Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
(٥) - بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا - حديث رقم (٤٣٦٦)
ومحله فيما إذا أمكن التماثل، بأن يكون المكسور مضبوطاً، فَيُبْرَد من سن الجاني
ما يقابله بالْمِبْرَد مثلاً، قال أبو داود في ((السنن)»: قلت لأحمد: كيف؟ فقال:
يُبرد، ومنهم من حمل الكسر في هذا الحديث على القلع، وهو بعيد من هذا
السياق، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في القصاص بالسنّ:
قال العلامة ابن قدامة ◌َّتُهُ: أجمع أهل العلم على القصاص في السن؛ للآية،
وحديث الرُّبَيِّع، ولأن القصاص فيها ممكن؛ لأنها محدودة في نفسها، فوجب فيها
القصاص، كالعين، وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة؛
لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي؟ فيه وجهان.
قال: ولا يُقتَصّ إلا من سنّ من أَثْغَر؛ أي: سقطت رَوَاضعه، ثم نبتت،
يقال لمن سقطت رواضعه: ثُغِرَ، فهو مثغور، فإذا نبتت قيل: أَثْغَر، واثَّغَرَ،
لغتان، وإن قُلِع سنّ من لم يُثغِر، لم يُقْتَصَّ من الجاني في الحال، وهذا قول
مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي؛ لأنها تعود بحكم العادة، فلا يقتص
منها، كالشِّعر، ثم إن عاد بدل السن في محلها مثلها، على صفتها، فلا شيء
على الجاني، كما لو قلع شعرة، ثم نبتت، وإن عادت مائلة عن محلها، أو
متغيرة عن صفتها، كان عليه حكومة؛ لأنها لو لم تَعُد ضمن السن، فإذا عادت
ناقصة، ضَمِن ما نقص منها بالحساب، ففي ثلثها ثلث ديتها، وفي ربعها
ربعها، وعلى هذا، وإن عادت والدم يسيل، ففيها حكومة؛ لأنه نقصٌ حصل
بفعله، وإن مضى زمن عودها، ولم تعد سئل أهل العلم بالطب، فإن قالوا: قد
يُئِس من عودها، فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن، فإن مات
المجني عليه قبل الإياس من عودها، فلا قصاص؛ لأن الاستحقاق له غير
متحقق، فيكون ذلك شبهة في درئه، وتجب الدية؛ لأن القلع موجود، والعود
مشكوك فيه. ويحتمل أنه إذا مات قبل مجيء وقت عودها، أن لا يجب شيء؛
لأن العادة عودها، فأشبه ما لو حلق شعره، فمات قبل نباته.
فأما إن قلع سن من قد أثغر وجب القصاص له في الحال؛ لأن الظاهر
(١) ((الفتح)) ٧٠/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٤).
٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
عدم عودها، وهذا قول بعض أصحاب الشافعيّ، وقال القاضي: يُسأل أهل
الخبرة، فإن قالوا: لا تعود فله القصاص في الحال، وإن قالوا: يُرجى عودها
إلى وقتٍ ذكروه، لم يقتص حتى يأتي ذلك الوقت، وهذا قول بعض أصحاب
الشافعي؛ لأنها تحتمل العود، فأشبهت سنّ من لم يُثغر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن وجوب القصاص في
السنّ مجمع عليه بين أهل العلم؛ للآية المذكورة، وحديث الباب. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في القصاص في سائر عظام
الجسد :
قال العلامة ابن بطّال ◌َّلهُ: أجمع العلماء على أن هذه الآية؛ يعني:
قوله تعالى: ﴿وَأَلْسِّنَ بِلسِنٍ﴾ الآية [المائدة: ٤٥] في العمد، فمن أصاب سنّ
أحد عمداً، ففيه القصاص على حديث أنس ظه، واختَلَف العلماء في سائر
عظام الجسد إذا كُسرت عمداً، فقال مالك: عظام الجسد كلّها فيها القَوَد، إذا
كُسرت عمداً: الذراعان، والعضدان، والساقان، والقدمان، والكعبان،
والأصابع إلا ما كان مجوّفاً، مثل الفخذ، وشبهه، كالمأمومة، والمنقّلة،
والهاشمة، والصلب، ففي ذلك الدية.
وقال الكوفيّون: لا قصاص في عظم يُكسر إلا السنّ؛ لقوله تعالى:
﴿وَاَلْسِنَ بِأَلْسِنٍ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهو قول الليث، والشافعيّ. واحتجّ
الشافعيّ، فقال: إن دون العظم حائلاً من جلد، ولحم، وعَصَب، فلو استيقنّا أنا
نكسر عظمة كما كسر عظمة، لا يزيد، ولا ينقص فعلناه، ولكنا لا نصل إلى
العظم حتى ننال منه ما دونه، مما ذكرنا أنا لا نعرف قدره، مما هو أقلّ، أو أكثر
مما نال غيره، وأيضاً فإنا لا نقدر أن يكون كسر ككسر أبداً، فهو ممنوع.
وقال الطحاويّ: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فكذلك
سائر العظام.
والحجة لمالك حديث أنس به: أن النبيّ وَ﴿ قال في سنّ الربيّع:
(١) («المغني)) ٥٥٢/١١ - ٥٥٤.
