Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) مات جوعاً، أو عطشاً، أو قطع يديه ورجليه، ورمى به من جبل أنَّه يُفعل به مثل ذلك، فإن مات، وإلا قتل. وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كلِّه فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة، والشعبيّ، والنخعيّ، واحتجوا على ذلك بما روي عن النبيّ وَّ أنه قال: ((لا قود إلا بحديدة))(١)، وبالنهي عن المُثلة، والصحيح مذهب الجمهور؛ لِمَا تقدم، ولأن الحديث الذي هو: ((لا قود إلا بحديدة)) ضعيف عند المحدثين، لا يروى من طريق صحيح، ولأن النهي عن المُثلة نقول بموجبه إذا لم يمثِّل بالمقتول، فإذا مَثَّل به مثَّلنا به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ولحديث العُرَنِين على ما تقدم. وقد شذَّ بعضهم فقال فيمن قَتَل بخنق، أو بسمّ، أو تردية من جبل أو في بئر، أو بخشبة: أنه لا يُقتل، ولا يُقتص منه إلا إذا قتل بمحدَّد: حديد، أو حجر، أو خشب، أو كان معروفاً بالخنق والتردية، وهذا منه ردّ للكتاب، والسُّنّة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمَّة، وذريعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله حياة للنفوس، فليس عنه مناصٌ. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذّثُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح ما قاله الأولون، وهو أن يُقتصّ منه بمثل ما فعل بالمقتول. والحاصل أن الحقّ كون القصاص بمثل ما قَتل به القاتل، إذا أمكن؛ لحديث الباب المتّفق عليه، ولظاهر الآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية، وأما الحديث الذي استدلّ به الفريق الثاني، وهو: ((لا قود إلا بحديدة))، فإنه من مرسل الحسن البصريّ، وقد رُوي متصلاً من طرق لا تثبت، والصحيح أنه من مرسله، وهو ضعيف، وقد أجاد الشيخ الألباني تَُّ في تخريجه في كتابه ((إرواء الغليل))، فراجعه تستفد(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) حديث ضعيف. (٢) ((المفهم)) ٢٤/٥ - ٢٥. (٣) راجع: ((إرواء الغليل)) ٢٨٥/٧ - ٢٨٩ رقم الحديث (٢٢٢٨). ٢٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا قَتَله بما لا يَقْتُل مِثْلُه غالباً، كالعضَّة واللَّطمة، وضربة السَّوط، والقضيب، وشبه ذلك: فقال مالك، والليث: هو عمدٌ، وفيه القود، قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأمصار: إلى أن هذا كلَّه شبه عمد، إنما فيه الدِّية مغلظة. وهو قول الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وقد ذُكر عن مالك، وقاله ابن وهب، وجماعة من الصحابة والتابعين. قال القرطبيّ: وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - إذ العمد: القصدُ إلى القتل، وهو أمر لا يُطَّلِعُ عليه، فلا بُدَّ من دليل عليه، ولا بدَّ أن تكون تلك الدَّلالة واضحة رافعة للشَّك، ودلالة ما يقتل مثله غالباً دلالة محقَّقة، صحيحة، وليس كذلك اللطمة، وضربة السوط، فلا دلالة فيها، والدِّماء أحقّ ما احتيط لها؛ إذ الأصل صيانتها في أُهُبها، فلا نستبيحها إلا بأمر بيِّن، لا إشكال فيه، وهذا فيه إشكال، ولا نستبيح به دماً، ولمّا كان متردداً بين العمد والخطأ؛ حُكم له بشبه العمد، وهو حُكْمٌ بين حُكمين، فلا هو عمد محضّ، ولا خطأ محضّ، فلا قود فيه؛ إذ لم يتحقق العمد، ومع ذلك فيمكن أن يكون قصد القتل، فتكون فيه الدِّية المغلظة، هذا مع ما قد رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله وق﴾ خطب يوم الفتح بمكة، فذكر الحديث، وقال فيه: ((ألا وإن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوط، أو العصا مائة من الإبل، أربعون في بطونها أولادها))، وهذا نصٌّ في الباب، فلا ينبغي أن يُعدل عنه. انتهى كلام القرطبيّ كَّلُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من مشروعيّة القصاص في اللطمة، ونحوها هو الحقّ؛ لظواهر النصوص، وقد أجاد الإمام ابن قيّم الجوزيّة ◌َّهُ في هذا الموضوع في كتابه (تهذيب السنن))، فقال: قد اختَلَفَ الناس في هذه المسألة، وهي القصاص في اللطمة، والضربة، ونحوهما، مما لا يمكن المقتصّ أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كلّ (١) ((المفهم)) ٢٦/٥ - ٢٧. ٢٠٣ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) وجه، هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يُعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ على قولين: [أصحّهما]: أنه يُشرَع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد، وأبو إسحاق الْجُوزجانيّ في ((المترجم))، ونصّ عليه الإمام أحمد في رواية الشالنجيّ، وغيره، قال شيخنا - يعني: ابن تيميّة -: وهو قول جمهور السلف. [القول الثاني]: أنه لا يُشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وقول المتأخّرين من أصحاب أحمد، حتى حَكَّى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه، وليس كما زَعَم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم مخالف فيه. ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أَيِّ الأمرين أقرب إلى العدل؟. فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في القطع إلا من منفصل؛ لِتُمْكِنَ المائلة، فإذا تعذّرت في القطع، والجرح صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة، ونحوها لَمّا تعذّرت صرنا إلى التعزير. قال المجوّزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب، والسُّنّة، والقياس، والعدل من التعزير. وأما الكتاب: فإن الله ◌ُعَلَ قال: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيَِّةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَىُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبةٌ بحسب الإمكان، واللطمة أشدّ مماثلة للّطمة، والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضرب في غير الموضع، غير مماثل، لا في الصورة، ولا في المحلّ، ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتاً منه، بلا نصّ، ولا قیاس. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ قالوا: وأما السُّنّة، فما ذُكِر من الأحاديث في هذا الباب، ولو لم يكن في الباب إلا سُنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلاً، وحجةً. قالوا: فالتعزير لا يُعتبر فيه جنس الجناية، ولا قدرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون إنما ضربه بيده، أو رجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كُتُبه، وأرسل به رُسُله. قالوا: وقد دلّ الكتاب والسُّنّة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشرّ، كما قال تعالى: ﴿جَزَّآءُ وِفَاقًّا (٦)﴾ [النبأ: ٢٦] أي: وفق أعمالهم، وهذا ثابتٌ شرعاً، وقدراً، أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَأَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِلْأُذُنِ وَالِسِنَّ بِلْسِنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر ◌ََّ أن الجروح قصاص، مع أن الجارح قد يشتدّ عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حتى يُستوفَى منه. وقد ثبت عن النبيّ وَّ: ((أنه رضخ رأس اليهوديّ))، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو كان لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كان أصحّ الأقوال أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لم يكن محرّماً لحقّ الله؛ كالقتل باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، ويُلقى من شاهق كما فَعَل، ويُخنق كما خَنَق؛ لأن هذا أقرب إلى العدل، وحصولٍ مُسمّى القصاص، وإدراك الثأر، والزجر المطلوب من القصاص، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وإحدى الروايتين عن أحمد. قالوا: وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في الطرَف حتى ينتهي إلى مَفصل؛ لتحقّق المماثلة، فهذا إنما اشتُرط؛ لئلا يزيد المقتصّ على مقدار الجناية، فيصير المجنيّ عليه مظلوماً بذهاب ذلك الجزء، فتعذّرت المماثلة، فصرنا إلى الدية، وهذا بخلاف اللطمة، والضربة، فإنه لو قدّر تعدّي المقتصّ فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير، مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة، والبَرْد من سنّ الجاني مقدار ما كسر من سنّ المجنيّ عليه، مع شدّة الألم، وكذلك قلع سنّه، وعينه، أو نحو ذلك، لا بدّ فيه من زيادة ألم ليصل المجنيّ عليه إلى استيفاء حقّه، فهلّا اعتبرتم هذا الألم المقدّرة زيادته في (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) ٢٠٥ اللطمة، والضربة، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا من الصور، وغيرها؟. قال المانعون: كما عدلنا في الإتلاف الماليّ إلى القيمة، عند تعذّر المماثلة، فكذلك ههنا، بل أولى لحرمة البشر، وتأكّدها على حرمة المال. قال المجوّزون: هذا قياس فاسدٌ من وجهين: [أحدهما]: أنكم لا تقولون بالمماثلة في إتلاف المال، فإنه إذا أتلف عليه ثوباً لم تجوّزوا أن يُتلف عليه مثله من كلّ وجه، ولو قطع يده، وقتله لقطعت يده، وقُتل به، فعُلم الفرق بين الأموال والأبشار، ودلّ على أن الجناية على النفوس والأطراف يُطلب فيها الْمُقاصّة بما لا يُطلب في الأموال. [والثاني]: من هو الذي سلّم لكم أن غير المكيل والموزون يُضمن بالقيمة، لا بالنظير، ولا إجماع في المسألة، ولا نصّ؟، بل الصحيح أنه يجب المِثْل في الحيوان وغيره بحسب الإمكان، كما ثبت عن الصحابة حدثت في جزاء الصيد أنهم قضوا فيه بمثله من النَّعم، بحسب الإمكان، فقضوا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الظبي بشاة، إلى غير ذلك. قال المانعون: هذا على خلاف القياس، فيصار إليه؛ اتّباعاً للصحابة، ولهذا منعه أبو حنيفة، وقدّم القياس عليه، وأوجب القيمة. قال المجوّزون: قولكم: إن هذا على خلاف القياس، فرع على صحّة الدليل الدّالّ على أن المعتبر في ذلك هو القيمة، دون النظير، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلاً، من كتاب، ولا سُنّة، ولا إجماع، حتّى يكون قضاء الصحابة بخلافه، على خلاف القياس، فأين الدليل؟. قال المانعون: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان، دون المثل، أن النبيّ وَُّ ضمّن معتق الشِّقص إذا كان موسراً بقيمته، ولم يضمّنه نصيب الشريك بمثله، فدلّ على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون. قال المجوّزون: هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبار القيمة في هذه المسائل وغيرها، ولكنه بناء على غير أساس، فإن هذا ليس مما نحن فيه في شيء، فإن هذا ليس من باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تملّك مال الغير بالقيمة، كتملّك الشقص المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يقدّر دخوله في ملك المعتِقِ، ثم يَعتِق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متّفقون على أنه يَعِقِ ٢٠٦ = البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ كله على ملك المعتِقِ، والولاء له، دون الشريك. واختلفوا، هل يسري العتق عقب إعتاقه، أو لا يَعتق حتى يؤدّي الثمن؟ على قولين للشافعيّ، وهما في مذهب أحمد، قال شيخنا - يعني: ابن تيميّة -: والصحيح أنه لا يَعتق إلا بالأداء. وعلى هذا ينبني ما إذا أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول، وقبل وزن القيمة، فعلى الأول لا يعتق عليه، وعلى الثاني يعتق عليه، ويكون الولاء بینھما . وعلى هذا أيضاً ينبني ما إذا قال أحدهما: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حرّ، فعلى القول الأول لا يصحّ هذا التعليق، ويَعتق كله في مال المعتِقِ، وعلى القول الثاني يصحّ التعليق، ويَعتق نصيب الشريك من ماله. فظهر بهذا أن استدلالكم بالعتق استدلالٌ باطلٌ، بل إنما يكون إتلافاً إذا قتله، فلو ثبت لكم بالنصّ أنه ضُمِّن قاتل العبد بالقيمة دون المثل، كان حجةً، وأنَّى لكم بذلك؟. قالوا: وأيضاً فالفرق واضحٌ بين أن يكون الْمُتْلَفُ عيناً كاملةً، أو بعضَ عين، فلو سلّمنا أن التضمين كان تضمين إتلافٍ لم يجب مثله في العين الكاملة، والفرق بينهما أن حقّ الشريك في العين التي لا يمكن قسمتها في نصف القيمة مثلاً، أو ثلثها، فالواجب له من القيمة بنسبة مُلكه، ولهذا يُجبر شريكه على البيع إذا طلبه ليتوصّل إلى حقّه من القيمة، والنبيّ وَّز راعى ذلك، وقوَّم عليه العبد قيمةً كاملةً، ثم أعطاه حقّه من القيمة، ولم يقوّم عليه الشقص وحده، فيعطيه قيمته، فدلّ على أن حقّ الشريك في نصف قيمته، فإذا كان كذلك، فلو ضمّنّا المعتِق نصيب الشريك بمثله من عبد آخر لم نُجبره على البيع إذا طلبه شريكه؛ لأنه إذا لم يكن له حقّ في القيمة، بل حقّه في نفس العين، فحقّه باقٍ منها . قالوا: فظهر أنه ليس معكم أصلٌ تقيسون عليه، لا من كتاب، ولا سُنّة، ولا إجماع. وقد ثبت في ((الصحيح)): أن النبيّ وَّ اقترض بَكْراً، وقضى خيراً منه، واحتجّ به من يُجوّز قرض الحيوان، مع أن الواجب في القرض ردّ المثل، وهذا يدلّ على أن الحيوان مثليّ. ٢٠٧ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) ومن العجب أن يقال: إذا اقترض حيواناً ردّ قيمته، ويقال: ذلك على الإتلاف، والغصب، فيُترك موجَب النصّ الصحيح؛ لقياس لم يثبت أصله بنصّ، ولا إجماع، ونصوص أحمد: أن الحيوان في القرض يُضمن بمثله. وقال بعض أصحابه: بل بالقيمة؛ طرداً للقياس على الغصب. واختلف أصحابه في موجَب الضمان في الغصب، والإتلاف على ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون. [والثاني]: الواجب المثل في الجميع. [والثالث]: الواجب المثل في غير الحيوان، ونصّ عليه أحمد في الثوب، والقصعة، ونحوهما، ونصّ عليه الشافعيّ في الجدار المهدوم ظلماً يُعاد مثله، وأقول الناس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوباً ثبت في ذمّته مثله، لا قيمته، ولهذا يجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته، ولو كان الثابت في الذّمّة القيمة لَمَا جاز الصلح عنها بأكثر منها . فظهر أنّ من لم يعتبر المثل، فلا بدّ من تناقضه، أو مناقضته للنّصّ الصريح، وهذا ما لا مخلص منه. وأصل هذا كلّه هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان ◌ِالسَّاهِ وقصّها الله تعالى علينا في كتابه، وكانت في الحرث، وهو البستان، وقيل: إنها كانت أشجار عنب، فنفشت فيها الغنم - والنفش إنما يكون ليلاً - فقضى داودعلَّ* لأصحاب البستان بالغنم؛ لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم، فأعطاهم إياها، وأما سليمان ظلّ فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يعمّروا البستان كما كان، ثم رأى أنّ مغلّه إلى حين عَوْده يفوت عليهم، ورأى أن مغلّ الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلّونها حتى يعود بستانهم كما كان، فإذا عاد ردّوا إليهم غنمهم. فاختلف العلماء في مثل هذه القضيّة على أربعة أقوال: [أحدها]: القول بالحكم السليمانيّ في أصل الضمان، وكيفيّته، وهو أصحّ الأقوال، وأشدّها مطابقة لأصول الشرع، والقياس، كما قد بيّنّا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، نصّ عليه في غير موضع، ويُذكر وجهاً في مذهب مالك، والشافعيّ. ٢٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ [والثاني]: موافقته في النفش، دون المثل، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد. [والثالث]: عكسه، وهو موافقته في المثل، دون النفش، وهو قول داود، وغيره، فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضَمِنه بمثله، وأما إذا انفلتت الغنم ليلاً لم يضمَن صاحبها ما أتلفته. [والرابع]: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل، بل بالقيمة، فلم يوافقه لا في النفش، ولا في المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا من اجتهادهم في القياس، والعدل هو الذي أوجبه الله. فكلّ طائفة رأت العدل هو قولَها، وإن كانت النصوص، والقياس، وأصول الشرع تشهد بحكم سليمان فعلِّل، كما أن الله ◌َُالجَ أثنى عليه به، وأخبر أنه فهمه إياه. وذِكرُ مأخذ هذه الأقوال، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها، له موضعٌ غير هذا، أليق به من هذا. والمقصود أن القياس، والنصّ يدلّان على أنه يُفْعَل به كما فَعَل، وقد تقدّم أن النبيّ بَّهِ: رضّ رأس اليهوديّ، كما رضّ رأس الجارية، وأن ذلك لم يكن لنقض العهد، ولا للحرابة؛ لأن الواجب في ذلك القتلُ بالسيف، وعن أحمد في ذلك أربع روايات: [إحداهنّ]: أنه لا يُستوفى القَوَد إلا بالسيف في العنق، وهذا مذهب أبي حنيفة . [والثانية]: أنه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، إذا لم يكن محرّماً لحقّ الله تعالى، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ. [والثالثة]: إن كان الفعلُ، أو الجرح مُرهقاً فُعِل به نظيرُهُ، وإلا فلا. [والرابعة]: إن كان الجرح، أو القطع موجباً للقود لو انفرد فُعِل به نظيره، وإلا فلا. وعلى الأقوال كلّها إن لم يمت بذلك قُتل. وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يُمَثِّلوا بالكفّار إذا مَثَّلُوا بهم، وإن كانت المُثْلة منهيّاً عنها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٍ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وهذا دليلٌ على أن العقوبة بجدع الأنف، وقطع الأذن، وبَقْرِ البطن، ونحو (٣) - بَابُ تُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٣) ٢٠٩ ذلك هي عقوبةٌ بالمثل، ليست بعُدوان، والمثلُ هو العدل. وأما كون المُثلة منهيّاً عنها؛ فلِمَا روى أحمد في ((مسنده)) من حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين ﴿، قالا: ((ما خطبنا رسول الله الـ خطبةً، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة)). [فإن قيل]: لو لم يمُت إذا فُعل به نظير ما فعل، فأنتم تقتلونه، وذلك زيادة على ما فعل، فأين المماثلة؟. [قيل]: هذا يُنتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق، ولم يوجبه، كان لنا أن نضربه ثانيةً، وثالثةً، حتى يوجبه اتفاقاً، وإن كان الأول إنما ضربه ضربة واحدة، واعتبار المماثلة له طريقان: [إحداهما]: اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلّة الذي يُلحق فيه الشيء بنظيره. [والثاني]: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلّة، ولازمها، فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظيّ كان من أقوى الأدلّة؛ لاجتماع العمومين: اللفظيّ، والمعنويّ، وتضافر الدليلين: السمعيّ، والاعتباريّ. فيكون موجَبُ الكتاب، والميزان، والقصاص في مسألتنا هو من هذا الباب، كما تقدّم تقريره، وهذا واضحٌ، لا خفاء به، ولله الحمد، والمنّة. انتهى كلام الإمام ابن القيّم ◌َّتُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أعطى الإمام ابن القيّم تَّهُ هذه المسألة حقّها من التحقيق، والاستقصاء في الاستدلال، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، فجزاه الله تعالى خيراً . وخلاصة البحث أن الصواب وجوب القصاص في الطعنة، واللطمة، والجبْذة، ونحوها؛ لعموم الأدلّة، وعَمَل الخلفاء الراشدين، وجمهور السلف بذلك، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((تهذيب السنن)) ١٧٥/١٢ - ١٨٠. من هامش ((عون المعبود)). ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ: فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً. ٤ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله الأوديّ الكوفيّ، تقدّم أيضاً قريباً. و«شعبة)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه، ساقها النسائيّ تَكّْتُهُ في ((المجتبى))، فقال: (٤٧٧٩) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، أن يهوديّاً رأى على جارية أوضاحاً، فقتلها بحجر، فأُتي بها النبيّ وََّ، وبها رَمَقٌ، فقال: ((أقتلك فلان؟))، فأشار شعبة برأسه يحكيها أن لا، فقال: ((أقتلك فلان؟))، فأشار شعبة برأسه يحكيها أن لا، قال: ((أقتلك فلان؟))، فأشار شعبة برأسه يحكيها أن نعم، فدعا به رسول الله ◌َ، فقتله بين حجرين. انتهى(١). وأما رواية عبد الله بن إدريس، عن شعبة هذه فقد ساقها البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٦٤٨٣) - حدّثنا محمد، أخبرنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن هشام بن زيد بن أنس، عن جدّه أنس بن مالك، قال: خرجت جارية عليها (١) ((سنن النسائي - المجتبى)) ٣٥/٨. ٢١١ (٣) - بَابُ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٥) أوضاح بالمدينة، قال: فرماها يهوديّ بحجر، قال: فجيء بها إلى النبيّ وَّ، وبها رَمَقٌ، فقال لها رسول الله وَّه: ((فلان قتلك؟»