغَلِ الاجْتِهَادْ أَنْ يَعْرِفَ الإِجْمَاعَ كَيْ لَا يَخْرِقَهْ وَنَاسِخَ الْكُلِّ وَمَنْسُوخاً وَمَا وَحَالَ رَاوِي سُنَّةٍ وَنَكْتَفِي لَا الْفِقْهُ وَالْكَلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبَحْثَ عَنْ مُعَارِضٍ فَلْيَقْتَفِي والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وَمِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْبَيَانِ تَخُصُّ الأَحْكَامَ بِدُونِ حِفْظِ ذِي مَنْ هَذِهِ مَلَكَةٌ لَهُ وَقَدْ حَتَّى ارْتَقَى لِلْفَهْمِ لِلْمَقَاصِدِ لَا كَوْنِهِ وَصْفاً غَدَا فِيَ الشَّخْصِ بَادْ وَسَبَبَ الثُّزُولِ قُلْتُ أَظَْلَقَهْ صُحِّحَ وَالآخَادَ مَعْ ضِدِّهِمَا الآنَ بِالرُّجُوعِ لِلْمُصَنَّفِ وَلَا الذُّكُورَةُ وَلَا الْعَدَالَةُ وَاللَّفْظِ هَلْ مَعْهُ قَرِينَةٌ تَفِي (المسألة السابعة): في تقسيمهم المجتهد إلى قسمين: قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْدَثُهُ: المجتهد ضربان: [أحدهما]: المجتهد المطلق، وهو المستقلّ باستنباط الأحكام من أدلّتها، فهذا لا شكّ في أنه مجتهد مأجور، كما قدّمناه، لكنه يعِزّ وجوده، بل قد انعدم في هذه الأزمان، فلو لم يَنْفذ إلا حكم من كان كذلك، لتعطّلت الأحكام، وضاعت الحقوق. [وثانيهما]: مجتهد في مذهب إمام، وهذا غالب قُضاة العدل في هذا الزمان، وشرطُ هذا أن يُحقّق أصول إمامه، وأدلّته، ويُنزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصاً من مذهبه، وأما ما وجده منصوصاً، فإن لم يختلف قول إمامه عمل على ذلك النصّ، وقد كُفي مؤنة البحث، والأَولى به تعرّف وجه ذلك الحكم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التعرّف ليس بأولى، وإنما الأولى بل الواجب عليه ما دام أهلاً للنظر في الأدلّة أن ينظر فيها حتى يظهر له وجه الحكم، فلا يجوز له أن يكتفي بمجرّد التقليد، فتبصّر. والله تعالى أعلم. قال: وأما إذا اختلف قول إمامه، فهناك يجب عليه البحث في تعيين ١٢٩ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمْ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) الأَولى من القولين على أصول إمامه، واختلف أصحابنا فيمن يحفظ أقوالَ إمامه فقط، هل يصلح للحكم عند الضرورة أو لا؟ على قولين، فمن أجاز شَرَط فيه أنه لا يخرج عن نصوص إمامه، أو نصوص من فَهِم عن إمامه، فإذا تعارض عنده الأقوال لم يحكم بشيء منه أصلاً حتى يسأل عن الأرجح مَنْ له أهليّة الترجيح، ولا يَحكم بنظره أصلاً، إذ لا نظر له، ومتى فعل شيئاً من ذلك كان حكمه منقوضاً، وقوله مردوداً. وقد كان أهل الأندلس يرجّحون الأقوال بالناقلين لها من غير نظر في توجيه شيء منها، فيقولون: إن قول ابن القاسم، ونَقْله أولى من نَقْل غيره، وقوله؛ بناءً على أن ابن القاسم اقتصر على مالك، ولم يتفقّه بغيره، ولطول ملازمته له، فإن لم نجد لابن القاسم قولاً كان قول أشهب أَولى من قول ابن عبد الحكم؛ لأنه أخذ عن الشافعيّ، فخلّط، وهكذا، وقد بلغني أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة في سجلاتهم مراعاة ذلك الترتيب. قال القرطبيّ: وهذه رتبة لا أخسّ منها؛ إذ صاحبها معزول عن رتبة الفقهاء، ومنخرطٌ في زمرة الأغبياء، إذ لا يفهم معاني الأقوال، ولا يعرف فَصْل ما بين الحلال والحرام، فَحَقُّ هذا أن لا يتعاطى منصب الأحكام، فإنه من جملة العوامّ، والمشهور أنه لا يُستقضى مَن عرِي عن الاجتهاد المذكور، ولذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب: ولا يُستقضى إلا فقيه من أهل الاجتهاد، وهذا محمول على ما تقدّم. والله تعالى أعلم. والاجتهاد المعنيّ في هذا الباب هو: بذل الوسع في طلب الحكم الشرعيّ في النوازل على ما قلناه. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذَّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نقله القرطبيّ عن الأندلسيين قولٌ ظاهر البطلان، كما أشار إليه القرطبيّ في تعقّبه المذكور، فقد أجاد، وأحسن. والله تعالى أعلم. وقد قسم النوويّ في ((شرح المهذب))(٢) المفتين إلى قسمين: مستقلّ، وغير مستقلّ، ثم ذكر شرط المستقلّ، وهو المجتهد المطلق، ثم قال: (١) ((المفهم)) ١٦٨/٥ - ١٦٩. (٢) ((شرح المهذب)) ٧٥/١ - ٧٧. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية [القسم الثاني]: المفتي الذي ليس بمستقلّ، ومِن دَهْر طويل عُدم المفتي المستقلّ، وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى المذاهب المتبوعة، وللمفتي المنتسب أربعة أحوال: [أحدها]: أن لا يكون مقلّداً لإمامه، لا في المذهب، ولا في دلیله؛ لاتصافه بصفة المستقلّ، وإنما يُنسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يا للعجب! ما فائدة عدّ مثل هذا من المنتسبين؟، أفما يَحْسُن أن يقال: هو مجتهد مستقلّ، له آراؤه مثل الإمام الذي تفقّه عليه، وتخرّج من مدرسته؟ فما المانع من هذا؟ حتى يقال له: إنه منتسب إلى مذهب فلان، إن هذا لهو العجب العجاب. ثم قال: [الحالة الثانية]: أن يكون مجتهداً مقيّداً في مذهب إمامه، مستقلّاً بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلّته أصول إمامه وقواعده، وشَرْطه كونه عالماً بالفقه وأصوله، وأدلّة الأحكام تفصيلاً، بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط، قيّماً بإلحاق ما ليس منصوصاً عليه لإمامه بأصوله، ولا يَعرَى عن شوب تقليد له، لإخلاله ببعض أدوات المستقلّ، بأن يُخلّ بالحديث، أو العربيّة، وكثيراً ما أخلّ بهما المقيَّد، ثم يتّخذ نصوص إمامه أصولاً يَستنبط منها، كفعل المستقلّ بنصوص الشرع، وربّما اكتفى في الحكم بدليل إمامه، ولا يبحث عن معارض كفعل المستقلّ في النصوص، وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه ... إلى آخر كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ فيه نظرٌ من وجوه: [الأول]: قولهم: فُقِد المجتهد المستقلّ من دهر طويل قولٌ لا برهان له، وهو نظير قول بعضهم: إن شرائط المجتهد التي ذكروها في هذا الباب لم توجد منذ أن نشأ الإسلام إلى الآن إلا في الأئمة الأربعة، وهو كلام يكذّبه الواقع في كلّ عصر ومصر، فقد وُجد ممن يتّصف بمثل أوصافهم، كثيرون ممن عاصرهم، أو سبقهم، أو تأخر عنهم، وإنما ميزتهم أن أتباعهم أكثر من غیرهم. [الثاني]: أن الشروط التي ذكرها النوويّ للمجتهد المقيّد هي الشروط ١٣١ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) المذكورة للمطلَق إلا التي استثناها أخيراً، وهي موجودة بكثرة في كثير من الأعصار عند كثير من أهل العلم. [الثالث]: قوله: لا يتجاوز في أدلّته أصول إمامه قولٌ لا يخفى فساده، فإن من كان بهذه الرتبة لا يجوز له أن يقلّد أحداً، دون شكّ، ولا ريب؛ لأن الله وَلَ قال في محكم كتابه: ﴿فَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، فقد قَسَم الناس إلى قسمين: عالم، وجاهل، فأما العالم فواجبه العمل بعلمه، لا بعلم غيره، وأما الجاهل فواجبه أن يسأل أهل العلم، فيعمل بما أفتوه به، وهذا الشخص الذي وصفه النوويّ بهذه الأوصاف العليّة لا أحد ممن له وعيّ يقول: إنه من القسم الثاني، فوجب كونه من القسم الأول، فلا يجوز له أن يقلّد أحداً غيره، بل يجب عليه العمل بعلمه. [الرابع]: أن هذا التقسيم الذي ذكروه للمجتهد ليس قولَ أحد من علماء السلف، لا الإمام الشافعيّ، ولا غيره من الأئمة، بل كانوا ينهون تلاميذهم الذين جعلهم المتأخرون مجتهدين في المذهب، كالمزنيّ، وغيره أن يقلّدوهم، كما هو معروف في سِيَرِهم، وتراجمهم رحمهم الله تعالى. [الخامس]: أن هذا الكلام مناقض لِمَا ثبت في أصول الفقه من تعريف التقليد بأنه: الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله، فإن من الواضح أن من وَصَفه النوويّ بهذه الصفات قد عرف أدلّة إمامه: منطوقها، ومفهومها، واستطاع أن يستخرج من منصوصها ما لم ينصّ عليه إمامه، فكيف يسمّى هذا مقلِّداً؟