٢٤٣
(٥) - بَابُ إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فِي الأَسْنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا - حديث رقم (٤٣٦٦)
(كتاب الله القصاص))، فلمّا جاز القصاص في السنّ إذا كُسرت، وهي عظم،
فكذلك سائر العظام، إلا عظماً أجمعوا أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس
منه، وأنه لا يقدر على الوصول فيه إلى مثل الجناية بالسواء، فلا يجوز أن يُفعل
ما يؤدّي في الأغلب إلى التلف، إذا كان الجارح الأول لم يؤدِّ فعله إلى التلف.
وقال ابن المنذر: ومن قال: لا قصاص في عظم، فهو مخالفٌ للحديث،
والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر. انتهى كلام ابن بطّال تَذَتْهُ(١).
وقال في ((الفتح)): اختلفوا في سائر عظام الجسد، فقال مالك: فيها
القود، إلا ما كان مُجَوَّفاً، أو كان كالمأمومة، والْمُنَقِّلة، والهاشمة، ففيها
الدية، واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها: أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا ورد
على لسان نبينا وَله بغير إنكار، وقد دلّ قوله: ﴿وَاُلْسِنَّ بِلسِنٍ﴾ على إجراء
القصاص في العظم؛ لأن السن عظم، إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه،
إما لخوف ذهاب النفس، وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه. وقال الشافعي،
والليث، والحنفية: لا قصاص في العظم، غير السن؛ لأن دون العظم حائلاً
من جلد، ولحم، وعصب، يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا
بالقصاص، ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه، مما لا يعرف قدره.
وقال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فليلتحق بها
سائر العظام. وتُعُقب بأنه قياس مع وجود النص، فإن في حديث الباب أنها
كَسَرت الثنيةَ، فَأَمَر ◌َ لو بالقصاص، مع أن الكسر لا تطّرد فيه المماثلة.
.
(٢)
انتھی
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك تَخّثُ
من وجوب القصاص في العظام التي يمكن مماثلتها هو الحقّ؛ الآية: ﴿وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولحديث الباب، حيث إنه وَّ قال في كسر السنّ،
وهو من العظام: ((كتاب الله القصاص))، فبيّن الحكم العامّ فيه، وفي أمثاله،
فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٥٢٢/٨ - ٥٢٣.
(٢) ((الفتح)) ٦٨/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٤).
٢٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَّهِ أُنِيبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٦٧] (١٦٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
غِيَاتٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ
إِلَّ اللهُ، وَأَنّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ،
وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في السند الماضي.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي،
ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر في الأخير قليلاً [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً.
٤ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم أيضاً قريباً .
٥ - (الأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارفيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) أو
قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
٧ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ
فقيهٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت ٢ أو٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
٨ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ الشهير، مات رَظ ◌ُه سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من ثقات التابعين
الكوفيين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق،
وفيه الصحابيّ الشهير جمّ المناقب عبد الله بن مسعود
٢٤٥
(٦) - بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ - حديث رقم (٤٣٦٧)
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ)؛ أي: ابن مسعود ظه؛ لأنه المراد عند الإطلاق في سند
الكوفيين، كما أشار إليه السيوطيّ تَُّ في ((ألفيّة الحديث)):
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَحِلُّ) زاد في رواية الثوريّ الآتية في
أوله: ((قام فينا رسول الله وَلقر، فقال: والذي لا إله غيره لا يحلّ))، وظاهر
قوله: ((لا يحلّ)) إثبات إباحة قتل من استثني، وهو كذلك بالنسبة لتحريم قتل
غيرهم، وإن كان قتل من أبيح منهم واجباً في الحكم، قاله في ((الفتح))(١). (دَمُ
امْرِئٍ مُسْلِم) وفي رواية الثوريّ: ((دم رجل))، والمراد: لا يحلّ إراقة دمه؛ أي:
كلّه، وهوَّ كناية عن قتله، ولو لم يُرَق دمه (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنّي
رَسُولُ اللهِ) هي صفة ثانية ذُكِرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين،
أو هي حال مُقَيِّدة للموصوف؛ إشعاراً بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم،
وهذا ما رجحه الطيبيّ، واستَشْهَد بحديث أسامة ◌ُبه مرفوعاً: ((كيف تصنع بلا
إله إلا الله؟)) (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ)؛ أي: خصالٍ ثلاثٍ، ووقع في رواية الثوريّ:
((إلا ثلاثة نفر))، (القَّيِّبُ الزَّانِ)؛ أي: فيحل قتله بالرجم، وقد وقع في حديث
عثمان ظُه عند النسائيّ بلفظ: ((رجلٌ زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم))، قال
النوويّ تَخْلَثُ: قوله: ((الزان)) هكذا هو في النسخ، من غير ياء بعد النون، وهو
لغة صحيحة، قُرىء بها في السبع، كما في قوله تعالى: ﴿اَلْكَبِيرُ الْمُتَّعَالِ﴾
[الرعد: ٩]، وغيره، والأشهر في اللغة إثبات الياء في كلّ هذا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة التي ذكر النوويّ كَّهُ أشار
ابن مالك كَّثُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
(١) ((الفتح)) ٣٠/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٧٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ١٦٤.
٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي نَحْوِ (مُرٍ)) لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
(وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ)؛ أي: مَن قَتَل عمداً بغير حقّ قُتل بشرطه، ووقع في
حديث عثمان رُه: ((قَتَل عمداً، فعليه الْقَوَد)»، وفي حديث جابر عند البزار:
((ومن قَتَل نفساً ظلماً)) (وَالثَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ))) كذا هو عند البخاريّ
في رواية أبي ذرّ، عن الكشميهنيّ، وللباقين: ((والمارق من الدين))، لكن عند
النسفيّ، والسرخسيّ، والمستملي: ((والمارق لدينه)).