، فرفعت رأسها، فأعاد عليها، قال: ((فلان قتلك؟))، فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: ((فلان قتلك؟))، فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله وَل﴿، فقتله بين الحجرين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ، عَلَى حُلِيٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ، فَأَتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ نََّ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ (٢) حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، و((أنس ﴿به)) ذُكر في السند الماضي. وقوله: (أَنَّ رَجُلاً مِنْ الْيَهُودِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. وقوله: (قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ) قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن تكون الجارية أمة، ويَحْتَمل أن تكون حرّة، لكن دون البلوغ. وقوله: (عَلَى حُلِيٍّ لَهَا) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء التحتانيّة، جمع حَلْي - بفتح، فسكون - كثَدْيٍ وتُدِيّ، والأصل فُعُول، كفلس وقُلُوس؛ أي: لأجل زينتها، فـ((على)) بمعنى اللام. وفي رواية: ((أن يهوديّاً أخذ أوضاحاً من جارية))، و((الأوضاح)) بحاء مهملة: هي نوع من الْحُليّ تصاغ من الفضّة، سمّيت بها؛ لبياضها، واحدها وَضَحُ - بضمتين -، ولا يُعرف اسم الجارية. وقال في ((الفتح)): معنى: ((على أوضاح)): بسبب أوضاح، وهي بالضاد المعجمة، والحاء المهملة جمعُ وَضَحِ، قال أبو عُبيد: هي حليّ الفضّة. ونقل (١) ((صحيح البخاريّ)) ٢٥٢١/٦. (٢) وفي نسخة: ((فأمر أن يُرجَمَ)). ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ عياض أنها حليّ من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضّة؛ احترازاً من الفضّة المضروبة، أو المنقوشة. انتهى. وقوله: (ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ) - بفتح القاف، وكسر اللام -: البئر، وهو مذكّرٌ، قال الأزهريّ: القليب عند العرب: البئر العادِيّة القديمة، مَطويّةً كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ - بضمّتين - مثلُ بَرِيد وبُرُد، أفاده الفيّوميّ كَّفُهُ(١). وقوله: (وَرَضَخَ) بضاد، وخاء معجمتين، مبنيّاً للفاعل، وقد ذكر أهل اللغة أنه يقال أيضاً: رَضَح بالحاء المهملة، قال الفيّوميّ كَّلُهُ: رَضَحته رَضْحاً؛ أي : - بالحاء المهملة - من باب نَفَعَ، وهو كسره، ودقّه، كالنوى وغيره، ورَضَحتُ رأسه: إذا كسرته، والخاء المعجمة لغة فيهما. انتهى(٢). وفي رواية: ((رَضَّ رأس جارية))، والرضّ بالضاد المعجمة بمعنى الرضخ. وقوله: (رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ) وفي رواية: ((رضّ رأسها بين حجرين))، وفي رواية: ((رماها بحجر))، وفي رواية: ((رضخ رأسها))، قال في ((الفتح)): لا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنه يُجمع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر. انتهى. وقوله: (فَأُخِذَ) بالبناء للمفعول، وكذا قوله: (فَأَتِيَ به رسولُ الله ◌ِ). وقوله: (فَأَمَرَ بِهِ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر ◌َّه بقتل ذلك اليهوديّ، بعد أن اعترف بقتلها، كما بُيّن ذلك في الرواية الماضية. وقوله: (أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ) ببناء الفعل للمفعول. والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقَّتُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، تقدّم قبل باب. (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥١٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٨/١. (٣) - بَابُ تُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ، وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٧) ٢١٣ ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب. والباقيان ذكرا قبله. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن معمر، هذه ساقها أبو عوانة تَخُّْ في ((مسنده))، فقال : (٦١٣١) - حدثنا يوسف بن مسلم، قئنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك: أن رجلاً من اليهود قتل جارية من الأنصار، على حُلِيّ لها، ثم ألقاها في قَلِيب، وَرَضَخَ رأسها بالحجارة، فأمر النبيّ وَِّ أن يُرْجَم، حتى يموت، فَرُجِمَ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ، فَسَأَلُوهَا، مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟(٢) فُلَانٌ، فُلَانٌ، حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيّاً، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّم الإسناد نفسه في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف كَّتُهُ، وهو (٢٨٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (قَدْ رُضَّ) بالبناء للمفعول: أي: دُقّ رأسها، وكُسر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث المذكور أولَ الباب، ولله الحمد، والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((مسند أبي عوانة)) ٤/ ٩٢. (٢) وفي نسخة: ((من فعل بك هذا؟)). ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ (٤) - (بَابُ الصَّائِلُ(١) عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ، فَأَتْلَفَ نَفْسَهُ، أَوْ عُضْوَهَ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٣٥٨] (١٦٧٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى ابْنُ مُنْيَةَ، أَوِ ابْنُ أُمَيَّةَ رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ (٢)، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ - وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثَنِيَّتَيْهِ - فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ◌ََِّه فَقَالَ: ((أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُرَارَةَ) - بضمّ الزاي - ابن أوفى العامريّ الْحَرَشيَ، أبو حاجب البصريّ، ثقةٌ عابد [٣] مات فَجْأةً في الصلاة سنة (٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١. ٢ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) ◌َّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وفيه أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ زُرَارَةَ) - بضم الزاي المعجمة، ثم مهملتين: الأولى خفيفة، بينهما ألف، بغير همز - هو العامريّ، ووقع عند الإسماعيليّ في رواية عليّ بن الجعد: ((عن شعبة، أخبرني قتادة، أنه سَمِع زُرارة))، قاله في ((الفتح))(٣). (١) (بابٌ)) بالتنوين، الصائل مرفوع على أنه مبتدأ خبره جملة ((إذا))، ويَحْتمل أن يكون ((باب)) مضافاً إلى ((الصائل)). (٢) وفي نسخة: ((من فيه)). (٣) ((الفتح)) ١٦/ ٦١. ٢١٥ (٤) - بَابُ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٨) (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﴿َ، أنه (قَالَ: قَاتَلَ)؛ أي: ضارب (يَعْلَى ابْنُ مُنْيَةَ، أَوِ ابْنُ أُمَيَّةَ) ((أو)) للشكّ من الراوي، وهو: يعلى بن أَمّة بن أبي عبيدة بن همام التميميّ، حليف قريش، وهو: يعلى ابن مُنْية - بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانيّة مفتوحة - وهي أمه، صحابيّ مشهور، مات سنة بعض وأربعين، تقدّمت ترجمته في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٥٧٣/١. قال النوويّ تَخْتُ: أما ((مُنَية)): فبضم الميم، وإسكان النون، وبعدها ياء مثناة تحتُ، وهي أم يعلى، وقيل: جدته، وأما ((أمية)) فهو أبوه، فيصح أن يقال: يعلى بن أمية، ويعلى ابن منية. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((قاتل يعلى بن أمية - أو: ابن مُنْيَة - رجلاً)) كذا صواب هذا اللفظ، وصحيح مُنْيَة: بميم مضومة، ونون ساكنة، وياء باثنتين من تحتها. وهي امرأة، وبها كان يُعرف. واختُلِف فيها؛ هل كانت أمُّه، أو جدَّته؟ قال أبو الحسن الدارقطني: مُنْيَة بنت الحارث هي جدة يعلى، وبها كان يُعرف، قاله الزبير بن بكّار، وقال: أهل الحديث يقولون: هي أمُّه، وأنها مُنْيَة بنت غزوان، وقال الطبري: يعلى بن أمية، أمُّه: مُنْيَة بنت جابر. ومن قال: ((مُنَبِّه)) بنون مفتوحة، وباء مكسورة بواحدة تحتها فقد صحَّف؛ قاله القاضي عياض. قلت: ويُعرف أيضاً بأبيه، وقد صحّت نسبته إليهما في كتب الحديث، فمرة نُسب إلى أبيه، وهو: أميّة، ومرة نُسب إلى هذه المرأة. انتهى(٢). وقال في ((الفتح): و((مُنية)) التي نُسب إليها يعلى هنا هي أمه، وقيل: جدّته، والأول المعتمد، وأبوه - كما تقدم في الروايات - أمية بن أبي عُبيد بن همام بن الحارث التميميّ الحنظليّ، أسلم يوم الفتح، وشَهِد مع النبيّ وَِّ ما بعدها، كحُنين، والطائف، وتبوك. و((مُنية)) أمه - بضم الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية - هي بنت جابر عمةُ عتبة بن غَزْوان، وقيل: أخته. وذكر عياض أن بعض رواة مسلم صحَّفها، وقال: مُنَبِّه - بفتح النون، (١) ((شرح النوويّ)) ١٦٠/١١. (٢) ((المفهم)) ٣١/٥ - ٣٢. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وتشديد الموحدة - وهو تصحيف، وأغرب ابن وضاح، فقال: مُنْبِه - بسكون النون - أمه، وبفتحها، ثم موحدة أبوه، ولم يوافقه أحد على ذلك. انتهى (١). وقوله: (رَجُلاً) هو يعلى بن أمية المذكور، كما سيأتي بيانه. قال في ((الفتح)) ما حاصله: في رواية محمد بن جعفر، عن شعبة عن زُرارة، عن عمران عند مسلم، والنسائيّ: ((قال: قاتل يعلى بن أمية رجلاً، فعضّ أحدهما صاحبه .. )) الحديث، قال شعبة: وعن قتادة عن عطاء وهو ابن أبي رباح عن ابن يعلى؛ يعني: صفوان، عن يعلى بن أمية، قال مثله، وكذا أخرجه النسائيّ من طريق عبد الله بن المبارك، عن شعبة بهذا السند، فقال في روايته: بمثل الذي عضّ، فَنَدَرَت ثنيّته .. الحديث، ولشعبة فيه سند آخر إلى يعلى، أخرجه النسائيّ من طريق ابن أبي عدي، وعن عُبيد بن عقيل كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن يعلى. ووقع في رواية عُبيد بن عُقيل: ((أن رجلاً من بني تميم، قاتل رجلاً، فعضّ يده))، ويستفاد من هذه الرواية، تعيين أحد الرجلين المبهمين، وأنه يعلى بن أمية. وقد روى يعلى هذه القصة، فبَيَّنَ في بعض طرقه، أن أحدهما كان أجيراً له، ولفظه: ((غزوت مع رسول الله وَ ﴾))، فذكر الحديث، وفيه: ((فاستأجرت أجيراً، فقاتل أجيري