Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٧١)
آلام القلوب لِمَا كان منها يوم أحد في شأن حمزة، وغير ذلك. انتهى (١).
وقولها: (رَجُلٌ مُمْسِك) وفي الرواية التالية: ((مسيك))، وكلاهما بمعنى:
شحيح، كما جاء في الرواية السابقة، قال القرطبيّ كَّلُهُ: لم تُرد هند: أنه
شحيح مطلقاً، فتذمُّه بذلك؛ وإنما وصفت حاله معها، فإنَّه كان يقترُ عليها،
وعلى أولادها، كما قالت: ((لا يعطيني وبنيّ ما يكفيني))، وهذا لا يدلّ على
البخل مطلقاً، فقد يفعل الإنسان مع أهل بيته؛ لأنه يرى غيرهم أحوج، وأَوْلى
ليعطي غيرهم، وعلى هذا: فلا يجوز أن يُستدَلَّ بهذا الحديث على أن أبا
سفيان كان بخيلاً، فإنه لم يكن معروفاً بهذا. انتهى(٢).
وقوله: (لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ)، وفي الرواية
السابقة: ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك))، قال
القرطبيّ تَظُّ: هذا الأمر على جهة الإباحة؛ بدليل قوله: ((لا جناح عليك أن
تنفقي عليهم بالمعروف))، ويعني بالمعروف: القَدْر الذي عُرِف بالعادة أنه
كفاية، وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظاً فهي مقيّدة معنى، فكأنه قال: إن
صحَّ أو ثبت ما ذكرت فَخُذي.
قال: وفي هذا الحديث أبواب من الفقه:
فمنها: وجوب نفقة الزوجة والأولاد على أبيهم، وإن لأمهم طلب ذلك
عند الحاكم، وسماع الدعوى على النائب، والحكم عليه، وإن كان قريب
الغَيْبَة؛ إذا دعت حاجة الوقت إلى ذلك. وهو قول الجمهور. وقال الكوفيون:
لا يُقضَى عليه بشيء.
وفيه دليل: على أن النفقة ليست مقدَّرة بمقدار مخصوص؛ وإنما ذلك
بحَسَب الكفاية المعتادة، خلافاً لمن ذهب: إلى أنَّها مقدَّرة.
وفيه دليل: على اعتبار العُرف في الأحكام الشرعية خلافاً للشافعية
وغيرهم من المنكرين له لفظاً، الآخذين به عملاً.
وقد استنبط البخاريّ منه: جواز حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعُرف.
(١) ((المفهم)) ١٥٩/٥.
(٢) («المفهم)) ١٥٩/٥ - ١٦٠.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
فقال: ((باب حكم الحاكم بعلمه إذا لم يَخَف الظنون والتُّهَم، وكان أمراً
مشهوراً))، وقد تقدم.
وفيه دليل: على أن من تعذر عليه أخذ حقِّه من غريمه، ووصل من مال
الغريم إلى شيء؛ كان له أخذه بأيّ وجه توصل إليه. واختُلِف فيما إذا ائتمنه
الغريم، على مال فهل يأخذ منه حقَّه أم لا؟ على قولين. حكاهما الداوديّ عن
مالك. ومشهور مذهبه المنع. وبه قال أبو حنيفة تمسُّكاً بقوله وَله: ((أدّ الأمانة
إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))(١)، وإلى الإجازة ذهب الشافعيّ، وابن
المنذر، بناءً على أن ذلك ليس بخيانة، وإنَّما هو وصول إلى حقِّ.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون ما ذهب إليه الشافعيّ، وابن
المنذر أرجح؛ لحديث قصّة هند ظّا هذه، وأما الاستدلال بقوله: ((ولا
تخن ... إلخ)) فليس بشيء؛ لأن من أخذ حقّه بإذن من الشرع، لا يكون
خائناً، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
وفيه دليل: على أن المرأة لا يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها شيئاً
بغير إذنه، قَلَّ ذلك، أو كَثُرَ. وهذا لا يُخْتَلَف فيه. ألا ترى: أنَّهِ وَلِّ قال لهند
في الرواية الأخرى - لمّا قالت له: فهل عليّ جناحٌ أن أُطعم مِن الذي له
عيالنا؟ - قال لها: ((لا))، ثم استثنى فقال: ((إلا بالمعروف))، فمنَعها من أن
تأخذ من ماله شيئاً إلا القَدْر الذي يجب لها. انتهى كلام القرطبيّ ◌َذْتُهُ، وهذه
الفوائد قد تقدّمت قريباً، وإنما أعدتها لأني وجدتها في كلام القرطبيّ
مجموعة، فأحببت أن أوردها، كما هي، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد
والمنّة .
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٧٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:
(١) حديث صحيح، رواه أحمد في «مسنده)) (٤١٤/٣)، وأبو داود في ((سننه))
(٣٥٣٤)، والترمذيّ في ((جامعه)) (١٢٦٤).

٨٣
(٤) - بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ - حديث رقم (٤٤٧٢)
جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ
الأَرْضِ خِيَاءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَدِلُوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ
الأَرْضِ خِبَاءُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَتِ:
(وَأَيْضاً وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ))، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّكْ،
فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجْ مِنْ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ لَهَا: ((لَا إِلَّ بِالْمَعْرُوفِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن
عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ له أوهام [٦] (ت١٥٢) أو بعدها
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (أَنْ يَذِلَّوا) بكسر الذال المعجمة، من باب ضرب.
وقولها: (أَنْ يَعِزُّوا) بكسر العين المهملة، من باب ضرب أيضاً.
وقولها: (مِسِّيك) اختُلف في ضبطه، فالأكثر بكسر الميم وتشديد السين
على المبالغة، وقيل: بوزن شَحِيح، قال النووي: هذا هو الأصح من حيث
اللغة، وإن كان الأول أشهر في الرواية. قال الحافظ: ولم يظهر لي كون
الثاني أصح، فإن الآخَر مستعمل كثيراً، مثلُ شِرِّيب وسِكِير، وإن كان
المخفَّف أيضاً فيه نوع مبالغة، لكن المشدّد أبلغ، وقال في ((النهاية)):
المشهور في كتب اللغة الفتح والتخفيف، وفي كتب المحدِّثين الكسر
والتشديد. انتهى(١).
وقوله: ((لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ))) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في جميع
(١) ((الفتح)) ٢٦٦/١٢ - ٢٦٧، كتاب ((النفقات)) رقم (٥٣٦٤).

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
النسخ، وهو صحيح، ومعناه: لا حرج، ثم ابتدأ، فقال: ((إلا بالمعروف))؛
أي: لا تنفقي إلا بالمعروف، أو لا حرج إذا لم تنفقي إلا بالمعروف. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريباً، ولله الحمد
والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٥) - (بابُ الَّهْي عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ،
وَالنَّهْىٍ عَنْ مَنْعِ، وَهَاتٍ، وَهُوَ الِمْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ حَقٌّ لَزِمَهُ،
أَوْ طَلَبُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ)
ء
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٧٣] (١٧١٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْل،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًاً،
وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثاً: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً، وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ، وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةً
الْمَالِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٦]
(ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٣ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َرُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٢.

٨٥
(٥) - بابُ التَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٣)
و((زُهير)) ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، وجرير، فكوفيّ، وفيه رواية
الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﴿به أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَرْضَى) - بفتح
أوله، وثالثه ـ من باب تَعِبَ، يقال: رَضِيتُ الشيءَ، ورَضِيتُ به رِضاً: اخترته،
وارتضيته مثله، ورَضِيتُ عن زيد، ورَضِيتُ عليه لغة لأهل الحجاز، والرِّضوان
- بكسر الراء، وضمّها - لغة قيس وتميم، بمعنى الرضا، وهو خلاف السَّخَط،
وشيءٌ مرضيٍّ أكثر من مَرْضُوِّ، قاله الفيّوميّ(١).
وقال القرطبيّ تَخْذُ: قوله: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً))؛ أي: شَرَع هذه
الثلاثة، وأَمَر بها، وجعلها سبباً لكل ما عنده من الكرامة في الدنيا والآخرة.
انتھی.
(لَكُمْ ثَلَاناً، وَيَكْرَهُ) - بفتح أوله، وثالثه أيضاً - من باب تَعِبَ، يقال:
كرهت الأمر أَكْرَهُهُ كُرْهاً بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروه(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((ويكره لكم ثلاثاً))، وفي الرواية الأخرى:
(يَسخَط))؛ أي: نهى عنها، وحرَّمها، وجعلها سبب إهانته، وعقوبته في الدنيا
والآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرَضَهُ لَكَـ
[الزمر: ٧]، هذا أَولى مما قيل فيه. وقد تقدم القول على الرضا والسَّخط،
وعلى العبادة والشرك في الإيمان. انتهى (٣).
قال النوويّ: قال العلماء: الرضا، والسخط، والكراهة من الله تعالى
المراد بها: أمره، ونهيه، وثوابه، وعقابه، أو إرادته الثواب لبعض العباد،
والعقاب لبعضهم. انتهى (٤).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٩/١.
(٣) ((المفهم)) ١٦٢/٥ - ١٦٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٣١/٢ - ٥٣٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٠/١٢ - ٠١١

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الردّ لهذا التفسير في ((كتاب الإيمان))
مستوفّى، وأن الرضا، والسخط، والكراهة من الصفات التي أثبتها الله لنفسه
في كتابه، وأثبتها النبيّ وَّر في أحاديثه الصحيحة، فهي ثابتة له على ظاهرها،
على ما يليق بجلاله، وأما قوله: ((قال العلماء)) فأراد به العلماء المتأخرين من
الأشاعرة، وغيرهم الذين يؤولون هذه الصفات، ولا يُثبتونها لله رَت، فإن
أردت تحقيق المسألة، واستيفاء البحث فيها، فراجع شرح كتاب الإيمان، وبالله
تعالى التوفيق.
(لَكُمْ ثَلَاثاً: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ) العبادة عمل الطاعة، واجتناب
المعاصي، وقد تقدّم في ((كتاب الإيمان)» تمام البحث في ذلك، فراجعه (١)
تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) لأن من أشرك معه في
عبادته غيره لم يعبده، فقوله: ((شيئاً)) يَحْتَمل أن يكون مفعولاً مطلقاً؛ أي:
شركاً، ويَحتَمل أن يكون مفعولاً به؛ أي: أيّ شيء كان: كثيراً أو قليلاً.
(وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً)؛ أي: تتمسّكوا بعهده، وهو اتّباع كتابه
العزيز، وحدوده، والتأدب بآدابه، والحبل يُطلق على العهد، وعلى الأمان،
وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه
الأمور؛ لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم، ويوصلون بها المتفرّق،
فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور، قاله النوويّ(٢).
وقال القرطبيّ تَخّْثهُ: الاعتصام بالشيء: هو التمسُّك به، والتحرز بسببه
من الآفات، وأصل العصمة: المنع. تقول العرب: عصم فلاناً الطعامُ؛ أي:
منعه من الجوع، وكُنُّوا السَّويق بأبي عاصم لذلك، فالمعتصم بالشيء يمتنع به
من أسباب الهلاك والشدائد.