قال الطيبيّ كَّلُهُ: المارق لدينه: هو التارك له، من المروق، وهو
الخروج، والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين؛ أي: فارقهم، أو تركهم
بالارتداد، فهي صفة للتارك، أو المفارق، لا صفة مستقلّة، وإلا لكانت
الخصال أربعاً، وهو كقوله قبل ذلك: ((مسلم يشهد أن لا إله إلا الله))، فإنها
صفة مفسِّرة لقوله: ((مسلم))، وليست قيداً فيه؛ إذ لا يكون مسلماً إلا بذلك،
قال الحافظ تَّتُهُ: ويؤيد هذا أنه وقع في حديث عثمان ظنه: ((أو يكفر بعد
إسلامه))، أخرجه النسائيّ بسند صحيح، وفي لفظ له صحيح أيضاً: (ارتد بعد
إسلامه))، وله من طريق عمرو بن غالب، عن عائشة ﴿يا: ((أو كَفَرَ بعدما
أسلم))، وفي حديث ابن عباس ﴿يًا، عند النسائيّ: ((مُرْتَدٌ بعد إيمان)).
قال ابن دقيق العيد كَّلهُ: الردة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع في
الرجل، وأما المرأة ففيها خلاف، وقد استُدِلّ بهذا الحديث للجمهور في أن
حكمها حكم الرجل؛ لاستواء حكمهما في الزنا .
وتُعُقّب بأنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة.
وقال البيضاويّ كَّلُ: ((التارك لدينه)) صفة مؤكِّدة لـ((المارق))؛ أي: الذي
ترك جماعة المسلمين، وخرج من جملتهم، قال: وفي الحديث دليل لمن زعم
أنه لا يُقتل أحد دخل في الإسلام بشيء غير الذي عُدِّد، كترك الصلاة، ولم
ينفصل عن ذلك، وتبعه الطيبيّ.
وقال ابن دقيق العيد: قد يؤخذ من قوله: ((المفارق للجماعة)» أن المراد
المخالف لأهل الإجماع، فيكون مُتَمَسَّكاً لمن يقول: مخالف الإجماع كافر،
وقد نُسِب ذلك إلى بعض الناس، وليس ذلك بالهيِّن، فإن المسائل الإجماعية
تارةً يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع، كوجوب الصلاة مثلاً، وتارةً لا
٢٤٧
(٦) - بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم - حديث رقم (٤٣٦٧)
يصحبها التواتر، فالأول يكفر جاحده؛ لمخالفة التواتر، لا لمخالفة الإجماع،
والثاني لا يكفر به.
قال الحافظ العراقيّ تَظْثُ في ((شرح الترمذيّ)): الصحيح في تكفير منكر
الإجماع تقييده بإنكار ما يُعْلَم وجوبه من الدين بالضرورة، كالصلوات الخمس،
ومنهم من عَبَّر بإنكار ما عُلِم وجوبه بالتواتر، ومنه القول بحدوث العالم.
وقد حَكَى عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم.
وقال ابن دقيق العيد كَخَّتُهُ: وقع هنا من يَدِّعي الْحِذْق في المعقولات،
ويميل إلى الفلسفة، فظَنّ أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر؛ لأنه من
قبيل مخالفة الإجماع، وتمسك بقولنا: إن منكر الإجماع لا يكفر على
الإطلاق، حتى يثبت النقل بذلك متواتراً عن صاحب الشرع، قال: وهو تمسك
ساقطٌ، إما عن عَمَّى في البصيرة، أو تعام؛ لأن حدوث العالم من قبيل ما
اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل.
وقال النوويّ كَّثُ: قوله: ((التارك لدينه)) عامّ في كل من ارتدّ بأيّ رِدّة
كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، وقوله: ((المفارق للجماعة)) يتناول
كلَّ خارج عن الجماعة، ببدعة، أو نفي إجماع، كالروافض، والخوارج،
وغيرهم، كذا قال، وسيأتي البحث فيه.
وقال القرطبيّ تَُّ في ((المفهم)): ظاهر قوله: ((المفارق للجماعة)) أنه
نعت للتارك لدينه؛ لأنه إذا ارتدّ فارق جماعة المسلمين، غير أنه يلتحق به كل
من خرج عن جماعة المسلمين، وإن لم يرتدّ، كمن يمتنع من إقامة الحدّ عليه،
إذا وجب، ويقاتَل على ذلك، كأهل البغي، وقطاع الطريق، والمحاربين من
الخوارج، وغيرهم، قال: فيتناولهم لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم، ولو
لم يكن كذلك لم يصحّ الحصر؛ لأنه يلزم أن يُنفَى مَن ذُكِر، ودمه حلال، فلا
يصح الحصر، وكلام الشارع منزَّه عن ذلك، فدلّ على أن وصف المفارقة
للجماعة يعمّ جميع هؤلاء، قال: وتحقيقه أن كلَّ من فارق الجماعة ترك دينه،
غير أن المرتدّ ترك كله، والمفارق بغير ردة ترك بعضه. انتهى.
قال الحافظ: وفيه مناقشة؛ لأن أصل الخصلة الثالثة الارتداد، فلا بدّ من
وجوده، والمفارق بغير ردّة لا يسمى مرتدّاً، فيلزم الخلف في الحصر.
٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
والتحقيق في جواب ذلك: أن الحصر فيمن يجب قتله عيناً، وأما من
ذَكَرهم، فإنّ قتل الواحد منهم إنما يباح إذا وقع حال المحاربة، والمقاتلة، بدليل
أنه لو أُسِر لم يجز قتله صبراً اتفاقاً في غير المحاربين، وعلى الراجح في المحاربين
أيضاً، لكن يَرِد على ذلك قتل تارك الصلاة، وسيأتي مزيد بسط لذلك في المسألة
الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٦٧/٦ و ٤٣٦٨ و٤٣٦٩ و٤٣٧٠] (١٦٧٦)،
و(البخاريّ) في ((الديات)) (٦٨٧٨)، و(أبو داود) في ((الحدود)) (٤٣٥٢)،
و(الترمذيّ) في ((الديات)) (١٤٠٢)، و(النسائيّ) في ((تحريم الدم)) (٧/ ٩٠ و٩١)
و («الكبرى» (٣٠١/٢)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٣٤)، و(الطيالسيّ) في
(«مسنده)) (٢٨٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢١/٧) وفي ((مسنده)) (١/
٧٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨١/١ و٣٨٢ و٤٢٨ و٤٤٤)، و(الدارميّ) في
(سننه)) (٢١٨/٢)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٩١٤/٣)، و(أبو يعلى) في
«مسنده)) (١٢٨/٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٧/٤)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٤٠٧ و٤٤٠٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٨٢/٣ -٨٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩/٨ و١٩٤ - ١٩٥ و٢١٣ و٢٨٣ و٢٩٤) و((المعرفة))
(٣٢١/٦ و٣٥٦) و((الصغرى)) (٢٢٩/٧)، و(المقدسيّ) في ((المختارة)) (٤٤٣/١
و٤٤٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٥١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم دم المسلم إلا بإحدى الثلاث المذكورة.
٢ - (ومنها): إثبات قتل الزاني المحصن، والمراد: رميه بالحجارة حتى
يموت، وهذا بإجماع المسلمين، وسيأتي إيضاحه، وبيان شروطه في بابه - إن
شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): بيان وجوب القصاص فيمن قتل نفساً بشروطه، قال
٢٤٩
(٦) - بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ - حديث رقم (٤٣٦٧)
النوويّ ◌َخْتُ: وقد يستَدِلّ به أصحاب أبي حنيفة تَّلُ، في قولهم: يُقتَل المسلم
بالذميّ، ويقتل الحر بالعبد، وجمهور العلماء على خلافه، منهم مالك،
والشافعيّ، والليث، وأحمد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يُردّ على الحنفيّة بالحديث المتّفق عليه الصريح،
وهو قوله {وَّ: ((ولا يُقتل مسلم بكافر))، فتنبّه.
٤ - (ومنها): وجوب قتل المرتدّ، بأي وجه كانت ردّته إن لم يتب.
٥ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: ((النفس بالنفس)) على تساوي النفوس في
القتل العمد، فيقاد لكلّ مقتول من قاتله، سواء كان حُرّاً أو عبداً .
٦ - (ومنها): أنه تمسَّك به الحنفية، وادَّعَوا أن آية المائدة المذكورة:
﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ناسخة لآية البقرة: ﴿كُتِبَ عَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَبْلِّ الْخُرُّ
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِلْعَبْدِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، ومنهم من فرّق بين عبد الجاني
وعبد غيره، فأقاد من عبد غيره دون عبد نفسه.
وقال الجمهور: آية البقرة مفسِّرة لآية المائدة، فيُقتل العبد بالحرّ، ولا
يُقتل الحرّ بالعبد؛ لنقصه، وقال الشافعيّ: ليس بين العبد والحر قصاص، إلا
أن يشاء الحرّ، واحتُجّ للجمهور بأن العبد سلعة، فلا يجب فيه إلا القيمة لو
قُتل خطأ، قاله في ((الفتح))(١).
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ بعمومه على جواز قتل المسلم بالكافر
المستأمَن، والمعاهد.
وتُعُقّب بأن حديث: ((ولا يُقتل مسلم بكافر)) خاصّ يُقدّم عليه.
٨ - (ومنها): جواز وصف الشخص بما كان عليه، ولو انتقل عنه
لاستثنائه المرتدّ من المسلمين، وهو باعتبار ما كان.
٩ - (ومنها): ما ذكره ابن دقيق العيد: استُدلّ بهذا الحديث أن تارك
الصلاة لا يُقتل بتركها؛ لكونه ليس من الأمور الثلاثة.
قال الحافظ: تارك الصلاة اختُلِف فيه، فذهب أحمد، وإسحاق، وبعض
المالكية، ومن الشافعية ابن خزيمة، وأبو الطيب بن سلمة، وأبو عبيد بن
(١) ((الفتح)» ٣٥/١٦.
٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
جويرية، ومنصور الفقيه، وأبو جعفر الترمذيّ إلى أنه يُكَفَّر بذلك، ولو لم
يجحد وجوبها، وذهب الجمهور إلى أنه يُقتل حدّاً، وذهب الحنفية، ووافقهم
المزنيّ إلى أنه لا يكفّر، ولا يُقتل.