رجلاً، فعضّ الآخر))، فعُرف أن الرجلين المبهمين، يعلى وأجيره، وأن يعلى أبهم نفسه، لكن عيَّنه عمران بن حصين. قال الحافظ: ولم أقف على تسمية أجيره، وأما تمييز العاضّ من المعضوض، فوقع بيانه عند البخاريّ في ((غزوة تبوك)) من ((المغازي)) من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، في حديث يعلى، قال عطاء: فلقد أخبرني صفوان بن يعلى، أيّهما عض الآخر، فنسيته، فظن أنه مستمرّ على الإبهام، ولكن وقع عند مسلم، والنسائيّ من طريق بُدَيل بن ميسرة، عن عطاء، بلفظ: ((أن أجيراً ليعلى ابن منية، عَضّ آخر ذراعه))، وأخرجه النسائيّ أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، بلفظ: ((فقاتل أجیري رجلاً، فعضه الآخر))، ويؤيده ما أخرجه النسائيّ من طريق صفوان بن عبد الله، عن عميه: سلمة بن أمية، ويعلى بن (١) ((الفتح)) ١٦/ ٦٥ رقم (٦٨٩٢). ٢١٧ (٤) - بَابٌ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٨) أمية، قالا: ((خرجنا مع رسول الله وَليل، في غزوة تبوك، ومعنا صاحب لنا، فقاتل رجلاً من المسلمين، فعضّ الرجل ذراعه))، ويؤيده أيضاً رواية عُبيد بن عُقيل عند النسائيّ بلفظ: ((أن رجلاً من بني تميم، قاتل رجلاً، فعضّ يده))، فإن يعلى تميمي، وأما أجيره فإنه لم يقع التصريح بأنه تميميّ، وأخرج النسائي أيضاً من رواية محمد بن مسلم الزهريّ، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، نحو رواية سلمة، ولفظه: ((فقاتل رجلاً، فعضّ الرجل ذراعه، فلمّا أوجعه نترها»، وعُرف بهذا أن العاضَّ هو يعلى بن أمية، ولعل هذا هو السر في إبهامه نفسه. وقد أنكر القرطبي أن يكون يعلى هو العاضّ، فقال: يظهر من هذه الرواية أن يعلى هو الذي قاتل الأجير، وفي الرواية الأخرى: أن أجيراً ليعلى عضَّ يد رجل، وهذا هو الأولى، والأليق؛ إذ لا يليق ذلك الفعل بيعلى، مع جلالته وفضله. قال الحافظ: لم يقع في شيء من الطريق أن الأجير هو العاضّ، وإنما التبس عليه أن في بعض طرقه عند مسلم - كما بيَّنته -: ((أن أجيراً ليعلى عض رجل ذراعه))، فجوَّز أن يكون العاضّ، غير يعلى، وأما استبعاد أن يقع ذلك من يعلى مع جلالته، فلا معنى له، مع ثبوت التصريح به في الخبر الصحيح، فَيَحْتَمِل أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه، فلا استبعاد. وقال النووي: وأما قوله - يعني: في الرواية الأولى -: ((أن يعلى هو المعضوض))، وفي الرواية الثانية، والثالثة: ((المعضوض هو أجير يعلى، لا يعلى))، فقال الحفاظ: الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى، لا يعلى، قال: ويَحْتَمِل أنهما قضيتان جرتا ليعلى، ولأجيره في وقت، أو وقتين، وتعقبه شيخنا - يعني: الحافظ العراقيّ - في ((شرح الترمذيّ)) بأنه ليس في رواية مسلم، ولا رواية غيره، في الكتب الستة، ولا غيرها: أن يعلى هو المعضوض، لا صريحاً، ولا إشارةً، وقال شيخنا: فيتعيَّن على هذا أن يعلى هو العاضّ، والله أعلم. قال الحافظ: وإنما تردد عياض، وغيره في العاضّ، هل هو يعلى، أو آخر أجنبي؟ كما قدمته، من كلام القرطبيّ، والله أعلم. انتهى (١). (فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)؛ أي: أمسكها بأسنانه، يقال: عَضِضْتُ اللُّقمةَ، (١) ((الفتح)) ٦١/١٦ - ٦٣، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٢). ٢١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وبها، وعليها عضّاً: أَمْسَكَهَا بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكنٌ، ومن باب نفع لغةٌ قليلةٌ، وفي ((أفعال ابن القَطّاع)) من باب قَتَل: وعضّ الفرسُ على لجامه، فهو عَضُوضٌ، مثلُ رَسُول، والاسم العِضِيضُ، والْعِضَاض بالكسر، ويقال: ليس في الأمر مَعَضُّ؛ أي: مُستَمْسكٌ، ومنه قوله وَله: ((عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عَضُوا عليها))؛ أي: الزموها، واستمسكوا بها، قاله الفيّوميّ دَخَذّهُ(١). وقال المجد نَّتُهُ: عَضِضْته، وعَضِضْتُ عليه، كسَمِعَ، ومَنَعَ. انتهى. لكن تعقّبه الشارح نقلاً عن شيخه، فقال: وزنه بـ((منَعَ)) وَهَمُ؛ إذ الشرط غير موجود(٢)، كما في ((الناموس))، إلا أن يُحمل على تداخل اللغتين. انتهى، ثم أطال البحث فيه، ثم قال أخيراً: فالصواب الذي لا محيد عنه أنه من باب سَمِعَ فقال. انتهى(٣)، وهو بحث مفيد، فتنبّه. (فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ) وفي بعض النسخ: ((من فيه))، وهذه لغة في الفم، وهي من الأسماء الستة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجرّ بالياء، كما قال ابن مالك تَظّثُ في ((الخلاصة)): وَاجْرُرْ بَيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ و ((الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ (أَبٌ)) ((أَخْ)) ((حَمٌ)) كَذَاكَ و((هَنُ)) وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ وَفي ((أَبٍ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ وفي رواية: ((عَضّ ذراع رجل، فجذبه))، وفي رواية للبخاريّ: ((فعَضّ إصبع صاحبه، فانتزع إصبعه)). قال الحافظ وثّثُ: وفي الجمع بين الذراع والإصبع عُسْر، ويبعد الحمل على تعدد القصّة؛ لاتحاد المخرج؛ لأن مدارها على عطاء، عن