و((حبل الله)) هنا: شَرْعُهُ الذي شَرَعَهُ، ودينه الذي ارتضاه. قال قتادة: هو
القرآن. وهو بمعنى القول الأول. والحبل ينصرف على وجوه:
منها : العهد والوصل، وما يُنْجَى به من المخاوف.
ومنها: الأمان. وكلُّها متقاربة المعنى؛ لأنَّ الحبل في الأصل: واحد
(١) راجع: ١/ ٦٢٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١/١٢.

٨٧
(٥) - بابُ الَّهْيٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٣)
الحبال التي تُرْبَط بها الآلات، وتُجمع بها المتفرقات، ثمَّ استعير لكل ما يُعَوَّل
عليه، ويُتمسك به، ثمَّ كثر استعماله في العهد ونحوه.
ومعنى هذا: أن الله تعالى أوجب علينا التمسُّك بكتابه، وسُنَّة نبيّه وَلِّ،
والرجوع إليهما عند الاختلاف. انتهى (١).
وقال الزرقانيّ كَّلُهُ: اختُلِف في المراد بحبل الله، فقال ابن مسعود،
وقتادة، وغيرهما: هو القرآن، ورُجِّح لقوله وَله: ((إن هذا القرآن هو حبل الله))،
وفي لفظ: ((القرآن حبل الله المتين))، حتى زعم بعضهم أن تفسيره بخلافه
غفلة؛ إذ لا عِطر بعد عَروس.
وعن قتادة أيضاً وغيره: هو عهد الله، وأَمْره، وعن ابن مسعود: أنه
الجماعة، قال ابن عبد البرّ: وهو الظاهر في الحديث، والأشبه بسياقه.
وأما القرآن فمأمور بالاعتصام به في غير ما آية، وغير ما حديث، غير أن
المراد هنا: الجماعة على إمام يُسمَع له ويطاع، فيكون وليّ من لا ولي له في
نكاح، وتقديم قضائه للعقد على أيتام، وسائر الأحكام، ويقيم الجمعة والعيد،
ويَأْمن به السبل، وينتصف به المظلوم، ويجاهد عن الأمة عدوّها، ويقسم
بينهما فيهما؛ لأن الاختلاف والفُرقة هَلَكَةٌ، والجماعة نجاة، قال: وهو عندي
معنى متداخل متقارب؛ لأن القرآن يأمر بالأُلفة، وينهى عن الفرقة. انتهى(٢).
وقال في ((التمهيد)» - بعد ذكر ما تقدّم -: قال ابن المبارك تَخْتُ [من
البسيط]:
مِنْهُ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى لِمَنْ دَانًا
إِنَّ الْجَمَاعَةَ حَبْلُ اللهِ فَاعَتَصِمُوا
فِي دِينِنَا رَحْمَةً مِنْهُ وَدُنْيَانًا
كَمْ يَرْفَعِ اللهُ بِالسُّلْطَانِ مَظْلَمَةً
وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْباً لِأَقْوَانَا(٣)
لَوْلَا الْخَلَافَةُ لَمْ تُؤْمَنْ لَنَا سُبُلٌ
وقوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا)؛ أي: اجتمعوا على الاعتصام بالكتاب والسُّنة
اعتقاداً، وعملاً، فتَتّفق كلمتكم، وينتظم شتاتكم، فتَتمّ لكم مصالح الدنيا
(١) ((المفهم)) ١٦٣/٥.
(٢) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٥٢٧/٤.
(٣) ((التمهيد)) ٢٧٥/٢١.

٨٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
والدِّين، وتَسْلَمون من الاختلاف والافتراق الذي حصل لأهل الكتابَيْن، وفيه
دليلٌ على صحة الإجماع، قاله القرطبيّ كَذُ(١).
وقال النوويّ: هو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتألّف بعضهم ببعض،
وهذه إحدى قواعد الإسلام.
[واعلم]: أن الثلاثة المرضية: إحداها: أن يعبدوه، الثانية: أن لا
يشركوا به شيئاً، الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله، ولا يتفرقوا. انتهى (٢).
(وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ، وَقَالَ)؛ أي: الخوض في أخبار الناس، وحكايات ما
لا يَعْني، من أحوالهم، وتصرفاتهم، واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على
قولين: أحدهما: أنهما فعلان، فـ(قيل)) مبنيّ لِمَا لم يُسَمّ فاعله، و((قال)) فعل
ماض، والثاني: أنهما اسمان مجروران منوّنان؛ لأن القيل، والقال، والقول،
والقالة كله بمعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]،
ومنه قولهم: كَثُرَ القيل، والقال، قاله النوويّ(٣) .
وقال القرطبيّ تََّثُ: قوله: ((وكره لكم: قيل وقال))؛ كلاهما مبنيٌّ على
الفتح، فِعْل ماضٍ، هكذا الرواية التي لا يُعرف غيرها، ومعناه: أن الله تعالى
حرَّم الخوض في الباطل، وفيما لا يعني من الأقوال، وحكايات أحوال الناس
التي لا يَسْلَم فاعلها من الغِيبة، والنميمة، والبهتان، والكذب. ((ومن كثر كلامه
كَثُر سَقَطُه، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به))(٤).
قال القاضي عياض: ((قيل)) منصوبة، فعلُ ما لم يُسَمّ فاعله، ((قال)): فعل
ماض أيضاً. ويصحُّ أن يكونا اسمين، ويكونا مخفوضين؛ يعني: على رواية من
رواه: ((نَھَى عن قيل وقال)).