قال: ومن أقوى ما يُستدَلّ به على عدم كفره حديث عبادة، رفعه:
((خمسُ صلوات كتبهن الله على العباد ... )) الحديث، وفيه: ((ومن لم يأت بهنّ
فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة))، أخرجه مالك،
وأصحاب ((السنن))، وصححه ابن حبان، وابن السكن، وغيرهما، وتمسك
أحمد، ومن وافقه بظواهر أحاديث، وَرَدَت بتكفيره، وحَمَلها من خالفهم على
المستحلّ جمعاً بين الأخبار، والله أعلم.
وقد تعقّب الصنعانيّ تَّثُ في ((العدّة)) على استدلال الحافظ المذكور،
فقال: وأما الحديث الذي قال ابن حجر: إنه أقوى ما يُستدلّ به، فلفظه:
((خمس صلوات افترضهنّ الله تعالى، مَنْ أحسن وضوءهنّ، وصلاهنّ لوقتهنّ،
وأتمّ ركوعهنّ، وخشوعهنّ كان له على الله عهد أن يَغفر له، ومن لم يفعل،
فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه)).
فقوله: ((ومن لم يفعل))؛ أي: لم يأت بهنّ على تلك الصفات، لا أنه لم
يأت بهنّ أصلاً، وهذا الاحتمال أقوى، فلا يتمّ معه الاستدلال. انتهى، وهو
تعقّب جيّد، ومفيدٌ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أنه قد استَدَلّ بهذا الحديث بعض الشافعية لقتل تارك
الصلاة؛ لأنه تارك للدين الذي هو العمل، وانما لم يقولوا بقتل تارك الزكاة؛
لإمكان انتزاعها منه قهراً، ولا يُقتل تارك الصيام؛ لإمكان منعه المفطرات،
فيحتاج هو أن ينوي الصيام؛ لأنه يعتقد وجوبه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدلال قويّ جدّاً، وقد تقدّم البحث في
تارك الصلاة مستوفّى في ((كتاب الصلاة))، فارجع إليه تستفد علماً جمّاً، وبالله
تعالى التوفيق.
١١ - (ومنها): استُدِلّ به على أن الحر لا يُقتل بالعبد؛ لأن العبد لا
يُرجم إذا زنى، ولو كان ثيّباً، حكاه ابن التين، قال: وليس لأحد أن يفرّق ما
جمعه الله إلا بدليل، من كتاب، أو سُنَّة، قال: وهذا بخلاف الخصلة الثالثة،
٢٥١
(٦) - بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ - حديث رقم (٤٣٦٧)
فإن الإجماع انعقد على أن العبد والحر في الردّة سواء، فكأنه جعل أن الأصل
العمل بدلالة الاقتران ما لم يأت دليل يخالفه.
[تنبيه]: قال الحافظ العراقيّ كَثُ في ((شرح الترمذي)): استثنى بعضهم
من الثلاثة قتل الصائل، فإنه يجوز قَتْله للدفع، وأشار بذلك إلى قول النوويّ:
يُخصّ من عموم الثلاثة الصائل، ونحوه، فيباح قتله في الدفع.
وقد يجاب بأنه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد: لا يحلّ
تعمّد قتله، بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعة، بخلاف الثلاثة، واستحسنه
الطيبيّ، وقال: هو أولى من تقرير البيضاويّ؛ لأنه فسَّر قوله: ((النفس
بالنفس)»: يَحِلّ قتل النفس قصاصاً للنفس التي قتلها عدواناً، فاقتضى خروج
الصائل، ولو لم يقصد الدافع قتله.
قال الحافظ: والجواب الثاني هو المعتمَد، وأما الأول فتقدَّم الجواب عنه.
وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن هذا الحديث منسوخ بآية المحارَبة:
﴿مَنْ قَتْلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ﴾ الآية [المائدة: ٣٢] قال: فأباح
القتل بمجرد الفساد في الأرض، قال: وقد ورد في القتل بغير الثلاث أشياء،
منها: قوله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْفِى﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وحديث: ((من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوه))، وحديث: ((من أَتَى بهيمةً، فاقتلوه))،
وحديث: ((من خرج، وأمْرُ الناس جميعٌ، يريد تفرّقهم، فاقتلوه))، وقول عمر:
(تَغِرَّة أن يُقْتَلا))، وقول جماعة من الأئمة: إن تاب أهل القَدَر، وإلا قُتلوا،
وقول جماعة من الأئمة: يُضْرَب المبتدع حتى يرجع، أو يموت، وقول جماعة
من الأئمة: يُقتَل تارك الصلاة، قال: وهذا كله زائد على الثلاث.
وزاد غيره: قَتْلَ مَن طَلَب أخذ مال إنسان، أو حريمه بغير حقّ، ومانع
الزكاة المفروضة، ومن ارتدّ، ولم يفارق الجماعة، ومن خالف الإجماع،
وأظهر الشقاق والخلاف، والزنديق إذا تاب ـ على رأي - والساحر.
والجواب عن ذلك كله: أن الأكثر في المحارَبة أنه إن قَتَل قُتِل، وبأن
حُكْمَ الآية في الباغي أن يقاتل، لا أن يُقْصَد إلى قتله، وبأن الخبرين في
اللواط، وإتيان البهيمة لم يصحّا، وعلى تقدير الصحة فهما داخلان في الزنا،
وحديث الخارج عن المسلمين تقدَّم تأويله بأن المراد بقتله: حبْسِه ومِنْعه من
٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
الخروج، وأثرُ عمر من هذا القبيل، والقول في القدرية، وسائر المبتدعة مُفَرَّعٌ
على القول بتكفيرهم، وبأن قتل تارك الصلاة عند من لا يُكَفِّره مختلَفٌ فيه كما
تقدم إيضاحه، وأما من طلب المال، أو الحريم، فمِنْ حُكْم دَفْع الصائل،
ومانع الزكاة تقدم جوابه، ومخالف الإجماع داخل في مفارق الجماعة، وقتلُ
الزنديق لاستصحاب حُكْم كُفْره، وكذا الساحر، والعلم عند الله تعالى.