صفوان بن يعلى، (١) ((المصباح المنير)) ٤١٥/٢. (٢) لأن شرط ما يأتي من باب فَعَلَ يَفْعَل ـ بفتح العين فيهما - أن يكون عين فعله، أو لامه واحداً من أحرف الحلق الستة، كما هو معروف في كتب الصرف، فتنبّه. (٣) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٥٤/٥ _ ٥٥. ٢١٩ (٤) - بَابُ الصَّائِلُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، أَوْ عُضْوِهِ، إِذَا دَفَعَهُ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٥٨) عن أبيه، فوقع في رواية إسماعيل ابن عليّة، عن ابن جريج، عنه: ((إصبعه))، وهذه في البخاريّ، ولم يسق مسلم لفظها، وفي رواية بُدَيل بن ميسرة، عن عطاء، عند مسلم، وكذا في رواية الزهريّ، عن صفوان، عند النسائيّ: ((ذراعه))، ووافقه سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، في رواية إسحاق بن راهويه، عنه. فالذي يترجح الذراع، وقد وقع أيضاً في حديث سلمة بن أمية، عند النسائيّ مثل ذلك، وانفراد ابن علية، عن ابن جريج بلفظ الإصبع لا يقاوم هذه الروايات المتعاضدة على الذراع، والله أعلم. انتهى (١). (فَتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ)؛ أي: أخرجها من فيه، و((الثنيّة)) من الأضراس: هي الأربع في مقدّم الفم: ثنتان من فوقُ، وثنتان من أسفل، قاله المجد تَظُّهُ(٢). وقوله: (وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثَنِيَّتَيْهِ) بَيّن به اختلاف شيخيه: محمد بن بشّار، ومحمد بن المثنى، فالأول قال في روايته: ((ثنّته)) بالإفراد، والثاني قال: ((ثنيّتيه)) بالتثنية، ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((فوقعت ثنيّتاه))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر بالتثنية، وللكشميهنيّ: ((ثناياه)) بصيغة الجمع، قال: وقد تترجح رواية التثنية؛ لأنه يمكن حمل الرواية التي بصيغة الجمع عليها، على رأي من يجيز في الاثنين صيغة الجمع، وردّ الرواية التي بالإفراد إليها، على إرادة الجنس. لكن وقع في رواية محمد بن بكر: ((فانتزع إحدى ثنيّتيه))، فهذه أصرح في الوحدة، وقول من يقول في هذا بالحمل على التعدد بعيد أيضاً؛ لاتحاد المخرج، ووقع في رواية الإسماعيليّ: ((فندرت ثنيته)). انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى ترجيح رواية: ((ثنيّته)) بالإفراد؛ فإنه لم يقع في روايات النسائيّ مع كثرتها، إلا بلفظ الإفراد، سوى رواية واحدة بالشكّ، ويؤيّد هذا أيضاً التصريح بها في رواية محمد بن بكر، حيث قال: ((فانتزع إحدى ثنيّتيه))، كما مرّ آنفاً، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ وََّ) وفي رواية البخاريّ: ((فاختصموا إلى النبيّ ◌ِّ)» بصيغة الجمع، قال في ((الفتح)): كذا في هذا الموضع، والمراد يعلى، (١) ((الفتح)) ٦٣/١٦، كتاب ((الديات)) رقم (٦٨٩٢). (٢) ((القاموس المحيط)) ص١٨٣. (٣) ((الفتح)) ١٦/ ٦٣. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب القسامة، والمحاربين، ... إلخ وأجيره، ومن انضم إليهما، ممن يلوذ بهما، أو بأحدهما، وفي الرواية الآتية: ((فُرُفِع إلى النبيّ وَ ﴿))، وفي رواية ابن سيرين الآتية: ((فاستعدى رسول الله وَآ))، وفي رواية: ((فأنطلق))، وفي لفظ: ((فأتى))، وفي لفظ: ((فأتيا)). (فَقَالَ) وَرِ ((أَيَعَضُّ) - بفتح أوله، والعين المهملة، بعدها ضاد معجمة ثقيلة - وفي رواية: ((يَعْمِد أحدكم إلى أخيه، فيعضّه))، وأصل عَضَّ عَضِضَ بكسر الأولى، يَعْضَض، بفتحها، فأدغمت، قاله في ((الفتح)) (١). (أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟) وفي حديث سلمة: ((كعضيض الفحل»، وهو بالحاء المهملة: الذِّكر من الإبل، ويُطلَق على غيره من ذكور الدوابّ، وفي رواية هشام بن معاذ الآتية: ((أردت أن يقضمها - بسكون القاف، وفتح الضاد المعجمة، على الأفصح - كما يقضم الفحل))، من القضم، وهو الأكل بأطراف الأسنان، والخضم - بالخاء المعجمة، بدل القاف ـ: الأكل بأقصاها، وبأدنى الأضراس، ويُظْلَق على الدّقّ والكسر، ولا يكون إلا في الشيء الصُّلْب، حكاه صاحب ((الراعي)) في اللغة، قاله في ((الفتح))(٢). وقال في ((اللسان)): القضم: الأكل بأطراف الأسنان، والأضراس، وقيل: هو أكل الشيء اليابس، والخَضْمُ: الأكل بجميع الفم، وقيل: هو أكل الشيء الرطب، والقضم دون ذلك، وقولهم: يُبْلغ الخَضْمُ بالقضم؛ أي: أن الشَّبْعَة قد تُبْلغ بالأكل بأطراف الفم، ومعناه: أن الغاية البعيدة قد تُدرَك بالرفق، قال الشاعر [من الطويل]: تَبَلَّغْ بِأَخْلَاقِ النِّيَابِ جَدِيدَهَا . وبِالْقَضْم حَتَّى تُدْرِكَ الْخَضْمَ بِالْقَضْمِ (لَا دِيَةَ لَهُ))) في رواية الكشميهنيّ في البخاريّ: ((لا دية لك))، ووقع في رواية هشام بن معاذ: ((فأبطله، وقال: أردت أن تأكل لحمه))، وفي حديث سلمة: ((ثم تأتي تلتمس العقل، لا عقل لها، فأبطلها))، وفي رواية ابن سيرين الآتية: ((فقال رسول الله وَله: ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يَدَعَ يده في فيك، تقضمها كما يقضم الفحل، ادفع يدك حتى يعَضّها، ثم انزعها))، كذا لمسلم، وعند أبي نعيم في ((المستخرج)) من الوجه الذي أخرجه مسلم: ((إن شئت (١) ((الفتح)) ١٦/ ٦٤. (٢) ((الفتح)) ٦٤/١٦.