قال القرطبيّ كَخُّ: هكذا وجدنا هذا الكلام في ((الإكمال))، وهو كلام
مُخْتلٌّ؛ لأنهما لو كانا اسمين لَنُوِّنا؛ إذ لا مانع لهما من الصرف، ولكانا
منصوبين نكرةً؛ ولا موجب لِخَفْضهما، وأظنُّ أن هذا خللٌ وقع من بعض
(١) ((المفهم)) ١٦٣/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢/ ١١.
(٤) ضعّفه الشيخ الألبانيّ تَُّ في ((السلسلة الضعيفة)).

٨٩
(٥) - بابُ التَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٣)
النُّسَّاخ، ثم قال بعد هذا: والقيل، والقال، والقول: كلَّه بمعنى، وكذلك
القالة، وهذا كلَّه صحيحٌ؛ فإن مصدر ((قال)) يقال فيه ذلك كلَّه، لكن لا يصلح
شيء منه هنا، فإنَّ الرواية كما أخبرتك. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ، وهو بحث
نفیسٌ.
وقال ابن عبد البرّ دَخْذَلُ: وأما قوله: ((ويكره لكم قيل، وقال))، فمعناه -
والله أعلم - الخوض في أحاديث الناس التي لا فائدة فيها، وإنما جُلّها الغلط،
وحَشْوٌ، وغِيبةٌ، وما لا يُكتب فيه حسنة، ولا يَسْلم القائل، والمستمع فيه من
سیئة .
قال الشاعر [من الوافر]:
بِسُوءِ اللَّفْظِ مِنْ قِيلٍ وَقَالٍ
وَمَن لَا يَمْلِكِ الشَّفَتَيْنِ يُسْحَقْ
وقال أبو العتاهية [من الطويل]:
وَبِالصَّمْتِ إِلَّا عَنْ جَمِيلٍ تَقُولُهُ
عَلَيْكَ بِمَا يَعْنِيكَ مِنْ كُلِّ مَا تَرَى
فُكُلٌّ بِهَا ضَيْفٌ وَشِيكٌ رَحِيلُهُ(١)
تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ الثُّقَى
(وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) قال القرطبيّ تَخْتُ: يَحْتَمِل أوجهاً:
أحدها: أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال، والحوائج إلحاحاً،
واستكثاراً.
وثانيها: أن يكثر من المسائل الفقهية تنظُّعاً وتكلُّفاً فيما لم يَنْزل، وقد
كان السَّلف يَكْرَهون ذلك، ويَرَوْنه من التكلُّف، وقال مالك في هذا الحديث:
لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله وَلقر المسائل
وعابها، أو هو: مسألة الناس أموالهم؟
وثالثها: أن يُكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال النَّاس، بحيث يُؤدِّي
ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم.
قال القرطبيّ: والوجه حَمْل الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك
الوجوه كلِّها. انتهى كلام القرطبيّ (٢)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال النوويّ: قيل: المراد به: القطع في المسائل، والإكثار من السؤال
(١) (الاستذكار)) ٥٧٩/٨.
(٢) («المفهم)) ١٦٤/٥.

٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
عما لم يقع، ولا تدعو إليه حاجة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي
عن ذلك، وكان السلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلف المنهيّ عنه، وفي
الصحيح: كره رسول الله وَ﴿ المسائل وعابها، وقيل: المراد به: سؤال الناس
أموالهم، وما في أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهيّ عن ذلك،
وقيل: يَحْتَمِل أن المراد: كثرة السؤال عن أخبار الناس، وأحداث الزمان، وما
لا يَعني الإنسان، وهذا ضعيف؛ لأنه قد عُرف هذا من النهي عن قيل وقال،
وقيل: يَحْتَمِل أن المراد: كثرة سؤال الإنسان عن حاله، وتفاصيل أمره، فيدخل
ذلك في سؤاله عما لا يعنيه، ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤول،
فإنه قد لا يُؤْثِر إخباره بأحواله، فإن أخبره شقّ عليه، وإن كَذَبه في الإخبار، أو
تكلف التعريض لَحِقَته المشقة، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب.
(وَإِضَاعَةَ الْمَالِ))) هو صَرْفه في غير وجوهه الشرعية، وتعريضه للتلف،
وسبب النهي أنه إفساد، والله لا يجب المفسدين، ولأنه إذا أضاع ماله تعرَّض
لِمَا في أيدي الناس، قاله النوويّ نَّتُهُ.
وقال القرطبيّ تَخَُّ: إضاعة المال: إتلافه وإهلاكه، كما قد حُكي عن
بعض جُهَّال المتزهدة أنَّه رَمَى مالاً كان عنده، وحرَّق آخرُ منهم كُتُبَ عِلْم
الحديث كانت عنده، وربما أمر بهذا بعض الشيوخ الْجُهَّالَ، وهذا محرَّمَ
بإجماع الفقهاء، ويلحق بإتلاف عينه منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه
ودِينه، كما يفعله أهل البُّخل، ودناءة الهمم؛ يدّخرون المال، ويكثرونه، ولا
ينفعون نفوسهم بإنفاق شيء منه، ولا يصونون به وجوههم، ولا أديانهم، فهذا
الصنف هو المحروم الخاسر؛ الذي قال فيه الشاعر [من البسيط]:
رُزِقْتَ مَالاَ وَلَمْ تُرْزَقْ مَنَافِعَهُ إِنَّ الشقيَّ هُوَ الْمَحْرُومُ مَا رُزِقًا
وأشدُّ من هذا كلِّه قبحاً وإثْماً من يُتلف ماله في معاصي الله تعالى،
فيستعين بمال الله على معاصيه، ويخرجه في شهواته المحرمة، ولا يباليه،
ويَدخُلِ في عموم النهي عن إضاعة المال: القليل منه والكثير؛ لأن المال هنا:
هو كلُّ ما يُتَمَوَّل؛ أي: يُتَملَّك؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلاً لكان
ذلك محرماً، وكذلك لو منعه مِنْ صرفه في وجهه الواجب، وكذلك لو أنفقه

٩١
(٥) - بابُ النَّهْيٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٣)
في معصية، ولا خلاف في هذا إن شاء الله. انتهى كلام القرطبيّ دَخَذُهُ(١)، وهو
بحث مفيد.