وقد حَكَّى ابن العربيّ عن بعض أشياخه أن أسباب القتل عشرة، قال ابن
العربيّ: ولا تخرج عن هذه الثلاثة بحال، فإن مَن سَحَر، أو سَبّ نبي الله وَّ
كَفَر، فهو داخل في التارك لدينه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٦٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَني، ثم
المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧ أو
بعدها)، وقد قارب المائة (مَّ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٧ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ [٨]
(ت١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
(١) ((الفتح)) ٣٤/١٦ - ٣٥، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٧٨).
٢٥٣
(٦) - بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ - حديث رقم (٤٣٦٩)
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ يعني: أن الثلاثة: عبد الله بن نُمير، وسفيان بن
عُيينة، وعيسى بن يونس رووا هذا الحديث عن الأعمش بسنده الماضي.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن الأعمش ساقها أبو عوانة تَّتُهُ في
((مسنده))، فقال:
(٦١٥٥) - حدّثنا الحسن بن عليّ بن عفان، قثنا عبد الله بن نمير، عن
الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: قال عبد الله: قال رسول الله وَلته:
((لا يحلّ دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا إحدى ثلاثة نَفَر:
النفس بالنفس، والثيب الزان، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). انتهى(١).
وأما روايتا سفيان بن عيينة، وعيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش،
فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٦٩] (.) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ
لِأَحْمَدَ - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقَالَ:
(وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، بَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنّي
رَسُولُ اللهِ، إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرِ (٢): التَّارُِ لِلِإِسْلَامِ،َ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ، أَوِ الْجَمَاعَةَ
- شََكَ فِيهِ أَحْمَدُ - وَالنَّيِّبُ الزَّانِ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ)). قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ
إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذین الإسنادین: أحد عشر:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد
الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقة ثبتُ حافظ فقيه
حجة، رأس الطبقة [١٠] (ت٢٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قبل باب.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٩٧.
(٢) وفي نسخة: ((إلا ثلاثة: التارك للإسلام)).
٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمام [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجة، وربما دلّس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت١٦١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ، يرسل كثيراً [٥] (٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، خال إبراهيم الراوي عنه، أبو
عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت٤ أو ٧٥)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَلِ)؛ أي: خطيباً.
وقوله: (إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرِ (١)) هو على حذف مضاف؛ أي: إلا دم ثلاثة نفر،
وفي بعض النسخ: ((إلا ثلاثة)).
1
وقوله: (التَّارِكُ لِلإِسْلَام) وفي بعض النسخ: ((التارك الإسلام)) بحذف لام
الجرّ، فيجوز جرّ ((الإسلام) بإضافة ((التارك)) إليه، من إضافةَ الصفة إلى
مفعولها، وجازت الإضافة مع كون المضاف بـ((أل))؛ لكونه اسم فاعل يعمل
عمل الفعل مع دخولها في الثاني، كما قال في ((الخلاصة)):
وَوَصْلُ ((أَنْ)) بِذَا الْمُضَافِ مُغْتَفَرْ إِنْ وُصِلَتْ بِالثَّانِ كَـ((الْجَعْدِ الشَّعَرْ)).
ويجوز نصب ((الإسلامَ)) على المفعوليّة لاسم الفاعل.
وقوله: (أَوِ الْجَمَاعَةَ) ((أو)) للشكّ كما بيّنه بقوله: (شََكَ فِيهِ أَحْمَدُ)؛ أي:
ابن حنبل تَخْلُهُ، و((الجماعة)) يجوز فيه الجرّ، والنصب، كما في ((الإسلام))
المذكور قبله.
وقوله: (قَالَ الأَعْمَشُ ... إلخ) هو موصول بالسند السابق، وليس معلّقاً.
(١) وفي نسخة: ((إلا ثلاثة: التارك للإسلام)).
٢٥٥
(٦) - بَابُ مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ - حديث رقم (٤٣٧٠)
وقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ)؛ أي: ابن يزيد النخعيّ (فَحَدَّثَنِي)؛ أي:
إبراهيمُ (عَنِ الأَسْوَدِ)؛ يعني: ابن يزيد النخعيّ (عَنْ عَائِشَةَ)
والغرض من هذا بيان ثبوت الحديث عن الصحابييّن: ابن مسعود،
وعائشة طها، وأن الأعمش، وإبراهيم النخعيّ استفاد كلّ منهما من صاحبه ما
ليس عنده، فالأعمش كان عنده حديث ابن مسعود اته، وليس عنده حديث
عائشة رُّ، وإبراهيم بالعكس، فاستفاد كلّ منهما من الآخَر ما ليس عنده،
فتفطّن، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: حديث عائشة ﴿ها هذا أخرجه أبو داود في ((سننه)) من طريق
آخر، فقال:
(٤٣٥٣) - حدّثنا محمد بن سنان الباهليّ، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن
عبد العزيز بن رُفيع، عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة ◌َّا قالت: قال
رسول الله وَالر: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، فإنه يُرْجَم،
ورجل خرج محارباً لله ورسوله، فإنه يُقْتَل، أو يُصْلب، أو ينفى من الأرض،
أو يَقتل نفساً، فيُقتل بها)). انتهى(١).