، هيهات هيهات. [السادس]: أن من توافرت فيه هذه الصفات التي ذكرها النوويّ للمقيّد حسب زعمه لو اجتهد بدراسة النصوص من الكتاب والسُّنَّة، مراعياً ما يُراعيه في دراسة نصوص إمامه كما ذكره النوويّ في كلامه السابق، باذلاً جهده كلّ البذل، لاستطاع أن يستنبط الأحكام منها، بل الآيات القرآنيّة، والأحاديث النبويّة أسهل على مثله بكثير من كلام الأئمة، وهذا لا يُنكره إلا مقلّد جامد، أو متعصّب معاند. والحاصل أن هذه المزاعم مجرّد خيال، لا رَوَاج لها في سوق التحقيق، بل هي آراء متناقضة، ينقض بعضها بعضاً، كما أشرنا إليه آنفاً، وعوائق صادّة ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية عن إعمال ما آتى الله تعالى بعض عباده من الفهم، والعلم في استنباط الأحكام من كتاب الله وَلَ، ومن سُنَّة نبيّه وَّهِ، وصرفٌ لِهِمّته إلى الاشتغال برأي فلان، وفلان، وتزهيدٌ لكثير ممن له قريحة صافية، وهمّة عالية عن الانتفاع بنصوص الكتاب والسُّنَّة. وبالجملة فالعلم مواهب من الله تعالى، ولا تَقِف مواهبه ◌ْلَ عند أحد، ولا يحدّها زمان، ولا يقيّدها مكان، ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرَأْ وَمَا يَذَّكَرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ [البقرة: ٢٦٩] ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم: هل يجوز خلوّ العصر عن المجتهدين، أم لا؟، وهي مكمّلة للبحث المذكور في المسألة السابقة: ولقد أجاد الشوكانيّ كَّتُ في كتابه ((إرشاد الفحول)) حيث نقل أقوال العلماء في ذلك، مع المناقشة لها، فقال: ذهب جَمْع إلى أنه لا يجوز خلوّ الزمان عن مجتهد، قائم بحجج الله، يبيّن للناس ما نُزّل إليهم، قال بعضهم: ولا بدّ أن يكون في كلّ قطر من يقوم به الكفاية؛ لأن الاجتهاد من فروض الكفايات، قال ابن الصلاح: الذي رأيته في كلام الأئمة يُشعر بأنه لا يتأتّى فرض الكفاية بالمجتهد المقيّد، قال: والظاهر أنه لا يتأتّى في الفتوى. وقال بعضهم: الاجتهاد في حقّ العلماء على ثلاثة أضرب: فرض عين، وفرض كفاية، وندب: فالأول: على حالين: اجتهاد في حقّ نفسه عند نزول الحادثة. والثاني: اجتهاد فيما تعيّن عليه الحكم فيه، فإن ضاق فَرْضُ الحادثة كان على الفور، وإلا كان على التراخي. والثاني: على حالين: أحدهما: إذا نزلت بالمستفتي حادثة، فاستفتى أحد العلماء، توجّه الفرض على جميعهم، وأَخَصّهم بمعرفتها من خُصّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعاً. والثاني: أن يتردّد الحكم بين قاضيين مشترٍكَين في النظر، فيكون فرض الاجتهاد مشتركاً بينهما، فأيهما تفرّد بالحكم فيه سقط فرضه عنها. والثالث: على حالين: ١٣٣ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) أحدهما: فيما يَجتهد فيه العالم من غير النوازل، يسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله. والثاني: أن يستفتيه قبل نزولها. انتهى. ولا يخفاك أن القول بكون الاجتهاد فرضاً يستلزم عدم خلوّ الزمان عن مجتهد، ويدلّ على ذلك ما صحّ عنه وَّ من قوله: ((لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ، ظاهرين حتى تقوم الساعة)). متّفقٌ عليه. وقد حَكَى الزركشيّ في ((البحر)) عن الأكثرين أنه يجوز خلوّ العصر عن المجتهد، وبه جزم صاحب ((المحصول)). قال الرافعيّ: الخَلْق كالمتّفقين على أنه لا