وقال ابن عبد البرّ كَخَّتُهُ: قوله: ((وإضاعة المال)) للعلماء في ذلك ثلاثة
أقوال:
أحدها: أن المال أريد به مِلك اليمين، من العبيد، والإماء، والدوابّ،
وسائر الحيوان الذي في ملكه أن يُحْسِن إليه، ولا يُضيعهم، فيضيعون، وهو
قول السَّرِيّ بن إسماعيل، عن الشعبيّ، واحتَجَّ من ذهب هذا المذهب بحديث
أنس، وأم سلمة، أن عامة وصية رسول الله ( * حين حضرته الوفاة كانت
قوله: ((اللهَ اللهَ، الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم)).
والقول الثاني: إضاعة المال: ترك إصلاحه، والنظر فيه، وتنميته، وكسبه.
والقول الثالث: إضاعة المال: إنفاقه في غير حقه، من الباطل،
والإسراف، والمعاصي، وهذا هو الصواب عند ذوي الدِّين والألباب.
رَوَى ابن وهب قال: حدّثنا إبراهيم بن نشيط، قال: سألت عمر مولى
عُفْرة عن الإسراف ما هو؟ فقال: كل شيء أنفقته في غير طاعة الله، وفي غير
ما أباحه الله فهو إسراف، وإضاعة للمال.
ورَوَى أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا يعلى بن عبيد، عن محمد بن
سُوقة، عن سعيد بن جبير أنه سأله رجل عن إضاعة المال، فقال: أن
يرزقك الله رزقاً، فتنفقه في ما حرّم الله عليك، وهكذا قال مالك دَّثُهُ(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا من أفراد المصنّف ◌َُّ.
[تنبيه]: رَوَى يحيى بن يحيى الليثيّ هذا الحديث في ((الموطّأ)» مرسلاً،
قال الحافظ ابن عبد البرّ كَّلُهُ: هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلاً، لم
يذكر أبا هريرة، وتابعه ابن وهب، من رواية يونس بن عبد الأعلى عنه،
(١) ((المفهم)) ١٦٤/٥ - ١٦٥.
(٢) ((الاستذكار)) ٥٧٩/٨ - ٥٨٠.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
والقعنبيّ، ومُطَرِّف، وابن نافع، وأسنده عن ابن وهب: أحمد بن صالح،
والربيع بن سليمان، ذكرا فيه أبا هريرة، وكذلك رواه ابن بكير، وأبو
المصعب، ومصعب الزبيريّ، وعبد الله بن يوسف التيميّ، وسعيد بن عُفير،
وابن القاسم، ومَعْن بن عيسى، وأبو قُرّة موسى بن طارق، والأويسيّ، وابن
عبد الحكم، والحنينيّ، وأكثر الرواة عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي
هريرة، عن النبيّ وَ ﴿ مسنداً.
قال: والحديث مسندٌ محفوظٌ لمالك وغيره عن سهيل، عن أبيه، عن أبي
هريرة ظه. انتهى كلام ابن عبد البرّ(١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤٧٣/٥ و٤٤٧٤] (١٧١٥)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٢٧/٢ و٣٦٠ و٣٦٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٩٠/٢)،
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٤٤٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٣٨٩
و٥٧٢٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٦٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨/
١٦٣)، و((شعب الإيمان)) (٢٥/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (١٠١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الله تعالى يحب من عباده الإخلاص في عبادته في
التوحيد، وسائر الأعمال كلُّها التي يُعبَد بها، وفي الإخلاص طرح الرياء كلّه؛
لأن الرياء شرك، أو ضرب من الشرك، قال أهل العلم بالتأويل: إن
قول الله : ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَّةَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِِّ أَحَدَا﴾.
[الكهف: ١١٠] نزلت في الرياء، ويدخل في الإخلاص أيضاً التوكل على الله،
وأنه لا يضرّ، ولا ينفع، ولا يعطي، ولا يمنع على الحقيقة غيره؛ لأنه لا مانع
لما أعطى، ولا معطي لما منع، لا شريك له (٢).
٢ - (ومنها): الحضّ على الاعتصام، والتمسك بحبل الله تعالى في حال
(١) ((التمهيد)) ٢٦٩/٢١ - ٢٧٠.
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ◌َلَهُ ٢٧٢/٢١.

٩٣
(٥) - بابُ النَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٣).
اجتماع، وائتلاف، قال ابن عبد البرّ تَخْذُّهُ: وحبل الله في هذا الموضع فيه
قولان: أحدهما: كتاب الله، والآخر: الجماعة، ولا جماعة إلا بإمام، وهو
عندي معنى متداخل متقارب؛ لأن كتاب الله يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة،
قال الله وَل: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٥]، وقال:
﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. انتهى(١).