[تنبيه آخر]: هذه الرواية أغفل الحافظ أبو الحجّاج المزيّ تَذَتُهُ ذِكْرها
في (الأطراف)) في مسند عائشة رؤيتنا، وأغفل التنبيه عليها في ترجمة عبد الله بن
مرّة، عن مسروق، عن ابن مسعود ظُه، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٧٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً، نَحْوَ
حَدِيثٍ سُفْيَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ (٣) فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: ((وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ)).
(١) ((سنن أبي داود)) ٥٣٠/٢.
(٣) وفي نسخة: ((ولم يذكرا)) بالتثنية.
(٢) ((الفتح)) ٣١/١٦.
٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج
الثقفي البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦.
٢ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما
نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٤ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ،
نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ) هكذا في النسخة الهنديّة: ((ولم يذكُر))
بالإفراد، والضمير يرجع إلى شيبان، وهو ظاهر، ووقع في بعض النسخ: ((ولم
يذكرا)) بالتثنية، وله أيضاً وجه، وهو أنه يرجع إلى شيخيه: حجاج، والقاسم،
لكن الأول أظهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية شيبان، عن الأعمش هذه ساقها أبو عوانة تَخّْلُهُ في
((مسنده))، فقال:
(٦١٦١) - حدّثنا أبو أمية، قثنا عبيد الله بن موسى، قئنا شيبان(١)، عن
الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال:
قال رسول الله ويقول: ((لا يحل دم امرىء مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني
رسول الله، إلا ثلاثة نفر: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه
المفارق للجماعة))، زاد: قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: حدثنيه الأسود،
عن عائشة. انتهى (٢).
(١) وقع في النسخة: ((سفيان)) بدل ((شيبان))، وهو مصحّف بلا شكّ؛ كما يبيّنه السند
التالي، وكذا قال الحافظ في ((الفتح)) ٣١/١٦: إن أبا عوانة أخرجه عن شيبان،
فتنبه.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٩٨/٤.
٢٥٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ - حديث رقم (٤٣٧١)
(٧) - (بَابُ بَيَانِ إِثْم مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٣٧١] (١٦٧٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرِ - وَاللَّفْظُ لِبْنٍ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تُقْتَلُ
نَفْسٌ ظُلْماً إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ
الْقَتْلَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) قال في ((الفتح)): في رواية حفص بن غياث، عن
الأعمش: حدّثني عبد الله بن مرّة، وهو الخارفيّ بمعجمة، وراء مكسورة،
وفاء، كوفيّ، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسقٍ كوفيون. انتهى(١). (عَنْ
مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدعِ الهَمْدانيّ (عَنْ عَبْدِ الهِ) بن مسعود ظُبه أنه (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً) وفي رواية للبخاريّ: ((وليس من نفس
تُقتَلُ ظلماً)). قال القرطبيّ تَُّهُ: يَدخل فيه بحكم عمومه نَفْسُ الذمّيّ،
والمعاهد، إذا قُتلا ظُلماً؛ لأنّ نفساً نكرة في سياق النفي، فهي للعموم.
(٢)
انتھی
.
(إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ) بالجرّ صفة لـ((ابن)»؛ أي: الذي هو أوَّلُ في
القتل، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: الأول في الولادة، والله أعلم.
وقال في (الفتح)): وهو قابيل، عند الأكثر، وعَكَس القاضي
(١) ((الفتح)) ١٥/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٦٧).
(٢) ((المفهم)) ٤٠/٥.
٢٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
جمال الدين بن واصل في ((تاريخه))، فقال: اسم المقتول: قابيل، اشتُقّ من
قَبول قربانه. وقيل: اسمه قابن بنون بدل اللام بغير ياء. وقيل: قبن مِثْله بغير
ألف. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: واختلف في اسم القاتل،
فالمشهور قابيل بوزن المقتول، لكن أوله هاء. وقيل: اسم المقتول: قَيْن بلفظ
الْحَدّاد. وقيل: قاين بزيادة ألف. وذكر السدّيّ في ((تفسيره)) عن مشايخه
بأسانيده أن سبب قَتْل قابيل لأخيه هابيل أن آدم لعله كان يزوّج ذكر كلّ بطن
من ولده بأنثى الآخر، وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل، فأراد
قابيل أن يستأثر بأخته، فمنعه آدم، فلمّا ألحّ عليه أمَرهما أن يُقرّبا قُرباناً، فقرّب
قابيل حُزْمة من زرع، وكان صاحب زرع، وقرّب هابيل جذعة سمينة، وكان
صاحب مَوَاشٍ، فنزلت نار، فأكلت قربان هابيل، دون قابيل، وكان ذلك سبب
الشرّ بينهما، وهذا هو المشهور.
ونقل الثعلبيّ بسند واهٍ عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوّج ابناً
له بابنة له، وإنما زوّج قابيل جنّةً، وزوّج هابيل حُوريّةً، فغضب قابيل، فقال:
يا بُنيّ ما فعلته إلا بأمر من الله، فقرِّبا قرباناً. وهذا لا يَتْبُت عن جابر، ولا عن
غيره، ويلزم منه أن بني آدم من ذرّيّة إبليس؛ لأنه أبو الجنّ كلّهم، أو من ذرّيّة
الحور العين، وليس لذلك أصلٌ، ولا شاهد. انتهى(٢).