مجتهد اليوم. قال الزركشيّ: ولعله أخذه من كلام الإمام الرازيّ، أو من قول الغزاليّ في (الوسيط)): قد خلا العصر عن المجتهد المستقلّ. قال الزركشيّ: ونقلُ الاتفاق عجيب، والمسألة خلافيّة بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا، والحقّ أن الفقيه الفطن للقياس كالمجتهد في حقّ العاميّ، لا الناقل فقط. وقالت الحنابلة: لا يجوز خلوّ العصر عن مجتهد، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والزبيريّ، ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء، قال: ومعناه: أن الله تعالى لو أخلى زماناً من قائم بحجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة. قال الزبيريّ: لن تخلو الأرض من قائم بالحجة في كلّ وقت ودهر وزمان، وذلك قليل في كثير، فأما أن يكون غير موجود كما قال الخصم، فليس بصواب؛ لأنه لو عُدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلّها، ولو عُطّلت الفرائض كلها لحلّت النقمة بالخَلْق، كما جاء في الخبر: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)). رواه مسلم. ونحن نعوذ بالله أن نؤخَّر مع الأشرار. انتهى. قال ابن دقيق العيد رَّتُ: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحدّ الذي ينتقض به القواعد، بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. وقال في ((شرح خطبة الإلمام)): والأرض لا تخلو من قائم الله بالحجة، والأمة الشريفة لا بدّ لها من سالك إلى الحقّ على واضح الحجة، إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الکبری. انتھی. وما قاله الغزاليّ كَّلُ من أنه قد خلا العصر عن المجتهد، قد سبقه إلى القول به القفّال، ولكنه ناقض ذلك، فقال: إنه ليس بمقلّد للشافعيّ، وإنما ١٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية وافق رأيه رأيه، كما حَكَى ذلك عنه الزركشيّ، وقال: قول هؤلاء القائلين بخلوّ العصر عن المجتهد مما يُقضَى منه العجب، فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم، فقد عاصر القفّال، والغزاليّ، والرازيّ، والرافعيّ من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعة منهم، ومن كان له إلمام بعلم التاريخ، واطّلاع على أحوال علماء الإسلام في كلّ عصر لا يخفى عليه مثل هذا، بل قد جاء بعدهم من أهل العلم من جمع الله له من العلوم فوق ما اعتبره أهل العلم في الاجتهاد. وإن قالوا ذلك، لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار أن الله وَك رفع ما تفضّل به على مَنْ قَبْل هؤلاء من هذه الأمة من كمال الفهم، وقوّة الإدراك، والاستعداد للمعارف، فهذه دعوى من أبطل الباطلات، بل هي جهالة من الجهالات. وإن كان ذلك باعتبار تيسّر العلم لمن قَبْل هؤلاء المنكرين، وصعوبته عليهم، وعلى أهل عصورهم، فهذه أيضاً دعوى باطلة، فإنه لا يخفى على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسّره الله للمتأخّرين تيسيراً لم يكن للسابقين؛ لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دُوّنت، وصارت في الكثرة إلى حدّ لا يمكن حصره، والسُّنَّة المطهّرة قد دُوّنت، وتكلّم الأئمة على التفسير، والترجيح، والتصحيح، والتجريح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد، وقد كان السلف الصالح، ومَنْ قَبْل هؤلاء المنكرين يرحل للحديث الواحد من قُطر إلى قطر، فالاجتهاد على المتأخّرين أيسر، وأسهل من الاجتهاد على المتقدّمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح، وعقلٌ سويّ. وإذا أمعنت النظر وجدت هؤلاء المنكرين، إنما أوتوا من قبل أنفسهم، فإنهم لمّا عكفوا على التقليد، واشتغلوا بغير علم الكتاب والسُّنّة، حكموا على غيرهم بما وقعوا فيه، واستصعبوا ما سهّله