٣ - (ومنها): النهي عن كثرة الكلام بما لا يعني؛ لأنه إن كان مباحاً ففيه
إضاعة الوقت، وإن كان حراماً، ففيه كثرة المآئم.
٤ - (ومنها): النهي عن كثرة السؤال عن أموال الناس، فقد وردت
نصوص كثيرة في ذمّ كثرة السؤال، فعن أبي هريرة رضُته قال: قال
رسول الله ◌َّل: ((من سأل الناس تكثّراً، فإنما يسأل جمراً، فليستقلّ، أو
لیستکثر)، رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب حظّه قال: قال رسول الله وَ﴾: ((إن المسألة كَدّ
يَكُدّ بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجلُ سلطاناً، أو في أمر لا بدّ منه))،
رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح، والكَدّ: الْخَذْش ونحوه.
وعن ابن مسعود به قال: قال رسول الله وَالله: ((من أصابته فاقة،
فأنزلها بالناس، لم تُسَدّ فاقته، ومن أنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل،
أو آجل))، رواه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديث حسن، يوشك - بكسر
الشين؛ أي: يُسرع(٢).
والحاصل أن كثرة الكلام بما لا معنى له، ولا فائدة فيه، من أحاديث
الناس لا يخلو أكثرها من أن يكون غِيبة، ولَغَطاً، وكذباً، ومَن أكثر من القيل
والقال مع العامة لم يَسْلم من الخوض في الباطل، ولا من الاغتياب، ولا من
الكذب، وقد صحّ عن النبيّ وَّ ر أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر،
فليقل خيراً، أو ليصمت))، متّفق عليه، وقال ◌َله: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدّث
بکل ما سمع))، رواه مسلم.
(١) ((التمهيد)) ٢٧٢/٢١.
(٢) ((رياض الصالحين)) للنوويّ تخذفه ١٥٤/١.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
ومكتوب في حكمة داود وفي صحف إبراهيم عَلَّاهِ: ((مَن عَدَّ كلامه من
عمله، قَلّ كلامه، إلا فيما يعنيه))، وفي المَثَل السائر: التقيُّ مُلْجَم(١).
هذا إذا حملنا الحديث على سؤال أموال الناس، وأما إذا حملناه على
سؤال المسائل العلميّة، وهو الذي عزاه ابن عبد البرّ إلى أكثر العلماء، حيث
قال: وأما كثرة السؤال فمعناه عند أكثر العلماء التكثير في السؤال من
المسائل، والنوازل، والأغلوطات، وتشقيق المولَّدات، وقال مالك: أما نهي
رسول الله ◌َ﴿ عن كثرة السؤال، فلا أدري، أهو الذي أنهاكم عنه من كثرة
المسائل، فقد كره رسول الله ◌َفي المسائل وعابها، أم هو مسألة الناس؟.
قال ابن عبد البرّ: الظاهر في لفظ هذا الحديث كراهة السؤال عن
المسائل، إذا كان ذلك على الإكثار، لا على الحاجة عند نزول النازلة؛ لأن
السؤال في مسألة الناس إذا لم يَجُز فليس يُنْهَى عن كثرته دون قلّته، بل الآثار
في ذلك آثار عموم، لا تفرّق بين القلة والكثرة لمن ◌ُرِه له ذلك.
قال: وكان الأصل في هذا أنهم كانوا يسألون رسول الله وَ ليل عن أشياء،
ويُلِحُون فيها، فينزل تحريمها، قال الله وَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ
أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ قَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْتَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اَللَّهُ عَنْبًا وَاللَّهُ
(٣)﴾ [المائدة: ١٠١]، وثبت عن النبيّ ◌َ﴿ أنه قال: ((أعظم
غَفُورُ حَلِيمُ
المسلمين في المسلمين جُرْماً، من سأل عما لم يُحَرَّم، فحُرِّم على الناس من
أجل مسألته))(٢).
٥ - (ومنها): تحريم إضاعة المال، سواء كان بإلقائه في البحر، أو
إحراقه في النار، أو صرفه في المحرّمات، أو الإسراف في الإنفاق فوق
الحاجة، أو غير ذلك من وجوه إتلافه، فكلّه محرّم، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٧٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ،
(١) ((التمهيد)) ٢٨٩/٢١.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٤/ ٢٠١.

٩٥
(٥) - بابُ التَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٥)
بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثاً)، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((وَلَا
تَفَرَّقُوا»).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر،
قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو٢٣٦)، وله
بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]
(ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
و ((سُھیلٌ)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن سهيل بن أبي صالح هذه لم أجد من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٤٧٥] (٥٩٣ (١)) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا
جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ،
وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعاً وَهَاتٍ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثاً: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةً
الْمَالِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) أبو محمد المروزيّ، نزیل نيسابور،
ثقةٌ حافظٌ إمام مجتهد [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فاضل [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيه فاضل مشهور
(١) هذا رقم مكرّر، قد تقدّم، فتنبّه.

٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
[٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٤ - (وَرَّادٌ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أبو سعيد، أو أبو الورد
الثقفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٤١/٢٦.
٥ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن معتّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور،
أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، ومات ◌َظُه سنة خمسين
على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
و((جرير)) بن عبد الحمید ذُكر قبل حديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، كما أسلفته آنفاً، وفيه رواية تابعيّ، عن
تابعيّ: الشعبيّ، عن ورّاد، أو ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على
قول من يقول: إن منصوراً تابعيّ صغير.