وأخرج الطبريّ عن ابن عبّاس طيًّا: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين
يُتصدّق عليه، إنما كان القربان يقرّبه الرجل، فمهما قُبل تنزل النار، فتأكله،
وإلا فلا .
وعن الحسن: لم يكونا وَلَدَيْ آدم لصلبه، وإنما كانا من بني إسرائيل،
أخرجه الطبريّ.
ومن طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: كانا وَلَدَيْ آدم لصُلبه،
وهذا هو المشهور، ويؤيّده حديث الباب لوصفه ((ابنَ)) بأنه الأول؛ أي: أول ما
(١) ((الفتح)) ١٥/١٦.
(٢) ((الفتح)) ٦١٤/٧، كتاب ((أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٣٣٥).
٢٥٩
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ - حديث رقم (٤٣٧١)
وَلَد آدم، ويقال: إنه لم يولد في الجنّة لآدم غيره وغير توأمته، ومن ثَمّ فَخَر
على أخيه هابيل، فقال: نحن من أولاد الجنّة، وأنتما من أولاد الأرض، ذكر
ذلك ابن إسحاق في ((المبتد!)).
وعن الحسن: ذُكر لي أن هابيل قُتل وله عشرون سنة، ولأخيه القاتل
خمس وعشرون سنة. وتفسير هابيل: هبة الله، ولَمّا قُتل هابيل، وحزِن عليه آدم
وُلد له بعد ذلك شيئ، ومعناه عطيّة الله، ومنه انتشرت ذرّية آدم.
وقال الثعلبيّ: ذَكَر أهلُ العلم بالقرآن أن حوّاء وَلَدت لآدم أربعين نفساً
في عشرين بطناً، أولهم قابيل، وأخته إقليما، وآخرهم عبد المغيث، وأمة
المغيث، ثم لم يَمُت حتى بلغ ولده، وولد ولده أربعين ألفاً، وهلكوا كلّهم،
فلم يبق بعد الطوفان إلا ذرّيّة نوح، وهو من نسل شيث، قال الله تعالى:
[الصافات: ٧٧]، وكان معه في السفينة ثمانون
V
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ
نفساً، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]،
ومع ذلك فما بقي إلا نَسْل نوح، فتوالدوا حتى ملأوا الأرض. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الحكايات معظمها تكون من
الإسرائيليّات، فالله تعالى أعلم بصحّتها .
[تنبيه]: اختلف في كيفيّة قتله، وموضعه: فعن السدّيّ: شَدَخ رأس أخيه
بحجر، فمات. وعن ابن جريج: تمثّل له إبليس، فأخذ بحجر، فشدخ به رأس
طير، ففعل ذلك قابيل، وكان ذلك على جبل ثور. وقيل: على عقبة حراء.
وقيل: بالهند. وقيل: بموضع المسجد الأعظم بالبصرة، وكان من شأنه في
دفنه ما قصّه الله تعالى في كتابه. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاختلافات من جنس ما قبلها، لا
يُعتمد على شيء منها؛ إذ لا تَعتمد على حُجة، فلا ينبغي الركون إليها، وإنما
الركون والاعتماد على ما قصّه الله في كتابه العزيز، فقط، حيث قال الله قال :
﴿وَتَّلُ عَلَهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ إلى قوله رَتْ :
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١]، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٥/١٦ - ١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٦٧).
٢٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ
(كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا) بكسر الكاف، وسكون الفاء: النصيب، وأكثر ما يُطلق
على الأجر، والضِّعْفُ على الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿كِفِلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ.﴾
[الحديد: ٢٨]، ووقع على الإثم في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةٌ يَكُنْ لَّهُ.
كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قاله في ((الفتح))، (لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ))؛
أي: فهو متبوع في هذا الفعل، وللمتبوع نصيب من فِعْل تابعه، وإن لم يقصد
التابع اتّباعه في الفعل.
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: هذا نصّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنه لما كان أول
من قتل، كان قَتْله ذلك تنبيهاً لمن أتى بعده، وتعليماً له، فمن قتل كأنه اقتدى
به في ذلك، فكان عليه من وزره، وهذا جارٍ في الخير والشرّ، كما قد نصّ
عليه النبيّ وَّه بقوله: ((من سنّ في الإسلام سُنّة حسنة، كان له أجرها، وأجر
من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإسلام سُنّة سيّئةً كان عليه وزرها
ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))، رواه مسلم. قال: وبهذا الاعتبار يكون
على إبليس كفلٌ من معصية كلّ من عصى بالسجود؛ لأنه أول من عصى به.
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣٧١/٧ و٤٣٧٢] (١٦٧٧)، و(البخاريّ) في
((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٣٥) و((الديات)) (٦٨٦٧) و((الاعتصام بالكتاب والسُّنّة))
(٧٣٢١)، و(الترمذيّ) في ((العلم)) (٢٦٧٣)، و(النسائيّ) في ((المحاربة)) (٧/
٨١) و((الكبرى)) (٢٨٤/٢ و٣٣٤/٦)، و(ابن ماجه) في ((الديات)) (٢٦١٦)،
و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧١٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مسنده)) (١٧١/١)
و((مصنّفه)) (٤٣٥/٥ و٢٦٩/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٣/١ و٤٣٠
و٤٣٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٩٨٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/
٩٩)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٤٦/٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل
الآثار)) (٤٨٣/١)، و(الطبريّ) في ((التفسير)) (١١٧٣٨ و١١٧٣٩)، و(البيهقيّ)