الله تعالى على من رزقه العلم والفهم، وأفاض على قلبه أنواع علوم الكتاب والسُّنّة، ولَمّا كان هؤلاء الذين صرّحوا بعدم وجود المجتهدين شافعيّة، فها نحن نوضّح لك من وُجد من الشافعيّة بعد عصرهم ممن لا يخالف مخالف في أنه جمع أضعاف علوم الاجتهاد. فمنهم: ابن عبد السلام، وتلميذه ابن دقيق العيد، ثم تلميذه ابن ١٣٥ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَأَ - حديث رقم (٤٤٧٩) سيّد الناس، ثم تلميذه زين الدين العراقيّ، ثم تلميذه ابن حجر العسقلانيّ، ثم تلميذه السيوطيّ، فهؤلاء ستة أعلام، كلّ واحد منهم تلميذ مَنْ قَبْله، قد بلغوا من المعارف العلميّة ما يعرفه من يعرف مصنّفاتهم حقّ معرفتها، وكلّ واحد منهم إمام كبير في الكتاب والسُّنّة، محيط بعلوم الاجتهاد، إحاطةً متضاعفة، عالم بعلوم خارجة عنها . ثم في المعاصرين لهؤلاء كثير من المماثلين لهم، وجاء بعدهم مَنْ لا يقصر عن بلوغ مراتبهم، والتعداد لبعضهم، فضلاً عن كلّهم يحتاج إلى بسط طويل. وقد قال الزركشيّ في ((البحر المحيط)) ٢٠٩/٦ ما لفظه: ولم يختلف اثنان في أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد، وكذلك ابن دقيق العيد. انتهى. وحكاية هذا الإجماع من هذا الشافعيّ يكفي في مقابلة حكاية الاتفاق من ذلك الشافعيّ الرافعيّ. وبالجملة فتطويل البحث في مثل هذا لا يأتي بكثير فائدة، فإن أَمْره أوضح من كلّ واضح، وليس ما يقوله من كان من أسراء التقليد بلازم لمن فتح الله عليه أبواب المعارف، ورزقه من العلم ما يخرُج به عن تقليد الرجال، وما هذه بأوّل فاقرة جاء بها المقلّدون، ولا هي بأول مقالة قالها المقصّرون، ومن حصر فَضْل الله تعالى على بعض خلقه، وقَصَر فَهْم هذه الشريعة المطهّرة على من تقدّم عصره، فقد تجرّأ على الله رَك، ثم على شريعته الموضوعة لكلّ عباده، ثم على عباده الذين تعبّدهم الله تعالى بالكتاب والسُّنّة. ويا لله العجب من مقالات هي جهالات وضلالات، فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبّد بالكتاب والسُّنّة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبّدون بالكتاب والسُّنّة، كتعبّد من جاء بعدهم على حدّ سواء، فإن كان التعبّد بالكتاب والسُّنّة مختصّاً بمن كانوا في العصور السابقة، ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدّمهم، ولا يتمكّنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله رَك، وسُنَّة رسوله ◌َّله فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة، والمقالة الزائفة؟، وهل النسخ إلا هذا، ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. انتهى كلام الشوكانيّ نَظْثُ في كتابه النفيس: ((إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية الأصول)»(١)، وهو كلام نفیس، وبحث أنيس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبالجملة فهذا التحقيق الذي أفاض به الإمام المحقق الشوكانيّ تَّتُهُ هو الحق الحقيق بالقبول، وما خالفه هو التهور المخذول، فعليك باتباع الحقّ، وإن قلّ أصحابه، واجتناب الباطل، وإن كَثُر أحزابه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. وإلى الاختلاف في خلوّ العصر عن مجتهد أشار السيوطيّ تَظُّهُ في ((الكوكب الساطع)) حيث قال: وَمُظْلَقاً يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدٍ جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَّتِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٨٠] (.) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي عَقِبِ الْحَدِيثِ: قَالَ يَزِيدُ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ (٢) أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. و((عبد العزيز بن محمد)) الدراورديّ ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ فِي عَقِبِ الْحَدِيثِ) هكذا النُّسخ: ((زاد)) بلفظ الإفراد، والظاهر أن فاعله ضمير عبد العزيز، والله تعالى أعلم. (١) ((إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول)) ٣٠٤/٢ - ٣١٠ بتحقيق د. شعبان محمد إسماعيل. (٢) وفي نسخة: ((بهذا الحديث)). ١٣٧ (٦) - بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، أَوْ أَخْطَاً - حديث رقم (٤٤٨١) وقوله: (قَالَ يَزِيدُ)؛ أي: ابن عبد الله بن أسامة، في محل نصب مفعول ((زاد)) محكيّ؛ لقصد لفظه. وقوله: (فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ) وفي بعض النسخ: ((بهذا الحديث)) بزيادة الباء الموحّدة، وهما لغتان، يقال: حدّثته الحديثَ، وحدّثته به، أفاده في ((اللسان))(١). وقوله: (أَبَا بَكْرِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ عَمْروِ بنِ حَزْمٍ) الأنصاري النجّاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أباً محمد، تقدمت ترجمته في ((الإيمان)) ٨٠/ ٤٢٢. (فقال) أبو بكر بن محمد (هكذا حدَّني أبو سَلَمَة) بن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدني، تقدمت ترجمته في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٢٣. (عن أبي هُرَيرةَ) رَظُبه؛ يعني: أنه حدَّثه بمثل حديث عمرو بن العاص ◌ُه. [تنبيه]: رواية إسحاق(٢)، عن عبد العزيز الدراورديّ هذه ساقها الإمام الشافعيّ ◌َّثُ في ((مسنده))، فقال: (٥٩١٨) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد العزيز بن محمد، قال: حدّثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، فأخطأ، فله أجر واحد))، قال ابن الهاد: فحدّثت أبا بكر بن عمرو بن حزم، فقال: هكذا حدّثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال إسحاق: لم أفهم عمرو بن العاص من عبد العزيز. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٤٨١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ (١) ((لسان العرب)) ١٣٣/٢. (٢) قال الجامع: لم أجد من ساق رواية محمد بن أبي عمر، لا مع إسحاق، ولا وحده، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (٣) (السنن الكبرى)) للنسائيّ ٤٦١/٣. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْئِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مِثْلَ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمرقنديّ، ثقة ثبتٌ، حافظ فاضل، متقن [١١] (ت٢٥٥) (م « ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الطاطريّ، ثقة [٩] (ت٢١٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. و((يزيد بن عبد الله)) ذُكر قبله. وقوله: (بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً)؛ أي: بالإسنادين السابقين لعبد العزيز الدراورديّ، وهما: إسناده لحديث عمرو بن العاص ظُبه، وإسناده لحديث أبي هريرة نظراته، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله هذه، ساقها الطبرانيّ في (المعجم الأوسط))، فقال: (٣١٩٠) - حدّثنا بكر، قال: نا عبد الله بن يوسف، قال: نا الليث بن سعد، قال: حدّثني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله وَليه يقول: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر))، فحَدَّثت به أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فقال: هكذا حدّثني أبو سلمة، عن أبي هريرة. ثم قال الطبرانيّ: لا يُرْوَى هذا الحديث عن عمرو بن العاص إلا بهذا الإسناد، تفرّد به يزيد بن الهاد. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١) (المعجم الأوسط)) للطبرانيّ ٢٩٢/٣. ١٣٩ (٧) - بَابُ كَرَاهَةٍ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ - حديث رقم (٤٤٨٢) (٧) - (بَابُ كَرَاهَةٍ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانٌ) [٤٤٨٢] (١٧١٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبِي - وَكَتَبْتُ لَهُ - إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ: أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنٍ، وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنٍ، وَهُوَ غَضْبَانُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْمَيّ الْفَرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت١٣٦)، وله مائة وثلاث سنين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) الثقفيّ، أول مولود في الإسلام بالبصرة، ثقةٌ [٢] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠. ٥ - (أَبُوهُ) أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كَلَدَة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفيّ الصحابيّ المشهور، مشهور بكنيته، قيل: اسمه مسروح - بمهملات - أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (١ أو ٥٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ ٢ ص٤٨١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أن صحابيّه ممن اشتهر بأبي بكرة، وهو لقب بصورة الكنية؛ لُقّب به لأنه تدلّ إلى النبيّ وَّ من حصن الطائف ببكرة البئر، فأسلم، وكان عبداً، وأعتقه النبيّ ◌َّر يومئذ، وكان نادى منادي رسول الله ◌َ* يومئذ: أن من نزل إليه من عبيد أهل الطائف فهو حرّ(١)، وكُنْيته أبو عبد الرحمن، يقال: كان أبوه عبداً للحارث بن كَلَدَة، يقال (١) ((تهذيب الكمال)) ٥/٣٠. ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد بن سُميّة لأمه، وكانت سُميّة أَمَةً للحارث بن كَلَدة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة))، فصرّح عبد الملك بالسماع، فزالت تهمة التدليس؛ لأنه كان يدلّس، كما سبق آنفاً. (قَالَ: كَتَبَ أَبِي) نفيع بن الحارث، (وَكَتَبْتُ لَهُ) قيل: معناه: كتب أبو بكرة بنفسه مرة، وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه، فكتب له مرة أخرى، قال الحافظ تَُّهُ: ولا يتعيَّن ذلك، بل الذي يظهر أن قوله: ((كتب أبي))؛ أي: أمر بالكتابة، وقوله: ((وكتبت له))؛ أي: باشرتُ الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التعدد، ويؤيده قوله في المتن المكتوب: ((إني سمعت))، فإن هذه العبارة لأبي بكرة، لا لابنه عبد الرحمن، فإنه لا صحبة له، وهو أول مولود وُلد بالبصرة، كما تقدّم ذلك. (إِلَى) ولده (عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ) وفي بعض النسخ: ((وهو قاضي سِجِستان))، بالإضافة، والجملة حالية، و((سجستان)) - بكسر المهملة والجيم، على الصحيح، بعدهما مهملة ساكنة - هي إلى جهة الهند، بينها وبين كِرْمان مائة فرسخ، منها أربعون فرسخاً مفازة، ليس فيها ماء، ويُنسب إليها: سجستانيّ، وسِجزتيّ - بزاي بدل السين الثانية والتاء - وهو على غير قياس، و((سجستان)) لا تُصْرَف للعَلَمية والعجمية، أو زيادة الألف والنون. قال ابن سعد في ((الطبقات)): كان زياد في ولايته على العراق قَرَّب أولاد أخيه لأمه، أبي بكرة، وشَرَّفهم، وأقطعهم، ووَلَّى عبيد الله بن أبي بكرة سجستان، قال: ومات أبو بكرة في ولاية زياد. (أَنْ لَا تَحْكُمَ) وفي رواية البخاريّ: ((أن لا تقضي))، (بَيْنَ اثْنَيْنٍ، وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي: لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((لا) يَحْتَمِل أن تكون ناهيةً، والفعل بعدها مجزوم بها، ويَحْتَمِل أن تكون نافية،