شرح الحديث:
(عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً) ◌َبِهِ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) أنه (قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأَمَّهَاتِ) ((العقوق)) بضمّ العين المهملة: مشتقّ من العقّ، وهو
القطع، والمراد به: صدور ما تتأذّى به، وقال القرطبيّ كَُّ: العقوق مصدر
عقّ يعُقّ؛ أي: قطع وشقّ، فكأن العاقّ لوالديه يقطع ما أمره الله تعالى به من
صِلَتهما، ويشُقّ عصا طاعتهما. انتهى(١).
و ((الأمهات)): جمع أُمَّهَةٍ، وهي لمن يعقل، بخلاف لفظ الأم، فإنه أعمّ،
قاله في ((الفتح))(٢).
وقال الفيّوميّ كَُّهُ: أُمُّ الشَّيءِ: أصله، والأمّ: الوالدة، وقيل: أصلها
أُمَّهَةٌ، ولهذا تُجْمَع على أُمَّهَاتٍ، وأجيب بزيادة الهاء، وأنَّ الأصل: أُمَّاتٌ،
قال ابن جني: دعوى الزيادة أسهل من دعوى الحذف، وكَثُرَ في الناس
أُمَّهَاتٌ، وفي غير الناس أُمَّاتٌ؛ للفرق، والوجه ما أورده في ((البارع)): أن فيها
(١) ((المفهم) ١٦٥/٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٠١/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧٥).

٩٧
(٥) - بابُ التَّهْيٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٥)
أربع لغات: أُمّ بضم الهمزة، وكسرها، وأُمَّةٌ، وأُمَّهَةٌ، فالأُمَّهَاتُ، والأُمَّاتُ
لغتان، ليست إحداهما أصلاً للأخرى، ولا حاجة إلى دعوى حذف، ولا
(١)
زيادة. انتهى
.
وتخصيص الأمهات من تخصيص الشيء بالذكر؛ إظهاراً لعظم شأنه، وقيل:
خصّ الأمهات بالذكر؛ لأن العقوق إليهنّ أسرع من الآباء؛ لِضَعف النساء، وليُنّه
على أن برّ الأمّ مقدّم على برّ الأب في التلطّف، والحنُّ، ونحو ذلك(٢).
وقال الطيبيّ نقلاً عن الخطابيّ: لم يَخُصّ الأمهات بالعقوق، فإن عقوق
الآباء محرّم أيضاً، ولكن نبّه بأحدهما على الآخر، فإن برّ الأم مقدّم على برّ
الأب؛ لأن لعقوق الأمهات مزيّة في القبح، وحقّ الأب مقدّم في الطاعة،
وحسن المتابعة لرأيه، والنفوذ لأمره، وقبول الأدب منه. انتهى (٣).
(وَوَأْدَ الْبَنَاتِ) - بسكون الهمزة - هو دفن البنات بالحياة، وكان أهل
الجاهلية يفعلون ذلك؛ كراهةً فيهنّ، ويقال: إن أول من فعل ذلك قيس بن
عاصم التميميّ، وكان بعض أعدائه أغار عليه، فَأَسَر بنته، فاتخذها لنفسه، ثم
حصل بينهم صلح، فَخَيَّر ابنته، فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا
تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب في ذلك، وكان من العرب فريق ثان
يقتلون أولادهم مطلقاً؛ إما نَفَاسَةً منه على ما ينقصه من ماله، وإما من عدم ما
ينفقه عليه، وقد ذكر الله أمرهم في القرآن في عدة آيات، وكان صعصعة بن
ناجية التميميّ، وهو جدّ الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة أوّلَ من فَدَى
الموؤودة، وذلك أنه يَعْمِد إلى من يريد أن يفعل ذلك، فيفدي الولد منه بمال
يتفقان عليه، وإلى ذلك أشار الفرزدق بقوله [من المتقارب]:
وَجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ وَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ يُوأَدِ
وهذا محمول على الفريق الثاني، وقد بقي كلٌّ من قيس وصعصعة إلى أن
أدركا الإسلام، ولهما صحبة.
(١) ((المصباح المنير) ٢٣/١.
(٢) ((الفتح)) ٢١٧/٦، كتاب ((الاستقراض)) رقم (٢٤٠٨).
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٥٧/١٠.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
وإنما خَصّ البنات بالذكر؛ لأنه كان الغالب من فعلهم؛ لأن الذكور مظنة
القدرة على الاكتساب، وكانوا في صفة الوأد على طريقين: أحدهما: أن يأمر
امرأته إذا قَرُب وضعها أن تُطْلَق بجانب حَفِيرة، فإذا وضعت ذكراً أبقته، وإذا
وضعت أنثى طرحتها في الحفيرة، وهذا أليق بالفريق الأول.
ومنهم من كان إذا صارت البنت سُدَاسيّة قال لأمها: طيِّبيها، وزيِّنيها
لأزور بها أقاربها، ثم يَبْعُد بها في الصحراء، حتى يأتي البئر، فيقول لها:
انظري فيها، ويدفعها من خلفها، ويَظُمُّها، وهذا اللائق بالفريق الثاني، والله
(١)
أعلم(١) .
وقال الطيبيّ تَخْلَتُهُ: قيل: قدّم عقوق الأمهات؛ لأنهنّ الأصول، وعقّبه
بوأد البنات؛ لأنهنّ الفروع، وكان ذلك تنبيهاً على أن أكبر الكبائر هو قطع
النسل الذي هو موجب لخراب العالم. انتهى (٢).
(وَمَنْعاً وَهَاتٍ) قال في ((الفتح)): وقع في رواية غير أبي ذرّ، وفي
(الاستقراض)): ((ومَنْعَ)) بغير تنوين، وهي في الموضعين بسكون النون، مصدرُ
مَنَعَ يَمْنَعِ.
وأما ((هات)) فبكسر المثناة: فعلُ أمر من الإيتاء، قال الخليل: أصل
هات: آت، فقُلبت الألف هاء.
والحاصل من النهي منعُ ما أُمر بإعطائه، وطلب ما لا يستحقّ أخذه.
ويَحْتَمِل أن يكون النهي عن السؤال مطلقاً، ويكون ذَكَرَه هنا مع ضدّه،
ثم أعيد تأكيداً للنهي عنه، ثم هو مُحْتَمِل أن يدخل في النهي ما يكون خطاباً
لاثنين، كما ينهى الطالب عن طلب ما لا يستحقه، وينهى المطلوب منه عن
إعطاء ما لا يستحقه الطالب؛ لئلا يعينه على الإثم. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ومنعاً وهات))؛ أي: حرّم عليكم منع ما
عليكم إعطاؤه، وطلب ما ليس لكم أخذه، وقيل: نهي عن منع الواجب من
(١) ((الفتح)) ٥٠٢/١٣ رقم (٥٩٧٥).
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٥٧/١٠.
(٣) ((الفتح)) ٥٠١/١٣، كتاب ((الأدب)) رقم (٥٩٧٥).

٩٩
(٥) - بابُ التَّهْىٍ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧٥)
ماله، وأقواله، وأفعاله، وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها، ونهي عن استدعاء
ما لا يجب عليهم من الحقوق، وتكليفه إياهم بالقيام بما لا يجب عليهم،
وهذا من أسمج الخلال. انتهى(١).
(وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثاً)؛ أي: ثلاث خصال (قِيلَ وَقَالَ) في رواية: ((وكان ينهى
عن قيل وقال))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين،
ووقع في رواية الكشميهنيّ هنا: ((قيلاً، وقالاً))، والأول أشهر، وفيه تعقُّب على
من زعم أنه جائز، ولم تقع به الرواية.
قال الجوهريّ: ((قيل، وقال)) اسمان، يقال: كثير القيل والقال، كذا جزم
بأنهما اسمان، وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما .
وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين بمعنى واحد كالقول، لم يكن
لِعَطف أحدهما على الآخر فائدة، فأشار إلى ترجيح الأول.
وقال المحب الطبريّ: في ((قيل وقال)) ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولاً، وقيلاً، وقالاً، والمراد
في الأحاديث: الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنها تؤول إلى الخطأ، قال:
وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها؛ ليُخبِر عنها، فيقول:
قال فلان كذا، وقيل كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيء
مخصوص منه، وهو ما یکرهه المحکیّ عنه.
ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدِّين، كقوله: قال فلان
كذا، وقال فلان كذا، ومحل كراهة ذلك أن يُكثِرِ من ذلك، بحيث لا يؤمَن مع
الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت، ولكن يقلّد من
سمعه، ولا یحتاط له.
قال الحافظ: ويؤيد ذلك الحديث الصحيح: ((كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث
بكل ما سمع))، أخرجه مسلم.
وفي ((شرح المشكاة)): قوله: ((وكَرِهَ)) بكسر الراء، وفي نسخة بتشديدها،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣١٥٧/١٠.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الأقضية
مع فتحها، قال في ((القاموس)): كَرِهه، كسَمِعه، وكَرَّهه إليه تكريهاً صَيَّره
كَرِیها، وقوله: ((لكم))؛ أي: لأجلكم، وقوله: ((قيل، وقال)) بصيغتي المجهول،
والمعلوم للماضي، قال في ((الفائق)): نَهْيٌ عن فضول ما يتحدث به المجالسون
من قولهم: قيل كذا، وقال كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمِّنين
للضمير، والإعراب على إجرائهما مُجْرَى الأسماء، خاليين من الضمير، ومنه
قوله: ((إنما الدنيا قال وقيل))، وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم:
ما يَعْرِف من القيل.
وقال في ((النهاية)): وهذا النهي إنما يصح في قولٍ لا يصحّ، ولا يُعْلَم
حقيقته، فأما مَن حَكَّى ما يصح، ويَعرف حقيقته، وأسنده إلى ثقة صادق فلا
وجه للنهي عنه، ولا ذمّ.
وقال أبو عبيد: فيه تجوّز عربيةً، وذلك أنه جعل كلّ من القيل والقال
مصدراً، كأنه قال: نهى عن قيل وقال، يقال: قلت قولاً وقالاً وقيلاً، وهذا
التأويل على أنهما اسمان، وقيل: أراد النهي عن كثرة الكلام، مبتدئاً،
ومجيباً، وقيل: هذا الكلام يتضمّن بعمومه حرمة النميمة والغيبة، فإن تبليغ
الكلام من أقبح الخصال، والإصغاء إليها من أفحش الفعال. انتهى(١).
(وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) قال في ((الفتح)): اختُلف في المراد منه، وهل هو سؤال
المال، أو السؤال عن المشكلات، والمعضلات، أو أعمّ من ذلك؟ والأَولى
حَمْله على العموم، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به: كثرة السؤال عن
أخبار الناس، وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله،
فإن ذلك مما يَكره المسؤول غالباً .
وقد ثبت النهي عن الأغلوطات، أخرجه أبو داود، من حديث
معاوية ربه، وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل
وقوعها عادةً، أو يندر جدّاً، وإنما كَرِهوا ذلك لِمَا فيه من التنطّع، والقول
بالظنّ؛ إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ، وأما ما تقدم في اللِّعان: ((فَكَرِه النبيّ وَلـ
المسائل وعابها))، وكذا في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُّبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ١٩٥/١٤.